مدغشقر... جزيرة من كوكب آخر

إحدى أفقر دول العالم... والإقامة في بعض منتجعاتها تكلف 3 آلاف جنيه إسترليني لليلة الواحدة

تتنوع طبيعتها بين الخضرة والجبال الوعرة
تتنوع طبيعتها بين الخضرة والجبال الوعرة
TT

مدغشقر... جزيرة من كوكب آخر

تتنوع طبيعتها بين الخضرة والجبال الوعرة
تتنوع طبيعتها بين الخضرة والجبال الوعرة

قد تختلط الأمور أحياناً ويظن البعض أن مدغشقر دولة أفريقية؛ ربما بسبب سحنة الناس، وثيابهم المزركشة، وبيوتهم البسيطة المصبوغة بالألوان الزاهية، وعربات «zebu» التي تجرها الماشية، واللغة الصاخبة التي يتخاطبون بها... لكن الجغرافيا تؤكد غير ذلك، لأن مدغشقر تقع في المحيط الهندي. جزيرة كبيرة تربض بهدوء بين أوراق الغابات الزمردية المطيرة، وحقول الرز الشاسعة، والبحيرات المتلألئة، وأشجار الباوب الباسقة، والشواطئ الذهبية المؤطرة بالأحجار الصخرية، وأشجار النخيل، وبساتين الفاكهة المذهلة، والعمارة القوطية التي تظهر في البنايات القديمة... وفي أرجائها تنتقل الحرباء العملاقة من غصن إلى آخر، ويتردد صدى نقيق الضفادع ذات الأشكال الغريبة، فيما تتقافز قرود الليمور؛ التي توجد بأكثر من مائة نوع... فهذا موطنها الأصلي منذ زمن بعيد.
يذكر أن مدغشقر جزيرة بقيت عصية على البشر ولم تطأها قدم إنسان إلا قبل نحو ألفي عام، بعد أن انفصلت جغرافياً عن آسيا وأفريقيا في حقب موغلة في التاريخ، وتحولت إلى منطقة بدائية لم يستعمرها أحد، وهذا ما وضعها في عزلة طبيعية وحولها شيئاً فشيئاً إلى خزين طبيعي للكائنات الحية، يمكن عَدّه الأكبر في العالم. وهذا بالتحديد ما يستهوي السياح الباحثين عن روعة وسحر الطبيعة البكر، وهذا أيضاً ما حدا بالبعض إلى إطلاق اسم القارة الثامنة على هذه الجزيرة؛ وإن كان البعض يظن أن تسمية «الكوكب الآخر» هي الأكثر ملائمة.
هكذا وصل البشر إلى مدغشقر
تقع جمهورية مدغشقر قبالة ساحل شرق أفريقيا، وهي رابعة كبرى جزر العالم، ويسكنها نحو 26 مليون نسمة. عاصمتها هي أنتاناناريفو أو «تانا» كما كان يسميها المستعمرون الفرنسيون، واللغة الرسمية؛ اللغتان المدغشقرية والفرنسية التي يتحدث بها كل المتعلمين. هذا؛ وتعد الجزيرة نقطة ساخنة للتنوع البيولوجي حيث تم العثور على أكثر من 90 في المائة من الحياة البرية التي لا توجد في أي مكان آخر على الأرض. فقد حدث الاستيطان البشري فيها منذ نحو ألفي عام؛ حيث بدأ توافد البشر بأول هجرة للشعوب الأسترالية التي جاءت إليها على متن القوارب، ثم تبعهم مهاجرون آخرون عبروا قناة موزمبيق من شرق أفريقيا. وهكذا استمرت هجرة الجماعات المختلفة مع مرور الوقت، وهو ما ساهم في تنوعها الثقافي الكبير، الذي يتوزع على نحو 18 مجموعة؛ كبراها مجموعة «ميرينا» التي توجد في المرتفعات الوسطى ومنها كان يخرج الرؤساء والملوك.
وأكثر ما تشتهر به هذه الجزيرة أيضاً هو الفلفل والفانيلا وحيوان الليمور والحرباء الملونة. أما اللافت للنظر فيها فهو تشابه الأزياء بين الرجال والنساء على السواء؛ حيث يتكون الزي الرسمي من قطعة قماش مستطيلة تلف حول الجسم، مع وجود أزياء خاصة للمناسبات المختلفة.

