تحوّلات واحتجاجات على امتداد أميركا اللاتينية

المسؤولية تتقاسمها الأخطاء السياسية الاقتصادية... وسياسات صندوق النقد الدولي

تحوّلات واحتجاجات على امتداد أميركا اللاتينية
TT

تحوّلات واحتجاجات على امتداد أميركا اللاتينية

تحوّلات واحتجاجات على امتداد أميركا اللاتينية

«لن تتوقّف الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية طالما تصرّ الحكومات على خدمة مصالح حفنة ضئيلة، وعلى حساب الأكثريّة»... هذه هي الخلاصة التي وصلت إليها الباحثة السياسية التشيلية مارتا لاغوس، وهي من أبرز الخبراء في أوضاع أميركا اللاتينية، في الدراسة المفصّلة التي أعدتها أخيراً بتكليف من الأمم المتحدة حول سلسلة الاضطرابات الاجتماعية التي تعصف منذ فترة بدول أميركا اللاتينية، من أفقرها إلى أغناها.
واليوم تطول قائمة البلدان التي تجتاحها الاحتجاجات العنيفة والأزمات السياسية على امتداد رقعتها، فتزداد وتتسّع بشكل لافت وبسرعة منذ فترة، بغضّ النظر عن اللون السياسي الحاكم فيها. ونظراً لطبيعة الاحتجاجات الشعبية، ولتزامن هذه الاضطرابات مع عودة اليسار إلى بعض المواقع التي كان قد خسرها منذ أواخر العقد الماضي، ثمّة مَن يرى وراء هذا الحراك الشعبي الواسع يد النظام الفنزويلي، مدعوماً من كوبا وبعض الجهات الخارجية، كما لمّحت أخيراً مصادر رسميّة ويمينية في الإكوادور وتشيلي.
في الحقيقة، ليست سهلة القراءة في أسباب هذه الاضطرابات التي تعمّ منطقة تضمّ أكثر من 20 دولة ويعيش فيها 600 مليون نسمة، وتتفاوت كثيراً من حيث مستويات النمو بين بعضها. إلا أن القواسم المشتركة، في الوقت الحاضر، بين كل هذه الأزمات... هي الخيبات العميقة التي يشعر بها المواطنون والتطلعات الكثيرة التي لم تتحقق منذ عقود والفشل البيّن للسياسات الاقتصادية، وبالأخصّ الليبرالية منها، في إنهاض المجتمعات من الفقر وتوزيع الثروات، ناهيك عن السخط المتزايد على الطبقة السياسية وفسادها.
خلال الأسابيع الأخيرة وحدها، شهدت بوليفيا، المحكومة من رئيس يساري، مواجهات عنيفة بين أجهزة الأمن والمتظاهرين الذين كانوا يحتجون على انعدام نزاهة الانتخابات الرئاسية. وفي تشيلي، التي يحكمها رئيس يميني، خرج أكثر من مليون مواطن يطالبون بتوزيع عادل للثروات وتحقيق العدالة الاجتماعية. أما الإكوادور؛ حيث انقلب رئيسها على داعميه اليساريين، ليتبنى سياسات ليبرالية يمينية، فكادت تشتعل عندما قررت الحكومة إلغاء الدعم على أسعار المحروقات. وعبر الحدود، في البيرو، أعلن رئيس الجمهورية مارتين فيزكارّا، (يمين وسط) حل البرلمان بعد أزمة سياسية مديدة أسفرت عن انتحار رئيس سابق وسجن ثلاثة آخرين بسبب الفساد.
في هذه الأثناء، في جزر الكاريبي وأميركا الوسطى، خرج سكّان هاييتي غاضبين إلى الساحات احتجاجاً على الشحّ في المحروقات والنقص في المواد الغذائية، كذاك خرجت في هندوراس مظاهرات حاشدة تطالب الرئيس بالتنحّي بعد إحالة شقيقه إلى المحاكمة بتهمة الاتجار بالمخدرات في الولايات المتحدة. ومن ثم، فالأسئلة مفتوحة حول البلد التالي على قائمة الاضطرابات التي لا مؤشر على قرب نهايتها.
