الموضة تستبدل بالجمال والأناقة خيارات صادمة

تصاميم تقتحم عالم الترف باسم «العملية» و«خالف تُعرف»

من عرض «فيتمون» لربيع وصيف 2019........ من عرض «غوتشي» لخريف 2018
من عرض «فيتمون» لربيع وصيف 2019........ من عرض «غوتشي» لخريف 2018
TT

الموضة تستبدل بالجمال والأناقة خيارات صادمة

من عرض «فيتمون» لربيع وصيف 2019........ من عرض «غوتشي» لخريف 2018
من عرض «فيتمون» لربيع وصيف 2019........ من عرض «غوتشي» لخريف 2018

لا يرتبط الجمال دوماً بالموضة، فللغرابة مكانتها أيضاً. هذا على الأقل ما تؤكده عروض ومبيعات دور الأزياء العالمية وكبار المصممين، ممن يحصدون كثيراً من الأرباح من وراء مفهوم «خالف تُعرف»، وفكرة أنه ليس هناك قُبح بالمطلق. اللافت في هذه الظاهرة أن الشباب تقبلوا هذه الاقتراحات بصدر رحب؛ بل وبلهفة، ولسان حالهم يقول بأنها وسيلة عصرية للتمرد على مفهوم الأناقة التقليدي.
مفهوم إخراج الجمال من رحم القُبح ليس جديداً، بقدر ما هو تحدٍّ يخوضه بعض المصممين الشباب، ممن يريدون استعراض قدراتهم. أكبر دليل على أنه ليس جديداً، يتجسد في عرض قديم لجون غاليانو، استعان فيه بأشخاص عاديين من الشارع، بعضهم بمقاسات غريبة، لا تمت للموضة بصلة. هناك أيضاً تصاميم طرحها كل من: «برادا»، و«سيلين»، و«بالنسياغا»، و«فالنتينو»، و«فندي»، وقبلهم الراحل ألكسندر ماكوين، لقت هوى في النفوس. الجديد في الأمر هو أن التحدي دخل مرحلة تجارية أكثر منها فنية، لخلق جدل فكري أو فني، بالتركيز على تصاميم، مثل صندل «كروكس»، وحقائب الخصر، أو تلك التي تُعلق على الكتف؛ لكنها بأحزمة قصيرة. تصاميم كانت تُثير التفكه أكثر من الإعجاب، على أساس أنها ترتبط بالسياح الأميركيين ممن تعدوا الخمسينات؛ لكنها تُطرح حالياً في الأسواق بأسعار باهظة. والغريب أن صغار السن يُقبلون عليها، ويُشجعون المصممين على طرح مزيد منها، بينما لا يترك أدنى شك في أن الاتجاه الحالي يتلخص في أنه كلما كان المُنتج غريباً ونشازاً، راج وانتشر على شبكات التواصل الاجتماعي.
فحقيبة الخصر من تصميم دار «غوتشي»، مثلاً، تُشكل ما يقرب من ربع إجمالي مبيعات حقائب الحزام على موقع «نيت أبورتيه». كما بيعت جميع منتجات «بالنسياغا» من الأحذية الرياضية السميكة في غضون ساعات. وهو ما يطرح عدة أسئلة، يجيب عنها البعض بأنها قد لا تتمتع بأي نوع من الجمال المتفرد، ولكنها عملية ومريحة، والأهم من هذا تلفت الأنظار، مثل أحذية «آغ» (Ugg) و«بيركنستوك» (Birkenstocks) و«كروكس» (Crocs). أي تصاميم كانت إلى الأمس القريب ضمن لائحة المنتجات «القبيحة» في عالم الموضة؛ لكنها تسللت إليها من باب الراحة والعملية، وأيضاً من باب شبكات التواصل الاجتماعي. وتأكيداً على ذلك، تكشف الأرقام أن إيرادات أحذية «آغ» تجاوزت 400 مليون دولار في الربع الثاني من عام 2017، بينما تشهد أحذية «كروكس»، ومقرها ولاية كولورادو، ارتفاعاً في نسبة أرباحها قارب ملياراً إلى 1.2 مليار دولار سنوياً منذ عام 2011.
