اتفاق أولي لترسيم حدود دولتي السودان... وتعليق محادثات السلام في جوبا

البرهان يلتقي بوتين على هامش قمة «سوتشي»

عبد الفتاح البرهان مع سلفا كير خلال إطلاق محادثات مع الجماعات المسلحة في جوبا (إ.ب.أ)
عبد الفتاح البرهان مع سلفا كير خلال إطلاق محادثات مع الجماعات المسلحة في جوبا (إ.ب.أ)
TT

اتفاق أولي لترسيم حدود دولتي السودان... وتعليق محادثات السلام في جوبا

عبد الفتاح البرهان مع سلفا كير خلال إطلاق محادثات مع الجماعات المسلحة في جوبا (إ.ب.أ)
عبد الفتاح البرهان مع سلفا كير خلال إطلاق محادثات مع الجماعات المسلحة في جوبا (إ.ب.أ)

توافَق السودان وجنوب السودان مبدئياً على قضية ترسيم حدود الدولتين، ووقّعا بالأحرف الأولى تقريراً ختامياً، وضعته لجان الترسيم المشتركة بالخرطوم، أمس، وأثناء ذلك أعلنت الوساطة تعليق المفاوضات بين الحركات المسلحة والحكومة السودانية إلى شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، في حين يتوقع أن يلتقي فيه رئيس السيادة عبد الفتاح البرهان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش مشاركته في قمة «سوتشي»، قبل أن يغادر إلى أذربيجان للمشاركة في مؤتمر دول عدم الانحياز المنعقد هناك.
ومنذ انفصال دولة جنوب السودان عن السودان عام 2011، لم تفلح الدولتان في الاتفاق على ترسيم الحدود المشتركة، ودارت نزاعات مسلحة بين الدولتين، واتخذ الاتحاد الأفريقي قراراً قضى بتحديد منطقة آمنة محايدة منزوعة السلاح بعمق 10 كيلومترات على طرفي الحدود.
وقال رئيس لجنة الترسيم من الجانب السوداني، الأمين محمد بانقا، إن اللجنة المشتركة أعدت الأوراق والمستندات الخاصة بالحدود، وتضمنت ترسيم الخط المتفق عليه، وخطاً تفصيلياً مع إحداثيات المسار، والخرائط المرفقة، لتكتمل أعمال اللجان الفنية منتصف الشهر المقبل في اجتماع يعقد بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا. وينتظر، بحسب بانقا، أن تقدم اللجان الفنية تقريرها بعد مناقشة المناطق الحدودية المتنازعة لمفوضية ترسيم الحدود المشتركة في البلدين، في حين قال رئيس اللجنة من جنوب السودان داريوس قرنق بول: «يمكن وصف اتفاقية الحدود بالمكتملة»، وإن الطرفين أكملا ترتيبات الميزانية وخطط العمل.
ووفقاً لرئيس المفوضية القومية للحدود، فإن عمل اللجان الفنية استمر سبع سنوات، عقدت خلالها 120 اجتماعاً، بيد أنه أشار إلى أن الطرفين سيحددان وجهتي نظريهما بشأن المناطق المختلف عليها، لتبحث في اجتماع أديس أبابا.
وبلغ التوتر على الحدودي بين البلدين والتي يبلغ طولها زهاء ألفي كيلومتر، أن أغلق السودان حدوده مع الدولة الجارة، وبلغ الأمر أن وجه النائب الأول للرئيس السوداني الأسبق علي عثمان محمد طه بإطلاق النار بهدف القتل للتجار بين البلدين، مستخدماً المفردات الإنجليزية (Shoot to Kill).
لكن العلاقات بين الدولتين بدأت في التحسن بعد الثورة الشعبية التي أطاحت بنظام المعزول عمر البشير في أبريل (نيسان) الماضي.
وفي أول زيارة له لدولة جنوب السودان تعهد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك ببناء علاقة جوار يتحرك فيها مواطنو الدولتين من دون سمات دخول، واتفق مع القادة الجنوبيين على إعادة فتح الحدود والسماح بعمليات التبادل التجاري وحركة المواطنين في سبتمبر (أيلول) الماضي. وتقدر تقارير اقتصادية حجم التبادل التجاري الحدودي بين البلدين بقرابة 7 مليارات دولار سنوياً، ويعتمد الجزء الشمالي من دولة جنوب السودان على التجارة الحدودية مع السودان، ولا سيما أن دولة جنوب السودان مغلقة بلا سواحل بحرية، وتعتمد في تجارتها الدولية على الموانئ السودانية، وموانئ دول شرق أفريقيا، في حين ينقل نفط جنوب السودان عبر أنابيب النفط السودانية إلى ميناء بورتسودان على البحر الأحمر.
وفي جوبا عاصمة دولة جنوب السودان، علقت جولة محادثات بين الحكومة السودانية وحركات الكفاح المسلح المنضوية تحت لواء «الجبهة الثورية»، والعودة للانعقاد في وقت لاحق تحدده الوساطة الجنوب سودانية.
وأعلن رئيس لجنة الوساطة الجنوب سوداني، توت قلواك، تعليق المفاوضات بين الأطراف السودانية حتى 21 نوفمبر المقبل، وأكد اقتراب الأطراف من توقيع اتفاق سلام شامل يتم الاحتفال به في عاصمة بلاده جوبا.
