المغرب: تسخينات في أفق انتخابات 2021

قراءة في حكومة العثماني الثانية

المغرب: تسخينات في أفق انتخابات 2021
TT

المغرب: تسخينات في أفق انتخابات 2021

المغرب: تسخينات في أفق انتخابات 2021

بعد أكثر من شهرين من المشاورات السياسية في المغرب، ولدت الحكومة الثانية للدكتور سعد الدين العثماني، أمين عام حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، وسميت «حكومة الكفاءات»، وتحقق ذلك بتوجيه من العاهل المغربي الملك محمد السادس، تحضيراً للمرحلة الجديدة التي سيدخلها المغرب، وتسخينها سياسياً في أفق انتخابات 2021.
جاء الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة في ظل تراجع ملحوظ لمنسوب الثقة لدى شريحة واسعة من المغاربة في العمل الحكومي والشأن السياسي بشكل عام، خلافاً لما كان عليه الوضع بعد عام 2011 إبان احتجاجات «الربيع العربي»، ووصول حزب العدالة والتنمية للمرة الأولى إلى رئاسة الحكومة، التي ما زال يحافظ عليها لولاية ثانية، لكن من دون زخم 2011.
قلّص عدد أعضاء الحكومة المغربي، التي يرأسها الدكتور سعد الدين العثماني، في صيغتها الجديدة التي أعلنت خلال الأسبوع الماضي من 39 وزيراً إلى 23، فضلاً عن تجميع بعض القطاعات الوزارية بغرض «تعزيز النجاعة والانسجام والتنسيق في العمل الحكومي». وكان الملك محمد السادس قد دعا في 29 يوليو (تموز) الماضي بمناسبة الذكرى الـ20 لتوليه مقاليد الحكم، رئيس الحكومة إلى «رفع مقترحات لإغناء وتجديد مناصب المسؤولية، الحكومية والإدارية، بكفاءات وطنية عالية المستوى، على أساس الكفاءة والاستحقاق». وشدد على أن «المرحلة الجديدة ستعرف جيلاً جديداً من المشاريع، ونخبة جديدة من الكفاءات، في مختلف المناصب والمسؤوليات، وضخ دماء جديدة على مستوى المؤسسات والهيئات السياسية والاقتصادية والإدارية، بما فيها الحكومة».
وتعهد الملك محمد السادس، أيضاً، في الخطاب ذاته، بتدشين مرحلة جديدة قوامها «المسؤولية والإقلاع الشامل» والحد من «التفاوتات الصارخة»، كما أعلن عن إحداث لجنة سيعهد إليها صياغة نموذج تنموي جديد.
في هذا السياق، قال محمد العمراني بوخبزة، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية وعميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية بمدينة تطوان، لـ«الشرق الأوسط»، إن التعديل الحكومي «جاء بتوجيه من الملك، وليس برغبة من رئيس الحكومة، بعد ملاحظة وجود تعثر وصعوبات تواجهها الحكومة في تنزيل وتنفيذ المشاريع الكبرى». وأوضح بوخبزة أن «التوجيه الملكي كان واضحاً عندما طالب رئيس الحكومة بضرورة تطعيم الحكومة بكفاءات، وفي ذلك تأكيد على أن التعديل لم يكن بإرادة حكومية، بل بإرادة ملكية». وتابع المحلل السياسي المغربي شارحاً أن «حكومة العثماني في نسختها الأولى عانت من صعوبات كبيرة في عملها بحكم الصراع الذي كان ينشب بين مكوّنات الغالبية، وهو ما حوّل رئيس الحكومة إلى إطفائي أكثر منه رئيس حكومة مسؤول عن تنفيذ برنامج حكومي».
من جهة ثانية، قال لحسن حداد، الكاتب والمحلل السياسي ووزير السياحة الأسبق المنتمي لحزب الاستقلال المعارض، إن «على الحكومة الجديدة أن تقدم تصريحاً (بياناً) حكومياً جديداً أمام البرلمان»، مشيراً إلى أن تقليص عدد الوزراء «كان شيئاً جيداً، لكن التعديل الحكومي جاء في سياق أزمة، وفي سياق دعوات العاهل المغربي لإحداث قطيعة مع العقليات والعادات القديمة في تدبير الشأن العام». لذلك؛ كما يرى حداد «يتوجب على الحكومة أن تدلي بتصريح جديد ينطلق من أسس جديدة». وهو رأي يخالفه المنتصر زيان، مدير عام الشركة المتوسطية للدراسات الاستراتيجية؛ إذ يرى أنه «لا توجد أي مؤشرات بشأن حدوث أي تغيير في التوجهات السياسية للحكومة»، لافتاً إلى أن مشروع قانون الميزانية للسنة المقبلة، والذي يفترض أن يعكس هذا التحول، كان معداً قبل التعديل الحكومي.

