تقنيات تحويل الأصوات إلى نصوص تزداد انتشاراً

ميزة «من الفم إلى الشاشة» تؤمن خدمات للطلاب والأطباء ورجال الأعمال

تقنيات تحويل الأصوات إلى نصوص تزداد انتشاراً
TT

تقنيات تحويل الأصوات إلى نصوص تزداد انتشاراً

تقنيات تحويل الأصوات إلى نصوص تزداد انتشاراً

يشتاق سام ليانغ لوالدته ويتمنّى لو أنّه يستطيع استعادة الأشياء التي كانت تقولها له عندما كان طالباً في المدرسة الثانوية. وعندما توفيت عام 2001 قال: «حقّاً أشتاق لها. لقد كانت لحظات ثمينة في حياتي».
هذا الأمر دفع بليانغ، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس في «أوتر»، إحدى شركات وادي السيليكون الناشئة، إلى وضع خطّة للتعامل مع هذه الأوضاع في المستقبل. وتقدّم شركته اليوم خدمة تساعد على تحويل الكلام إلى نص أوتوماتيكياً وبدقّة عالية. وقد بدأت هذه الخدمة باكتساب شعبية واسعة بين الصحافيين، والطلّاب، والمدوّنين الإلكترونيين، وموظفي الشركات.
تخزين الكلام
ساهم التحسّن الذي شهدته تقنية البرمجة الإلكترونية في تحويل تقنية نسخ الكلام إلى نص إلى حقيقة. فمن خلال تخزين كمّ هائل من الكلام البشري، أصبح بالإمكان تدريب برامج شبكات عصبية للتعرّف على اللغة المحكية بدقّة عالية تقارب 95 في المائة في أفضل الظروف. أضف إلى ذلك، يتيح تراجع تكلفة تخزين البيانات اليوم استخدام اللغة البشرية بطرق لم تخطر على بال أحد.
وشرح ليانغ، خرّيج الهندسة الكهربائية من جامعة ستانفورد وعضو الفريق الأساسي الذي صمم تطبيق «غوغل مابس»، أنّ «عمليات ضغط البيانات عزّزت إمكانية الاحتفاظ بالمحادثات الكلامية لشخص طوال حياته ودمجها في سعة 2 ترابايت، أي مدمجة بالقدر الكافي الذي يتيح وضعها على جهاز تخزين لا يتجاوز سعره 50 دولاراً».
خلال العقد الماضي، ساهم التقدّم السريع الذي شهدته تقنية التعرّف إلى الصوت في تطوير وانتشار أجهزة المساعدة الصوتية الافتراضية كـ«سيري» من آبل، و«أليكسا» من أمازون، و«غوغل فويس» و«كورتانا» من مايكروسوفت، وغيرها الكثير. هذا التقدّم نفسه يتوسّع اليوم ليشمل مجالات جديدة بدأت بالتأثير بشكل واضح على مجالات العمل.
ولكنّ هذه الأجهزة الصوتية المحمولة المصنوعة للاستهلاك تسببت في تصاعد مخاوف جديّة حول الخصوصية، فقد اعتبر مارك روتنبرغ، الرئيس والمدير التنفيذي في مركز معلومات الخصوصية الإلكترونية في واشنطن أنّ أجهزة الكومبيوتر تتمتّع بقدرة على تنظيم، واستغلال، وتقييم التواصل البشري أكبر بكثير من قدرة البشر. وقد عمد المركز عام 2015 إلى التقدّم بشكوى أمام هيئة التجارة الفيدرالية ضدّ سامسونغ، ادعى فيها أنّ تسجيل وتخزين المحادثات الذي تقوم به تلفزيوناتها الذكية يمثّل تهديداً جدياً للخصوصية. وأضاف روتنبرغ أنّ نسخ الكلام والمحادثات ينقل مخاوف الخصوصية إلى مجالات جديدة في المنزل والعمل على حدّ سواء.
من الصوت إلى النص
إنّ التطوّرات السريعة التي تحقّقت في سوق التحويل الآلي للصوت في السنة الأخيرة، تعكس احتمالات مذهلة وقريبة المدى على استخدامه في مجموعة جديدة وكبيرة من التطبيقات. فقد انطلقت مثلاً مع بداية الخريف حملة لتجهيز طلّاب جامعة كاليفورنيا - لوس أنجليس، الذين يحتاجون إلى مساعدة لتدوين الملاحظات (كأولئك الذين يعانون من مشاكل في السمع) بخدمة شركة «أوتر». وتمّ تصميم هذا النظام لاستبدال عملية تدوين الملاحظات الحالية التي يستخدمها الطلاب لتسجيل الملاحظات ونشرها لاحقاً.
وفي مايو (أيار)، عندما زارت ميشيل أوباما، السيّدة الأولى السابقة، حرم الجامعة على هامش احتفال بيوم التوقيع الوطني، تمّ تزويد الطلّاب الصمّ بنصّ آني لخطابها من إنتاج خدمة النسخ نفسها.
