أنقرة متمسكة بشروطها للمشاركة في التحالف ضد «داعش» رغم صعوبة تحقيقها

مصادر تركية لـ {الشرق الأوسط}: الحوار مستمر مع واشنطن

سوريون ينقلون ما تبقى من أغراضهم المنزلية بعد أن دمرت قوات النظام منازلهم في منطقة الدخانية بدمشق أمس (رويترز)
سوريون ينقلون ما تبقى من أغراضهم المنزلية بعد أن دمرت قوات النظام منازلهم في منطقة الدخانية بدمشق أمس (رويترز)
TT

أنقرة متمسكة بشروطها للمشاركة في التحالف ضد «داعش» رغم صعوبة تحقيقها

سوريون ينقلون ما تبقى من أغراضهم المنزلية بعد أن دمرت قوات النظام منازلهم في منطقة الدخانية بدمشق أمس (رويترز)
سوريون ينقلون ما تبقى من أغراضهم المنزلية بعد أن دمرت قوات النظام منازلهم في منطقة الدخانية بدمشق أمس (رويترز)

تثير الشروط الثلاثة التي وضعتها تركيا للمشاركة في التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش»، تساؤلات حول النية الحقيقية لأنقرة المترددة في مواجهة التنظيم المتطرف والانضمام إلى التحالف الذي شكلته الولايات المتحدة لمحاربته على الرغم من نيل الحكومة التركية تفويضا من البرلمان بهذا الخصوص وارتفاع الضغوط الأميركية عليها للمشاركة في التحالف.
وفي حين تؤكد أنقرة أنها «لا تفرض شروطا تعجيزية» لتبرير عدم مشاركتها في الحرب، بطلبها إنشاء منطقة حظر طيران ومنطقة آمنة في الشمال السوري ودخول قوات برية الأراضي السورية وضرب النظام السوري بالتوازي مع ضرب «داعش»، بالإضافة إلى عدم تسليح الأكراد في العراق وسوريا، تقول مصادر رسمية تركية لـ«الشرق الأوسط» إن الحوار مستمر مع واشنطن، لكنه لم يصل إلى نتائج واضحة بعد. واعترفت المصادر بأن واشنطن لا تشارك أنقرة رأيها بضرورة المشاركة البرية في الحرب على التنظيم وغيره، لكنها أكدت أن الأمور لم تصل إلى طريق مسدود، عادّة أن «تركيا مستعدة لأنواع من التعاون، لكنها لا تريد أن تكون لمساهمتها في هذا التحالف أي فائدة للنظام السوري».
وكرر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أمس تأكيده أن «مواجهة الإرهاب بالطيران لا تكفي»، فيما شدد رئيس وزرائه أحمد داود أوغلو على ضرورة ألا يستفيد النظام السوري من ضرب «داعش». ويؤكد الباحث المتخصص في الشؤون التركية علي باكير لـ«الشرق الأوسط» أن تركيا جادة في سعيها لإنشاء منطقة آمنة، عادّا أن «موضوع اللاجئين في كل دول المنطقة بات يشكل قنبلة موقوتة، ولا بد من أخذ ذلك بعين الاعتبار.. هناك أكثر من مليون ونصف المليون لاجئ سوري وعراقي في تركيا يشكلون أخيرا ضغطا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وأمنيا ولا بد من أخذ ذلك بعين الاعتبار عند مطالبة تركيا بالتدخل في سوريا أو مع التحالف»، ورأى أن «الحل الوحيد هو إنشاء منطقة آمنة، مع حظر جوي، وإعادة هؤلاء إلى أراضيهم، وتمكين المعارضة من الدخول داخل سوريا والعمل على الأرض من هناك»، لكنه شدد على أنه «من دون تفويض دولي وغطاء أمني واتفاق مع التحالف لا يمكن تنفيذ هذه المنطقة الآمنة لأن الموضوع أكبر من أن تتحمله دولة واحدة مهما كانت قوتها»، وأعرب عن اعتقاده أن «الأتراك يحاولون حث الولايات المتحدة والتحالف الدولي على التحرك وأخذ مطالبهم بعين الاعتبار من أجل أن تدخل تركيا بقوة وفاعلية في المعركة الحالية».
أما في حال عدم التوافق على المنطقة العازلة، فإن تركيا «ستعمل بمنظور تقدير الأضرار، وتحاول أن تنشئ معادلة ردع مع القوى المختلفة داخل سوريا وستتصرف بالرد على كل تهديد لأمنها القومي بما يناسبه من تحركات».