نهج صارم
أما بخصوص عدد الوزراء، فإن محمد جغلالي، المحلل السياسي والرئيس السابق للجمعية المغربية للباحثين الشباب، يعتقد أن تقليص عدد أعضاء الحكومة أمر جد إيجابي ومنطقي، وأن «الحديث عن النموذج التنموي الجديد، وبخاصة، في بعده الخاص باختلالات التوازنات الاقتصادية وإعادة توزيع الثروة الوطنية، يفرض نهجاً صارماً في التعامل مع الموارد العمومية والمال العام. ولذا؛ فإن بقاء حكومة من 39 وزيراً أصبح في السياق الحالي أمراً غير مستساغ خاصة مع خطابات التقشف الحكومي». وتابع أن «إدماج قطاعات وزارية في حقيبة واحدة يجد مبرّره في مطلب الرفع من نجاعة العمل الحكومي، والتنسيق بين القطاعات الوزارية، وتجويد السياسات العمومية، ولا سيما، أن تقارير المجلس الأعلى للحسابات أثارت في أكثر من حالة تكرار أوجه الصرف بين قطاعات حكومية مختلفة، ودخولها في بعض الأحيان في تضارب سياساتها وإجراءاتها التنفيذية». وحقاً، يعتبر جغلالي أن التعديل الحكومي جاء أيضاً في سياق الحاجة إلى «تنشيط الحياة السياسية وتسخينها في أفق انتخابات 2021، وكتمرين ديمقراطي للأحزاب المشاركة في الغالبية الحكومية، ولاختبار التحالفات الممكنة ومدى تماسكها».

تجدّد خلافات الغالبية
ما يذكر أن شبح سقوط النسخة الأولى من الحكومة طارد العثماني باستمرار بسبب الخلافات بين أعضاء التحالف الحكومي، وبالأخص، بين حزبي العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار، الذي يرأسه عزيز أخنوش وزير الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات، الذي يعد مقرباً من السلطة. إلا أن العثماني كان يدافع عن حكومته بالقول إنها تحظى بثقة الملك ودعمه، وإن الخلافات الحزبية لا تؤثر على تماسكها.
ثم، بعد الإعلان عن الصيغة الجديدة للحكومة، قال العثماني إنها «تمتثل لمعايير النجاعة والكفاءة التي تتجلى من خلال بنيتها، وهيكلة قطاعاتها، وحضور النساء والشباب ضمن تركيبتها». وأردف أنها «تراعي المعايير التي شدد عليها الملك في خطاب عيد الجلوس الأخير، والمتمثلة على الخصوص في إدماج عدد من الكفاءات الجديدة، التي تراعي تمثيلية النساء والشباب... وعملية التشبيب تعدّ ضرورية ليس فقط بالنسبة للمسؤوليات العليا، لكن حتى داخل الحكومة»، وذلك في تلميح إلى تعيين شاب من حزبه على رأس وزارة التشغيل هو محمد امكراز رئيس منظمة شباب «العدالة والتنمية».
تنويه العثماني بتعيين شاب من حزبه في الحكومة لم يقتصر على هذا التصريح الذي أدلى به مباشرة بعد تعيين النسخة الثانية من حكومته، بل ذهب بعيداً إلى حد توظيف هذا التعيين لتوجيه انتقادات لاذعة لخصمه السياسي حزب التجمع الوطني للأحرار خلال لقاء حزبي؛ ما أدى إلى تجدد الملاسنات ببن الحزبين بعد هدنة قصيرة. اذ قال العثماني، إن حزب العدالة والتنمية يصنع دائماً المفاجآت «وهو حزب أفعال وليس فقط أقوال»، وعبّر عن اعتزازه بأن يصبح الشاب أمكراز وزيراً؛ لما فيه من إشارات قوية بأن للشباب مستقبلاً. وفي تلميح ضمني إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، قال رئيس الحكومة إن هناك من التزم بتقديم الشباب للمناصب الحكومية، لكنه لم يفعل. وأضاف: «قالوها ولم يستطيعوا فعلها»؛ ما دفع أخنوش إلى الرد عليه متهماً إياه بالتهكم على حزبه.

