رغم رفع الحظر الألماني... السودان يواجه الأسئلة الصعبة

كواليس اجتماعات ثنائية في برلين

TT

رغم رفع الحظر الألماني... السودان يواجه الأسئلة الصعبة

من المفاجآت التي أثارت دهشة وفد سوداني زار العاصمة الألمانية برلين الأسبوع الماضي، خلال جلسة استماع داخل البرلمان الألماني، أن قرار مقاطعة ألمانيا للحكومة السودانية صدر يوم 14 يونيو (حزيران) 1989؛ أي قبل الانقلاب العسكري الذي أتى بحكم الرئيس المعزول عمر البشير. ويتأهب البرلمان الألماني (بوندستاغ) لإصدار قرار خلال أسابيع قليلة يرفع بموجبه هذا الحظر عن السودان، فهل يعني ذلك تطبيع العلاقات رسمياً بين السودان وألمانيا، أكثر الدول تأثيراً في الاتحاد الأوروبي؟
نص قرار الحظر الذي مضى عيه 30 عاماً يقول: «الحكومة (الألمانية) الفيدرالية يمكنها الاستمرار في التعاون الشامل فقط في حالة استعادة السلام في كامل البلاد واتخاذ الحكومة السودانية الإجراءات الفعالة في احترام حقوق الإنسان. مشروعات التعاون الفني والشخصي المؤثرة مباشرة على الشعب بالإمكان مواصلتها...».
وبناء على هذا القرار، استمر التعاون الألماني في حدود دعم مشروعات النازحين بولايات دارفور وكسلا وتشييد مركز للتدريب المهني في الفاشر، المساعدات التي وصفت من المراقبين بأنها تستهدف كبح جماح الهجرة إلى أوروبا أكثر من مخاطبة القضايا الأكثر تأثيراً في أوضاع المواطنين.
ورغم أن قرار رفع الحظر بات متوافقاً عليه بين المكونات السياسية الرئيسية في البرلمان الألماني وأجيزت مسودة القرار في انتظار عرضها على البرلمان خلال أسابيع قليلة، فإن ذلك لا يعني عودة التعاون التنموي، فكثير من الحيثيات «الصادمة» كانت مطروحة من الجانب الألماني للوفد السوداني بصورة صريحة ومباشرة.
ففي اجتماع مشترك بمقر وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية ببرلين، قال الدكتور ستيفن أوسولد مدير إدارة أفريقيا: «نحن في حاجة لبناء الثقة»، وقدم حيثيات «الثقة» المطلوبة فيما يشبه الاستفسار عن دور المؤسسات الأمنية في القرار السياسي والنشاط الاقتصادي أيضاً.
وقبل أن يقدم الوفد السوداني الإجابات المناسبة، مضى المسؤول الرفيع الذي وُصف بأنه متخذ القرار الأول، قائلاً: «نحن لا نرمي أموالنا من النافذة في الهواء، لا بد من معالجة أمر (الثقوب السوداء) في السودان».
الأسئلة ذاتها تكررت في جلسة الاستماع بمقر البرلمان، إذ سأل برلماني ألماني عن وضع المؤسسات الأمنية ودورها في التأثير على القرار، وزاد عليها بسؤال عن وضع «الدين» في الدولة بعد سقوط النظام الذي وصف دولياً بأنه يمثل «دولة دينية» ترعى التطرف والإرهاب.
وقطع الدكتور ستيفن الطريق أمام أي تطلع لعون ألماني في الوقت القريب، ناصحاً بالتعويل أكثر على القطاع الخاص في البلدين في هذه المرحلة.
ولكن حتى هذا الخيار ليس متاحاً بلا شروط؛ السفير فيليب أركرمان وهو رئيس إدارة أفريقيا وأميركا اللاتينية بالخارجية الألمانية، ويعدّ المهندس الأول للسياسة الخارجية الألمانية، حدد هذه الشروط بأنها تحقيق السلام وإصلاح «الاتصال المؤسسي» في الحكومة السودانية.
بدا مصطلح «الإصلاح المؤسسي» غامضاً بعض الشيء، لكن الرجل الأول في الخارجية الألمانية الذي زار السودان مرتين خلال الأسابيع الماضية ورافق وزير الخارجية هايكو ماس في زيارته للخرطوم، أفصح بصورة صريحة عن بعض كواليس العلاقات الثنائية خلال الفترة القصيرة منذ توقيع الاتفاق الدستوري الذي دشن مؤسسات وفترة الحكم الانتقالي بالسودان.