تقول الباحثة لاغوس، في دراستها التحليلية، إن «مشهد الاحتجاجات الشعبية العنيفة يتعارض، في ظاهره، مع تطوّر النظم الديمقراطية وترسيخها خلال العقد المنصرم في أميركا اللاتينية، قبل انفجار الأزمتين في فنزويلا ونيكاراغوا». وتؤكد أن المظاهرات لن تتوقّف في ظل ازدياد الاستياء الشعبي من أداء النخبة الحاكمة، وقلة التجاوب مع المطالب الاجتماعية «لأنه ليست الحكومات التي تفشل، بل هي الدول».
- ليس وليد المصادفة
انتشار الاحتجاجات الشعبية والأزمات السياسية في العديد من بلدان أميركا اللاتينية ليس وليد المصادفة، بل هو الثمرة الطبيعية لظاهرة اجتماعية متزامنة في هذه البلدان. ومردّه إلى أن الحكومات، في معظم الدول الأميركية اللاتينية التي نجت من تداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2008، وحققت نمواً اقتصادياً مطرداً في السنوات العشر المنصرمة، لم تولِ الاهتمام الكافي لمعالجة الفوارق الاجتماعية الحادة التي كانت تعتمل في رحمها هذه الأزمات. بل، هي اكتفت بتمويه الفقر تحت قناع أرقام الاقتصاد الكلّي.
بداية هذه الاحتجاجات كانت في البرازيل؛ حيث يتوقّع المراقبون أنها لم تبلغ بعد ذروتها المرتقبة. ومن هناك راحت تنتشر بسرعة أمام انسداد آفاق التغيير، وارتفاع وتيرة المطالب الشعبية في مجتمعات منفتحة وواعية وقادرة على التواصل السريع وتنظيم صفوفها وتحركاتها. وراهناً، تتزامن هذه الاحتجاجات مع أفول النظم الديمقراطية، وانكشاف فشل النخب السياسية وعجزها عن تلبية المطالب الاجتماعية للمواطنين... الذين يطالبون أيضاً بديمقراطية أفضل، ويثورون على الفساد المتفشي في مؤسسات الدولة. ولقد بات واضحاً أن معدّلات النمو الاقتصادي المرتفعة وأرقام الاقتصاد الكلّي لم تعد كافية لتمويه إخفاق جميع الدول الأميركية اللاتينية، باستثناء الأوروغواي، في ضمان الحقوق الاجتماعية الأساسية لمواطنيها، مثل التعليم والعناية الصحيّة والأجور والمعاشات التقاعدية الكريمة.
وتفيد دراسة وضعتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأميركا اللاتينية، أن 70 في المائة من مواطني المنطقة يعتبرون أن الحكومات تخدم مصالح أقليّة من المواطنين، وأن الفساد أصبح مستشرياً في معظم البلدان، ما يؤدي إلى تدمير الثقة بالنظم الديمقراطية. مع الإشارة، إلى أن الدراسة تفيد بأن المجتمعات لا تطالب بعودة الأنظمة العسكرية، بل بأداء أفضل للديمقراطية.
- من أخطاء الحكومات
من الأخطاء التي تقع فيها الحكومات أحياناً، أنها تتأخر أو تتلكأ، في استخلاص العِبرة من الاحتجاجات والتراجع عن مواقفها، أو المبادرة بحلول سريعة للمشكلات المتفاقمة. وكمثال، احتاج رئيس الإكوادور لينين مورينو، نحو 13 يوماً، قبل أن يدرك بأن عليه سحب قراره إلغاء الدعم على سعر المحروقات. والرئيس التشيلي (الثري جداً) سيباستيان بينييرا، تأخر سبعة أيام قبل أن يعتذر من مواطنيه، ويسحب حزمة التدابير الاقتصادية التي أشعلت فتيل الأزمة. ولا شك، في أن تراجع الحكومات أمام الضغط الشعبي يدفع بالجماهير نحو المزيد من الاحتجاجات، وذلك لعلمها بأن الاحتجاج هو السبيل الوحيد المتاح لإجبار الحكومات على التراجع وتحقيق المطالب.
ثم إن ما يميّز الأزمات التي تشهدها أميركا اللاتينية، في هذه المرحلة، أنها ليست ناجمة عن انعدام الحرّيات أو ضيق مساحات التعبير، كحال بعض بلدان العالم الثالث الأخرى. إذ إن الحريات السياسية والاجتماعية متوافرة، والمستوى الديمقراطي الذي بلغته المنطقة، خلال العقدين المنصرمين، لم تشهد مثله في تاريخها، باستثناء انتكاستين كبيرتين في فنزويلا ونيكاراغوا. غير أن هذه الحريّات لم تنتج أنظمة ديمقراطية فاعلة، بل، بقيت مؤسسات الدولة عاجزة عن التجاوب مع طموحات المواطنين وتلبية احتياجاتهم الأساسية.
- معالم أزمة اليسار
ومن المفارقات اللافتة في هذه الأزمات أن الأحزاب اليسارية التي كانت منذ 10 سنوات تسيطر على الحكم من البرازيل إلى الأرجنتين، ومن بوليفيا إلى الإكوادور والأوروغواي، ناهيك من كوبا وفنزويلا، تتحمّل قدراً كبيراً من مسؤولية اختمارها... وفي طليعة الأسباب بعض السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي انتهجتها، والفساد الذي استشرى على عهدها، وعجزها عن تجديد قياداتها ومواكبة التطور السريع في مجتمعاتها.
وحقاً، في معسكر اليسار، جدّد الرئيس إيفو موراليس، حكمه في بوليفيا بولاية رابعة حتى عام 2025، وفي الأرجنتين عادت الرئيسة السابقة كريستينا كيرشنر (البيرونية اليسارية)، نائبة للرئيس هذه المرة، بعد ولايتين لها وأخرى لزوجها... وحزمة من الملاحقات القضائية بتهم الفساد المالي وسوء استخدام السلطة، أدت إلى تمكن اليمين من تولي الحكم عبر موريسيو ماكري حتى هزيمته في الأسبوع الماضي. وفي الأوروغواي حافظت «الجبهة العريضة» (يسار) على السلطة التي وصلتها في عام 2005، لكن من دون قادتها التاريخيين مثل الرئيس الحالي تاباري فازكيز، وسلفه خوسيه موخيكا. وحالياً، تمتدّ هذه الظاهرة إلى بلدان يسعى فيها اليسار للعودة إلى السلطة وتجديد قياداته، مثل البرازيل وتشيلي، وأخرى يحكم فيها اليسار ويتخبطّ في أزمة خانقة مثل كوبا وفنزويلا.
رئيس الأوروغواي السابق خوسيه موخيكا، الذي كان رمزاً للنزاهة والمناقبيّة في الحكم والحياة الشخصية، أكد «أن تجديد القيادات اليسارية في أميركا اللاتينية حاجة ملحّة، لكنه بعيد الاحتمال في المستقبل القريب المنظور». ويعزو البعض ذلك إلى أن معظم القيادات اليسارية التي وصلت إلى سدّة الرئاسة أخيراً في أميركا اللاتينية، كانت تنتظر فرصتها منذ سنوات طويلة تعرّضت خلالها للقمع والاضطهاد وهزائم انتخابية متكرّرة. من هؤلاء، آندريس مانويل لوبيز أوبرادور، الذي انتخب رئيساً للمكسيك في العام الماضي بعد محاولات ثلاث فاشلة، وفي البرازيل وصل لويس أيغناسيو لولا دا سيلفا إلى الرئاسة في محاولته الرابعة، بعدما كان زعيماً نقابياً، وأدخل السجن عام 1980 لتحريضه على إضراب إبّان الحكم العسكري. موخيكا، نفسه، أمضى 14 سنة في السجن، وتعرّض للتعذيب على يد النظام العسكري بسبب انتمائه إلى ثوّار «التوبامارو»، والرئيس البوليفي موراليس - وهو من شعب الآيمارا - أمضى سنوات في الاعتقال لكونه زعيماً لنقابة مزارعي الكوكا قبل أن يصبح أول رئيس من السكّان الأصليين لبوليفيا. أيضاً هوغو تشافيز، رئيس فنزويلا السابق الراحل والضابط السابق في الجيش، سُجن عامين لقيامه بمحاولة انقلاب في فنزويلا، ثم انتخب رئيساً لفنزويلا عام 1998 وحكم حتى وفاته في عام 2013.
هذه المسارات الطويلة والمتعرّجة حتى السلطة، جعلت من هذه القيادات المخضرمة الخيار الوحيد المتاح، وغدت كالشجر العتيق الذي لا ينبت شيء في ظلّه. وبالتالي، عندما وصلت هذه القيادات إلى السلطة، فإنه لم تعد تفكّر في استنباط الآليّات اللازمة لتجديدها، بل صارت الزعامات اليسارية أيضاً محصورة في شخص واحد، على غرار الزعامات الإقطاعية التقليدية في أميركا اللاتينية التي يطلق عليها مصطلح «كاودييو» (Caudillo)، فصار الشعب أكثر ديمقراطية من النُخب... بينما تلوّث اليسار أيضاً بفقدان الديمقراطية.
وحقاً، محاولات التجديد في قيادات المعسكر اليساري ما زالت خجولة جداً، ولا تعدو كونها خروجاً عن قاعدة راسخة، مثل انتخاب المرشّحة اليسارية عن حزب «التحالف الأخضر» كلاوديا لوبيز، منذ أسبوع رئيسة لبلدية بوغوتا، عاصمة كولومبيا، ثاني كبرى دول أميركا الجنوبية بعد البرازيل. ويشكّل وصول لوبيز إلى هذا المنصب، الذي يُعتبر الثاني من حيث الأهمية في البلاد بعد منصب رئيس الجمهورية، اختراقاً رمزياً لافتاً في بلد تتعاقب على حكمه النُخب السياسية، الليبرالية والمحافظة منذ عقود، خصوصاً أنها مثليّة جنسياً، بجانب كونها أكاديمية تنتمي إلى وسط اجتماعي متواضع.
في أي حال، معظم الأحزاب اليسارية في أميركا اللاتينية فشل، بعد وصوله إلى الحكم خلال العقود الأربعة الأخيرة، في إرساء سياسات اقتصادية وبرامج إنمائية تقلّص الفوارق الاجتماعية الصارخة التي تبلغ أرفع مستوياتها العالمية في هذه المنطقة. ونادراً ما تحققت على عهده إصلاحات تلبّي الاحتياجات الأساسية للطبقات الشعبية والعاملة. وبالنتيجة، انصرفت هذه الأحزاب في معظم الأحيان، لتغطية عجزها، إلى إلقاء اللوم على صندوق النقد الدولي والشروط التي فرضها ويفرضها ضمن برامج التعديل الهيكلي على اقتصادات المنطقة، كخفض العجز الضريبي عن طريق زيادة الضرائب، وإلغاء الدعم الرسمي على المواد الأساسية، وخفض أسعار العملات الوطنية.
ومع انتشار الاحتجاجات الشعبية، واتساع رقعتها في أميركا اللاتينية، لا بد من التذكير بأن الاضطرابات الاجتماعية كانت دوماً حاضرة في المشهد السياسي في هذه المنطقة. ثم إن ثمّة «ثقافة» تعبئة اجتماعية متجذّرة في هذه البلدان، يلجأ إليها المواطنون للضغط من أجل توسيع إطار الحرّيات العامة والحد من الفوارق الاجتماعية التي تبلغ مستويات قياسية في بلدان المنطقة.
أيضاً، تجدر الإشارة إلى أن هذه الاحتجاجات تتزامن مع تراجع في النمو الاقتصادي وتفاقم الأوضاع المعيشية. وتفيد تقارير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأميركا اللاتينية (سيبال)، بأن النمو الاقتصادي في المنطقة لن يتجاوز 0.2 في المائة عام 2020، مقابل 5.9 في المائة في آسيا، و3.2 في المائة في أفريقيا. كذلك، تفيد التقارير بأنه يعيش أكثر من 10 في المائة من سكّان هذه المنطقة في حال من الفقر المدقع، وهذه النسبة ترتفع باطراد منذ عام 2002، مع إصرار الحكومات، يسارية ويمينية، على تطبيق سياسات اقتصادية تعجز عن توفير فرص عمل إضافية، وتتجاهل ضرورة الحد من الفوارق الاجتماعية الصارخة التي تؤجج الاحتجاجات الشعبية، وتضرب صدقيّة النظم الديمقراطية ومؤسساته.
- دور صندوق النقد الدولي... وأخطاؤه ونجاحاته
> كان صندوق النقد الدولي يفرض شروطه الإقراضية على حكومات دول أميركا اللاتينية، يسارية كانت أو يمينية، لمواجهة الأزمات الاقتصادية الحادة التي كانت تؤدي إلى احتجاجات شعبية واسعة. وفي بعض الحالات إلى أزمات هدّدت الاستقرار السياسي في أكثر من دولة.
