الحكومة الإيرانية تطالب «تشخيص النظام» بتجاوز «عقدة فاتف»

نائب الرئيس يطالب بإطلاع الشارع على مجريات الأمور في البلاد

ظريف في حالة توتر بعد الإدلاء بشهادة حول ملف «فاتف» في اجتماع لـ«مجلس تشخيص مصلحة النظام»
ظريف في حالة توتر بعد الإدلاء بشهادة حول ملف «فاتف» في اجتماع لـ«مجلس تشخيص مصلحة النظام»
TT

الحكومة الإيرانية تطالب «تشخيص النظام» بتجاوز «عقدة فاتف»

ظريف في حالة توتر بعد الإدلاء بشهادة حول ملف «فاتف» في اجتماع لـ«مجلس تشخيص مصلحة النظام»
ظريف في حالة توتر بعد الإدلاء بشهادة حول ملف «فاتف» في اجتماع لـ«مجلس تشخيص مصلحة النظام»

تتمسك الحكومة الإيرانية بتجاوز «عقدة» مجموعة العمل المالي (فاتف)؛ الهيئة الرقابية العالمية المعنية بمكافحة غسل الأموال، وسط معارضة أطراف مؤيدة لاستراتيجية «الحرس الثوري» العابرة للحدود الإيرانية، فأمس طالب إسحاق جهانغيري، نائبُ الرئيس الإيراني، «مجلس تشخيص مصلحة النظام» بالموافقة على لوائح قانونية تسمح لإيران بالامتثال لمعايير مجموعة «فاتف»، وذلك بعد 4 أيام من بيان دولي شديد اللهجة، منح طهران موعداً نهائياً للامتثال لقواعد دولية، وبعده ستحث المجموعة جميع أعضائها على تطبيق إجراءات مضادة.
وقال جهانغيري أمام حشد من رجال الدين، في طهران أمس، إنه «من الجيد أن يطلع الناس على مجريات الأمور؛ بما في ذلك المفاوضات داخل الحكومة والبرلمان ومجلس تشخيص مصلحة النظام» وأضاف: «يتعين على مجلس تشخيص مصلحة النظام الموافقة على لوائح (فاتف) ومكافحة الجريمة الدولية (سي إف تي)، نظراً لتشريعها في اجتماع رؤساء القوى الثلاث وموافقة المرشد الإيراني».
وجاء الرد سريعاً من مجلس تشخيص مصلحة النظام. وقال أحد أبرز أعضائه، وهو علي رضا مصباحي مقدم، إن «المرشد لم يبلغ المجلس أوامر حول لوائح (فاتف)» ونقلت عنه وكالة «إيسنا» الحكومية أنه «لم يحدث أي تطور جديد حول لوائح (فاتف)» ونوه: «إذا قرر المرشد (الموافقة) فسيبلغنا بذلك، نحن خاضعون لتوصيات في كل الأمور».
وتأتي تصريحات جهانغيري بعد أيام من عودة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى اللجوء لخيار الاستفتاء لحل الخلافات حول القضايا الاستراتيجية، في إشارة ضمنية إلى الصعوبة التي تواجهها حكومته في تمرير قوانين تفتح الباب على امتثال طهران للقوانين الدولية المتعلقة بقوانين مجموعة «فاتف».
وواجهت تصريحات روحاني انتقادات من معارضي سياساته وسط اهتمام الأوساط المؤيدة للحكومة، لكن محللين يميلون إلى أن توقيت إثارة الاستفتاء الذي يعدّ من بين المطالب الأساسية في الشارع الإيراني، هو محاولة لإنعاش حظوظ حلفائه في الانتخابات البرلمانية المقررة في فبراير (شباط) المقبل.
وقالت «مجموعة العمل المالي (فاتف)»، المعنية بمكافحة غسل الأموال، في بيان حاد، الجمعة الماضي، إنها منحت إيران موعداً نهائياً في فبراير 2020 للامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وقالت في بيان: «إذا لم تقر إيران، قبل فبراير 2020، (اتفاقية باليرمو) وأخرى لمكافحة تمويل الإرهاب بما يتماشى مع معايير (فاتف)، فإن (فاتف) ستلغي بالكامل تعليق تدابير مضادة، وستدعو أعضاءها وتحث جميع الولايات القضائية على تطبيق تدابير مضادة فعالة بما يتماشى مع التوصية رقم 19».