يقدّم «زوم»، نظام المؤتمرات المصوّرة، خيار نسخ الكلام إلى نص الذي تشغّله خدمة شركة «أوتر» لتزويد مستخدميه بنصٍّ آني لاجتماعات العمل، إلى جانب تسهيل تخزينها والبحث عنها عبر الإنترنت. تقدّم «أوتر» وغيرها من الشركات الكثير من الميّزات في خدماتها، وأهمّها إمكانية فصل وتسمية مختلف المتحدّثين في نسخة نصيّة واحدة.
وتعمد شركات أخرى كـ«ريف»، التي بدأت عام 2010 بتقديم نصوص مكتوبة من قبل موظفين للمحادثات بدولار للدقيقة، إلى تقديم خدمة نسخ آلية للمحادثات والخطابات بعشرة سنتات للدقيقة. في النتيجة، يبدو أنّ خدمة نسخ النصوص تتوسّع لتشمل مجالات جديدة، كعنونة محطّات اليوتيوب، وفيديوهات التدريب في الشركات، وشركات البحث السوقية التي تحتاج إلى نصوص من مجموعات التركيز.
يتيح نظام «ريف» لمستخدميه الاختيار بين ما إذا كانوا يريدون دقّة أعلى أو تحوّل سريع بتكلفة أقلّ، بحسب ما أفاد جايسن شيكولا، مؤسس الشركة ورئيسها التنفيذي، لافتاً إلى أنّ زبائنه يعتمدون أكثر فأكثر على النصوص التي تنتجها الآلات بدل نسخ أي خطاب أو محادثات من البداية. وقال شيكولا إنّه لم يعتقد يوماً أنّ خدمة النسخ الآلي للكلام ستؤدي يوماً إلى تقليص عدد القوى العاملة لديه، على الرغم من أنّ شركته تضمّ اليوم 40000 موظف ناسخ.
خدمات طبية
في المجال الطبي، تستخدم خدمة النسخ الآلي اليوم لتغيير الطريقة التي يسجّل بها الأطباء ملاحظاتهم. في السنوات الأخيرة، أصبحت أنظمة التسجيل الصحي الإلكترونية جزءاً من الزيارة الروتينية في أي عيادة، مما عرّض الأطباء للنقد بسبب تركيزهم على الشاشات والطباعة بدل الحفاظ على التواصل البصري مع المريض. ولكنّ شركات ناشئة كثيرة تقدّم اليوم خدمات نسخ تحفظ النصّ، وربّما الفيديو، من غرفة الفحص وتستخدم ناسخا بشريا أو كاتبا موجودا في مكان آخر، لتصحيح النصّ الآلي وإنتاج مجموعة «مرتّبة» من الملاحظات المسجّلة خلال زيارة المريض.
تعمل «روبين هيلث كير» واحدة من هذه الشركات في بيركلي - كاليفورنيا، على تسجيل زيارات العيادات بواسطة نظام نسخ آلي متصل بفريق عمل من «الكتبة» البشريين الذين يعملون في الولايات المتحدة، بحسب ما أفاد نواه أورهان، الرئيس التنفيذي للشركة. ومعظم هؤلاء الكتبة هم طلّاب السنوات الأولى في كليّة الطبّ، مهمتهم الإنصات لمحادثة الطبيب لإنتاج سجلّ كامل حول المريض خلال ساعتين من زيارته. يستخدم نظام «روبين هيلث كير» في جامعة كاليفورنيا - سان فرنسيسكو، وجامعة سان دييغو.
تعتمد شركة أخرى منافسة تعرف باسم «ديب سكرايب» في بيركلي أيضاً، مقاربة أكثر آلية لصناعة سجلّات صحية إلكترونية. إذ تستخدم الشركة محرّكات كلام كثيرة من تطوير شركات تقنية عملاقة كغوغل و«آي بي إم». لتسجيل المحادثات ووضع ملخّص للمعاينة، تتمّ مراجعته لاحقاً من قبل موظفين مختصّين.
افتقار إلى الدقة
من جهتهم، يؤكّد خبراء الكلام على أنّ أنظمة النسخ الآلية تزال بعيدة كلّ البعد عن المثالية رغم التقدّم الذي شهدته. صحيح أنّ النسخ الآلي قد يقدّم دقّة عالية تصل نسبتها إلى 95 في المائة، ولكن هذا الأمر لا يمكن تحقيقه إلّا في أفضل الظروف وأكثرها وضوحاً، لأنّ هذه الدقّة قد تنهار بسبب لكنة مختلفة، أو سوء في وضعية ميكروفون، أو أي ضجّة في الخلفية.
تراهن الآمال المستقبلية في هذا المجال على بروز تقنية خطابية أخرى تُعرف بالمعالجة الطبيعية للغة، والتي تهدف إلى التقاط معنى الكلمات والجمل لتساهم في تعزيز دقّة أجهزة الكومبيوتر حتّى تصبح موازية للقدرات البشرية. ولكن في الوقت الحالي، لا تزال معالجة اللغة الطبيعية تمثّل واحداً من أكبر التحديات والعوائق في عالم الذكاء الصناعي.