وقال عضو مجلس السيادة السوداني، شمس الدين كباشي، في مؤتمر صحافي بجوبا أمس، إن الحكومة الانتقالية عازمة على الوصول لحل ينهي ما أطلق عليها «معاناة الشعب السوداني التي بدأت منذ استقلال جنوب السودان، وتفاقمت في العقود الثلاثة الأخيرة»، وأضاف: «الحل لقضايا الحرب والسلام ينبع من طاولة المفاوضات»، واستطرد: «وفد الحكومة جاء للمفاوضات في جوبا، وهو يحمل تطلعات وآمال الشعب السوداني في السلام والتنمية، ووجد الروح ذاتها لدى وفود المفاوضات في الحركات المسلحة».
وقطع بأن وفده ملتزم بما تم توقيعه، وسيواصل الجولة القادمة بالروح الطيبة ذاتها، وأنه متفائل بقرب التوصل لسلام شامل خلال الفترة المقبلة، وأشار إلى دور الحركات المسلحة في الثورة بقوله: «حركات الكفاح المسلح شاركت في الثورة منذ فترة طويلة، ولن تكتمل المشاركة إلا بتحقيق السلام الشامل والعادل في البلاد».
وتقود دولة جنوب السودان جهود الوساطة بين الحكومة السودانية وحركات الكفاح المسلح، المنضوية تحت لواء الجبهة الثورية، وتضم حركات مسلحة وتنظيمات مدنية عدة؛ بهدف التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الحرب في السودان، وبدوره سيسهم في حل النزاع في دولة جنوب السودان، والذي كانت الخرطوم قد قادت وساطة بين حكومة جوبا وزعيم المتمردين نائب الرئيس الأسبق رياك مشار، بيد أن المبادرة لا تزال تواجه المزيد من العثرات، ينتظر أن يسهم تحقيق السلام مع الحركات المسلحة السودانية في إزالتها، ولا سيما أن ملفات الحرب والسلام بين البلدين متشابكة.
من ناحيته، أكد الأمين العام للحركة الشعبية قطاع الشمال، عمار امون دلدوم، التزام الحركة بالاستمرار في التفاوض من أجل التوصل إلى سلام شامل في البلاد.
وقال الأمين العام للحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو عمار أمون، إن الطرفين يتمتعان بالإرادة السياسية اللازمة لتحقيق السلام، وأضاف: «هذه الإرادة تمنحنا أملاً كبيراً في تحقيق السلام».
في حين أكد رئيس الجبهة الثورية الهادي إدريس، على أن ما تم توقيعه في الجولة السابقة «يعد إنجازاً كبيراً ما كان ليتحقق لولا الروح والجدية اللتين سادتا المفاوضات».
وشدد مفوض الاتحاد الأفريقي لعملية السلام السودانية، جوارم بيسورا، على تواصل التفاوض حول قضايا السلام السودانية في «منبر جوبا»، وأكد دعم اتحاده لعملية السلام، استناداً إلى توجهاته الداعمة لحل القضايا الأفريقية داخل القارة.
وقال نائب رئيس الحركة الشعبية – شمال قيادة مالك عقار، ياسر عرمان، في تصريحات، إن الوضع الإنساني سيتحسن في المناطق المتأثرة بالحرب بعد موافقة الحكومة الانتقالية بإدخال الإغاثة من داخل وخارج السودان والموافقة على عودة المنظمات الإغاثية إلى مناطق دارفور بعد أن تم طردها في النظام البائد، معتبراً أن التوقيع على الإعلان السياسي بين الحكومة والجبهة الثورية حمل دلالات غير مسبوقة، وأنها المرة الأولى التي يوقع فيها على وقف عدائيات مشترك منذ خمس سنوات، حيث كانت الجولات السابقة تشهد توقيعات منفصلة للطرفين، مشيراً إلى أنه سيتم وضع آليات المراقبة المشتركة.
وأوضح عرمان، أن الحكومة السودانية وافقت لأول مرة على تقديم المساعدات الإنسانية من داخل وخارج البلاد، وقال «هذه الخطوة ظل نظام البشير البائد يقاومها طوال 8 سنوات وسمح للمنظمات الأجنبية بالعودة إلى مناطق طردت منها في دارفور وغيرها»، وكان الرئيس السابق عمر البشير قد طرد 13 من المنظمات الأجنبية في مارس (آذار) 2009 في أعقاب إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف في حق البشير لاتهامه بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية في دارفور.
وقال عرمان، إن روح الشراكة ومساعدة الأطراف لحل القضايا العالقة هي السائدة في أجواء المفاوضات التي تستضيفها جوبا عاصمة جنوب السودان، وأضاف: «يمكن التوصل إلى سلام عاجل، وما توفر لم يكن متاحاً إنجازه بعد أن وفرتها الثورة والتغيير والشعب السوداني».
من جهة أخرى، يشارك رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، بوفد رفيع في أعمال القمة الروسية - الأفريقية المقامة بمدينة سوشتي التي بدأت أمس وتستمر يومين، مع عدد من القادة الأفارقة، وتبعاً لنشرة صحافية ذكر مجلس السيادة أن رئيسه سيجري مباحثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومن ثم يتوجه لدولة أذربيجان في زيارة تستغرق يومين للمشاركة في قمة دول عدم الانحياز المنعقدة هناك.