قال السفير أركرمان إن ألمانيا عرضت على الدكتور عبد الله حمدوك رئيس وزراء السودان خلال زيارته مقر الأمم المتحدة بنيويورك سبتمبر (أيلول) 2019، دعمه بأحد أبرز الخبراء الألمان في الاقتصاد لتقديم الاستشارة والنصح للحكومة السودانية، لكن الجانب السوداني لم يرد على العرض.
وتقدم وزير الخارجية الألماني هايكو ماس بمقترح آخر لاستضافة مفاوضات السلام السودانية، ولم تكلف الحكومة السودانية نفسها عناء الرد على العرض. وشكل «عدم الرد» انطباعاً لدى الألمان بضعف وهشاشة الحكومة السودانية الذي أطلق عليه السفير أركرمان «غياب الاتصال المؤسسي» وقدم وصفة علاج صريحة قائلاً: «الخلل في مكتب رئيس الوزراء حمدوك، لا بد من إصلاح مكتب رئيس الوزراء أولاً»، وبعد يومين من نشر تصريحات أركرمان أجرى حمدوك تعديلاً في طاقم مكتبه.
السودان الذي يعاني من أزمة اقتصادية خطيرة وانفلات في التضخم تسبب في ارتفاع مخيف للأسعار بات على قناعة بأن الدعم الدولي مكبل بإصرار الولايات المتحدة الأميركية على إبقاء اسمه في قائمة الدول الراعية للإرهاب، والأثقال التي يحملها من الديون الدولية. وبينما أضحى واضحاً أن خروجه من قائمة الدول الراعية للإرهاب قد يستغرق وقتاً طويلاً، وربما يتطلب دفع أموال تعويضات طالبت بها أميركا صراحة، فإن الديون الأجنبية تحجب عنه تماماً أي تواصل مالي مع الدول والمؤسسات الاقتصادية الدولية.
في الملتقى الاقتصادي الذي أقامه المعهد الملكي للشؤون الدولية «شتام هاوس» بالخرطوم مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، صرحت كاري ترك المديرة القطرية لإثيوبيا وإريتريا والسودان وجنوب السودان في البنك الدولي بأن على السودان تسوية 16 مليار دولار من ديونه الدولية قبل أن يتمتع بأي معونات أو قروض جديدة.
تاريخ الديون ممتد منذ عقود طويلة، لكن غالبيتها العظمى نمت في سنوات حكم الرئيس المعزول عمر البشير، الذي لم يحفل كثيراً بحسابات سداد ما أفرط في اقتراضه من الدول والمؤسسات الدولية والعربية.
ويبرهن على عجز السودان عن السداد ما قاله سفير دولة الهند بالخرطوم في لقاء صحافي بالخرطوم 30 سبتمبر 2019، إن ديون بلاده لا تتعدى 95 مليون دولار تسببت في تعطيل التعاون الثنائي تماماً.
بعد زيارة مقر الأمم المتحدة والاجتماع بأكثر من 50 رئيس دولة ومسؤولين في دول ومنظمات ثم زيارة رسمية إلى فرنسا، لم يجد الدكتور حمدوك سبيلاً سوى التعجيل بزيارة الرياض وأبوظبي مرافقاً للفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني، فقد بات واضحاً أن العون الذي تلقاه السودان من الدولتين مباشرة بعد سقوط النظام السابق وانتصار الثورة الشعبية كان بمثابة إلقاء طوق النجاة لغريق في منتصف البحر، وأن التعويل على التعاون والعلاقات مع السعودية والإمارات قد يكونان الخيط الفاصل بين المحافظة على أمن واستقرار السودان أو الوقوع في فخ سيناريوهات الربيع العربي الذي عصف بالاستقرار والأمن في اليمن وسوريا وليبيا.
العون الخليجي توزع بين سد حاجة السودان من السلع الحتمية مثل القمح والوقود والدواء بما يعادل 3 مليارات دولار، وتوفير سيولة نقدية نصف مليار دولار إضافية لمساعدة بنك السودان المركزي في ضبط سعر صرف الجنيه، ولم يكن العون الخليجي مشترطاً بأي التزامات سابقة أو تعهدات لاحقة.
وفي ظل كل هذه التعقيدات الدولية يظل السؤال عن مستقبل الاقتصاد السوداني مرتبطاً بمستقبل الوضع السياسي لنظام ومؤسسات الحكم في العهد الجديد.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.