وعدّ وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، أول من أمس، أن قرار المجموعة الدولية «مسيّس ومرفوض»، قائلاً إن «إيران في قوانينها الداخلية تعدّ مكافحة غسل الأموال ضرورة وهدفاً تتابعه»، وتابع: «سنقوم بكل الإجراءات اللازمة لمكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال من أجل مصالحنا الوطنية»، وأشار إلى تشريع قوانين داخلية لمكافحة غسل الأموال في الحكومة والقضاء الإيراني، وعدّه «خطوة مهمة لإيران».
ولم يختلف تعليق المتحدث باسم الحكومة، علي ربيعي، على مهلة مجموعة «فاتف»، وقال في مؤتمر صحافي أول من أمس إن الحكومة «تواصل مشاوراتها»، وأنها «تؤكد على ضرورة الامتثال لقوانين (فاتف) لتعزيز المصالح الوطنية».
وأخفق الرئيس الإيراني حسن روحاني حتى الآن في تفعيل وعوده في انتخابات 2017 بتشجيع الاستثمار الأجنبي في جزء من مقترحات اقتصادية تهدف إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية واحتواء أزمة البطالة. وتقول شركات أجنبية إن امتثال إيران لقواعد مجموعة العمل المالي أمر حيوي إذا رغبت طهران في اجتذاب المستثمرين على الأخص بعد أن أعادت الولايات المتحدة فرض عقوبات على إيران في العام الماضي.
كما أن الدول الأوروبية الثلاث (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) رهنت تفعيل آلية «إينستكس» المقترحة للالتفاف على العقوبات الأميركية بامتثال إيران لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وكانت قوانين «فاتف» بيت القصيد في أجندة الحكومة الإيرانية في العام الأول على انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب وسعي الحكومة الإيرانية وراء بدائل لتعويض خسائر العقوبات بين أطراف الاتفاق النووي.
وبعد شدّ وجذب بين الحكومة والبرلمان ومجلس صيانة الدستور، تمكنت الحكومة من تعديل قانونين محليين لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لكن تواجه لائحتا «مكافحة الجريمة المنظمة (باليرمو)» و«مكافحة تمويل الإرهاب (سي إف تي)»، معارضة مشددة من «مجلس صيانة الدستور»، مما أدى إلى تدخل «مجلس تشخيص مصلحة النظام» لحل الخلاف، لكن الحكومة تزداد تشاؤماً بسبب سيطرة المحافظين المقربين من «الحرس الثوري» على المجلس الذي يختار كل أعضائه المرشد الإيراني.
وتهمش ملف اللائحتين في «مجلس تشخيص مصلحة النظام» مع ارتفاع حدة التوتر بين طهران وواشنطن على أثر تشديد العقوبات الأميركية ومنع صادرات إيران النفطية وتصنيف «الحرس الثوري» على قائمة المنظمات الإرهابية الدولية قبل إدراج المرشد الإيراني علي خامنئي ووزير الخارجية محمد جواد ظريف والبنك المركزي الإيراني على القائمة السوداء للعقوبات التي تفرضها وزارة الخزانة الأميركية على طهران.
ويعارض أنصار «الحرس الثوري» والتيار المحافظ امتثال إيران للاتفاقيتين بسبب ما تشكله من تهديد لأنشطة «فيلق القدس»، المسؤول عن العمليات الاستخباراتية والعسكرية لـ«الحرس الثوري». كما يعرب هؤلاء عن مخاطر تشكلها الاتفاقيتين على جماعات مسلحة موالية لإيران مثل «حزب الله» اللبناني وفصائل فلسطينية مسلحة.