أماكن تزورها في مدغشقر
زيارة مدغشقر تحتاج لبعض الوقت، لأنها جزيرة شاسعة وطرقها ليست سهلة دائماً، نظراً لطبيعتها البكر الوعرة. لهذا لا بد من وضع خطة متكاملة للسفر والتزود بخريطة مع توفير كل احتياجات الرحلة، خصوصاً لمن يريدون اكتشاف الطبيعة بعيداً عن العاصمة والمدن الرئيسية الكبيرة. وعموماً؛ فإن أسعار الفنادق والمطاعم والنقل البري ورسوم الدخول إلى المتنزهات وأيضاً استخدام مهابط الطائرات الصغيرة في الجزر النائية والأدغال... كلها غير مكلفة، كما أن السكان ودودون ومسالمون.
التعرف على المتنزهات الوطنية
يبدو بعض هذه المتنزهات كأنه لوحات فنية تنبض بالحياة، وتتجلى خصوصاً في المرتفعات وفي الأشجار الخضراء وحقول الرز المرصوفة على المدرجات والمؤطرة بالسدود. هنالك أيضاً فرصة لصعود جبال الكرانيت الدراماتيكية، ومشاهدة الأرض الحمراء، وتلال الحمم البركانية، والنتوءات الجيرية، والوديان العميقة، التي يعود تاريخها إلى مئات السنين، من دون أن ننسى التعرف على الغابات المطيرة ومحميات حيوان الليمور والحرباء الملونة، وكل هذه المتنزهات يمكن الوصول إليها بسهولة بواسطة سيارات الأجرة الشعبية، أو من خلال الرحلات السياحية التي تنظمها المكاتب المختصة.

قصر «روفا أنتاناناريفو»
إنه فرصة لمحبي سلسلة روايات «Flashman» التي كتبها جورج ماكدونالد فريزر ونُشرت عام 1969 لكي يتعرفوا على بقايا مجمع القصر الملكي الذي عاشت فيه الملكة رانافالونا، التي وصفها الكاتب بـ«المجنونة» لشدة بأسها وقوتها. فهي التي أحبطت كل الجهود الأوروبية للسيطرة على مدغشقر خلال فترة حكمها الذي استمر 33 عاماً... فترة وظفت خلالها كل طاقتها للقضاء على الممالك المجاورة معتمدة على نظام العبودية والسخرة الذي كان سائداً في عهدها. وكانت النتيجة بناء هذا القصر الذي يقع في العاصمة وصار فيما بعد مقر حكام مملكة «ميرينا» في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وحكام مملكة مدغشقر في القرن التاسع عشر.
يقع القصر بالعاصمة أنتاناناريفو في مركز المرتفعات الوسطى، وفي أعلى نقطه فيها، وهو مبنى محصن طرأت عليه تعديلات كثيرة على مرّ السنين، وأضيفت إليه هياكل ملكية حسب احتياجات من سكنوه.

