«تويتر» و«يوتيوب».. سلاحا «داعش» في تجنيد المتطرفين

«تويتر» و«يوتيوب».. سلاحا «داعش» في تجنيد المتطرفين

اسكوتلانديارد لـ «الشرق الأوسط»: 80% من المواد التي ترصدها وحدة مكافحة الإرهاب أسبوعيا عن سوريا والعراق
الاثنين - 12 ذو الحجة 1435 هـ - 06 أكتوبر 2014 مـ
لندن: رنيم حنوش
تزخر شبكة الإنترنت بمناورات كر وفر ما بين الجماعات المتطرفة مثل «داعش» ووحدات مكافحة الإرهاب التابعة لدول غربية، وعلى رأسها بريطانيا وأميركا. حيث باتت تلك الجماعات تعتمد على الدعاية الإلكترونية وتستغل «الهاشتاغات» النشطة بمواقع التواصل الاجتماعي، مثل «يوتيوب» و«تويتر» لتنشر لقطات الفيديو، بهدف استقطاب وتجنيد مقاتلين أجانب جدد. وفي مقابلة مع شبكة «سي بي إس نيوز» الأسبوع الماضي، قال الرئيس الأميركي باراك أوباما إن مسؤولي الدعاية في تنظيم «داعش» أصبحوا «ماهرين للغاية» في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، واستقطبوا مجندين جددا من أوروبا وأميركا وأستراليا وغيرها.

من جانبهم، نوه مسؤولون بمنظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) بأن أكثر من 15 ألف مقاتل أجنبي من نحو 81 دولة توجهوا للقتال في صفوف الجماعات المتطرفة في العراق وسوريا، ومنهم 3 آلاف مقاتل من الغرب، وألف منهم على الأقل من القارة الأوروبية (نحو 500 منهم من المملكة المتحدة و250 من بلجيكا). وتحوي صفوفهم نحو مائة مواطن أميركي.

يُذكر أن تنظيم «داعش» استطاع توسيع حضوره على شبكة الإنترنت، ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي بات ينشر تدوينات ولقطات فيديو تولد الذعر في قلوب الناس. ويتبين تباعا لذلك أن استراتيجية «داعش» مبنية على تخويف «أعدائه» واستفزازهم وإحياء فطرة العقيدة في قلوب المسلمين لتجنيدهم. وحول أسباب استطاعة «داعش» أن يستقطبوا مقاتلين أجانب، ينوه الإسلامي المصري الدكتور هاني السباعي، مدير مركز المقريزي للدراسات بلندن، بأن «المسألة مسألة عقيدة، فالذي يحرك هؤلاء الشباب رؤية إخوانهم في العقيدة يُقتلون، ولذلك يتوافدون للقتال هناك تعاطفا وتضامنا معهم».

وهذا النوع من الاستقطاب يجري عن طريق الدعوة الإلكترونية، حيث يضيف الدكتور السباعي خبير الحركات الأصولية لـ«الشرق الأوسط» قائلا: «اهتم تنظيم (داعش) بالإعلام بقوة قبل أن تتضاعف إمكانياته المادية، ومع زيادة إمكانياته، يستطيع تخصيص عناصر للدعاية الإلكترونية فقط».

ويذكر مختصون تقنيون معنيون بشؤون الجماعات المتطرفة، أن فريق «داعش» للدعاية الإلكترونية كبير ومنظم وموزع على جميع وسائل التواصل الاجتماعي الكبرى، مثل «فيسبوك» و«تويتر» و«يوتيوب»، ولكل «ولاية» حسابها الإلكتروني الخاص، مثل حساب «ولاية نينوى» الذي ينشر أخبارها، بالإضافة لحسابات «داعش». ويجري الاعتماد أيضا على حسابات خاصة أخرى يتابعها عشرات الآلاف.

وحول ذلك يقول إياد بركات لـ«الشرق الأوسط»، وهو خبير إنترنت وإعلام اجتماعي: «مع أن (داعش) ليست الجماعة المتطرفة الوحيدة ولا الأولى التي تستغل وسائل التواصل الاجتماعي، فإنها تتميز بكثافة استعمالها لشبكات التواصل الاجتماعي واعتمادها على استراتيجيات إعلامية متطورة جدا وخطط ترويجية أكثر تقدما من غيرها».

