الحكومة الإيرانية تطالب «تشخيص النظام» بتجاوز «عقدة فاتف»

نائب الرئيس يطالب بإطلاع الشارع على مجريات الأمور في البلاد

ظريف في حالة توتر بعد الإدلاء بشهادة حول ملف «فاتف» في اجتماع لـ«مجلس تشخيص مصلحة النظام»
ظريف في حالة توتر بعد الإدلاء بشهادة حول ملف «فاتف» في اجتماع لـ«مجلس تشخيص مصلحة النظام»
TT

الحكومة الإيرانية تطالب «تشخيص النظام» بتجاوز «عقدة فاتف»

ظريف في حالة توتر بعد الإدلاء بشهادة حول ملف «فاتف» في اجتماع لـ«مجلس تشخيص مصلحة النظام»
ظريف في حالة توتر بعد الإدلاء بشهادة حول ملف «فاتف» في اجتماع لـ«مجلس تشخيص مصلحة النظام»

تتمسك الحكومة الإيرانية بتجاوز «عقدة» مجموعة العمل المالي (فاتف)؛ الهيئة الرقابية العالمية المعنية بمكافحة غسل الأموال، وسط معارضة أطراف مؤيدة لاستراتيجية «الحرس الثوري» العابرة للحدود الإيرانية، فأمس طالب إسحاق جهانغيري، نائبُ الرئيس الإيراني، «مجلس تشخيص مصلحة النظام» بالموافقة على لوائح قانونية تسمح لإيران بالامتثال لمعايير مجموعة «فاتف»، وذلك بعد 4 أيام من بيان دولي شديد اللهجة، منح طهران موعداً نهائياً للامتثال لقواعد دولية، وبعده ستحث المجموعة جميع أعضائها على تطبيق إجراءات مضادة.
وقال جهانغيري أمام حشد من رجال الدين، في طهران أمس، إنه «من الجيد أن يطلع الناس على مجريات الأمور؛ بما في ذلك المفاوضات داخل الحكومة والبرلمان ومجلس تشخيص مصلحة النظام» وأضاف: «يتعين على مجلس تشخيص مصلحة النظام الموافقة على لوائح (فاتف) ومكافحة الجريمة الدولية (سي إف تي)، نظراً لتشريعها في اجتماع رؤساء القوى الثلاث وموافقة المرشد الإيراني».
وجاء الرد سريعاً من مجلس تشخيص مصلحة النظام. وقال أحد أبرز أعضائه، وهو علي رضا مصباحي مقدم، إن «المرشد لم يبلغ المجلس أوامر حول لوائح (فاتف)» ونقلت عنه وكالة «إيسنا» الحكومية أنه «لم يحدث أي تطور جديد حول لوائح (فاتف)» ونوه: «إذا قرر المرشد (الموافقة) فسيبلغنا بذلك، نحن خاضعون لتوصيات في كل الأمور».
وتأتي تصريحات جهانغيري بعد أيام من عودة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى اللجوء لخيار الاستفتاء لحل الخلافات حول القضايا الاستراتيجية، في إشارة ضمنية إلى الصعوبة التي تواجهها حكومته في تمرير قوانين تفتح الباب على امتثال طهران للقوانين الدولية المتعلقة بقوانين مجموعة «فاتف».
وواجهت تصريحات روحاني انتقادات من معارضي سياساته وسط اهتمام الأوساط المؤيدة للحكومة، لكن محللين يميلون إلى أن توقيت إثارة الاستفتاء الذي يعدّ من بين المطالب الأساسية في الشارع الإيراني، هو محاولة لإنعاش حظوظ حلفائه في الانتخابات البرلمانية المقررة في فبراير (شباط) المقبل.
وقالت «مجموعة العمل المالي (فاتف)»، المعنية بمكافحة غسل الأموال، في بيان حاد، الجمعة الماضي، إنها منحت إيران موعداً نهائياً في فبراير 2020 للامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وقالت في بيان: «إذا لم تقر إيران، قبل فبراير 2020، (اتفاقية باليرمو) وأخرى لمكافحة تمويل الإرهاب بما يتماشى مع معايير (فاتف)، فإن (فاتف) ستلغي بالكامل تعليق تدابير مضادة، وستدعو أعضاءها وتحث جميع الولايات القضائية على تطبيق تدابير مضادة فعالة بما يتماشى مع التوصية رقم 19».