الحياة البرية في توليارا
وفقاً لمنظمة «Conservation International»، فإن 17 دولة في العالم هي الوحيدة التي تملك عدداً من الأحياء البرية التي لا توجد في أي مكان آخر. ومدغشقر على رأس هذه القائمة، ولعل زيارة توليارا هي الفرصة المناسبة للتعرف على هذه الملامح الطبيعية. وتوليارا مدينة ساحلية في جنوب غربي مدغشقر تحيط بها البحيرات والمستنقعات وغابات غريبة تنتشر فيها أشجار الأخطبوط الضخمة مع وجود بعض المخلوقات الغريبة أيضاً مثل «سوسة عنق الزرافة» التي تلف بيضها بأوراق الأشجار بطريقة أنبوبية مدهشة. يوجد فيها كذلك حيوان «الليمون الآيي» الذي يبحث عن اليرقات المختبئة في الأشجار مستخدماً أصبعه الأوسط الطويل جداً، فيما يمكن مشاهدة الجرذ المدغشقري العملاق الذي يقفز في الهواء إلى مسافة 3 أقدام. وقد ذكر جيرالد دوريل هذه الرحلة في كتابه «The Aye - Aye».
يمكن تتبع سحر الطبيعة من خلال الجولات السياحية التي تنظمها المكاتب وتستمر لنحو 13 ليلة، وفيها برنامج منوع ومشوق لا يخلو من روح المغامرة.
زيارة مواقع اليونيسكو للتراث العالمي
هنالك 3 مواقع في مدغشقر ذات أهمية ثقافية وطبيعية مسجلة في لائحة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونيسكو. أولها: المحمية الطبيعية في «تسينجي دي بيمارها»، وهي عبارة عن متاهة من الحجر الجيري على شكل أخاديد ملتوية ذات ملامح جيولوجية فريدة تضم كهوفاً وأنفاقاً وأبراجاً. ولا تزال غير مستكشفة بشكل كامل، وتقع في النصف الغربي للجزيرة. وثانيها: الغابات المطيرة في «أتسينانانا» التي تضم 6 حدائق وطنية تتميز بتنوعها البيولوجي وتضم أنواعاً نادرة من قرود الليمور. ثالثها: تلة «أمبوهيمانغا» الملكية، وهي قرية تاريخية ومجمع للقصور، يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر. تضم بعض المعالم الطبيعية والمعمارية ذات الأهمية التاريخية والسياسية والروحية لشعب مدغشقر.

التمتع بمزايا المنتجعات الفاخرة
رغم أن مدغشقر دولة فقيرة تحتل المرتبة 179 بين أفقر 187 دولة في العالم، فإن ذلك لا يمنع من توفرها على منتجعات باذخة وفاخرة، نذكر منها منتجع «نوزي أنكاو» قبالة الساحل الشمالي الشرقي، الذي يمكن الوصول إليه بطائرة هليكوبتر خاصة، والتجول فيه وفي الجزيرة ككل، باستخدام الدراجات الهوائية والعربات التي تجرها الدواب. هنا يمكن أيضاً مراقبة السلاحف وهي ترقد على بيضها، أو ممارسة هواية صيد الأسماك، أو الغوص ومشاهدة الدلافين والحيتان... وغيرها من الرياضات المائية. تصل أسعار بعض هذه المنتجعات إلى أكثر من 3 آلاف جنيه إسترليني لليلة الواحدة، وهي رحلات تستهوي بشكل خاص العرسان الباحثين عن وجهة مميزة يقضون فيها شهر العسل.

أطباق بنكهات خاصة
الطعام في هذا البلد خلاصة التقاء الثقافات وحركة التجارة، إضافة إلى تأثير الاستعمار الفرنسي. ويمكن أن يشي كل طبق بنكهات فرنسية أو إندونيسية أو هندية أو أفريقية أو شرق أوسطية، سواء قصد السائح كُشْكَاً صغيراً على جانب الطريق، أو فندقاً، أو مطعماً فخماً. وعادة ما يبدأ اليوم بوجبة إفطار تقليدية مكونة من القهوة الفرنسية والمعجنات، تتبعها وجبة خفيفة من صحن «koba»، وهو طعام شعبي شهير يتكون من الموز والفول السوداني وعجينة الرز الملفوفة بأوراق الموز. ويمكن أيضاً تجربة صحن «كبرو» الخفيف واللذيذ والمصنوع من حبوب «ليما» المجففة وجوز الهند. ولا يمكن مغادرة مدغشقر من دون تذوق صحن «لرومازافا»؛ فهو الطبق الوطني، ويتكون من مرق تقليدي من اللحم البقري مع الخضراوات والبصل ومجموعة من التوابل، ويقدم مع الرز.
أما على الساحل وقرب الشواطئ، فإن الغلبة للمأكولات البحرية الطازجة، التي عادة ما تُحضر بأسلوب تقليدي لا يخلو من اللمسات الفرنسية، مع فرصة لتهيئة حفلات الشواء مع التوابل الحارة، وبعض الأقداح من العصير المطعّم بالنعناع والقرفة وجوز الهند والمحلّى بالعسل الطبيعي.



3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.


ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
TT

ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)

ماذا يمكن أن تخفي بلدة إنجليزية هادئة تحت شوارعها؟ في ريغيت، الواقعة في مقاطعة ساري جنوب إنجلترا، قد تكون الإجابة بداية رحلة سياحية كاملة، لا مجرد زيارة إلى موقع تاريخي واحد. فهذه البلدة التي تقع على مسافة نحو 19 ميلاً جنوب وسط لندن تجمع في مساحة محدودة بين تاريخ يعود إلى العصور الوسطى، وآثار قلعة قديمة، وحدائق واسعة، وتلال خضراء، ومواقع عسكرية، والأهم من ذلك شبكة من الكهوف والأنفاق تختبئ تحت الأرض ولا يعرف كثيرون بوجودها.

السير في ممرات ضيقة مظلمة تحت الأرض(موقع ريغيت)

تبدو ريغيت، للوهلة الأولى، مدينة إنجليزية هادئة يمكن استكشافها في يوم واحد، لكنها سرعان ما تكشف عن طبقات متعددة من التاريخ والطبيعة تجعلها محطة لافتة للباحثين عن وجه مختلف لساري، بعيداً عن صخب وسط لندن. وتقدم هذه المقاطعة مزيجاً من البلدات التاريخية والمساحات الخضراء والتلال والمناظر الطبيعية، وهي قريبة بما يكفي من لندن لتكون وجهة مناسبة للرحلات القصيرة.

آثار قلعة قديمة في وسط مدينة ريغيت (موقع ريغيت)

لكن أفضل طريقة لاكتشاف ريغيت ربما تبدأ من مكان لا يظهر في أي صورة بانورامية للمدينة؛ لأن أجمل معالمها هي تحت الأرض.

فخلف باب متواضع داخل أحد أنفاق الطرق، تظهر الجدران الصخرية والممرات الداخلية، فيما يستعيد المكان ملامحه تحت ضوء ضعيف لا يلغي تماماً الإحساس بالعزلة.

إنه مشهد يصعب ربطه بما يحدث فوق الأرض؛ ففي الأعلى تمر السيارات ويواصل السكان حياتهم اليومية، بينما في الأسفل يسود صمت مختلف تماماً، داخل كهوف احتفظت بآثار استخدامات متعاقبة على مدى سنوات طويلة.

مدخل أحد الأنفاق وسط المدينة(موقع ريغيت)

ويذكر أن بورغس، العضو في «جمعية كهوف ومناجم ويلدن»، هو واحد من المتطوعين الذين يشاركون في المحافظة على هذه الكهوف وتنظيم الجولات التي تتيح للزوار التعرف على تاريخها.

ويقول إن المكان قد يعطي الزائر إحساساً بأنه ابتعد كثيراً عن البلدة، رغم أن المسافة الفعلية قصيرة للغاية.

ويشرح: «تشعر بأنك قطعت مسافة طويلة، لكنك تستطيع على الأرجح الانتقال من أحد الطرفين إلى الآخر خلال نحو 30 ثانية فقط إذا كنت فوق سطح الأرض».ويرى بورغس أن الكهوف تمثل نوعاً خاصاً من الآثار التي لا تحتاج إلى عمليات تنقيب لاكتشافها.

غاتون بارك تجربة مختلفة لعشاق الحدائق والمناظر الطبيعية.(موقع ريغيت)

ويقول: «إنها آثار يمكنك التجول فيها من دون الحاجة إلى الحفر. إنها موجودة هنا ليراها الجميع».

ورغم أن الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار بصورة متقطعة على مدى سنوات، فإنها لا تزال مجهولة بالنسبة إلى عدد كبير من سكان المنطقة. ويقول بورغس إن بعض الزوار يصلون بعد سنوات طويلة من العيش في ريغيت ليكتشفوا للمرة الأولى أن هذا العالم موجود تحت أقدامهم.

الكهوف تمثل الوجه الخفي لريغيت(موقع ريغيت)

وتضم ريغيت مجموعة من الكهوف، لكل منها تاريخها الخاص؛ ففي أراضي القلعة، توجد أنفاق يُعتقد أنها تمثل آخر هيكل باق من القلعة التاريخية، وارتبطت هذه الأنفاق باستخدامها كقبو لحفظ المشروبات، مستفيدة من برودة البيئة الموجودة تحت الأرض. لكن التاريخ منح المكان وظيفة أكثر أهمية خلال الحرب العالمية الثانية.