ويضيف بركات منوها: «في حين أن أغلب الجماعات المتطرفة في السابق كانت تستخدم المنتديات المغلقة لنشر رسائلها الإعلامية ولاستقطاب الأعضاء الجدد، فإن (داعش) تعتمد أكثر على الشبكات المفتوحة للجميع، مثل (تويتر) و(فيسبوك) و(إنستغرام)، وبالتالي تصل لعدد أكبر من الناس وشرائح متنوعة من الجمهور».

وتتركز الاستراتيجية الأساسية لـ«داعش» على توظيف الحشود واستقطابهم بشكل مباشر أو غير مباشر ليكونوا ناقلين وناشرين للفيديوهات والتغريدات والرسائل الإعلامية».

وحسبما أشارت صحيفة «غارديان» البريطانية في تحقيق نشرته الأسبوع الماضي، فإن تمعن ودراسة آليات نشر لأحدث فيديو بثته «داعش»، يوضح شتى الطرق التي يتبعها التنظيم إلكترونيا لنشر مواده، وأهمها استنزاف التغريدات النشطة في البلدان الأجنبية لزيادة توزيع المواد المتطرفة عبر «تويتر» و«يوتيوب».

ونوه التقرير أن التنظيم يستخدم أساليب غير شائعة في قلب الثغرات الأمنية للمواقع لتحميل مواده على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل خدمات تتيح لمستخدميها نشر مدونات من حسابات سرية». ويعتمد التنظيم أيضا على فتح حسابات احتياطية في حال إغلاق حسابهم من مديري الصفحات، وبهذا استطاع التنظيم نشر لقطات قطع الرؤوس حول العالم في غضون ساعات قليلة. ويُذكر أن التنظيم يقوم بتحميل لقطاته على «يوتيوب» وعلى خدمة «جست بيست إت» التي يديرها شاب بولندي (26 عاما).

ومن ذلك الموقع يستطيع الناس أخذ رابط الفيديو ومشاهدته على مواقع أخرى غير «يوتيوب» مبنية على رموز سرية يوفرها التنظيم بتدويناته المتناثرة على شتى المواقع والمنتديات، ليستطيع الناس مشاهدة ما حمّله التنظيم من مقاطع.

وبذلك، يغتنم «داعش» وغيره من جماعات متطرفة ذات منهجية حشد للتجنيد فعالية شبكة الإنترنت في الدعاية التي قد تبدأ بـ«تويتر» و«يوتيوب» وغيرهما من المواقع المعروفة، ولكنها قد تمتد إلى مواقع أقل شهرة في حال حذف المواد من قبل مديري الصفحات.

ويقول بركات: «وسائل التواصل الاجتماع منبر مهم لتلك الجماعات المتطرفة لتجنيد وحشد المقاتلين أجانب، بل إنها ضرورة قصوى، وذلك لطبيعتها المفتوحة ووصولها الواسع لشرائح الجمهور المستهدفة». ويعمل عناصر «داعش» المعنيون بالدعاية الإلكترونية على البحث عن «الهاشتاغات» النشطة في البلدان الأجنبية وأكثر المواضيع تداولا وأهم المشاهير متابعة لاستخدامها، واختراق تلك السجلات لترويج دعايتهم ودعوة لتجنيد الأجانب ونشر لقطات فيديو الدعوة والإعدامات. ومن الملاحظ أن لدى التنظيم دراية واسعة بهذا المجال.

وعلى الصعيد التقني يشير خالد الأحمد، وهو مستشار إعلام اجتماعي لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه «من الممكن جدا البحث عن (الهاشتاغات) النشطة بأي مدينة واستغلالها للترويج لمشروع غير مرتبط بـ(الهاشتاغ). ويجري ذلك إما عن طريق (تويتر) نفسه، أو أدوات من طرف آخر، مثل موقع (تريندز ماب). وقد استخدم هذا الأسلوب يوم استفتاء استقلال اسكوتلندا لاستقطاب مواطنين بريطانيين، إذ استخدم المغردين الدعائيين لتنظيم (الهاشتاغات) النشطة، مثل (صوت بنعم) و(صوت بلا) لنشر تدويناتهم وتغريداتهم في بريطانيا وأوروبا لتصبح مقروءة هناك».

وعن ذلك، يقول إياد بركات خبير المواقع الإلكترونية: «(الهاشتاغ) في حيز التواصل الاجتماعي عبارة عن حوار عام وواسع، والركوب على هذه الحوارات واستغلالها بشكل طفيلي إحدى أهم استراتيجيات الترويج الإلكتروني المستخدمة من قبل الأفراد المتمرسين، وتُعد طريقة فعالة جدا للركوب على الحوار العام والمفتوح وحقنه برسائل مخصصة تهدف لنشر (بروباغاندا داعش) لتحقيق أهدافه».