وعدّ وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، أول من أمس، أن قرار المجموعة الدولية «مسيّس ومرفوض»، قائلاً إن «إيران في قوانينها الداخلية تعدّ مكافحة غسل الأموال ضرورة وهدفاً تتابعه»، وتابع: «سنقوم بكل الإجراءات اللازمة لمكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال من أجل مصالحنا الوطنية»، وأشار إلى تشريع قوانين داخلية لمكافحة غسل الأموال في الحكومة والقضاء الإيراني، وعدّه «خطوة مهمة لإيران».
ولم يختلف تعليق المتحدث باسم الحكومة، علي ربيعي، على مهلة مجموعة «فاتف»، وقال في مؤتمر صحافي أول من أمس إن الحكومة «تواصل مشاوراتها»، وأنها «تؤكد على ضرورة الامتثال لقوانين (فاتف) لتعزيز المصالح الوطنية».
وأخفق الرئيس الإيراني حسن روحاني حتى الآن في تفعيل وعوده في انتخابات 2017 بتشجيع الاستثمار الأجنبي في جزء من مقترحات اقتصادية تهدف إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية واحتواء أزمة البطالة. وتقول شركات أجنبية إن امتثال إيران لقواعد مجموعة العمل المالي أمر حيوي إذا رغبت طهران في اجتذاب المستثمرين على الأخص بعد أن أعادت الولايات المتحدة فرض عقوبات على إيران في العام الماضي.
كما أن الدول الأوروبية الثلاث (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) رهنت تفعيل آلية «إينستكس» المقترحة للالتفاف على العقوبات الأميركية بامتثال إيران لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وكانت قوانين «فاتف» بيت القصيد في أجندة الحكومة الإيرانية في العام الأول على انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب وسعي الحكومة الإيرانية وراء بدائل لتعويض خسائر العقوبات بين أطراف الاتفاق النووي.
وبعد شدّ وجذب بين الحكومة والبرلمان ومجلس صيانة الدستور، تمكنت الحكومة من تعديل قانونين محليين لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لكن تواجه لائحتا «مكافحة الجريمة المنظمة (باليرمو)» و«مكافحة تمويل الإرهاب (سي إف تي)»، معارضة مشددة من «مجلس صيانة الدستور»، مما أدى إلى تدخل «مجلس تشخيص مصلحة النظام» لحل الخلاف، لكن الحكومة تزداد تشاؤماً بسبب سيطرة المحافظين المقربين من «الحرس الثوري» على المجلس الذي يختار كل أعضائه المرشد الإيراني.
وتهمش ملف اللائحتين في «مجلس تشخيص مصلحة النظام» مع ارتفاع حدة التوتر بين طهران وواشنطن على أثر تشديد العقوبات الأميركية ومنع صادرات إيران النفطية وتصنيف «الحرس الثوري» على قائمة المنظمات الإرهابية الدولية قبل إدراج المرشد الإيراني علي خامنئي ووزير الخارجية محمد جواد ظريف والبنك المركزي الإيراني على القائمة السوداء للعقوبات التي تفرضها وزارة الخزانة الأميركية على طهران.
ويعارض أنصار «الحرس الثوري» والتيار المحافظ امتثال إيران للاتفاقيتين بسبب ما تشكله من تهديد لأنشطة «فيلق القدس»، المسؤول عن العمليات الاستخباراتية والعسكرية لـ«الحرس الثوري». كما يعرب هؤلاء عن مخاطر تشكلها الاتفاقيتين على جماعات مسلحة موالية لإيران مثل «حزب الله» اللبناني وفصائل فلسطينية مسلحة.