- خدمة «نيويورك تايمز».



«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
TT

«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)

بعد ساعات من انتهاء المهلة المحددة لسداد غرامة بالملايين فرضها الاتحاد الأوروبي، قدّمت منصة «إكس»، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، إلى المفوضية الأوروبية تصوراً لتعديلات جوهرية على المنصة.

وأكد مسؤول إعلامي باسم الهيئة المنظمة، ومقرها بروكسل، الجمعة، أن المقترحات المقدمة من المنصة تركز بالأساس على تطوير آليات توثيق الحسابات عبر علامات التحقق (الشارات الزرقاء)، بهدف تعزيز الشفافية ومكافحة التضليل.

ولم يكشف المسؤول عن أي تفاصيل، لكنه أشار إلى أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي: «لا يسعنا إلا أن نثمن أنه بعد حوار بناء مع الشركة، أخذت التزاماتها القانونية على محمل الجد وقدمت لنا مقترحات عملية».

يذكر أن المفوضية الأوروبية كانت قد فرضت على المنصة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، غرامة قدرها 120 مليون يورو (137.7 مليون دولار) استناداً إلى قانون الخدمات الرقمية، وذلك على خلفية ما وصفته بـ«الافتقار إلى الشفافية» في طريقة توثيق الحسابات باستخدام علامة بيضاء على خلفية زرقاء، والتي عدّتها مضللة.

وجاء إجراء الاتحاد الأوروبي ضد «إكس» عقب تحقيق استمر نحو عامين بموجب قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي، الذي يُلزم المنصات الإلكترونية ببذل مزيد من الجهود لمكافحة المحتوى غير القانوني والضار.

وفي يوليو (تموز) 2024، اتهمت المفوضية الأوروبية «إكس» بتضليل المستخدمين، مشيرة إلى أن علامة التوثيق الزرقاء لا تتوافق مع الممارسات المتبعة في هذا المجال، وأن أي شخص يستطيع الدفع للحصول على حالة «موثق».


إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
TT

إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)

أشادت «قمة مونتغمري 2026» العالمية بجهود منظمة التعاون الرقمي، التي باتت منصة دولية ذات مصداقية تهدف إلى سدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية لخدمة الإنسان.

وتجمع القمة نخبة من رواد الأعمال والمستثمرين وصنّاع السياسات وقادة القطاع التقني من مختلف أنحاء العالم لمناقشة التوجهات الناشئة التي تسهم في تشكيل مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأكدت ديمة اليحيى، الأمين العام للمنظمة، خلال مشاركته في القمة عبر الاتصال المرئي، أن «التعاون الرقمي ليس شعارات بل إنجازات على أرض الواقع»، منوهة بأن «أفضل ما في الدبلوماسية التقنية لم يأتِ بعد، والمزيد من دول العالم تختار هذا المسار يوماً بعد يوم لتحقيق طموحات شعوبها باقتصاد رقمي مزدهر يشمل الجميع».