ويقول أونال طانق، رئيس تحرير شبكة «روتا» للأخبار لـ«الشرق الأوسط» إن رفض البرلمان منح تفويض للقوات التركية للمشاركة في التحالف الدولي لاحتلال العراق في عام 2003 رفع قيمة تركيا المعنوية عند جميع شعوب الدول الإسلامية وليس الأنظمة، عادّا أن «ثمار هذا الرفض استغلته حكومة (العدالة) لعدة سنوات، لأن المذكرة كانت بمثابة عدوان على العراق بالنسبة للشعوب العربية والإسلامية». وأضاف: «اليوم المذكرة تتضمن العدوان على دولتي العراق وسوريا، وأعتقد أن الأبواب التي فتحت أمام تركيا من قبل الشعوب العربية والإسلامية عام 2003 بعد رفض المذكرة ستغلق الواحد تلو الآخر من الآن فصاعدا».
ورأى طانق أن عملية خطف الدبلوماسيين الأتراك في الموصل بالنسبة له «كانت عملية متفقا عليها بين الخاطفين ووزير الخارجية آنذاك أحمد دواد أوغلو، والدليل على هذا أن موضوع الدبلوماسيين نوقش قبل الهجوم على القنصلية من قبل أحد أعضاء البرلمان من الحركة القومية الذي طالب بإخلاء القنصلية فورا، فرد الوزير من منصة البرلمان بالقول: (اتخذنا جميع الاحتياطات اللازمة، ولن يصيب القنصلية والعاملين بها أي سوء). ولكن بعد كلمات داود أوغلو بأقل من 20 ساعة جرى الهجوم على القنصلية واختطف العاملون فيها، ثم أطلق سراحهم في فترة حرجة جدا من تاريخ المنطقة».
ورأى أن صمت تركيا ورفضها المشاركة في التحالف ليس بسبب الرهائن المختطفين بيد «داعش»، وإنما هو عبارة عن خطة ولعبة أعدت منذ زمن بين الأطراف الدوليين والحكومة التركية لاستغلالها لإيجاد الحجج لدخول تركيا التحالف، ومع الأسف أستطيع أن أقول إن خطف الرهائن وإطلاق سراحهم ما هو إلا سيناريو أعد ونفذ على مرأى ومسمع من الجميع». وشدد على أن الحكومة التركية على أهبة الاستعداد اليوم قبل الغد لدخول الأراضي السورية. وقال: «هدف الحكومة التركية واضح جدا؛ هي تحاول أن تدخل بعد أن تشترط على الولايات المتحدة الدخول بريا وإسقاط الأسد». وأضاف: «تركيا دخلت التحالف وتريد أن تقوم ببعض الخطوات تحت مظلة التحالف وعلى رأسها إسقاط نظام الأسد».
وقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إن «كوباني على وشك السقوط، طالبنا بضرورة إعلان منطقة حظر طيران، وإعلان منطقة آمنة موازية لتلك المنطقة، وبضرورة تدريب وتجهيز المعارضة المعتدلة في سوريا والعراق». وأضاف أردوغان في كلمة ألقاها أمام اللاجئين السوريين في المخيم المقام بقضاء إصلاحية بولاية غازي عنتاب جنوب تركيا: «مع الأسف، الغرب وقف متفرجا، وكذلك مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، فهم يتكلمون فقط، وعندما يأتي دور العمل لا نراهم ينتجون شيئا، كما أننا أنفقنا حتى الآن على اللاجئين في أراضينا أكثر من 4 مليارات دولار، فضلا عن نصف مليار دولار من المساعدات أرسلناها إلى سوريا والعراق، وأوصلناها إلى إخوتنا هناك دون التفريق في الدين أو العرق أو المذهب».
وذكر إردوغان أن بلاده حذرت نظام دمشق قبل اندلاع الاشتباكات في سوريا، إضافة إلى حكومة بغداد المركزية في العراق، معربا عن أسفه لعدم استجابة الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لتحذيراتهم.
وتوجه إردوغان بخطابه إلى الدول الغربية، بأن الضربات الجوية خلال مكافحة تنظيم «داعش» لا يمكن أن تحل المشكلة، قائلا إن «الغارات الجوية وحدها لا يمكنها أن تحل المشكلات، فقد ظهر تنظيم (داعش) الإرهابي، وتعاظمت قوته في سوريا، فهؤلاء يقولون: (الله أكبر) ويقتلون من يقول (الله أكبر) باسم الإسلام، فهل يمكن للمسلم أن يقتل أخاه المسلم بهذا الشكل؟». وأضاف: «لا يمكنكم القضاء على هذا الإرهاب عن طريق القصف الجوي فقط، لا يمكن إنهاء هذا العمل بعمليات جوية دون التعاون مع من يقوم بعمليات برية على الأرض». وأردف أردوغان: «أريد أن أخاطب العالم من جديد، ليس لتركيا أي مطامع في أراضي أحد، وتركيا مستعدة ومتيقظة لكل تهديد موجه إليها، فالبرلمان التركي منح الجيش تفويضا لمدة عام للقيام بما يلزم، وعلى وجه الخصوص الرد المباشر والحاسم على كل تهديد يتعرض له (ضريح سليمان شاه) في الأراضي التركية داخل سوريا».