بينما ترى حكومة روحاني أن الانضمام إلى الاتفاقيتين يحمي إيران من «ذرائع أميركية». ويقلل هؤلاء من تأثير الاتفاقيتين على أنشطة «الحرس الثوري» على الصعيدين الداخلي والخارجي.
ومن المرجح أن تزداد مهمة الحكومة تعقيداً، خصوصاً بعد إصرار المرشد الإيراني علي خامنئي، على توسع جهاز «الحرس الثوري» في البرامج العابرة للحدود وعدم الرضا بالبقاء «وراء أربعة جدران» بحسب آخر كلمة له أمام حشد ضم الآلاف من قادة «الحرس».
وعاد الخلاف حول الامتثال لقوانين غسل الأموال وتمويل الإرهاب إلى الصحف الإيرانية بعد غياب استمر 4 أشهر؛ حيث حصلت الحكومة الإيرانية قبل 4 أشهر على رابع مهلة خلال عامين. وقالت صحيفة «سياست روز» المقربة من تيار «الحرس الثوري» في مقالها الافتتاحي أمس إن بيان «مجموعة (فاتف) الأخير تضمن تهماً ضد إيران»، وانتقدت البيان على ما عدّته «تجاهل التعاون الإيراني»، وتساءلت عما إذا كانت المجموعة تسعى وراء «مطالب واسعة من إيران على غرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ملف معاهدة حظر الانتشار النووي».
كذلك تساءلت عن جدوى انضمام إيران «بينما الكلمة الأولى في العالم للعقوبات الأميركية» وذلك في إشارة لامتثال الدول الأوروبية والشركات العالمية للعقوبات ضد إيران. وانطلاقاً من هذا، قالت الصحيفة إن «كبار المسؤولين في مجموعة (فاتف) من (الخزانة) الأميركية، وهذا يعني أن تعليق الآمال على هذه المؤسسة الدولية لا يمكن أن يكون عملياً، وأنه أشبه بسراب؛ ظاهره جميل وباطنه خاوٍ وأسود».
ودعت الصحيفة إلى عدم تجاهل دور الأوروبيين في مجموعة «فاتف»، ووصفت الدول الأوروبية بـ«المتغطرسة» وقالت: «إنها في تنفيذ الاتفاق النووي أثبتت أنها لا تلتزم بتعهدات، ومن جانب آخر تريد فرض مطالب أخرى تحت راية الاتفاق النووي، وتريد من إيران قبول اتفاق جديد لحذفها من المعادلات الإقليمية وقدراتها الدفاعية والصاروخية إلى جانب تنفيذ تعهدات الاتفاق النووي».
أما صحيفة «آرمان ملي» فرصدت «السيناريو المطلوب إيرانياً»، بعدما منحت مجموعة «فاتف» مهلة 4 أشهر جديدة لإيران. ورأت أن امتثال إيران لمعايير «فاتف» والاتفاقيات المرتبطة بها سيؤدي إلى «تلطيف الأوضاع الحساسة الحالية لإيران»، مشيرة إلى أن الخطوة «ستعد مؤشراً وخطوة إيجابية من طهران تجاه التطورات».
ويشير محلل الشؤون الدولية فريدون مجلسي، في مقال، إلى تبعات العقوبات الأميركية على الاقتصاد الإيراني، ومنها حرمان طهران من تصدير مليوني برميل نفط يومياً وموارد بقيمة 120 مليون دولار، إلى جانب ارتفاع تكلفة استيراد السلع التي تبلغ أضعاف قيمتها الحقيقية، وصولاً إلى الصادرات غير النفطية التي يتم تهريبها وتباع بأقل من قيمتها الحقيقية.
ويحذر المقال من سعي الولايات المتحدة لإعادة إيران للقائمة السوداء في مجموعة «فاتف»، مشيراً إلى تفاقم العقوبات الأميركية المفروضة على قطاعي النفط والمال الإيرانيين. وفي النهاية يوصي الحكومة بأخذ زمام المبادرة لـ«خطوة جدية في تنفيذ (اتفاقية باليرمو) لمكافحة الجريمة المنظمة الدولية» و«التركيز على اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب (سي إف تي)».