وأضافت اليحيى أن «المنظمة أصبحت تضم اليوم 16 دولة و800 مليون إنسان، ومجتمعاً متنامياً؛ بفضل رؤية الدول الأعضاء، والتزامها وتفاني الأمانة العامة، وثقة شركائها في القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني».

إلى ذلك، تُوِّجت الأمين العام للمنظمة، خلال حفل أقيم ضمن أعمال القمة، بـ«جائزة الدبلوماسية التقنية»، التي تُمنح لتكريم القادة العالميين الذين يسهمون في تعزيز التعاون الدولي بمجال التقنية والابتكار الرقمي، بوصفها أول شخصية عربية وسعودية تحصدها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء السعودية».

من جهته، أفاد جيمس مونتغمري، مؤسس القمة، بأن اليحيى «أثبتت أن التعاون المتعدد الأطراف في القضايا الرقمية ليس ممكناً فحسب، بل هو ضرورة لا غنى عنها»، مشيراً إلى أنها «أرست نموذجاً جديداً لكيفية تعاون الدول في مجال السياسات التقنية».

بدوره، اعتبر مارتن راوخباور، مؤسس «شبكة الدبلوماسية التقنية»، أن المنظمة «باتت منصة عالمية ذات مصداقية تجمع الحكومات والقطاع الخاص لسدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية، وضمان أن يخدم التقدّم التقني الإنسان بدلاً من أن يتركه خلفه».

ولفت راوخباور إلى أن «التعاون التقني الدولي الفعّال ممكنٌ وملحّ في آن واحد، وهذا المزيج بين الرؤية والتنفيذ والحسّ الدبلوماسي هو تحديداً ما أُنشئت جائزة الدبلوماسية التقنية للاحتفاء به».

وحقّقت منظمة التعاون الرقمي، التي تتخذ من الرياض مقراً لها، تقدّماً كبيراً منذ تأسيسها في عام 2020، لتكون أول منظمة دولية متعددة الأطراف مكرّسة لتمكين اقتصادات رقمية شاملة ومستدامة وموثوقة من خلال التعاون الدولي.

وتضم المنظمة اليوم 16 دولة تمثل أكثر من 800 مليون نسمة وناتجاً محلياً إجمالياً يتجاوز 3.5 تريليون دولار، تعمل معاً لفتح آفاق جديدة في الاقتصاد الرقمي. وشهدت نمواً ملحوظاً وحضوراً دولياً متزايداً، حيث تضاعفت عضويتها 3 مرات منذ تأسيسها من 5 دول مؤسسة، ووسّعت فئة المراقبين والشركاء لديها لتتجاوز 60 مراقباً وشريكاً.

كما حصلت على اعتراف رسمي ضمن منظومة الأمم المتحدة، ما يُعزِّز دورها منصة عالمية لتعزيز التعاون الرقمي، علاوةً على مبادراتها وشراكاتها في هذا الصدد، وجمع الوزراء وصنّاع السياسات ورواد الأعمال والمنظمات الدولية لتعزيز الحوار والتعاون العالمي حول الاقتصاد الرقمي.


الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
TT

الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

مع التصعيد المتسارع على عدة جبهات في الشرق الأوسط، تتدفق المعلومات بسرعة تكاد توازي سرعة الأحداث نفسها. وغالباً ما تكون منصات التواصل الاجتماعي أول مكان تظهر فيه الصور ومقاطع الفيديو والتقارير عن هجمات مزعومة أو تطورات عسكرية. لكن بالتوازي مع المعلومات الحقيقية، بدأت أيضاً موجة من المحتوى المضلل أو المفبرك تنتشر على الإنترنت، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أكثر صعوبة.

تحدٍّ رقمي متزايد

في هذا السياق، يحذر خبراء الأمن السيبراني من أن الانتشار السريع للمعلومات المضللة، لا سيما عبر مقاطع الفيديو المعدلة وتقنيات التزييف العميق (Deepfakes)، أصبح تحدياً رقمياً متزايداً خلال فترات عدم الاستقرار الجيوسياسي.

ويؤكد ماهر يمّوت الباحث الرئيسي في الأمن لدى شركة «كاسبرسكي» خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، أن التمييز بين المعلومات الموثوقة والروايات الزائفة يصبح أكثر أهمية خلال حالات الطوارئ، حين ترتفع حدة المشاعر ويميل الناس إلى مشاركة المحتوى بسرعة من دون التحقق منه.