«التربة»... مدينة تنام تحت الرعب بعد الاقتحام الحوثي

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
TT

«التربة»... مدينة تنام تحت الرعب بعد الاقتحام الحوثي

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)

منذ ليلتين تنام مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب غربي محافظة تعز، قبل مغيب الشمس، ويسود أحياءها صمتٌ مطبق حتى الفجر، ما حدا بأحد سكانها إلى تخيلها كمقبرة لا تتحرك فيها سوى عناصر الجماعة الحوثية الذين شبَّههم بأشباح توزع الخوف وتعيشه بالقدر ذاته، بينما تعود الحركة خلال ساعات النهار بشكل محدود.

لم يكن الخوف وليد لحظة اقتحام الحوثيين للمدينة، إلا أنه تضاعف حال وصولهم إليها، وحسب مصادر محلية في مديرية الشمايتين؛ فإن عناصر الجماعة أصرت على تثبيته في قلوب السكان عندما قتلت مدنياً بشكل أشبه بالإعدام الميداني، ساعة اقتحامها مركز المديرية (مدينة التربة) بعد إعلانه رفض وجودهم فيها.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القتيل خرج من محله التجاري ليقف أمام العربات العسكرية الحوثية التي تتقدم إلى المدينة مطالباً بمغادرتها، فوجَّه عناصر الجماعة أسلحتهم نحوه وطلبوا منه إعلان الولاء بأداء الصرخة الخمينية، إلا أنه رد عليهم بالضحك، فأطلقوا عليه النار وأردوه في الحال.

وتسببت سيطرة الجماعة الحوثية على المدينة بدفع السكان إلى العودة إلى منازلهم، في حين أُغلقت المحال التجارية وخفَّت حركة التسوق، بينما سارع المتسوقون القادمون من مختلف مناطق المديرية والمديريات المجاورة إلى المغادرة، قبل أن يتمكنوا من شراء احتياجاتهم.

قافلة غذائية وجَّهها سكان مدينة التربة إلى جبهات غرب تعز قبل استيلاء الحوثيين عليها (فيسبوك)

وقبل أن تصل المعارك إلى أبواب المدينة، كانت أصوات القصف والصواريخ قد أصبحت جزءاً من يوميات الأهالي، وأدى التصعيد إلى نزوح عائلات من مناطق قريبة من خطوط المواجهة، فيما اتجه آخرون إلى مناطق أكثر أمناً داخل تعز أو نحو محافظة لحج.