قد يكون اعتماد «داعش» على وسائل التواصل الاجتماعي للدعاية والحشد من صالحه حاليا، ولكنه أيضا مع صحوة الحكومات لتلك الاستراتيجية والظاهرة المقلقة، قد يكشف ضعف التنظيم وهشاشته. وبذلك قد يستغل منددوه الاعتماد الكبير على الدعاية الإلكترونية لمحاربته من خلالها، والقضاء على وجوده، من خلال استئصاله من شبكات التواصل الاجتماعي.

وعلى خلفية ذلك، بادرت الحكومات الأجنبية، مثل البريطانية والأميركية، إلى التعاون مع شركات التواصل الاجتماعي والشركات التنقية لدحض دعوات التجنيد والتطرف الإلكترونية.

ونوه الناطق باسم البيت الأبيض، نيد برايس، لوسائل إعلام أميركية، الأسبوع الماضي، قائلا: «البيت الأبيض وجهات حكومية ووكالات أخرى معنية جميعها بالتعاون مع وسائل التواصل الاجتماعي لحذف أي مواد قد تهدد الأمن الوطني الأميركي».

ويؤكد إياد بركات خبير المواقع الإلكترونية بوجود مبادرات في بلدان مختلفة حول العالم، وليس فقط بريطانيا، للقضاء على حملة «داعش» الإلكترونية، ويستطرد: «الجهات الرسمية في الدول الغربية تنبهت لخطورة الدعاية الإلكترونية التي يمارسها (داعش) لكونها تستهدف وبشكل مباشر شرائح محددة من الشباب المقيم في هذه البلدان، وبالطرق وأساليب الدعاية التي يفهمون ويتفاعلون معها بسهولة، كان واضحا منذ بدايات انطلاق (داعش) خصوصا ليس فقط انخراط العديد من الشباب القادم من الغرب بوصفهم مقاتلين في صفوف (داعش)، بل أيضا وجود كثير من المؤيدين ونشطاء شبكات التواصل الاجتماعي الذين يعملون على ترويج (داعش) وأهدافها، مما جعل هذه الدعاية الإلكترونية خطرا مباشرا على هذه البلدان، وليس فقط بلدان الشرق الأوسط، مثل سوريا والعراق».

وبدورها، تقوم وحدة مكافحة الإرهاب البريطانية المعنية بشبكة الإنترنت برصد المواد «الإرهابية» والمتطرفة على الشبكة. وتتبع الوحدة منهجا استباقيا وفعالا في رصد المواد الإرهابية، ولكنها تتلقى أيضا بلاغات عامة من مستخدمي الشبكة، ولهم الاختيار بعدم كشف هويتهم. وعندما تخرق المواد المنشورة قوانين الإرهاب البريطانية، تعمل هذه الوحدة التي يديرها خبراء تقنيون ومحللون على حذفها من الشبكة، من خلال التنسيق مع وسيط التواصل الاجتماعي المعني. وحدة مكافحة الإرهاب التي ترصد شبكة الإنترنت مسؤولة أيضا عن إبلاغ الشرطة عن أي إساءات إرهابية (مثل تعظيم أفعال إرهابيين، أو ترويج حملاتهم، أو حشد للقتال) على الشبكة، وذلك من أجل اتخاذ إجراءات لمحاكمة الجناة.

وأفاد المكتب الإعلامي لشرطة العاصمة لندن (اسكوتلانديارد)، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بأنه «في السنوات الـ4 الأخيرة، استطاعت وحدة الرصد هذه إزالة أكثر من 45 ألف مادة إلكترونية عن الإرهاب. وفي الآونة الأخيرة، ترصد الوحدة نحو 1100 مادة تخرق قانون الإرهاب البريطاني (من عام 2006) أسبوعيا، و80% منها عن سوريا والعراق، ومتداولة على جميع وسائل التواصل الاجتماعي، مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) و(تويتر)».

وتعمل شرطة لندن والوحدة المختصة على حذف مقاطع فيديو القتل والتعذيب والمداهمات والعمليات الانتحارية، بالتنسيق مع الشركات المستضيفة للمواقع ووسائل التواصل الاجتماعي.