ويردف: «مع تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، حذّرت جهات حكومية في دول مجلس التعاون الخليجي من نشر أو تداول أي معلومات من مصادر غير معروفة». ويضيف أن «الأخبار الزائفة، أي المعلومات المضللة أو غير الدقيقة التي تُقدَّم على أنها أخبار حقيقية، تصبح أكثر خطورة خلال حالات الطوارئ».

ماهر يموت باحث أمني رئيسي في «كاسبرسكي» (كاسبرسكي)

المعلومات المضللة

ليست الأخبار الزائفة ظاهرة جديدة، لكنّ حجم انتشارها وسرعتها تغيّر بشكل كبير مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي، يمكن أن تنتشر تقارير غير مؤكدة أو مقاطع فيديو معدّلة على نطاق واسع خلال دقائق، وقد تصل إلى ملايين المستخدمين قبل أن تتمكن جهات التحقق من الحقائق من مراجعتها.

ويصنف الخبراء الأخبار الزائفة عادة ضمن فئتين رئيسيتين؛ الأولى تتعلق بمحتوى مفبرك بالكامل يهدف إلى التأثير في الرأي العام أو جذب زيارات إلى مواقع إلكترونية معينة. أما الثانية فتتضمن معلومات تحتوي على جزء من الحقيقة، لكنها تُعرض بشكل غير دقيق لأن الكاتب لم يتحقق من جميع الوقائع، أو بالغ في بعض التفاصيل.

وفي الحالتين، يمكن أن يؤدي ذلك إلى إرباك المتابعين خلال الأزمات، خصوصاً عندما يعتمد المستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي، بدلاً من المصادر الإخبارية الموثوقة للحصول على التحديثات.

كما بدأت السلطات في عدة دول، التحذير من أن نشر معلومات خاطئة حتى من دون قصد، قد يعرّض المستخدمين للمساءلة القانونية، ما دفع الحكومات وخبراء الأمن الرقمي إلى التشديد على أهمية الوعي الرقمي والمسؤولية عند مشاركة المعلومات في أوقات حساسة.

الخداع المدعوم بالذكاء الاصطناعي

أدخل الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى مشكلة المعلومات المضللة، من خلال ما يُعرف بتقنيات «التزييف العميق»، وهي مقاطع فيديو مفبركة تُنشأ باستخدام تقنيات التعلم الآلي؛ مثل تبديل الوجوه أو توليد محتوى بصري اصطناعي. وفي بعض الحالات يمكن تعديل مقاطع حقيقية لتبدو كأنها توثق أحداثاً لم تقع أصلاً.

ويصرح يمّوت بأن أهمية التحقق من الأخبار الزائفة باتت أكبر من أي وقت مضى مع انتشار التزييف العميق. ويزيد: «الذكاء الاصطناعي يتيح دمج مقاطع فيديو مختلفة لإنتاج مشاهد جديدة تظهر أحداثاً أو أفعالاً لم تحدث في الواقع، وغالباً بنتائج واقعية للغاية».

وتجعل هذه التقنيات مقاطع الفيديو المعدلة تبدو حقيقية إلى حد كبير، ما قد يؤدي إلى تضليل المستخدمين، خصوصاً عندما يتم تداولها في سياقات مشحونة عاطفياً؛ فعلى سبيل المثال، قد تظهر مقاطع معدلة كأنها توثق هجمات أو تحركات عسكرية أو تصريحات سياسية لم تحدث. وحتى إذا تم كشف زيف هذه المقاطع لاحقاً، فإن انتشارها الأولي قد يسبب حالة من القلق أو الارتباك لدى الجمهور.

قد تؤدي الأخبار الزائفة إلى إرباك الجمهور ونشر الشائعات خصوصاً عند تداولها دون تحقق (شاترستوك)

كيفية التحقق من المعلومات

يشدد خبراء الأمن السيبراني على أن المستخدمين أنفسهم يلعبون دوراً أساسياً في الحد من انتشار المعلومات المضللة؛ فبينما تطور المنصات والجهات التنظيمية أدوات لرصد المحتوى المزيف، يمكن للأفراد اتخاذ خطوات بسيطة للتحقق من صحة المعلومات قبل مشاركتها.

أولى هذه الخطوات هي التحقق من مصدر الخبر؛ فبعض المواقع التي تنشر أخباراً مزيفة قد تحتوي على أخطاء إملائية في عنوان الموقع الإلكتروني أو تستخدم نطاقات غير مألوفة، تحاكي مواقع إعلامية معروفة.