محاولات لتطبيع النفوذ

قضى غالبية السكان ليلتهم الأولى في ظلام دامس، إذ أطفأوا أضواء المنازل وقضوا أوقاتهم في ترقب أي تطورات للأحداث، بينما كانت أصوات الاشتباكات تأتي من محيط المدينة، حيث استمرت الاشتباكات بين الجماعة وقوات من الجيش الحكومي إلى ساعات متأخرة من الليل.

تكشف إحدى ربات المنازل لـ«الشرق الأوسط» عن أن اضطرار السكان لإطفاء أضواء المنازل كان تخوفاً من إقدام عناصر الجماعة على اقتحامها أو تفتيشها أو اشتباههم بمن يضيء الأنوار، إلى جانب القلق من اقتحامها للمبيت أو طلب أي مساعدة.

مقاتل في الجيش اليمني يقف على مرتفع صخري بإحدى الجبهات الجبلية في تعز (فيسبوك)

كما لجأ عناصر الجماعة الحوثية إلى استخدام مكبرات الصوت ظهيرة الاثنين، لدعوة التجار والباعة إلى فتح متاجرهم ومحالهم، إلا أن تلك الدعوات لم تلقَ استجابة في البداية.

وحسب شهادات سكان في المدينة لـ«الشرق الأوسط» فإن المطالبة تحولت بعد نحو ساعة إلى تهديد بكسر أبواب المحال التجارية بالقوة، وهو ما دفع عدداً من الباعة إلى العودة لممارسة أنشطتهم خوفاً على سلعهم من النهب أو من أي عقوبات تطولهم جراء استمرار تعطيل التسوق، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لعودة الحركة في المدينة إلى وضعها الطبيعي.

وطلب عناصر الجماعة من السكان مساعدتهم في الحصول على المواد الغذائية، خصوصاً مع إغلاق المطاعم والمحال التجارية، واضطروا إلى تناول الأغذية المعلبة التي حصلوا عليها من المحال التجارية التي فتحت أبوابها تحت التهديد، بينما توسل عدد منهم إلى السكان لشراء أغذية مطبوخة من منازلهم.

يذكر أحد السكان، وهو ينتمي إلى مديرية المقاطرة المجاورة، والتابعة لمحافظة لحج، أن عدداً من أقاربهم حزموا بعض أمتعتهم الخفيفة ومقتنياتهم الثمينة وغادروا إلى قراهم التي قدِموا منها للسكن في التربة، أو لجأوا إلى أقارب لهم في مناطق أخرى.

مشهد من المعارك التي شهدتها مديرية الشمايتين خلال الأيام الماضية (الشرق الأوسط)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الخوف من ممارسات الحوثيين كان هو الدافع الأبرز للنزوح المستمر منذ بدء سيطرة الجماعة على المدينة، إلى جانب مخاوف العديد من الأسر الفقيرة على مدخراتها ومقتنياتها من النهب، وهو ما ظهر من خلال ازدياد حركة شاحنات النقل المحملة بالأثاث والممتلكات على عديد من الطرق.

توجس من السكان

تكشف مثل هذه الشهادات جانباً لا يظهر في البيانات العسكرية، فالمعركة التي توصف في نشرات الأخبار بأنها تقدم أو تراجع على محور قتالي، تعني بالنسبة إلى العائلات قراراً عاجلاً بشأن مغادرة المنزل، وإلى أين تذهب، وما الذي يمكن حمله معها، وما إذا كان الطريق الذي تسلكه سيظل مفتوحاً.

يروي ناشط اجتماعي في المدينة مشاهدته لتصرفات أظهرت توجس عناصر الجماعة من السكان، ومخاوفهم من ردة فعل شعبية على وصول النفوذ الحوثي إلى مساكنهم، وظهر ذلك من خلال تجنبهم الدخول إلى الأزقة الضيقة ونصب نقاط تفتيش في كل الشوارع المحيطة العامة وعلى أطرافها ومداخلها، وعقد اجتماعات مع أئمة المساجد.