الهندسة الحكومية وإضعاف الأحزاب
من جهة أخرى، وحسب مراقبين، فإن الهيكلة الجديدة للحكومة تشكل مكتسباً بالنسبة للتجربة السياسية والديمقراطية المغربية؛ لأنها تهدف إلى عقلنة العمل السياسي وتحديث الهندسة الحكومية، في احترام للإطار الدستوري والدور السياسي للأحزاب. إلا أن البعض رأى أن هذه الهندسة الجديدة ليست سوى خطوة لإضعاف الأحزاب السياسية في أفق التحكم في نتائج الانتخابات التشريعية المقررة في 2021.
وتعليقاً على الهندسة الجديدة للحكومة، قال بوخبزة إن «الصراعات التي كانت تعيشها الغالبية الحكومية هي التي دفعت إلى إعادة النظر في هيكلتها؛ إذ جرى الاعتماد على أقطاب وتجميع عدد من القطاعات الوزارية في حقيبة واحدة، وبالتالي، جرى التخلي عن النهج القديم الذي كان يرتكز على الحقائب الوزارية والقطاعات الحكومية، وهذا ما ترتب عنه حكومة مقلصة من حيث العدد، رغم ما أثير من نقاش حول تجميع قطاعات وزارية في وزارة واحدة، ومدى وجود قاسم مشترك بينها.
ويرى بوخبزة أن التعديل الحكومي «حمل رسالة إلى الأحزاب السياسية المغربية من خلال مطالبتها بتجاوز منطق المحاصصة وتوزيع الغنائم والانفتاح على الكفاءات»، وهي خطوة اعتبرها ضرورية بسبب وجود مجموعة من مشاريع التنمية التي لم تستكمل بعد، ومشاريع إصلاحية أخرى ستفتح في المستقبل. ثم لفت إلى أنه في السابق كان المنطق المتحكم في تشكيل الحكومة هو منطق الترضيات للنخب الحزبية بغض النظر عن الكفاءة التي من المفروض أن تتوفر في الوزير المشرف على القطاع الحكومي.