إسرائيل تستعد لأسبوعين من التصعيد في إيران

قوات الأمن الإسرائيلية تتفقد الأضرار التي لحقت بمبنى أصيب بصاروخ إيراني في بيتح تكفا يوم 4 أبريل (أ.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية تتفقد الأضرار التي لحقت بمبنى أصيب بصاروخ إيراني في بيتح تكفا يوم 4 أبريل (أ.ب)
TT

إسرائيل تستعد لأسبوعين من التصعيد في إيران

قوات الأمن الإسرائيلية تتفقد الأضرار التي لحقت بمبنى أصيب بصاروخ إيراني في بيتح تكفا يوم 4 أبريل (أ.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية تتفقد الأضرار التي لحقت بمبنى أصيب بصاروخ إيراني في بيتح تكفا يوم 4 أبريل (أ.ب)

تستعد إسرائيل لأسبوعين آخرين من القتال في إيران، حيث قررت استهداف البنى التحتية والاقتصادية فيما تبقى من الحرب في مراحلها النهائية، مع مواصلة استهداف الصناعات الدفاعية الإيرانية. وقالت مصادر أمنية إسرائيلية لتلفزيون «كان» إن الاقتصاد الإيراني سيكون الهدف التالي في الحملة.

وأفاد مسؤولون أمنيون القناة بأن إسرائيل أعدّت قائمة أهداف لضربها في الأسابيع المقبلة، ومن المتوقع أن يؤثر ذلك بشكل غير مباشر في الشعب الإيراني. وتشمل هذه الأهداف، بحسب المصادر، «البنية التحتية الوطنية والجسور، بالإضافة إلى أهدافٍ لم تتعرض لهجماتٍ كثيرة حتى الآن، مثل منشآت الطاقة والنفط».

وقالت «كان» إن المسؤولين الإسرائيليين يعتقدون أن الحرب قد تطول أيضاً أكثر من أسبوعين. وتمديد الحرب لأسبوعين إضافيين أصلاً يعني أنها ستستمر مدة أطول من المدة المخطط لها أصلاً.

وكانت المدة الأصلية قد تحددت بأربعة أسابيع إلى ستة أسابيع؛ ما يعني أن الحرب التي دخلت الآن أسبوعها السادس، يفترض أن تكون على وشك نهايتها.

وفيما يُعرف في إسرائيل بحرب البنى التحتية، كما وصفتها القناة «12» الإسرائيلية، أكدت مصادر مطلعة لموقع «آي 24 نيوز» أن الجيش يستعد لتصعيد كبير سيشعر به كل الشرق الأوسط، مع تلاشي التوقعات بنهاية سريعة للحرب.

وأكدت المصادر أنه عقب اجتماع حاسم بين كبار قادة الجيش الإسرائيلي والأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، تمت الموافقة على خطط عملياتية لمواصلة القتال لمدة 3 أسابيع على الأقل، والهدف التالي للهجمات هو النظام الاقتصادي والبنوك.

المرحلة التالية

الجسر الذي دمرته غارة جوية أميركية في موقع جنوب غربي طهران (أ.ف.ب)

وتمثل المرحلة التالية من الحملة تحولاً استراتيجياً في اختيار الأهداف، وانتقالاً إلى التركيز على «خنق» إيران اقتصادياً، بحسب القناة.

وإلى جانب مواصلة مهاجمة المنشآت العسكرية، تخطط إسرائيل والولايات المتحدة لشنّ هجوم دقيق على القطاعات الاقتصادية، بما في ذلك استهداف المؤسسات المالية والبنوك، والبنية التحتية للطاقة، والمنشآت البتروكيماوية التي تُشكل «أنبوب الأكسجين» الرئيسي للنظام.

وبحسب الخطة، ستعمل الولايات المتحدة في المناطق المحددة ضمن مسؤوليتها، بينما سيعمّق الجيش الإسرائيلي أنشطته ضد البنية التحتية الأساسية في مختلف الدوائر.

وأُخذت هذه القرارات في ظل اقتراب انتهاء مهلة الإنذار التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والمتوقع أن تنتهي خلال يومين، بحسب تحذيره الجديد، متوعداً بالجحيم إذا لم تُبرم إيران الاتفاق.

ويقول الوسطاء إنهم يسيرون في مسار صحيح من أجل إبرام اتفاق، لكن مصادر في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أقرت بوجود أوجه تشابه مع سلوك سابق، حيث جرى تعزيز خطط سياسية بالتوازي مع الاستعدادات لتصعيد خطير.

وبينما ينتظر ترمب لمعرفة ما إذا كان سيتم التوصل إلى اتفاق أو اتخاذ إجراء عسكري كبير، فإن الوجود المكثف للقوات الأميركية في المنطقة يشير إلى استعداد لتصعيد الإجراءات.

وقالت «كان» إن قائمة الأهداف الواسعة التي أعدّتها إسرائيل والولايات المتحدة لم تحظَ بموافقة الرئيس ترمب، الذي لم يتخلَّ بعد عن المفاوضات مع إيران، لكنه أمر بالهجوم على الجسر كي يعطي إشارة للنظام الإيراني بشأن جدية نوايا الولايات المتحدة في المستقبل.

ضربات مفاجئة

قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل (أ.ف.ب)

وتستعد إسرائيل لتصعيد كبير على الرغم من أنها تلقت المزيد من الضربات المفاجئة. واستهدفت إيران وزارة الدفاع الإسرائيلية في تل أبيب، واعترفت إسرائيل لاحقاً بأن قنبلتين عنقوديتين سقطتا قرب مقر وزارة الدفاع، وأحدثتا أضراراً كبيرة في مدرسة وموقف سيارات. وأطلقت إيران عدة دفعات من الصواريخ الباليستية على إسرائيل، يوم السبت؛ ما تسبب في أضرار جسيمة للمنازل وإصابة 6 أشخاص بجروح.

وقالت وسائل إعلام إسرائيلية إن القنابل العنقودية أصابت 9 مواقع، ودمّرت مباني بشكل جزئي، وخلَّفت أضراراً كبيرة وهائلة، وصدمةً وذعراً لدى الإسرائيليين. كما شوهدت مبانٍ منهارة بشكل جزئي ودمار ومركبات مشتعلة.

ومع مواصلة الحرب، تراجعت نسبة الإسرائيليين الذين يؤيدون استمرارها، واستغلت الجبهة الداخلية الإسرائيلية القيود على التجمعات العامة لأسباب أمنية، وأبلغت المحكمة العليا، يوم السبت، أنها ستسمح بمظاهرات تضم ما يصل إلى 150 مشاركاً في تل أبيب، مقارنةً بـ50 شخصاً في بقية المناطق فقط.

ووفقاً للسلطات العسكرية، تستند هذه القيود إلى تقييمات ميدانية. وتم إبلاغ هذا القرار على وجه السرعة، قبل ساعات فقط من مظاهرة مناهضة للحرب، وذلك في إطار دعوى قضائية رفعتها جمعية حقوقية في إسرائيل طعنت في القيود المفروضة على التجمعات خلال النزاع.

وطلبت الجمعية عقد جلسة استماع عاجلة أمام المحكمة للنظر في تأثير هذه الإجراءات على حرية التجمع، وردّت السلطات أن هذه الإجراءات جزء من إطار أمني استثنائي يهدف إلى حماية السكان المدنيين. والأسبوع الماضي، فضّت الشرطة بعنف مظاهرات ضد الحرب بدعوى عدم امتثالها لتوجيهات قيادة الجبهة الداخلية.

وتساءل رئيس المحكمة العليا، يتسحاق أميت، عن سبب حظر الاحتجاجات، وقال خلال جلسة الاستماع: «دعونا نفهم ما يعنيه عدم تنظيم مظاهرات وقت الحرب (..) هناك مئات الأشخاص في محلات عالم الموضة».

وتراقب إسرائيل من كثب نتائج عملية إنقاذ الطيار الأميركي المفقود، إذ سيكون لها تأثير مباشر على حرية تحرك القوات الجوية، كما قالت «القناة 14»، التي أكدت أن الحادث يثير تساؤلات جدية حول القدرات العملياتية التي طورها الإيرانيون، «على الأرجح بمساعدة تكنولوجية روسية أو صينية»، لكشف واعتراض طائرات الجيل الخامس.

وحذّر خبراء عسكريون من أنه إذا تمكنت إيران من الحصول على حطام الطائرة وأجهزة حاسوبها، فسيكون ذلك كارثة استخباراتية ستكشف أسراراً خفية للولايات المتحدة وحلفائها، بما في ذلك إسرائيل.


روسيا تباشر إجلاء 198 عاملاً من محطة بوشهر النووية في إيران

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
TT

روسيا تباشر إجلاء 198 عاملاً من محطة بوشهر النووية في إيران

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)

بدأت روسيا، السبت، إجلاء 198 عاملاً من محطة بوشهر النووية في إيران، التي أُصيب محيطها بضربة أميركية-إسرائيلية جديدة في وقت سابق، أدانتها موسكو بشدة.