خلال الحرب العالمية الثانية، تحولت الكهوف إلى ملاجئ للمدنيين، وكان تلاميذ المدارس من بين الذين استخدموا هذه المساحات تحت الأرض للحماية من القنابل.

الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار على مدى سنوات(موقع ريغيت)

بعد الخروج من العالم السفلي، يمكن للزائر أن يبدأ رحلة الاستكشاف من القلعة حيث تتقاطع ذاكرة المدينة مع المشهد الحضري الحديث.

من أجمل الأماكن التي يمكن إدراجها في برنامج زيارة ريغيت «برايوري بارك»، وهي مساحة خضراء ذات أهمية تاريخية في قلب المدينة.

تضم الحديقة بحيرات، ومساحات للنزهات، ومقهى، ومرافق رياضية، وملعباً للأطفال، إلى جانب مساحات واسعة مناسبة للمشي والاسترخاء. كما تتمتع بتنوع طبيعي لافت؛ إذ سجلت فيها أنواع عديدة من الطيور والفراشات.

يمكن للزائر أن يبدأ يومه بجولة في وسط المدينة وموقع القلعة، ثم يتوجه إلى برايوري بارك للاستراحة والمشي، قبل الانتقال إلى ريغيت هيل والحصن والمسارات الطبيعية.


شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
TT

شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)

في قلب لندن، يقف شارع أكسفورد (Oxford Street) كواحد من أشهر عناوين التسوق التي تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، ويحظى بشعبية خاصة بين السياح العرب الذين اعتادوا على زيارته خلال رحلاتهم إلى العاصمة البريطانية. فبين متاجره العالمية، وأجوائه الحيوية، وقربه من أبرز معالم وسط لندن، أصبح الشارع محطة شبه ثابتة للمتسوقين والزوار. لكن المشهد الذي اعتاده ملايين الزوار يستعد لتغيير كبير، مع بدء إغلاق جزء كبير منه أمام حركة المركبات اعتباراً من 26 أكتوبر (تشرين الأول)، في أولى خطوات تحويله تدريجياً إلى منطقة مخصصة للمشاة.

وبموجب المرحلة الأولى من المشروع، سيتم تحويل الجزء الممتد من شارع أوركارد (Orchard Street)، المحاذي لمتجر سيلفريدجز، وصولاً إلى شارع غريت بورتلاند (Great Portland Street) بالقرب من ميدان أكسفورد (Oxford Circus) إلى منطقة خالية من حركة المرور. ويمتد هذا الجزء لنحو ميل تقريباً.

وسيُمنع مرور الحافلات وسيارات الأجرة والدراجات وغيرها من المركبات في هذا القسم من الشارع، في خطوة تمثل بداية تنفيذ خطة أوسع لإعادة تصميمه وتحويله تدريجياً إلى مساحة أكثر ملاءمة للمشاة.

سيخصص جزء من شارع أكسفورد للمشاة (حركة النقل في لندن)

وأعلن عمدة لندن، صادق خان، عن الموعد الجديد للمشروع خلال مؤتمر حزب العمال، معتبراً أن الخطة تمثل خطوة مهمة في تطوير واحد من أهم المحاور التجارية والسياحية في لندن، قائلاً إن المشروع يحظى بدعم قوي من سكان لندن وقطاع الأعمال، وإن رؤيته لشارع أكسفورد «تبدأ بالتحول إلى واقع» قبل فترة التسوق المزدحمة بمناسبة عيد الميلاد.

ولا تقتصر الخطة على الجزء الذي سيغلق أمام حركة المرور في أكتوبر. فقد أُنشئت مؤسسة تطوير تابعة للعمدة لتولي قيادة مشروع إعادة تطوير شارع أكسفورد بأكمله، ما يعني أن المشروع قد يمتد مستقبلاً ليشمل الشارع بأكمله.