بينما ترى حكومة روحاني أن الانضمام إلى الاتفاقيتين يحمي إيران من «ذرائع أميركية». ويقلل هؤلاء من تأثير الاتفاقيتين على أنشطة «الحرس الثوري» على الصعيدين الداخلي والخارجي.
ومن المرجح أن تزداد مهمة الحكومة تعقيداً، خصوصاً بعد إصرار المرشد الإيراني علي خامنئي، على توسع جهاز «الحرس الثوري» في البرامج العابرة للحدود وعدم الرضا بالبقاء «وراء أربعة جدران» بحسب آخر كلمة له أمام حشد ضم الآلاف من قادة «الحرس».
وعاد الخلاف حول الامتثال لقوانين غسل الأموال وتمويل الإرهاب إلى الصحف الإيرانية بعد غياب استمر 4 أشهر؛ حيث حصلت الحكومة الإيرانية قبل 4 أشهر على رابع مهلة خلال عامين. وقالت صحيفة «سياست روز» المقربة من تيار «الحرس الثوري» في مقالها الافتتاحي أمس إن بيان «مجموعة (فاتف) الأخير تضمن تهماً ضد إيران»، وانتقدت البيان على ما عدّته «تجاهل التعاون الإيراني»، وتساءلت عما إذا كانت المجموعة تسعى وراء «مطالب واسعة من إيران على غرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ملف معاهدة حظر الانتشار النووي».
كذلك تساءلت عن جدوى انضمام إيران «بينما الكلمة الأولى في العالم للعقوبات الأميركية» وذلك في إشارة لامتثال الدول الأوروبية والشركات العالمية للعقوبات ضد إيران. وانطلاقاً من هذا، قالت الصحيفة إن «كبار المسؤولين في مجموعة (فاتف) من (الخزانة) الأميركية، وهذا يعني أن تعليق الآمال على هذه المؤسسة الدولية لا يمكن أن يكون عملياً، وأنه أشبه بسراب؛ ظاهره جميل وباطنه خاوٍ وأسود».
ودعت الصحيفة إلى عدم تجاهل دور الأوروبيين في مجموعة «فاتف»، ووصفت الدول الأوروبية بـ«المتغطرسة» وقالت: «إنها في تنفيذ الاتفاق النووي أثبتت أنها لا تلتزم بتعهدات، ومن جانب آخر تريد فرض مطالب أخرى تحت راية الاتفاق النووي، وتريد من إيران قبول اتفاق جديد لحذفها من المعادلات الإقليمية وقدراتها الدفاعية والصاروخية إلى جانب تنفيذ تعهدات الاتفاق النووي».
أما صحيفة «آرمان ملي» فرصدت «السيناريو المطلوب إيرانياً»، بعدما منحت مجموعة «فاتف» مهلة 4 أشهر جديدة لإيران. ورأت أن امتثال إيران لمعايير «فاتف» والاتفاقيات المرتبطة بها سيؤدي إلى «تلطيف الأوضاع الحساسة الحالية لإيران»، مشيرة إلى أن الخطوة «ستعد مؤشراً وخطوة إيجابية من طهران تجاه التطورات».
ويشير محلل الشؤون الدولية فريدون مجلسي، في مقال، إلى تبعات العقوبات الأميركية على الاقتصاد الإيراني، ومنها حرمان طهران من تصدير مليوني برميل نفط يومياً وموارد بقيمة 120 مليون دولار، إلى جانب ارتفاع تكلفة استيراد السلع التي تبلغ أضعاف قيمتها الحقيقية، وصولاً إلى الصادرات غير النفطية التي يتم تهريبها وتباع بأقل من قيمتها الحقيقية.
ويحذر المقال من سعي الولايات المتحدة لإعادة إيران للقائمة السوداء في مجموعة «فاتف»، مشيراً إلى تفاقم العقوبات الأميركية المفروضة على قطاعي النفط والمال الإيرانيين. وفي النهاية يوصي الحكومة بأخذ زمام المبادرة لـ«خطوة جدية في تنفيذ (اتفاقية باليرمو) لمكافحة الجريمة المنظمة الدولية» و«التركيز على اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب (سي إف تي)».



إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
TT

إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)

اتهمت القيادة الموحدة للقوات المسلحة ​الإيرانية، المعروفة باسم «مقر خاتم الأنبياء»، الولايات المتحدة بانتهاك وقف إطلاق ‌النار من ‌خلال ​مهاجمة ‌إحدى ⁠السفن التجارية ​الإيرانية في ⁠خليج عمان، وتوعدت بالرد.

ونقلت وسائل إعلام حكومية عن متحدث ⁠باسم «خاتم ‌الأنبياء» ‌قوله اليوم ​الأحد ‌إن السفينة ‌كانت متجهة من الصين إلى إيران.

وذكر المتحدث «نحذر من ‌أن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ⁠سترد ⁠قريبا وتنتقم من هذه القرصنة المسلحة التي ارتكبها الجيش الأميركي».


الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
TT

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني)، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

وفي ظل الخلافات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقماً، حسب وكالة «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد هذا الشهر، وهي أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنوات، دون التوصل إلى اتفاق. ولكن مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الهش الحالي يوم الأربعاء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد إن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان وإنهم مستعدون لإجراء مزيد من المحادثات.

إيرانيتان تنظران إلى هاتف ذكي عند البوابة الرئيسية لجامعة طهران الأحد (أ.ب)

خوف من ضغوط مع استمرار نظام الحكم

قالت فريبا (37 عاماً) التي شاركت في مظاهرات يناير لـ«رويترز» عبر الهاتف من إيران: «ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وأضافت: «لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضاً».

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً بنى تحتية في أنحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي، بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.

وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل «دون» في الولايات المتحدة: «أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية».

وأضاف: «لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل».

وفي شمال طهران، أجرت «رويترز» الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

الإيرانيون يستمتعون بيوم مشمس في حديقة عامة في خضم وقف إطلاق النار في طهران الأسبوع الماضي (رويترز)

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين، بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت: «لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه».

لكن لم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم «رويترز» عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاماً)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها: «نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يُفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟».

خيارات قليلة

قُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وقال حينها ترمب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

ولم ترد بعثة إيران الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة. وكانت قد ألقت سابقاً باللوم في أعمال العنف التي وقعت في يناير على «إرهابيين مسلحين» مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف: «أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني».

إيرانيات يمررن بجانب ضابط شرطة يقف حراسة في ساحة تجريش شمال طهران الأربعاء الماضي (رويترز)

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب الإلزامي المفروض منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام: «هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه».

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاماً، لـ«رويترز» عبر الهاتف من شمال طهران: «في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه».

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت؛ وهو ما أثر كثيراً على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات أثناء الحرب.

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الجمعة (إ.ب.أ)

وقالت فائزة (47 عاماً)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران: «حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة».

وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة.

وأضاف: «هناك الكثير من النار تحت الرماد».


المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
TT

المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

في تقرير صادر عن شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي «أمان»، أكدت تل أبيب أن هناك تصدعاً كبيراً في القيادة الإيرانية، مضيفة أن هذا التصدع بات مبشراً بانهيار جزئي على الأقل للنظام في طهران.

وقالت «أمان» إن غياب المرشد علي خامنئي، ترك فراغاً هائلاً ولم يعد هناك من يتمتع مثله بسطوة القائد الذي يُجمَع حوله الباقون وتكون له الكلمة الأخيرة. فابنه مجتبى، الذي انتخب للمنصب بعد وفاة والده، لا يتمتع بشخصية كارزماتية مثل والده، ويُنظر إليه بوصفه شخصية ناقصة دينياً وسياسياً، فضلاً عن كونه جريحاً، ويُعتقد أنه لا يقوى على الحسم.