محافظة تعز تستعد لحصار حوثي يفاقم سوء الأوضاع الإنسانية بعد استيلاء الجماعة على مدينة التربة (أ.ف.ب)

ويؤكد الناشط، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على إظهار هويته، أن الجماعة لم تطلب، حتى الآن، ترديد الصرخة الخمينية في المساجد، إلا أن عناصرها حذروا الأئمة من أي دعوات لمقاومتهم تنطلق منها، وطالبوا بالإبلاغ عن أي تجمعات فيها مهما كان الهدف منها.

واستخدم المقاتلون الحوثيون المساجد للاستراحة والمبيت والاغتسال وغسل ملابسهم في مرافقها، بعد أن جلبوا إليها مواد التنظيف وأواني بلاستيكية.

وتبسط الجماعة الحوثية نفوذها على مدينة التربة ومنطقة الصافية القريبة منها، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر أمنية، وبذلك يكون الطريق الرئيسي الرابط بين تعز وعدن خارج إدارة الحكومة اليمنية، مما سيؤدى إلى تطويق الحوثيين لمدينة تعز من جهات عدة.

بالنسبة إلى سكان المنطقة، لا يمثل الطريق مجرد خط على خريطة عسكرية، بل هو المسار الذي تمر عبره المواد الغذائية، والمرضى، والمسافرون، والعمال، وتتحرك من خلاله البضائع بين تعز وعدن. ومع إغلاق الطرق الرئيسية في المحافظة، تصبح المسارات البديلة أطول وأكثر تكلفة وأشد خطورة، في وقت تعاني فيه غالبية العائلات من تراجع قدرتها على تحمل تبعات الحرب.


صنعاء تترقب «فجر اليمن» بعد 12 عاماً من الانقلاب الحوثي

يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
TT

صنعاء تترقب «فجر اليمن» بعد 12 عاماً من الانقلاب الحوثي

يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)

يترقب سكان العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ما ستؤول إليه العملية العسكرية التي أطلقتها الحكومة اليمنية تحت اسم «فجر اليمن»، وسط آمال بأن تفتح الطريق أمام إنهاء سنوات الانقلاب والحرب، واستعادة مؤسسات الدولة، وعودة الحياة العامة إلى مسار أرسخ استقراراً.

وبعد نحو 12 عاماً منذ سيطرة الجماعة الحوثية المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية، يقول سكان إن الحديث عن العملية أعاد إلى كثير منهم مشاعر الأمل التي غابت طويلاً، وإن ما ينتظرونه «لا يقتصر على تحول عسكري، وإنما يتصل بعودة الدولة والقانون والحريات وتحسن الخدمات»، وإنهاء ما يصفونها بـ«سنوات من الخوف والجبايات والتضييق الأمني».

ويقول سكان تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» إن العاصمة «تبدو مثقلة بإرث طويل من الحرب والانقسام وتدهور الأوضاع المعيشية»، وإن كثيراً من المواطنين باتوا «ينظرون إلى أي تغيير محتمل بوصفه فرصة للخروج من واقع فرضته الجماعة على المدينة منذ سيطرتها عليها».

قوات من «ألوية العمالقة» تبدأ عملية «فجر اليمن» نحو الساحل الغربي (أ.ف.ب)

ويؤكد «عبد الله»، وهو موظف حكومي من صنعاء، أن الحديث عن عملية «فجر اليمن» أعاد إلى كثير من المواطنين شيئاً من الأمل، موضحاً أن ما يريده السكان هو «دولة تحميهم وتوفر لهم الأمن والخدمات، وليس مزيداً من القمع ومصادرة الحريات».

ويضيف أن الخوف من تبعات المواقف السياسية دفع كثيراً من المواطنين إلى تجنب النقاش في الشأن العام، حتى داخل منازلهم. ويقول: «هناك أشياء كثيرة يتحدث عنها الناس همساً فقط. المواطن يريد أن يتكلم بحرية، لكنه يخاف من أن يدفع ثمن كلامه».

بحث عن عودة الدولة

في السياق نفسه، تقول ناشطة من ضواحي صنعاء، إن السنوات الماضية «أكلت أعمار اليمنيين»، مشيرة إلى أن الأسر أصبحت منشغلة بتأمين الغذاء والدواء والإيجار، في ظل استمرار الأزمات.

وتضيف: «نحن لا نبحث عن الحرب؛ نبحث عن نهاية الحرب والانقلاب. نريد أن تعود الدولة ونعيش مثل بقية الناس».

وترى أن «النساء تحملن جانباً كبيراً من الأعباء التي خلفتها الأزمة، خصوصاً في الأسر التي فقدت معيلها أو مصدر دخلها»، مشيرة إلى أن استمرار الحرب «انعكس على تفاصيل الحياة اليومية للأسر وعلى قدرتها على توفير احتياجاتها الأساسية».

سعيُ الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبّدهم مئات القتلى والجرحى خلال أسبوع (إعلام عسكري)

أما «صلاح»، وهو من محافظة إب ويعمل بائع خضراوات في صنعاء، فيقول إن المواطنين لم يعودوا يحتملون مزيداً من سنوات الخوف، مؤكداً أن مطلبهم الأساسي يتمثل في وجود مؤسسات وقانون يحمي الجميع.

ويضيف: «نريد أن نستيقظ يوماً ولا نخاف من حملات الجباية، أو الابتزاز في نقاط التفتيش، أو من اعتقال أحد أفراد الأسرة بسبب رأيه».

ويشير إلى أن تداعيات الحرب «انعكست على أوضاع الأسر، بعدما فقدت عائلات كثيرة مصادر دخلها، فيما اضطر آخرون إلى مغادرة البلاد بحثاً عن العمل والأمان».

مدينة تحت الضغط

على مدى السنوات الماضية، واجه سكان صنعاء أعباء اقتصادية وأمنية متصاعدة، مع انتشار نقاط التفتيش وتوسع الإجراءات القمعية والجبايات التي أثرت على التجار وأصحاب الأعمال والأسر.

ويرى ناشطون أن هذه الظروف عمقت حالة السخط داخل المجتمع، خصوصاً مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، بالتزامن مع تضييق المساحة المتاحة أمام التعبير عن المواقف المخالفة للجماعة.

ويقول «بشير» إن «الناس صمتوا طويلاً لأنهم خائفون، وليس لأنهم راضون»، عادّاً أن أي تحول يعيد للمؤسسات دورها سيحظى باهتمام واسع بين المواطنين.

عناصر أمن حوثيون يجوبون شوارع صنعاء (رويترز)

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أعلن، الاثنين، انطلاق العملية العسكرية «فجر اليمن»، قائلاً إنها تهدف إلى استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء انقلاب الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وقال العليمي في منشور على منصة «إكس»: «على بركة الله... انطلقت عملية (فجر اليمن) لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحرير العاصمة صنعاء، وإنهاء انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية».


معارض مصري يتظاهر في هولندا ويعيد أزمة «حصار السفارات»

مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
TT

معارض مصري يتظاهر في هولندا ويعيد أزمة «حصار السفارات»

مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)

أعاد تظاهر معارض مصري أمام مقر السفارة المصرية في هولندا الجدل مجدداً حول ما عرف بـ«حصار السفارات» المصرية في الخارج من عناصر مرتبطة بجماعة «الإخوان»، ما دعا متابعين وإعلاميين مصريين إلى المطالبة بتحرك دبلوماسي وقانوني لمواجهة تلك «الحملات التحريضية المنظمة» ضد مؤسسات الدولة.

وأظهر مقطع فيديو متداول الشاب أنس حبيب وهو يحتج أمام مقر البعثة الدبلوماسية في هولندا ويوجِّه سباباً إلى أمن السفارة، منتقداً السلطات المصرية، ومتطرقاً إلى حبس ستة صحافيين في مصر يعملون بمنصة «متصدقش» الإلكترونية التي اتهمتها السلطات المصرية مؤخراً بالتبعية لجماعة «الإخوان» المحظورة.

وشهد العام الماضي حملة تظاهر أمام السفارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج والدعوة لإغلاقها، قام فيها الشاب نفسه بإغلاق مقر السفارة المصرية في هولندا على العاملين من الخارج بأقفال، بزعم أن القاهرة تعرقل دخول المساعدات إلى غزة، وهو ما نفته مصر مراراً، مُوجهّة أصابع الاتهام إلى جماعة «الإخوان» بالوقوف أمام الحملة التي تطورت إلى احتجاجات أمام السفارات المصرية في عدة دول.