وينصح يمّوت بالتحقق من عنوان الموقع بعناية، والاطلاع على قسم «من نحن» في المواقع غير المعروفة. ومن الأفضل الاعتماد على مصادر رسمية ومعتمدة؛ مثل المواقع الحكومية أو المؤسسات الإعلامية الموثوقة.

كما ينبغي التحقق من هوية الكاتب أو الجهة التي نشرت الخبر. فإذا لم يكن المؤلف معروفاً أو لا يمتلك خبرة واضحة في الموضوع، فقد يكون من الحكمة التعامل مع المعلومات بحذر.

وتعد مقارنة الخبر مع مصادر موثوقة أخرى خطوة مهمة أيضاً؛ فالمؤسسات الإعلامية المهنية تعتمد إرشادات تحريرية وإجراءات تحقق من المعلومات، ما يعني أن الأحداث الكبرى عادة ما تُغطى من قبل أكثر من جهة إعلامية موثوقة.

ويشير يمّوت أيضاً إلى أهمية التحقق من التواريخ والتسلسل الزمني للأخبار، إذ إن بعض المعلومات المضللة يعتمد على إعادة نشر أحداث قديمة أو عرضها، كما لو أنها وقعت حديثاً. كما يلفت إلى أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي قد تخلق ما يُعرف بـ«غرف الصدى»، حيث تُعرض للمستخدمين محتويات تتوافق مع آرائهم واهتماماتهم السابقة، وهو ما يجعل من الضروري الاطلاع على مصادر متنوعة وموثوقة قبل تكوين أي استنتاجات.

التلاعب بالمشاعر

يعتمد كثير من الأخبار الزائفة على إثارة المشاعر؛ فالعناوين المثيرة أو المقاطع الدرامية غالباً ما تُصاغ بطريقة تستفز مشاعر الخوف أو الغضب أو الصدمة، وهي مشاعر تزيد من احتمال مشاركة المحتوى بسرعة.

ويقول يمّوت: «كثير من الأخبار الزائفة يُكتب بطريقة ذكية لاستثارة ردود فعل عاطفية قوية». ويضيف أن «الحفاظ على التفكير النقدي وطرح سؤال بسيط مثل: لماذا كُتب هذا الخبر؟ قد يساعد المستخدمين في تجنب نشر معلومات مضللة». وتزداد أهمية هذا الأمر على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تميل الخوارزميات إلى إبراز المحتوى الذي يحقق تفاعلاً كبيراً، وبالتالي قد تنتشر المنشورات المثيرة للمشاعر أسرع من التقارير المتوازنة.

يسهم الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق في إنتاج فيديوهات وصور تبدو واقعية لكنها مفبركة (شاترستوك)

مؤشرات بصرية على التلاعب

يمكن للصور ومقاطع الفيديو نفسها أن تقدم مؤشرات على احتمال تعرضها للتعديل؛ فبعض الصور المعدلة قد تظهر خطوطاً خلفية مشوهة أو ظلالاً غير طبيعية، أو ألوان بشرة تبدو غير واقعية. أما في مقاطع الفيديو المزيفة فقد تظهر مشكلات في الإضاءة أو حركة العينين أو ملامح الوجه. ورغم أن اكتشاف هذه المؤشرات ليس دائماً سهلاً، خصوصاً عند مشاهدة المحتوى عبر الهاتف الجوال، فإنها قد تساعد المستخدمين على الشك في مصداقية بعض المقاطع المتداولة.

مسؤولية رقمية مشتركة

يرى الخبراء أن الحد من انتشار المعلومات المضللة خلال الأزمات، يتطلب تعاوناً بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الإعلامية والمستخدمين أنفسهم. ويلفت يمّوت إلى أن أبسط قاعدة قد تكون الأكثر فاعلية: «إذا كنت غير متأكد من صحة المحتوى، فلا تشاركه». ويضيف أن المشاركة المسؤولة تساعد في الحد من انتشار المعلومات المضللة وتحمي المجتمعات الرقمية.

ومع استمرار المنصات الرقمية في تشكيل طريقة انتقال المعلومات عبر الحدود، تصبح القدرة على تقييم المحتوى على الإنترنت مهارة أساسية؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي والحروب، حين تختلط الشائعات بالوقائع، لا يتعلق التحدي بالأمن السيبراني فقط؛ بل أيضاً بحماية مصداقية المعلومات نفسها.