ومن الشواهد الأخيرة على ذلك، أزمة تشيلي، التي اندلعت في أعقاب إعلان الحكومة عن حزمة تدابير اقتصادية شملت رفع أسعار خدمات النقل العام، وأزمة الإكوادور التي نشأت عن قرار الحكومة إلغاء الدعم على أسعار المحروقات تلبية لشروط صندوق النقد، الذي انصبّت عليه الشعارات الاحتجاجية، مطالبة «بخروج» الصندوق من الإكوادور. ولقد ذكّر ذلك بأزمات سابقة، كتلك التي عاشتها فنزويلا مطلع تسعينيات القرن الماضي، والأرجنتين عام 2001، ونيكاراغوا في العام الماضي.
من جهته، صندوق النقد الدولي أقر بارتكابه أخطاء في تقديراته، وفي الشروط التي فرضها على بعض الدول الأميركية اللاتينية. ومن أبرز هذه الأخطاء ما حصل إبان الأزمة الأرجنتينية الكبرى مطلع العقد الماضي، عندما اضطرت الأرجنتين إلى إعلان أكبر عجز عن السداد في التاريخ النقدي بقيمة 93 مليار دولار أميركي، ما أدّى إلى أزمة اجتماعية وسياسية ما زالت أصداؤها تتردد إلى اليوم.
أيضاً، اعترفت إدارة الصندوق بأنها أخطأت في تقديراتها حول آفاق النمو الاقتصادي في الأرجنتين، وشروط سداد القرض، والتدابير التي فرضتها على السياسة النقدية، وبأن القرض الذي قدّمه الصندوق للأرجنتين من أجل دعم نظامها النقدي، كان من الأجدى استخدامه لتمويل برامج اجتماعية ومساعدتها على الخروج من هذا النظام الذي لم تعد قادرة على الاستمرار به.
وتفيد دراسة وضعتها دائرة التحليل الاستراتيجي في الصندوق، بأن القروض التي يمنحها «ليست هي أساس المشكلات التي تواجهها البلدان التي تلجأ إلى قروضه»، لكنها تقرّ بأن الصندوق لم يولِ العناية الكافية دائماً لتقويم كميّة ونوع الإصلاحات التي يفرضها. وهو ما أدى في بعض الحالات إلى تهميش فئات واسعة من السكّان، على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، وإضعاف شرعيّة النظم الديمقراطية.
وتذكّر الدراسة بأن صندوق النقد الدولي «لا يتدخّل إلا تجاوباً مع طلبات الحكومات التي عادة ترتكب الأخطاء نفسها، والتي تلجأ إلى صندوق النقد عندما تصل إلى شفير الهاوية، ولا يتبقّى أمامها سوى إعلان عجزها عن دفع رواتب الموظفين، وشلّ حركة الدولة».
ولكن تجدر الإشارة أيضاً إلى أن ثمّة حالات كان تدخّل صندوق النقد الدولي فيها ناجحاً، وساعد على الخروج من أزمات اقتصادية واجتماعية حادة. من هذه الحالات، في أميركا اللاتينية، تحديداً، القرض الذي قدّمه الصندوق بقيمة 30 مليار دولار أميركي للبرازيل في عام 2002، عندما كان هذا البلد غارقاً في القلق يتهيّأ لوصول اليساري «لولا» إلى الرئاسة. وساعد ذلك القرض - في حينه - على منع الانهيار النقدي والاقتصادي خلال المرحلة الأولى من انتقال السلطة، وبخاصة، بعدما اقتنع لولا بضرورة تعديل سياسته الاقتصادية وتحصين النظام النقدي في وجه أسواق المال.


مقالات ذات صلة

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

حصاد الأسبوع Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة

نظير مجلي ( القدس)
حصاد الأسبوع دمار غزة (آ ب)

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش

«الشرق الأوسط» (القدس)
حصاد الأسبوع الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)

فرنسا: خريطة جديدة بعد الانتخابات المحلية

شهدت فرنسا يومَي 15 و22 مارس (آذار) الحالي جولتَي اقتراع في الانتخابات البلدية، اللتين أدلى فيهما نحو 28 مليون فرنسي بأصواتهم لتجدِيد أكثر من 34 ألف مجلس بلدي.

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».