وعلى مدى سنوات، طُرحت أفكار مختلفة لإعادة تنظيم الشارع بهدف تقليل تأثير حركة المرور وإعطاء مساحة أكبر للمشاة وتحسين البيئة الحضرية في المنطقة. وتستند الخطة الحالية إلى تصور أوسع لإعادة تصميم الشارع، بحيث يصبح أكثر ملاءمة للمشاة والأعمال التجارية، مع التركيز على البيئة وجودة المساحات العامة.

لكن المشروع لم يخلُ من الجدل السياسي والمحلي، فبعد الانتخابات المحلية التي جرت في 7 مايو (أيار)، استعاد حزب المحافظين السيطرة على مجلس مدينة وستمنستر، وكان زعيم المجلس بول سوايدل قد تعهد بالتراجع عن خطة تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة للمشاة.

إلا أن المجلس تراجع في يونيو (حزيران) في تحدٍ قانوني للمشروع، بعدما بيّنت مشورة قانونية إلى أن طلب إجراء مراجعة قضائية للخطة سيكون من غير المرجح أن ينجح.

ومع الإعلان عن موعد بدء التنفيذ، جدّد مجلس وستمنستر مخاوفه بشأن عدد من القضايا العملية المرتبطة بالمشروع.

وقال تيم بارنز، نائب زعيم المجلس والمسؤول عن النمو والتخطيط، إن المجلس والسكان والشركات الموجودة في شارع أكسفورد ما زالت لديهم «قائمة طويلة من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها».

ومن بين القضايا التي يطالب المجلس بتوضيحها الوصول إلى المنطقة، وتلوث الهواء، وتنظيف الشوارع والسلامة العامة.

كما حذّر المجلس من احتمال انتقال جزء من حركة المرور إلى الشوارع الصغيرة المحيطة بشارع أكسفورد، الأمر الذي قد يؤدي، بحسب المجلس، إلى آثار اقتصادية وبيئية على المناطق المجاورة.

ماذا يعني ذلك للسكان والزوار؟

من المتوقع أن يؤدي إغلاق الجزء الأول من شارع أكسفورد أمام المركبات إلى تغيير طريقة الوصول إلى المنطقة، سواء بالنسبة للمتسوقين أو العاملين أو السكان.

وبالنسبة للمشاة، يهدف المشروع إلى توفير مساحة أكبر للحركة وإعادة تنظيم استخدام الشارع. وفي المقابل، ستحتاج حركة النقل العام وسيارات الأجرة والمركبات التي كانت تستخدم شارع أكسفورد إلى التكيف مع التغييرات المرورية الجديدة.

ومن المرجح أن تكون الشوارع المحيطة جزءاً مهماً من تقييم نتائج المرحلة الأولى، خصوصاً ما يتعلق بحركة المرور ومستويات التلوث وسهولة الوصول إلى المتاجر والمكاتب والمناطق السكنية القريبة.

ويأتي بدء المرحلة الأولى في توقيت مهم بالنسبة للمنطقة، إذ من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ قبل فترة التسوق الرئيسية بمناسبة عيد الميلاد.

ويجعل ذلك الأشهر الأولى من المشروع اختباراً عملياً لمدى قدرة المنطقة على استيعاب حركة المشاة الكبيرة، وفي الوقت نفسه التعامل مع التغييرات في حركة المرور والنقل والوصول إلى وسط لندن.

وبينما ترى إدارة عمدة لندن أن المشروع يمكن أن يساعد في جعل شارع أكسفورد أكثر خضرة وازدهاراً وجاذبية، يركز مجلس وستمنستر على ضرورة معالجة الآثار المحتملة على الشوارع المجاورة والسكان والشركات.

وفي نهاية المطاف، لن تحدد عملية الإغلاق نفسها مستقبل المشروع فحسب، بل ستكون النتائج الفعلية للمرحلة الأولى عاملاً مهماً في النقاش حول ما إذا كان ينبغي توسيع نطاق تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة خالية من حركة المرور.

ومع اقتراب 26 أكتوبر، ينتقل المشروع من مرحلة الخطط والنقاشات السياسية والقانونية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، ليبدأ بذلك تحول تدريجي قد يعيد رسم شكل أحد أشهر شوارع لندن التجارية في السنوات المقبلة.