ونقلت وكالة «تاس» عن المدير العام لوكالة «روساتوم» النووية، أليكسي ليخاتشيف، قوله إنّ «موجة الإجلاء الرئيسية لموظفي (روساتوم) من إيران بدأت اليوم كما هو مخطط لها».

وأضاف أنّ حافلات تقل «198 شخصاً» غادرت نحو الحدود الأرمينية «بعد نحو 20 دقيقة» من الضربة الجديدة التي استهدفت محيط محطة الطاقة النووية.

وقال إن هذه «أكبر عملية إجلاء» لموظفين روس من المحطة منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط.

وأسفرت ضربة أميركية-إسرائيلية جديدة على محيط محطة بوشهر النووية في جنوب غربي إيران عن مقتل أحد عناصر الحماية السبت، حسبما أفادت وسائل إعلام رسمية في إيران.

صورة ملتقطة من قمر «بلانيت لابس بي بي سي» تظهر محطة بوشهر في جنوب إيران (أرشيفية - أ.ب)

وشاركت روسيا في بناء المحطة، ويساعد فنيون روس في تشغيلها.

وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، في بيان: «ندين بشدة هذا العمل الشرير الذي أسفر عن مقتل شخص»، لافتة إلى أن «الضربات على المنشآت النووية الإيرانية، بما فيها محطة (بوشهر) للطاقة النووية، يجب أن تتوقف فوراً».

وهذه المرة الرابعة التي تُستهدف فيها هذه المنطقة الواقعة على سواحل الخليج منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط في 28 فبراير (شباط)، حسبما أفادت وكالة «إرنا» الإيرانية للأنباء.

وقال ليخاتشيف لصحافيين روس: «للأسف، يتزايد احتمال وقوع أضرار أو حادث نووي يومياً، كما أظهرت أحداث هذا الصباح».

وسبق أن أُجلي عشرات الموظفين الروس من المحطة في الأيام الأولى للحرب.

وكان 163 موظفاً آخرين قد غادروا الموقع في 25 مارس (آذار) بعدما استهدفته ضربة، واستبعد ليخاتشيف، حينها، إمكان إجلاء جميع موظفي «روساتوم»، مؤكداً أنه سيتعين على «عشرات الأشخاص» البقاء في الموقع.


إسقاط الطائرتين الأميركيتين يبدد سردية «الحسم السريع»

طائرة أميركية ترافقها طائرات هليكوبتر متخصصة في عمليات إنقاذ الطيارين في ميادين القتال خلال البحث عن الطيار الأميركي المفقود (أ.ف.ب)
طائرة أميركية ترافقها طائرات هليكوبتر متخصصة في عمليات إنقاذ الطيارين في ميادين القتال خلال البحث عن الطيار الأميركي المفقود (أ.ف.ب)
TT

إسقاط الطائرتين الأميركيتين يبدد سردية «الحسم السريع»

طائرة أميركية ترافقها طائرات هليكوبتر متخصصة في عمليات إنقاذ الطيارين في ميادين القتال خلال البحث عن الطيار الأميركي المفقود (أ.ف.ب)
طائرة أميركية ترافقها طائرات هليكوبتر متخصصة في عمليات إنقاذ الطيارين في ميادين القتال خلال البحث عن الطيار الأميركي المفقود (أ.ف.ب)

بعد 34 يوماً من الحرب، جاء إسقاط الطائرتين الأميركيتين ليكسر السردية التي روّجت لها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن أن إيران فقدت القدرة على الإيذاء، وأن الحملة الجوية تسير نحو «خط النهاية».

فالحادثة لم تكن مجرد خسارة ميدانية، بل ضربة سياسية ونفسية في توقيت بالغ الحساسية، قبل يومين فقط من انتهاء مهلة 6 أبريل (نيسان) التي لوّح ترمب بعدها بإعادة إيران إلى «العصر الحجري».