من جهته، قال رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو: «إذا كانت هناك استراتيجية واضحة تضمن لنا حماية حدودنا بعد ظهور (داعش)، فنحن مستعدون لفعل كل ما في وسعنا من أجل ذلك». وأضاف: «نحن لا نريد أنظمة تدفع بالمواطنين صوب تركيا عند المنطقة الحدودية، ولا نريد للأنظمة الإرهابية الأخرى أن تكون مؤثرة في المنطقة، فلدينا استراتيجية قومية، وأحد المعايير الأساسية لهذه الاستراتيجية، المعيار الإنساني.. نحن نستقبل اللاجئين، ونريد في الجانب الآخر من الحدود سياسة إنسانية، كما أن لدينا استراتيجيات أخرى عسكرية وأمنية، ونحن مستعدون لاتخاذ كل التدابير الممكنة حالما يكون هناك أي تهديد يستهدف أمننا القومي».
ولفت داود أوغلو إلى أن «العمليات الجوية الأميركية في سوريا ضرورية، لكنها غير كافية، فهذه الغارات ضرورية من أجل عرقلة تقدم (داعش)، لكننا إذا لم نطور استراتيجية موحدة، فإننا حينما نقضي على ذلك التنظيم، من الممكن أن تحل محله تنظيمات أخرى جديدة».
واستطرد قائلا: «حينما اُستخدمت الأسلحة الكيميائية في سوريا طلبنا من الحلفاء رسميا اتخاذ مواقف صارمة ضد النظام السوري، وذلك لأن السياسات الطائفية التي انتهجها ذلك النظام تسببت في حدوث فراغ ملأه تنظيم (داعش)».
وعن سبب طلب تركيا فرض منطقة حظر جوي في سوريا، قال داود أوغلو: «لأن هذا يكفي، فتركيا استقبلت حتى الآن مليونا و600 ألف لاجئي على أقل تقدير، وهذا العدد مستمر في الزيادة كل يوم». وتابع: «لنفترض أننا قضينا على (داعش)، وهذا أمر صعب، لكننا سنفعله، ففي اليوم التالي سيشن النظام السوري غارات على حلب أو على غيرها من المدن، الأمر الذي سيؤدي بكل تأكيد إلى أزمة إنسانية. لذلك مطلبنا هو فرض منطقة حظر جوي، نريد منطقة آمنة بجوار حدودنا، وإلا فإن هذا الحِمل سيظل معلقا في عنق تركيا وغيرها من دول الجوار». وأشار إلى أن «تركيا سبق أن حذرت الغرب بشأن ارتفاع وتيرة التطرف في سوريا، فلقد سبق أن تحدثت حينما كنت وزيرا للخارجية مع نظرائي الغرب والأميركان، عن ارتفاع وتيرة التطرف جراء عدم التصدي للجرائم التي يرتكبها النظام السوري، حذرناهم في الوقت الذي لم يكن فيه (داعش)».
أما وزير الدفاع التركي عصمت يلماز، فقد كشف أن بلاده طلبت من حلف شمال الأطلسي (الناتو) إعداد خطط احترازية منذ بدء الأحداث في سوريا، و«بناء عليه، عمد الحلف إلى دراسة بدائل مختلفة، وأعد خطة لذلك، وسيجري تطبيق المادة الخامسة من ميثاق (الناتو) في حال الاعتداء على تركيا».
وفي المقابل، حذر الداعية الإسلامي فتح الله غولن من الزج ببلاده في حرب بالمنطقة. وقال الداعية المقيم في الولايات المتحدة، وتخوض الحكومة التركية حربا مع جماعته في البلاد: «أتمنى ألا يعيش هذا الشعبُ الحربَ العالمية الأولى مجددا، وأرجو الله ألا يعيد تلك المحنة على شعبنا. فالاتحاديون الذين انجروا وراء أهوائهم زجوا بالدولة العلية العثمانية في حروب سببت انهيارها في الحرب العالمية الأولى، وأتمنى ألا يعيش شعبنا حربا عالمية من جديد». وأضاف: «هناك أناس يحقدون عليكم ويتدخلون في مدارسكم ويحولون الدولة إلى دولة استخباراتية، وهم يعيشون اليوم خيبة أمل كبيرة. وأرجو من الله ألا يجعل البلاد ضحية مغامرة أناس ضعفاء مكبلي الأيدي والأرجل، ويخطئون في كل تطلعاتهم»، آملا ألا يجعل الله «هذه الأمة أمانة بأيدي الحمقى، لأن هذا الشعب لا يمكنه النهوض مجددا إذا تعرض للهزيمة ثانية».



اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.


أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
TT

أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

تتصاعد مخاوف من تنامي نفوذ الجماعات الإرهابية بالصومال في ظل فجوة التمويل الدولي لبعثة الاتحاد الأفريقي (أوصوم)، كان أحدثها تلك التي عبَّر عنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي دعا لتوفير دعم ثابت ومستدام.

تلك المخاوف الأممية تتزامن مع إمكانية سحب أوغندا قواتها من البعثة، وسبقتها مخاوف مصرية من تداعيات نقص التمويل.

ويرى خبير في الشؤون الصومالية والأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الأمر قد يقود لتراجع مكافحة الإرهاب، مما يعزز من فرص إعادة تمدد «حركة الشباب» المتشددة بالصومال، مؤكداً على أهمية التمويل وثباته في تلك المرحلة الانتقالية بهذا البلد الأفريقي المثقل بالأزمات.

وخلفاً لبعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية (أتميس)، التي انتهت ولايتها آخر 2024، بدأت بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

مطالبات أممية

وأمام قمة الاتحاد الأفريقي، السبت، حثّ غوتيريش المجتمع الدولي على توفير تمويل ثابت ومستدام لدعم بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، وآلية تمويل موثوقة لضمان فاعلية واستدامة البعثة في مواجهة التهديدات الأمنية، منتقداً مجلس الأمن الدولي لعدم اتفاقه على تمويل البعثة من خلال مساهمة إلزامية.

ووصف غوتيريش في كلمته مهمة الصومال بأنها اختبار لالتزام المجتمع الدولي بدعم عمليات حفظ السلام التي تقودها دول أفريقية، متسائلاً: «إذا كانت بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال لا تستحق الدعم الدولي، فمن الذي يستحقه إذن؟».

وأضاف غوتيريش أن الأمم المتحدة تجري مراجعة شاملة لعمليات حفظ السلام التابعة لها لضمان واقعية ولاياتها، وترتيب أولوياتها بشكل سليم، وتوفير التمويل الكافي لها، وأن تكون مصحوبة بخطة انتقال واضحة.

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن تصريحات غوتيريش حول أزمة تمويل بعثة دعم الاستقرار في الصومال تعكس قلقاً حقيقياً داخل الأمم المتحدة من أن ضعف التمويل قد يعرقل مسار مكافحة الإرهاب، خصوصاً في ظل استمرار تهديد «حركة الشباب».

وأضاف قائلاً إن عدم إلزامية المساهمات «يؤكد صعوبة التخطيط طويل المدى للعمليات الأمنية، واحتمال تقليص القوات كما رأينا من أوغندا أو الدعم اللوجيستي، وهذا قد يؤدي إلى إبطاء العمليات ضد الجماعات المسلحة، وخلق فراغات أمنية في بعض المناطق المحررة، وزيادة الضغط على القوات الصومالية».

وأكد وزير الخارجية وشؤون المغتربين الكيني، موساليا مودافادي، في سبتمبر (أيلول) 2025، أن البعثة تُواجه تحديات تمويلية جدية، ما يستدعي تضافر الجهود الدولية لتأمين موارد كافية تضمن نجاح مهامها في مكافحة الإرهاب.

ودعا مودافادي المجتمع الدولي إلى تقديم دعم مالي ولوجيستي مستدام للبعثة، لتمكينها من مواجهة التحديات الأمنية، وعلى رأسها تهديدات «حركة الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، وضمان انتقال تدريجي للمهام الأمنية إلى الحكومة الصومالية.

وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية. عقب استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بمدينة العلمين بشمال مصر.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا في أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

ولكن لم يصل إلا تمويل إضافي قليل للغاية، حيث وافق المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في يوليو (تموز ) 2025 على تمويل طارئ إضافي بقيمة 10 ملايين دولار لدعم بعثة «أوصوم»، على أساس أن هذا الدعم المالي «ضروري لتمكين بعثة الاتحاد الأفريقي من تلبية متطلباتها التشغيلية».

ويعتقد بري أن عدم الاستجابة للنداءات الأفريقية بشأن التمويل، يعززه تصريح غوتيريش، ويؤكد أن ثمة تأثيراً قد يحدث في الحرب ضد الإرهاب، محذراً من أنه حال استمر نقص التمويل سيقابله تقليل عدد القوات الدولية وتباطؤ العمليات الهجومية، ومنح «حركة الشباب» فرصة لإعادة تنظيم صفوفها.

ونبه إلى أن الصومال في مرحلة انتقالية حساسة، وأي ضعف في التمويل قد يعرقل نقل المسؤولية الأمنية بالكامل إلى القوات الصومالية.