من ناحية أخرى، فإن صيحات الموضة تمر في دورات، لذلك فإن التي كانت مرفوضة من قبل تُصبح مقبولة من قِبل جيل آخر. فرغبة المستهلك في الجديد مفهومة، سواء كانت باستعمال حقيبة كحزام، أو بانتعال الأحذية الرياضية، وغيرها. المهم أن تلبي طلب المستهلك للراحة، وأيضاً لالتقاط صور يمكنهم عرضها عبر «إنستغرام» وشد الانتباه. في الماضي، وبالنسبة للجيل السابق، كان أحد عناصر جذبها يكمن فيما تمنحه من راحة، وأيضاً في أسعارها الرخيصة بالمقارنة مع غيرها؛ لكن شتان بين ما كانت عليه بالأمس وبين ما هي عليه اليوم، حين أصبح حذاء «كروكس» بتوقيع أي دار أزياء كبيرة يقدر بمئات الدولارات. واحد بتوقيع المصمم كريستوفر كاين، يباع بسعر 475 جنيهاً إسترلينياً (623 دولاراً) بينما يمكن أن تصل أسعار تصاميم مماثلة من بيوت أزياء أخرى إلى 600 جنيه إسترليني (791 دولاراً).
فالذكاء التجاري الذي برهن عليه صناع الموضة، هو نقل منتج كان يتعارض مع الموضة الراقية إلى منتج يُقبل عليه مواكبو الموضة وصرعاتها. ويجمع أغلب المراقبين على أن الأحذية تكون غالباً المدخل إلى عالم الأزياء «القبيحة». فالتعاون بين ماركة «فيتمون» و«ريبوك» مثلاً نتجت عنه أحذية رياضية تبدو أشبه بكائنات «معدلة وراثياً»، مع العلم بأن أحذية «بالنسياغا» الرياضية - المصنوعة باستخدام قوالب مأخوذة من أحذية الركض وكرة السلة والأحذية الرياضية – نفدت من على موقع «ستايل بوب.كوم» في غضون ساعات من طرحها، وهو ما يندر حدوثه في مجال الأحذية عموماً، حتى لو كانت من «كريستيان لوبوتان» أو «مانولو بلانيك»، وغيرهما.
وربما يُجسد «بيركنستوك» فكرة تحول القطع الشاذة في مجال الموضة إلى الصيحات الأكثر رواجاً. وكان هذا المد قد بدأت بوادره في الظهور عام 2012، بفضل الرؤية التي طرحتها فيبي فيلو في «سيلين»، واستلهمتها من تصاميم عملية أضفت عليها هندسية وابتكاراً تقبلته المرأة بسهولة. وقد نجحت «بيركنستوك» في استغلال هذا الأمر منذ ذلك الحين، بطرح إصدارات تشمل صنادل زينت وجوهها بجلود البقر، ونعالها من الفراء المبطن، وما شابهها. نسخة «بالنسياغا» التي تأتي باللونين الوردي والأصفر الفاقع، ومغطاة بدبابيس الزينة، مع نعل عملاق بطول 10 سنتيمترات، شُبهت بدمية «ميمي» بسبب غرابتها؛ لكنها نجحت في التسويق لنفسها. ويعتبر نجاحها دليلاً على أن الاتجاه مستمر. خلال العام الماضي، زادت العلامة التجارية إيراداتها ثلاث مرات إلى 750 مليون يورو (800 مليون دولار).
في العام الماضي، كشفت «بروجيكت بوكس» (Project Box) عن طرحها طرزاً محدودة الإنتاج. وعندما وصلت إلى «بارنيز» في نيويورك، جذبت آلاف العملاء الجدد إلى المتجر، وكان 30 في المائة من زوارها عملاء جدداً لـ«بارنيز». وعلى ما يبدو فإن أبناء الألفية الجديدة في نيويورك أو لندن يميلون إلى التصاميم نفسها التي ينجذب إليها مدرس يبلغ من العمر 60 سنة في ألمانيا. الفرق أنها في حالتهم تكتسب مظهراً يُعبر عن الموضة.
يقول المصمم كريستوفر كاين، الذي يتعاون مع الشركة منذ موسم ربيع وصيف 2017: إنه لا يشكك في أن «أحذية (كروكس) قبيحة؛ لكنها في الوقت ذاته رائعة بما تُوفره من راحة، وهذا هو بيت القصيد. وما يعجبني أنها لم تصمم لتلائم الأغنياء أو السيدات فقط. فها هي أختي ترتديها في حديقتها، وغيرها يرتديها في العواصم العالمية». ويشير كاين إلى أن تعاون «بالنسياغا» مع شركة «كروكس» سيجعل هذه الأحذية مقبولة.
يأتي حذاء «كروكس» الذي صممه كاين مع قطع أكسسوار قابلة للإزالة، وبأحجار متألقة على شكل دبابيس زينة، توضع على الجزء العلوي من المطاط، مثل الأقراط. وهذا الموسم ابتكر أيضاً نسخة مبطنة بالفراء تُباع حالياً على موقع «فارفيتش» (Farfetch). وهو ما قال إنه شجعه على إعادة تقديمها في تشكيلاته الأربع الأخيرة. ولا تعتبر هذه الموضة الوحيدة التي كان لكريستوفر كاين دور في رواجها بين الشباب، فقد سبق وأن أثار المصمم ضجة عام 2011، عندما طرح هذا التصميم لأول مرة على أساس أنه تصميم خاص بحمامات السباحة. وبالنسبة للبعض كان يجب ألا يخرج منها عوض الدخول إلى عروض الأزياء. وعن هذا قال كاين: «تعرضت لانتقادات كثيرة لنقلي هذه الأحذية إلى عالم الموضة الفاخرة.
اليوم، تطرح كل علامة تجارية كبرى طرازاً خاصاً بها من هذه الصنادل».
وعلى الرغم من عدم تأكيد «كروكس» ما إذا كانت مشروعات التعاون مع كاين قد عززت المبيعات؛ لكنها فتحت بالتأكيد أبواب البيع بالجملة في متاجر التجزئة التي تركز على الموضة، مثل «فارفيتش»، و«ماتشزفاشن.كوم» وغيرها من المواقع، وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة للنمو. بالنسبة لشركة «كروكس» فإن التعاون مع مصممي الأزياء يُفيدها بخلق إثارة هي في أمسِّ الحاجة إليها، بعد أن كانت شريحة زبائنها محدودة للغاية، ولا علاقة لهم بالموضة.
أما في مجال الأزياء، فلا تزال سراويل الجينز عالية الخصر وبقصة الأرجل المستقيمة، تتصدر قوائم التسوق للمستهلكين. ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى الحنين إلى الماضي. فكثير من الفتيات يشترين جينز «ليفي 501» الرجالي العتيق، الذي ابتكره ليفي ويدجيه جان منذ عقود. فقد تبين لهن أنه أفضل تصميم يتماشى مع أحذية الـ«بلاتفورم» العالية.
كانت دار «فيتمون» أيضاً ذكية في هذا المجال، فبنطلون الجينز المعدني المصنوع من زوجين من سراويل «Levi’s» القديمة التي تشتريها العلامة التجارية مقابل 30 يورو يباع في متاجر التجزئة بأكثر من 1000 جنيه إسترليني (1319 دولاراً). وحظي التصميم بشهرة كبيرة للغاية لدرجة أن الدار خصصت فريقاً لتوريد السراويل القديمة.
أما فيما يتعلق بحقائب الخصر، فهي دليل آخر على الحنين إلى الماضي. وهي الآن مفضلة لمرتادي المهرجانات والاحتفالات لعمليتها. في الوقت الحالي يملك موقع «أسوس» للتسوق الإلكتروني، أكثر من 100 إصدار، وذروة المبيعات تكون خلال أشهر الصيف، كونها مناسبة للسفر. وبالمثل، كان البحث عن هذا التصميم على موقع «غوغل»، الأكثر تكراراً ليصل إلى أعلى مستوى له هذا العام؛ خصوصاً بعد أن أعادت كل من «أوف وايت» و«غوتشي» تصميمها، مستعينة بالأقمشة الفخمة التي تشمل الجلد والحرير. ونتيجة لنجاحها، تُوفر «غوتشي» على موقعها أكثر من 20 تصميماً منها. ففي عالم تحكمه الصور وشبكات التواصل الاجتماعي، يُشكل كل ما هو غريب ولافت منتجاً مرغوباً؛ لأن أي دعاية حتى وإن كانت سلبية، أفضل من لا دعاية.



عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.