الأهم أن التطور تزامن مع تقارير استخبارية أميركية تفيد بأن طهران تعيد فتح المخابئ والصوامع المقصوفة خلال ساعات، ومع استمرار قبضتها على مضيق هرمز بوصفه ورقة الضغط الأكثر فاعلية لديها. هكذا، بدا أن الحرب دخلت مرحلة جديدة: لم يعد السؤال فقط كم هدفاً دُمّر داخل إيران، بل هل استطاعت واشنطن فعلاً حرمان طهران من القدرة على الصمود، أم أنها ألحقت بها أضراراً جسيمة من دون أن تنتزع منها أوراق الردع الأخيرة؟

فجوة الخطاب والميدان

أبرز ما كشفه إسقاط الطائرتين هو الفجوة بين الخطاب الأميركي والواقع الميداني. فواشنطن تحدثت خلال الأيام الماضية عن تراجع الهجمات الإيرانية بنسبة حادة، وعن «هيمنة جوية ساحقة». لكن وكالة «أسوشييتد برس» أشارت إلى أن إسقاط مقاتلة أميركية، وهبوط أخرى اضطرارياً بعد إصابتها، مع استمرار البحث عن أحد أفراد الطاقم، أظهر أن إيران ما زالت تملك قدرة كافية لإرباك العمليات، وفرض تكلفة مباشرة على الولايات المتحدة.

هذا لا يعني أن الدفاعات الإيرانية استعادت توازنها السابق، لكنه يعني أن تدميرها لم يكن كاملاً، وأن ما تبقى منها، أو ما استُحدث من وسائل متنقلة ومنخفضة البصمة، يكفي لكسر صورة الحرب المعقمة التي حاولت واشنطن تسويقها.

إيران والبقاء المرن

الجسر الذي دمرته غارة جوية أميركية في موقع جنوب غربي طهران (أ.ف.ب)

سياسياً، يرى مراقبون أن خطورة الحادثة تكمن في أنها تمنح طهران إنجازاً رمزياً كبيراً؛ فهي لا تغيّر ميزان القوى العام، لكنها تثبت أن إيران لم تتحول إلى ساحة مفتوحة بلا أنياب، وأن أي حديث أميركي عن الحسم السريع كان سابقاً لأوانه.

التحليلات الأميركية الأخيرة توحي بأن المسألة الأهم لم تعد في عدد البطاريات أو المنظومات التي بقيت لدى إيران، بل في قدرتها على اعتماد نمط «البقاء المرن». وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» إن تقارير الاستخبارات تحدثت بوضوح عن إزالة الأنقاض سريعاً من فوق المخابئ والصوامع المقصوفة، وإعادتها إلى العمل بعد ساعات.

كما أشارت إلى أن طهران ما زالت تحتفظ بجزء معتبر من الصواريخ والقاذفات المتحركة. هذا يعني أن انخفاض وتيرة الإطلاقات الإيرانية لا يثبت بالضرورة انهيار القدرة، بل قد يعكس قراراً واعياً بترشيد الاستخدام، والحفاظ على ما تبقى لأطول وقت ممكن.

كما أن كثافة الأهداف الوهمية والتمويه تجعل تقدير ما دُمّر فعلاً أكثر صعوبة، وهو ما يفسر تزايد الشكوك داخل واشنطن بشأن مدى اقترابها من القضاء على القدرة الصاروخية الإيرانية.

ترمب وتناقضات النهاية

المعضلة الأكثر وضوحاً الآن هي أن ترمب رفع سقف التهديد إلى مستوى يصعب التراجع عنه من دون ثمن سياسي، وفق محللين غربيين. ففي الأيام الأخيرة، أطلق رسائل متناقضة: مرة يقول إن الدول الأوروبية والآسيوية هي التي يفترض أن تعيد فتح هرمز لأنها الأكثر اعتماداً على نفطه، ومرة يتحدث عن أن الولايات المتحدة تستطيع «بسهولة» السيطرة على المضيق و«تحقيق ثروة» من النفط. وفي الوقت نفسه، استمر فريقه في التأكيد أن إيران تتراجع وأن نهاية الحرب باتت مرئية.

لكن إسقاط الطائرتين أربك هذه المعادلة؛ لأن الرئيس الأميركي بات أمام خيارين أحلاهما مُرّ: إما التصعيد لإثبات أن الضربة الإيرانية لن تغيّر مسار الحرب، وإما ترك باب التسوية مفتوحاً، بما قد يظهره كمن خفف شروطه تحت النار، بحسب «رويترز».