ومن جانبه، منح موقع «يوتيوب» الذي تملكه شركة «غوغل» العملاقة صلاحيات واسعة لوحدات حكومية، لرصد وحذف المواد الحساسة التي قد تهدد أمنها الدولي والإقليمي. ولم يتبع «تويتر» خطى «يوتيوب» بعد، ولكن مديروه باتوا يتعاملون مع ظاهرة التطرف بجدية تامة، حيث يعمل موظفوه على مدار الساعة في تفحص التقارير حول جميع الشكاوى والمواد الحساسة.

وحول ذلك، يوضح خالد الأحمد العملية قائلا: «يمكن للحكومات التواصل مع إدارة شركة (تويتر)، وتقديم طلب بحجب بعض المغردين أو بعض التغريدات عن الظهور في بلدهم». ويضيف الأحمد: «توجد قوانين في كل من وسائل الإعلام الاجتماعي للحماية من المحتوى المتطرف أو المسيء، ويمكن لأي شخص أن يشطب أي محتوى مسيء أو حجب المغرد وكل تغريداته».

وفي حالات خاصة، يعمل «تويتر» على إلغاء حسابات احتياطية لمروجي «داعش» فور إنشائها، حتى ولو لم تخرق قوانين استخدام «تويتر» بشكل مباشر، وذلك مثلما حصل لحساب تابع لـ«راية التوحيد»، وهم الجماعة المروجة لـ«داعش» في المملكة المتحدة. ومع أن تلك الإجراءات الاحترازية مهمة، فإن خبراء شبكات التواصل الاجتماعي قد نوّهوا بأن حذف تلك المواد فقط لن يساعد في الصورة الكبرى، أي في القضاء على دعاية (داعش) ومنهجية التجنيد من جذورها، إذ يقول إياد بركات: «عملية الإلغاء الفوري للمواد والحسابات التي تنشرها قد تكون ناجحة على المدى القريب، ولكن لا بد من وجود آلية لا تقتصر على شراكة بين الأجهزة المعنية ومديري ومراقبي شبكات التواصل الاجتماعي، بل يجب أن يكون هناك إشراك للجمهور وتوظيف الحشود، في كل مراحل مكافحة الدعايات المتطرفة، للحد من قدرتها على استقطاب أعضاء جدد، ومن جمع الأموال ونشر الذعر بين صفوف الناس».

وعلى صعيد متصل، تشهد وسائل التواصل الاجتماعي حملات مضادة لدعايات «داعش» للتجنيد. وحسبما كشفت صحيفة «نيويورك تايمز»، الأسبوع الماضي، عبر الرئيس الأميركي باراك أوباما عن إعجابه بالمسلمين الذين نددوا بالجماعات المتطرفة وحاربوها إلكترونيا. وشكر أوباما ضمن خطابه في الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، بالتحديد، تفاعل مجموعة بريطانية إلكترونية. وهذه المجموعة «أكتيف تشيج فاونديشون» هي عبارة عن تنظيم مجتمعي بشرق العاصمة البريطانية لندن، وقد بدأت بحملة مضادة لـ«داعش» على «تويتر»، الشهر الماضي. وتستخدم هذه المجموعة «هاشتاغ»: «ليس باسمي»، الذي استخدم للتنديد بأفعال «داعش» ووحشيته بقطع الرؤوس والإعدامات. وجرى تداول هذا «الهاشتاغ» عشرات آلاف المرات مع رابط لفيديو على «يوتيوب» للترويج للحملة الذي أحرز أكثر من 200 ألف مشاهدة.

وتهدف حملة «نوت إن ماي نيم» أو «ليس باسمي»، للتعبير عن غضب المسلمين حول الفظاعة التي يرتكبها «داعش» تحت اسم الإسلام، وللشرح للعالم أن الإسلام ليس ما يفعله «داعش»، حسبما نوهوا بتدويناتهم. وتستمر الحكومات الغربية في محاولات جادة لمنع مواطنيها من الانضمام إلى الجماعات المتطرفة، خوفا من أن ذلك الانخراط سيؤدي لتدريبهم للقتال في داخل وخارج دول الغرب.

وقال أوباما: «علينا بذل جهد أكبر للقضاء على آيديولوجيات التطرف»، مضيفا: «يجب أن نتعلم من رواد حملة (ليس باسمي) البريطانيين، فقد ردت حملتهم على التطرف، وتصدت له، موضحة للعالم معنى الإسلام الحقيقي».

وحسبما نوهت صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن تلك الحملة تلقت إقبالا من المسلمين في المساجد بدول عدة، منها فرنسا وألمانيا والنرويج، الذين شنوا، تباعا، مظاهرات تندد بـ«داعش» ومنهجيته وأعماله.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة