رغم رفع الحظر الألماني... السودان يواجه الأسئلة الصعبة

كواليس اجتماعات ثنائية في برلين

TT

رغم رفع الحظر الألماني... السودان يواجه الأسئلة الصعبة

من المفاجآت التي أثارت دهشة وفد سوداني زار العاصمة الألمانية برلين الأسبوع الماضي، خلال جلسة استماع داخل البرلمان الألماني، أن قرار مقاطعة ألمانيا للحكومة السودانية صدر يوم 14 يونيو (حزيران) 1989؛ أي قبل الانقلاب العسكري الذي أتى بحكم الرئيس المعزول عمر البشير. ويتأهب البرلمان الألماني (بوندستاغ) لإصدار قرار خلال أسابيع قليلة يرفع بموجبه هذا الحظر عن السودان، فهل يعني ذلك تطبيع العلاقات رسمياً بين السودان وألمانيا، أكثر الدول تأثيراً في الاتحاد الأوروبي؟
نص قرار الحظر الذي مضى عيه 30 عاماً يقول: «الحكومة (الألمانية) الفيدرالية يمكنها الاستمرار في التعاون الشامل فقط في حالة استعادة السلام في كامل البلاد واتخاذ الحكومة السودانية الإجراءات الفعالة في احترام حقوق الإنسان. مشروعات التعاون الفني والشخصي المؤثرة مباشرة على الشعب بالإمكان مواصلتها...».
وبناء على هذا القرار، استمر التعاون الألماني في حدود دعم مشروعات النازحين بولايات دارفور وكسلا وتشييد مركز للتدريب المهني في الفاشر، المساعدات التي وصفت من المراقبين بأنها تستهدف كبح جماح الهجرة إلى أوروبا أكثر من مخاطبة القضايا الأكثر تأثيراً في أوضاع المواطنين.
ورغم أن قرار رفع الحظر بات متوافقاً عليه بين المكونات السياسية الرئيسية في البرلمان الألماني وأجيزت مسودة القرار في انتظار عرضها على البرلمان خلال أسابيع قليلة، فإن ذلك لا يعني عودة التعاون التنموي، فكثير من الحيثيات «الصادمة» كانت مطروحة من الجانب الألماني للوفد السوداني بصورة صريحة ومباشرة.
ففي اجتماع مشترك بمقر وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية ببرلين، قال الدكتور ستيفن أوسولد مدير إدارة أفريقيا: «نحن في حاجة لبناء الثقة»، وقدم حيثيات «الثقة» المطلوبة فيما يشبه الاستفسار عن دور المؤسسات الأمنية في القرار السياسي والنشاط الاقتصادي أيضاً.
وقبل أن يقدم الوفد السوداني الإجابات المناسبة، مضى المسؤول الرفيع الذي وُصف بأنه متخذ القرار الأول، قائلاً: «نحن لا نرمي أموالنا من النافذة في الهواء، لا بد من معالجة أمر (الثقوب السوداء) في السودان».
الأسئلة ذاتها تكررت في جلسة الاستماع بمقر البرلمان، إذ سأل برلماني ألماني عن وضع المؤسسات الأمنية ودورها في التأثير على القرار، وزاد عليها بسؤال عن وضع «الدين» في الدولة بعد سقوط النظام الذي وصف دولياً بأنه يمثل «دولة دينية» ترعى التطرف والإرهاب.
وقطع الدكتور ستيفن الطريق أمام أي تطلع لعون ألماني في الوقت القريب، ناصحاً بالتعويل أكثر على القطاع الخاص في البلدين في هذه المرحلة.
ولكن حتى هذا الخيار ليس متاحاً بلا شروط؛ السفير فيليب أركرمان وهو رئيس إدارة أفريقيا وأميركا اللاتينية بالخارجية الألمانية، ويعدّ المهندس الأول للسياسة الخارجية الألمانية، حدد هذه الشروط بأنها تحقيق السلام وإصلاح «الاتصال المؤسسي» في الحكومة السودانية.
بدا مصطلح «الإصلاح المؤسسي» غامضاً بعض الشيء، لكن الرجل الأول في الخارجية الألمانية الذي زار السودان مرتين خلال الأسابيع الماضية ورافق وزير الخارجية هايكو ماس في زيارته للخرطوم، أفصح بصورة صريحة عن بعض كواليس العلاقات الثنائية خلال الفترة القصيرة منذ توقيع الاتفاق الدستوري الذي دشن مؤسسات وفترة الحكم الانتقالي بالسودان.
قال السفير أركرمان إن ألمانيا عرضت على الدكتور عبد الله حمدوك رئيس وزراء السودان خلال زيارته مقر الأمم المتحدة بنيويورك سبتمبر (أيلول) 2019، دعمه بأحد أبرز الخبراء الألمان في الاقتصاد لتقديم الاستشارة والنصح للحكومة السودانية، لكن الجانب السوداني لم يرد على العرض.
وتقدم وزير الخارجية الألماني هايكو ماس بمقترح آخر لاستضافة مفاوضات السلام السودانية، ولم تكلف الحكومة السودانية نفسها عناء الرد على العرض. وشكل «عدم الرد» انطباعاً لدى الألمان بضعف وهشاشة الحكومة السودانية الذي أطلق عليه السفير أركرمان «غياب الاتصال المؤسسي» وقدم وصفة علاج صريحة قائلاً: «الخلل في مكتب رئيس الوزراء حمدوك، لا بد من إصلاح مكتب رئيس الوزراء أولاً»، وبعد يومين من نشر تصريحات أركرمان أجرى حمدوك تعديلاً في طاقم مكتبه.
السودان الذي يعاني من أزمة اقتصادية خطيرة وانفلات في التضخم تسبب في ارتفاع مخيف للأسعار بات على قناعة بأن الدعم الدولي مكبل بإصرار الولايات المتحدة الأميركية على إبقاء اسمه في قائمة الدول الراعية للإرهاب، والأثقال التي يحملها من الديون الدولية. وبينما أضحى واضحاً أن خروجه من قائمة الدول الراعية للإرهاب قد يستغرق وقتاً طويلاً، وربما يتطلب دفع أموال تعويضات طالبت بها أميركا صراحة، فإن الديون الأجنبية تحجب عنه تماماً أي تواصل مالي مع الدول والمؤسسات الاقتصادية الدولية.
في الملتقى الاقتصادي الذي أقامه المعهد الملكي للشؤون الدولية «شتام هاوس» بالخرطوم مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، صرحت كاري ترك المديرة القطرية لإثيوبيا وإريتريا والسودان وجنوب السودان في البنك الدولي بأن على السودان تسوية 16 مليار دولار من ديونه الدولية قبل أن يتمتع بأي معونات أو قروض جديدة.
تاريخ الديون ممتد منذ عقود طويلة، لكن غالبيتها العظمى نمت في سنوات حكم الرئيس المعزول عمر البشير، الذي لم يحفل كثيراً بحسابات سداد ما أفرط في اقتراضه من الدول والمؤسسات الدولية والعربية.
ويبرهن على عجز السودان عن السداد ما قاله سفير دولة الهند بالخرطوم في لقاء صحافي بالخرطوم 30 سبتمبر 2019، إن ديون بلاده لا تتعدى 95 مليون دولار تسببت في تعطيل التعاون الثنائي تماماً.
بعد زيارة مقر الأمم المتحدة والاجتماع بأكثر من 50 رئيس دولة ومسؤولين في دول ومنظمات ثم زيارة رسمية إلى فرنسا، لم يجد الدكتور حمدوك سبيلاً سوى التعجيل بزيارة الرياض وأبوظبي مرافقاً للفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني، فقد بات واضحاً أن العون الذي تلقاه السودان من الدولتين مباشرة بعد سقوط النظام السابق وانتصار الثورة الشعبية كان بمثابة إلقاء طوق النجاة لغريق في منتصف البحر، وأن التعويل على التعاون والعلاقات مع السعودية والإمارات قد يكونان الخيط الفاصل بين المحافظة على أمن واستقرار السودان أو الوقوع في فخ سيناريوهات الربيع العربي الذي عصف بالاستقرار والأمن في اليمن وسوريا وليبيا.
العون الخليجي توزع بين سد حاجة السودان من السلع الحتمية مثل القمح والوقود والدواء بما يعادل 3 مليارات دولار، وتوفير سيولة نقدية نصف مليار دولار إضافية لمساعدة بنك السودان المركزي في ضبط سعر صرف الجنيه، ولم يكن العون الخليجي مشترطاً بأي التزامات سابقة أو تعهدات لاحقة.
وفي ظل كل هذه التعقيدات الدولية يظل السؤال عن مستقبل الاقتصاد السوداني مرتبطاً بمستقبل الوضع السياسي لنظام ومؤسسات الحكم في العهد الجديد.



رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
TT

رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

زار الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، يوم الجمعة، عاصمة إقليمية متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي، وذلك في زيارة هي الأولى التي يُجريها رئيس في المنصب للمنطقة منذ نحو 50 عاماً.

تأتي الزيارة إلى لاسعانود، العاصمة الإدارية لمحافظة صول، في خِضم توترات تشهدها منطقة القرن الأفريقي، على خلفية اعتراف إسرائيل مؤخراً باستقلال جمهورية أرض الصومال المعلَنة من جانب واحد، وهو ما أثار حفيظة مقديشو.

وحضر محمود في لاسعانود مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

تضم ولاية شمال شرقي الصومال أجزاء من ثلاث محافظات صومالية هي صول وسناج وعين، وعاصمتها لاسعانود.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته لاسعانود لحضور مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

كانت جمهورية أرض الصومال الانفصالية تسيطر على لاسعانود منذ عام 2007، لكن قواتها اضطرت للانسحاب منها بعد اشتباكات عنيفة مع القوات الصومالية وميليشيات مُوالية لمقديشو، خلّفت عشرات القتلى.

وقالت الرئاسة الصومالية إن زيارة محمود ترمز إلى تعزيز الوحدة والجهود التي تبذلها الحكومة الفيدرالية لتكريس وحدة أراضي الدولة الصومالية وشعبها.

وسارعت جمهورية أرض الصومال للرد، إذ قال وزير شؤون الرئاسة في الإقليم الانفصالي، خضر حسين عبدي، إن لاسعانود هي أرض الصومال، مشدّداً على وجود تصميم على حل الخلافات بالحوار والوسائل السلمية.

وشدّد على أن الاعتراف بأرض الصومال أصبح، الآن، «واقعاً»، وعَدَّ أن «أحداً لا يمكنه تغيير ذلك».

Your Premium trial has ended


انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني، وترحيب واشنطن، وعدم ممانعة رسمية إسرائيلية بعد تحفظات سابقة.

وجاء الاجتماع الأول بعد ساعات من قتل إسرائيل 8 فلسطينيين، واتهام «حماس» لها بـ«تخريب الاتفاق»، وهو ما يجعل خبراء «إزاء تفاؤل حذر بمسار الاتفاق، في ضوء تلك المتغيرات واستمرار الاستهدافات الإسرائيلية». وشددوا على «أهمية موقف أميركي حاسم لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية التي بدأت بتشكيل لجنة إدارة القطاع، وتشهد عقبات رئيسية منها إدخال المساعدات، وانسحاب إسرائيلي، ونزع سلاح (حماس)».

وتحدثت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الجمعة، عن بدء أول اجتماع تعقده اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، في العاصمة المصرية، برئاسة الفلسطيني علي شعث.

وفي أول ظهور إعلامي له، قال رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، علي شعث، إن اللجنة بدأت رسمياً أعمالها من العاصمة المصرية، وهي مكونة من 15 شخصية فلسطينية مهنية وطنية. ولفت إلى أن اللجنة تلقت دعماً مالياً، ووُضعت لها موازنة لمدة عامين هي عمر عمل اللجنة، وطالب بإنشاء صندوق في البنك الدولي لإعمار وإغاثة غزة، مشيراً إلى أن «هناك وعوداً من الدول الوازنة في المنطقة، لتقديم دعم مالي كبير وملموس».

وأوضح شعث أن خطة الإغاثة تستند إلى الخطة المصرية التي أقرّتها جامعة الدول العربية في مارس (آذار) 2025، (وتستغرق 5 سنوات بتكلفة نحو 53 مليار دولار)، ولقيت ترحيباً من الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن «أول خطوة تبنتها لجنة إدارة قطاع غزة هي توريد 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع للقطاع».

وفي حين قالت حركة «حماس»، الجمعة، إنها جاهزة لتسليم القطاع لإدارة التكنوقراط، ونبهت، في بيان، إلى أن «المجازر» التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بغزة باستهداف 9 فلسطينيين بينهم سيدة وطفلة جراء غارات وإطلاق نيران صوب خيام النازحين، تؤكد استمرار تل أبيب في «سياسة تخريب اتفاق وقف الحرب، وتعطيل الجهود المعلنة لتثبيت الهدوء في القطاع».

ولفتت إلى أن تلك المجازر «تصعيد خطير» يأتي مع «إعلان الوسطاء تشكيل حكومة تكنوقراط، والدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق (في بيان الأربعاء)، وكذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، تشكيل مجلس السلام»، مطالبة الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق بالوقوف أمام مسؤولياتها في ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها، وإلزامها بما جرى الاتفاق عليه.

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

والخميس، أعلن ترمب، تأسيس «مجلس السلام» المعني بغزة، مشيراً إلى أنه تم الدخول رسمياً إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. بينما قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الخميس، إن إسرائيل ارتكبت 1244 خرقاً لوقف إطلاق النار في مرحلته الأولى؛ ما أسفر عن مقتل وإصابة واعتقال 1760 فلسطينياً، منذ سريان الاتفاق.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، يرى أن انطلاق عمل اللجنة مهم للغاية، ويعدّ إنهاءً لإحدى ذرائع إسرائيل بشأن وجود «حماس»، خصوصاً أن اللجنة تكنوقراط ومحل توافق، لافتاً إلى أنه رغم إبطال إنهاء تلك الذرائع وإنهاء «حماس» لسلطتها السياسية، فإنه يجب التعامل بحذر مع تطورات المشهد الذي يجب أن يُستكمَل بقوات الاستقرار وشرطة فلسطينية حال لم توجد عراقيل إسرائيلية جديدة.

وفي ضوء ذلك، يبدي المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، تفاؤلاً حذراً أيضاً، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن هناك تحديات كبيرة تواجهها اللجنة، خصوصاً أنها تدير منطقة مدمرة كلياً، وأمامها تعقيدات إسرائيلية مرتبطة بسلاح المقاومة، ورفض الإعمار الكامل والانسحاب.

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في المقابل، هناك جهود لا تزال مستمرة من الوسطاء، وتلقّى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب.

وشهد الاتصال الهاتفي بحسب بيان لـ«الخارجية المصرية» الجمعة، «التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب إعلان تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر، وإعادة الإعمار».

حسن أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الدور المصري مهم، ويواصل حرصه على استكمال الاتفاق وعدم عرقلته من جانب إسرائيل، خصوصاً أن فتح معبر رفح لم يتم من المرحلة الأولى ويتواصل التلكؤ في نشر قوات الاستقرار التي ستشرف على المعابر، مشدداً على أن واشنطن ستحاول أن تستكمل الاتفاق؛ حرصاً على مصداقيتها ألا تُفقَد.

في حين يعتقد الرقب أن أي تقدم في المرحلة الثانية وعدم تكرار جمود المرحلة الأولى، يتوقف على الدعم الأميركي لإنجاز استكمال الاتفاق، خصوصاً انسحاب إسرائيل وليس فقط نزع السلاح.


وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
TT

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية التي تسكن منطقة المساحة في شارع فيصل (جنوب العاصمة)، ممن باتوا مكوناً رئيسياً في التركيبة الديموغرافية للمنطقة التي تسكنها طبقات دُنيا ووسطى.

يتمركز بائع الذرة الستيني في المكان نفسه منذ 38 عاماً، فبات مرجعاً للمنطقة. يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد السودانيين ما زالت كبيرة، رغم عودة بعضهم للسودان»، مقدراً أعداد الباقين إلى العائدين بنسبة 85 إلى 15 في المائة. يقول ذلك فيما تقترب الشابة السودانية فاطمة (23 عاماً) من عربته لتسأل عن سعر الذرة، وتمضي دون أن تشتري لارتفاع سعره بالنسبة لها. فاطمة واحدة ممن اتخذوا قرار العودة بعد عامين من الإقامة بمصر، منتظرة دورها في مبادرة «العودة الطوعية»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

ومكنت مبادرة «العودة الطوعية»، التي أطلقتها منظومة الدفاعات السودانية بالتعاون مع وزارة النقل المصرية في 21 يوليو (تموز) الماضي، مئات الآلاف من السودانيين خصوصاً محدودي الدخل من العودة، خلال قطارات تنقلهم من القاهرة إلى أسوان، ثم حافلات تصل بهم إلى المدن السودانية بالمجان، ورغم ذلك يظل الحضور السوداني لافتاً في الشارع المصري، خصوصاً في المناطق الشعبية مثل فيصل، وأخرى في مدينة العاشر من رمضان (شمال القاهرة) حيث أبرز نقاط تمركز السودانيين بمصر.