وتوقعت أن تزداد في الساعات المقبلة اللغة الأميركية تشدداً، ليس فقط للضغط على طهران، بل أيضاً لاستيعاب التداعيات على الداخل الأميركي، حيث لا تحظى الحرب أصلاً بإجماع واسع، بينما ترتفع حساسية الرأي العام تجاه القتلى والخسائر وارتفاع أسعار الوقود.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

«هرمز» مركز الثقل

إذا كان البرنامج النووي هو عنوان الحرب المعلن، فإن مضيق هرمز صار عنوانها العملي. وأشارت «رويترز»، يوم السبت، إلى أن إيران تستخدم المضيق ورقة ابتزاز رئيسية، وسمحت بعبور بعض السفن المرتبطة بدول أو شحنات لا تعدّها معادية، بينما يبقى المرور خاضعاً لشروط إيرانية مباشرة أو غير مباشرة.

وبهذا المعنى، لم تعد طهران تراهن فقط على ما تبقى من صواريخها، بل على قدرتها على إبقاء جزء أساسي من الاقتصاد العالمي في حالة قلق دائم.

فالمضيق الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية يمنح إيران ما عجز برنامجها النووي عن منحه: نفوذاً فورياً ومستمراً على الأسواق وعلى حسابات خصومها الإقليميين والدوليين؛ ولهذا يرى كثير من المراقبين أن نتيجة الحرب لن تحددها الغارات الجوية وحدها، بل ما إذا كانت إيران ستخرج منها وهي لا تزال ممسكة بمفتاح هرمز. فإن حدث ذلك، فستكون قد خسرت عسكرياً على الأرض، لكنها احتفظت بورقة جيوسياسية قادرة على تعويض جزء من تلك الخسائر.

يزيد المشهد تعقيداً أن حلفاء واشنطن لا يبدون استعداداً حقيقياً لمجاراة ترمب في أي مغامرة عسكرية واسعة لفتح المضيق بالقوة. الأوروبيون، خصوصاً فرنسا، بعثوا بإشارات واضحة إلى أن الخيار العسكري في هرمز «غير واقعي»، وأن إعادة الملاحة الحرة تمر بتفاهمات أوسع لا بتوسيع الحرب.

وحتى القوى الآسيوية المستفيدة مباشرة من فتح المضيق تبدو حذرة من الانخراط في مواجهة قد تفجر أسعار الطاقة أكثر، وتدفع الإقليم إلى مرحلة أشد فوضى. ويرى محللون أن هذا التردد يترك الولايات المتحدة شبه وحيدة أمام معضلة ثقيلة: فإذا أرادت فتح هرمز بالقوة، فقد تحتاج إلى عملية عسكرية أوسع وأكثر تكلفة، مع أخطار بشرية وسياسية متزايدة بعد إسقاط الطائرتين. وإذا أحجمت، فإنها تترك لإيران أهم ورقة ابتزاز في الحرب.

تصعيد غير مضمون

بقايا صاروخ إيراني سقط على مزرعة أبقار في مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية (إ.ب.أ)

ورجحت وكالة «أسوشييتد برس» قبل انتهاء مهلة 6 أبريل، أن يواصل ترمب رفع السقف، وأن تكثف إدارته الضغط العسكري والسياسي لإظهار أن إسقاط الطائرتين لن يبدل اتجاه الحرب.

وأوضحت الوكالة أنه على الأرجح أن هذا التصعيد لن يحل المعضلة الأساسية: الولايات المتحدة تستطيع زيادة التدمير، لكنها لم تثبت بعد أنها قادرة على فرض نهاية سياسية واضحة؛ فإيران، رغم إنهاكها، ما زالت تقاتل من تحت الأنقاض، وتحتفظ بقدرة على الضرب، وبمرونة في استعادة بعض قدراتها، وبورقة هرمز التي تمنحها نفوذاً يتجاوز وزنها العسكري الراهن.

لذلك، فإن ما كشفته الأيام الأخيرة هو أن الحرب دخلت مرحلة أكثر تعقيداً: مرحلة لا يكفي فيها التفوق الجوي لإعلان النصر، ولا يكفي فيها الصمود الإيراني لادعاء الانتصار، بل تُقاس النتائج بقدرة كل طرف على فرض شكل النهاية التي قيل إنها تقترب.