لذلك فإن وراثة خامنئي الأب ما زالت مفتوحة، خصوصاً أن الشارع الإيراني يذكر القيادة الحالية بأن أحد عيوب نظام الشاه في الحكم أنه كان عائلياً يرث فيه الابن أباه. والآن يتصرف النظام الحالي بالطريقة نفسها التي هاجمها في الماضي.

قادة إيران الجدد

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

ونشر تقرير «أمان»، الذي ظهر في موقع «واللا» يوم الأحد، قائمة القادة الحاليين في إيران «الذين بقوا في الحكم بعد أن تمت تصفية 55 شخصية قيادية أساسية في الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران». وتضم قائمة القادة الحاليين، بالإضافة إلى مجتبى خامنئي، حسين طائب الرئيس السابق لجهاز استخبارات «الحرس الثوري»، وهو مستشار كبير لدى مجتبى خامنئي وأمين سره، ويُعرف عنه أنه يقود الاتجاه المتطرف، وقد سُمع وهو يقول إن الاتفاق مع الغرب والتنازل له خيانة تُشكل تهديداً وجودياً للنظام.

وتضم القائمة أيضاً محمد عبد اللهي رئيس مكتب المرشد العام وهو حامل مفاتيح باب الوصول إلى خامنئي، ويعد مدير التوازنات الحساسة بين التيارات المتصارعة على القيادة. كذلك أحمد وحيدي القائد العام لـ«الحرس الثوري»، وكان وزيراً للداخلية والدفاع، وكان أيضاً أول قائد لـ«فيلق القدس»، وهو متطرف جداً في مواقفه، ويمثل التيار الأمني والتنفيذي لـ«الحرس الثوري»، ويتمسك بالأذرع الإيرانية في المنطقة.

محمد باقر قاليباف: رئيس البرلمان ومن كبار المفاوضين مع الولايات المتحدة. يعد محافظاً ولكنه مهتم بتحسين الاقتصاد، ويسعى إلى منع الانهيار الداخلي السياسي والاجتماعي، الذي من شأنه أن يؤدي إلى موجة احتجاجات شعبية جديدة ضد النظام، ومع ذلك يحرص على قناة تواصل مع التيار الراديكالي.

وفي مجموعة الإصلاحيين: الرئيس مسعود بزشكيان، وهو الذي يحاول قيادة الخط الأكثر اعتدالاً لغرض إزالة العقوبات الاقتصادية عن إيران، لكنه محدود التأثير بسبب القيود التي يفرضها عليه «الحرس الثوري». كما أنه يتعرض لحملة تحريض تتهمه بـ«خيانة قيم الثورة».

عباس عراقجي، وزير الخارجية الذي كان مفاوضاً في الاتفاق النووي الأول سنة 2015، مع دول الغرب. ويقول ضابط كبير في «أمان» إن عراقجي دبلوماسي لديه خبرة ويبحث عن صيغ للتنازلات بطريقة لا تظهر إيران مستسلمة للإرادة الأميركية.

كما يقول تقرير «أمان» إنه بالإضافة إلى هؤلاء، توجد مجموعة اسمها «الممسكون بالخيوط»، وأبرز هؤلاء: علي إفتخاري وهو شخصية مؤثرة في المخابرات وبين صفوف النخبة الدينية التي انتخبت مجتبى مرشداً، تعد هذه المجموعة العقيدة الدينية للثورة ركناً أساسياً للنظام.

علي رائدين، هو رجل أمن رفيع ذو علاقات وطيدة بدوائر اتخاذ القرارات الحساسة، ويصفه جنرال إسرائيلي بأنه «أقوى خلية في السلسلة»، ومكلف بحماية النظام وثباته في مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية. وقد كُلف بإعادة بناء قوة «الباسيج» بعدما تلقت ضربات كبيرة من إسرائيل.