عودة مئات الآلاف

وقدّرت القنصلية السودانية في أسوان أعداد العائدين إلى السودان عبر المنافذ البرية حتى الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، بـ428 ألفاً و676 شخصاً، حسب القنصل عبد القادر عبد الله، قائلاً خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن مشروع العودة سيستأنف رحلاته بمجرد توفير التمويل اللازم لذلك، بعد أن انطلقت 45 رحلة خلال الشهور الماضية.

ويفسر أمين الجالية السودانية في العاشر من رمضان، إبراهيم عز الدين، كثافة الحضور السوداني رغم ما تشير إليه الإحصاءات من سفر مئات الآلاف إلى أن «بعض من سافروا عادوا مرة أخرى بعدما وجدوا ظروف الحياة في السودان صعبة»، مشيراً إلى أن هؤلاء ممن تعتبر ظروفهم المادية جيدة، أما الأفقر فلا يستطيعون تحمل مصاريف السفر. ويرى عز الدين، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداد من بقوا في مصر بمدينة العاشر أكبر ممن قرروا المغادرة.

بعض العائدين في الرحلة رقم 42 (مشروع العودة الطوعية المجانية للسودانيين - فيسبوك)

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو مليون ونصف مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتقدر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.

توافد مستمر

لا يلاحظ الشاب الثلاثيني محمود صلاح، وهو يعمل في مطعم بمنطقة فيصل، انكماشاً في الحضور السوداني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «السودانيين ما زالوا يتوافدون لمصر»، مدللاً على كثرتهم في منطقته باستمرار الأثر الأبرز لحضورهم بارتفاع الإيجارات، قائلاً: «أقل إيجار في شقة متواضعة بحارة جانبية 3 آلاف جنيه (الدولار يساوي 47.30 جنيه بالبنوك المصرية)».

عكسه يشعر الشاب العشريني فارس إسماعيل، وهو بائع ملابس متجول، بتراجع أثر السودانيين على عمله مع عودة «كثيرين منهم»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الشغل نام (راكد) فقد كانوا زبائن أساسيين»، يقول ذلك بينما تقف الشابة السودانية حفصة محمد أمام عربته تختار بعض الملابس الشتوية.

تقول حفصة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تفكر في العودة حالياً في ظل عدم تحسن الأوضاع المعيشية هناك، خصوصاً أنها تعمل في مصر برسم الحناء للفتيات، ويوفر ذلك لها دخلاً جيداً تعيش منه أسرتها، فيما تشكو حفصة من استمرار ارتفاع الإيجارات في المنطقة، رغم سفر مئات الآلاف من السودانيين، موضحة أنها تدفع إيجار 5 آلاف جنيه.

وشهدت أسعار الإيجارات ارتفاعاً كبيراً مع توافد السودانيين إلى مصر، وقدّر سماسرة سبق أن تحدثت معهم «الشرق الأوسط» الارتفاعات بعدة أضعاف. وهدأت الأسعار نسبياً عن ذي قبل مع توفر أكبر للشقق، لكنها لم تعد إلى مستوى الأسعار قبل قدومهم.

834 ألف لاجئ سوداني

وتعدّ مصر واحدة من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، وسط مطالب حكومية متكررة بزيادة الدعم الدولي لها للمشاركة في استيعاب أعباء اللاجئين. ووفق آخر إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين في يناير الحالي، تتجاوز أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بـ834 ألفاً و201 طلب.

مئات السودانيين في محطة رمسيس ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

يرصد المتجول في شارع فيصل أو منطقة الدقي والمهندسين وغيرها من مناطق بقاء السودانيين في مصر وجودهم اللافت؛ داخل المواصلات العامة، وفي الشوارع، والمطاعم، وداخل عيادات الأطباء، رغم أن الإحصائيات تشير إلى عودة مئات الآلاف منهم، في مؤشر على ضخامة أعدادهم الفعلية الوافدة إلى مصر.

شعبياً تأقلم كثير من المصريين على وجود الوافدين، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية لبعضهم، وسلبية لآخرين، ورسمياً تظل الشكاوى الحكومية من «ثقل حمل الوافدين»، مع التمسك بوصفهم «ضيوفاً». وقدّرت تكلفة استضافة نحو 10 ملايين وافد أجنبي بنحو 10 مليارات دولار سنوياً.