وعَدّ وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، وقتها، أن استهداف البعثات الدبلوماسية المصرية في الخارج يعتبر «اعتداءً على السيادة، وضرباً للذات الوطنية، وتشجيعاً على الانقسام الداخلي». كما اتهم دولاً بـ«التقاعس عن توفير الحماية للبعثات الدبلوماسية المصرية»، معلناً تطبيق مبدأ «المعاملة بالمثل» مع سفاراتها في القاهرة.

وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي (وزارة الخارجية)

وأثارت واقعة أنس حبيب الأخيرة تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، واعتبر متابعون وإعلاميون مثل هذه التحركات لا تندرج في إطار التعبير السياسي المعتاد، بل تأتي ضمن حملات تحريضية تدبرها جماعة «الإخوان»، تستهدف إثارة التوتر أمام مقار السفارات المصرية، بوصفها محاولات مستمرة لإثارة الأزمات وتدويل خلافاتها مع الدولة المصرية.

وأدرجت مصر «الإخوان» على قائمة «الكيانات الإرهابية» أكثر من مرة، كما حظرتها عام 2013. ويخضع مئات من قادة وأنصار الجماعة حالياً، وعلى رأسهم مرشدها العام محمد بديع، لمحاكمات في قضايا يتعلّق معظمها بـ«التحريض على العنف»، وقد صدرت في بعضها أحكام بالإعدام، والسجن المشدّد، والمؤبّد.

وعَدّ متابعون الواقعة بأنها «جريمة بكل المقاييس، وإهانة لموظفين عموميين أثناء أداء عملهم، ويجب أن يحاسب عليها منفذها على الفور». فيما أشاد آخرون بالتزام أمن السفارة بضبط النفس خلال الواقعة، رغم ما وُجه لهم من استفزازات وكلمات غير لائقة.

وفيما لم تعلق وزارة الخارجية المصرية على الواقعة، تصاعدت مطالبات على نطاق واسع بتحرك رسمي واللجوء إلى القضاء الهولندي، ونقل المواجهة من السجال السياسي والإعلامي إلى ساحة المساءلة القانونية، خاصة أن الواقعة حدثت في وجود أفراد من الشرطة الهولندية، مع تبني موقف أكثر تشدداً تجاه أي حوادث تستهدف السفارات المصرية في الخارج.

ويرى الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية وقضايا الأمن القومي والإرهاب، منير أديب، أن الاعتداء على السفارات أو مقار إقامة السفراء والعاملين بالسلك الدبلوماسي لا يندرج تحت مظلة حرية التعبير، مضيفاً أن توجيه الإهانات أو التهديدات للعاملين في البعثات الدبلوماسية، أو تنظيم تحركات تستهدف مضايقتهم ومنعهم من أداء مهامهم، لا يمكن تصنيفه باعتباره عملاً معارضاً مشروعاً، «بل يمثل محاولة لترهيب مؤسسات الدولة وموظفيها والعاملين بها».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «مفهوم الإرهاب لا يقتصر على الأعمال المسلحة أو الاعتداءات الجنائية المباشرة، وإنما يشمل أيضاً صوراً أخرى من الإرهاب السياسي واللفظي والسلوكي».

واعتبر أن المسؤولية لا تقع فقط على من يأتي بهذه الأفعال، وإنما تمتد أيضاً إلى من يشجعها أو يبررها أو يتعامل معها باعتبارها شكلاً من أشكال النشاط السياسي المشروع.

ودعا الخارجية المصرية إلى دراسة اتخاذ إجراءات قانونية تجاه أي وقائع تستهدف البعثات الدبلوماسية، مؤكداً أن القانون الدولي يلزم الدول المضيفة بتوفير الحماية للسفارات والعاملين بها، وكذلك لمقار إقامة السفراء وأعضاء البعثات الدبلوماسية.

من جانبه، طالب ‏الباحث في شؤون الحركات الإسلامية ماهر فرغلي، عبر حسابه على «إكس»، الخارجية المصرية أن تتحرك إلى المحكمة العليا في هولندا، «لأن التظاهر لا يعني منع البعثات الدبلوماسية من مباشرة عملها أو إهانتها طبقاً للوائح التجمعات العامة في هولندا»، مبيناً أن الحكم في مثل هذه القضايا هو الحبس من 6 سنوات إلى 12 سنة، بحسب قوله.