حلقة الضعف

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

ويقول جنرال إسرائيلي في «أمان» إن حلقة الضعف في هذه القيادة أنه لا يوجد شخص يملك الكلمة الفصل، لذلك فإن كل قرار يصدر حالياً تنشأ له فوراً معارضة وشكوك، بحيث بدأت الثقة تتزعزع لدى الكثيرين بأنفسهم، وكذلك في بعضهم بعضاً. كما يسود التوتر بين هذه القيادات حتى في ظل وقف النار.

ويضيف أن وقائع الحرب والاغتيالات، وغياب علي خامنئي، والدمار وفقدان التواصل، كلها عوامل أدت إلى تصدع حقيقي داخل سلطة الحكم الإيرانية، وعقّدت قدرتها على اتخاذ القرارات.

ومع وجود قادة جدد في مواقع المسؤولية نشأت فوضى، وتعمقت أزمة الحكم والسلطة. ويُلاحظ أنه يوجد لدى المفاوضين الإيرانيين قدر محدود من المعرفة بما يمكن أن تقدمه حكومتهم من تنازلات أو حتى بمن يتعين عليهم سؤاله على وجه الدقة. وفضلاً عن ذلك، فإن المتشددين داخل «الحرس الثوري» باتوا أكثر نفوذاً ويمارسون سلطة أكبر من القيادة الدينية التي تتولى الحكم اسمياً.

ولا تستبعد «أمان» أن التيار المتشدد يخرب على أولئك الذين يتوصلون إلى اتفاقيات وتفاهمات مع واشنطن.

تقويض النظام

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد 10 يناير (رويترز)

من جهة أخرى، قال موقع «واللا» الإسرائيلي إنه خلال عملية «زئير الأسد» تم استهداف مئات الأهداف التابعة لقوات «الباسيج»، وتم اغتيال مسؤولين كبار. ومع ذلك، يوضح الجيش الإسرائيلي أنه لم تُصدر أي تعليمات لإسقاط النظام، وأن الضربات الجوية وحدها ليست كافية لتحقيق ذلك.

في الوقت نفسه، كُشف أن المستوى السياسي منع استهداف بنى تحتية وطنية، وأنه رغم الأضرار، لم يخرج الشعب الإيراني إلى الشوارع. وتشير التقديرات داخل المؤسسة الأمنية إلى أن الهدف من العملية كان زعزعة استقرار النظام الإيراني وإضعاف قبضته، من خلال ضرب أذرعه الأمنية الداخلية، وعلى رأسها قوات «الباسيج»، التي تُعد أداة رئيسية في قمع الاحتجاجات الشعبية.

وقد شملت الهجمات مئات المواقع المرتبطة بهذه القوات، إضافة إلى استهداف شخصيات قيادية بارزة. وعُد ذلك جزءاً من محاولة إحداث تأثير داخلي في إيران، وليس فقط توجيه ضربة عسكرية تقليدية.

مع ذلك، شدّد مسؤولون في الجيش الإسرائيلي على أن إسقاط النظام لم يكن هدفاً رسمياً للعملية، وأن مثل هذا الهدف يتطلب أدوات أوسع بكثير من مجرد الضربات الجوية، بما في ذلك تحركات سياسية وشعبية داخلية.

كما تبين أن القيادة السياسية فرضت قيوداً على نطاق الهجمات، إذ منعت استهداف بنى تحتية وطنية حيوية داخل إيران، وهو ما حدّ من مستوى التصعيد، ومن حجم الضرر الممكن إحداثه.

ورغم الضربات التي وُجهت، تشير التقديرات إلى أن الشارع الإيراني لم يشهد تحركاً واسعاً أو احتجاجات كبيرة نتيجة هذه الهجمات، وهو ما عُد عاملاً مهماً في عدم تحقيق تأثير استراتيجي أعمق على استقرار النظام.

في المحصلة، ترى التقييمات أن الضربات الجوية، حتى وإن كانت واسعة، لا تكفي وحدها لإحداث تغيير سياسي جوهري داخل إيران، خصوصاً في ظل غياب تحرك داخلي من قبل الإيرانيين أنفسهم.