الوزيرات من 8 إلى 4
من جهة أخرى، تقلص حضور عدد النساء في الحكومة المعدلة إلى أربع وزيرات، بينما كان عددهن في الحكومة السابقة 8 وزيرات وكاتبات دولة (وزيرات دولة)، كما غابت وزارة الاتصال (الإعلام سابقاً) من التشكيلة، وذلك لأول مرة منذ استقلال المغرب عام 1956. وينتظر أن يتفرق دم قطاع الاتصال بين بعض الوزارات والهيئات المستقلة التي ستتولى تدبيره، أبرزها المجلس الوطني للصحافة والهيئة العليا للاتصال المسموع والمرئي. وباستثناء إلغاء وزارة الاتصال، لم تشكل باقي خطوط التعديل الحكومي الجديد أي مفاجأة. هذا دون أن ننسى إزالة وزارة الشؤون العامة والحكامة، وإزالة قطاع المجتمع المدني من وزارة العلاقات مع البرلمان. ويرى المراقبون أن حذف كتاب الدولة من هندسة التشكيلة الحكومية لن يكون له أي تأثير، اعتباراً لطابعها الصوري، وكون سبب إحداثها هو جبر خواطر الأحزاب المشاركة في الغالبية الحكومية. كما أن الحكومة استعملت كتابات الدولة لإرضاء المطالبين بمشاركة أكبر للنساء.
وتعليقاً على مغادرة بعض الوزراء الحكومة والإبقاء على آخرين، كتب المحلل السياسي بلال التليدي قائلاً: «لا أعرف مقياساً اعتمد في عبقرية التفاوض لإبقاء وزراء في (العدالة والتنمية) والاستغناء عن آخرين، فثمة أكْفاء تم الاستغناء عنهم، وثمة وزراء لا يعملون شيئاً، ويظلون طوال الوقت وراء هواتفهم يقومون بمهام معروفة، تم إبقاؤهم ولا شيء بمعايير السياسة أو النضال يشفع لهم في البقاء إذا قورنوا بمن غادر». وأضاف: «حصيلة عبقرية التفاوض، أن حزب العدالة والتنمية لم يجنِ شيئاً من هذا التعديل؛ إذ فقد حليفه الاستراتيجي (حزب التقدم والاشتراكية الذي التحق بصفوف المعارضة)، وفقد قطاعين مهمين، وفقد كفاءات تدبيرية دون تبرير سبب الاستغناء عنها، وكتب على نفسه العزلة والدخول في الشرنقة، واستثمر التعديل الحكومي للأسف، لإحداث تغلبات تنظيمية في الداخل والخارج، بدل استثمار اللحظة لبث إشارات سياسية تصحح أعطاب الماضي، وتؤسس لمصالحات تنعكس على تماسك مكونات الأداة الإصلاحية».
في المقابل، اعتبر بوخبزة احتفاظ عدد من الوزراء بحقائبهم في «حكومة الكفاءات» أمراً طبيعياً لأن «الحكومة في الأساس سياسية، ويجب أن تقوم على الأحزاب ولا يمكن تصور حكومة كلها خارج الأحزاب لأنه بعد دستور 2011 انتقل المغرب إلى الحكومة الحزبية أو الحكومة السياسية التي تتوفر على أغلبية داخل البرلمان طبقاً للفصل 47 من الدستور.
أما بخصوص استمرار خمسة أحزاب في التعديل الحكومي الجديد، فاعتبر العمراني أن «تشكل الحكومة من خمسة أحزاب رقم كبير حتى وإن كانت ثلاثة أحزاب ممثلة بشكل رمزي داخل الحكومة لتوفرها على حقيبتين أو حقيبة واحدة»، إلا أن هذا العدد كان ضرورياً لضمان الأغلبية داخل البرلمان، بعد أن خرج حزب التقدم والاشتراكية مضطراً من الحكومة، وانتقاله إلى المعارضة.
ومقابل الاحتفاء بالتعديل الحكومي والترحيب بانضمام بعض «الكفاءات» إلى الحكومة الجديدة، شكك المعارضون في جدوى هذا التعديل. وقالت نبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد، في تصريحات صحافية، إن «التعديل الحكومي جاء دون مستوى تطلعات فئات واسعة من الشعب المغربي، هذا الشعب الذي في كل مرة يحاول أن يخلق أملاً من الرماد، ويحاول أن يصدق ما يقال بأن هناك فعلاً نية في الإصلاح والتغيير عن طريق ضخ دماء جديدة، وخلق حكومة تحكم بالفعل، حكومة كفاءات فعلية تبحث عن أجوبة لأسئلة ملحة ومصيرية».
وعدت منيب التعديل الحكومي بأنه ليس سوى «تحريك بعض الوزراء من وزارة إلى أخرى، وأننا لم نسمع عن أي كفاءة لهؤلاء الوزراء الذين ظلوا في الحكومة».
ولم تكتفِ منيب بهذا الحد، وقالت إن الحكومة الجديدة «تفتقر للكفاءات عكس ما كان منتظراً. فجلّ الوزراء ليست لهم أي كفاءة، لا في اقتراح البدائل الثقافية والاقتصادية، وبالأحرى السياسية، التي نحن في أمسّ الحاجة إليها. ولهذا فهي فقط محطة من أجل جس النبض والإعداد للسيناريو الآتي لا محالة في 2021، إلا إذا تحركت القوى التي يهمها التغيير الديمقراطي للبلاد، وهو أمر مستبعد».
من جهة أخرى، يرى عبد الله الرامي، الباحث في علم الاجتماع السياسي، أن التعديل الحكومي الحالي كرّس ضعف وزن «العدالة والتنمية» في الحكومة، رغم أنه هو من يقودها. وأشار إلى أن وزن الحزب الذي خسر عند تشكيل حكومة العثماني عام 2017 حقائب مهمة كالعدل والاتصال (الاتصال) والميزانية، عرف تراجعاً مع التعديل الحكومي الجديد بتقليص عدد وزرائه من 12 في الحكومة الأولى إلى 7 في الحكومة الثانية، إضافة إلى أن هذه الأخيرة غادرها وزراء هم: محمد يتيم، وبسيمة الحقاوي، ولحسن الداودي، ومحمد نجيب بوليف، وخالد الصمدي، ومصطفى الخلفي، الذين يعدون من الأسماء البارزة في الحزب، ودخول أسماء مغمورة بدلاً عنهم.
وأشار الرامي إلى أن هذا التراجع يعتبر مؤشراً على انحسار دور «العدالة والتنمية» في تدبير الشأن العام، ويرجح احتمال انحساره إلى الصف الثاني في هندسة حكومة ما بعد انتخابات 2021، بعدما قاد حكومتين متتاليتين منذ 2012. وأوضح الرامي أن ما يميز حكومة العثماني الثانية هو انعدام التكافؤ الواضح للوزن الانتخابي والسياسي للأحزاب المشاركة مع وزنها داخل الحكومة، ففي حين يتولى حزب العدالة والتنمية، الذي يعد الحزب الأول والأكثر وزناً في مجلس النواب، ويقود تحالف الغالبية، وزارات هامشية وعدداً من الحقائب الوزارية لا تتماشى مع وزنه، فإن أحزاباً صغيرة تتولى مناصب وزارية أكبر من حجمها بكثير.
إن المغرب مقبل على وضع نموذج تنموي جديد من أجل الحد من الفوارق الاجتماعية، وتحقيق العدالة المجالية، وتقليص البطالة والارتقاء بالتعليم والصحة، وهي كلها تحديات يتعين على الحكومة مواجهتها حتى يتمكن المغرب من المحافظة على استقراره وتميزه في منطقة توجد على فوهة بركان.

أبرز الوجوه الباقية والجديدة
> حافظت حكومة العثماني الثانية على معظم وجوه الحكومة السابقة، وبخاصة وزراء السيادة، وعددهم سبعة، هم: عبد الوافي لفتيت وزير الداخلية، وناصر بوريطة وزير الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وأحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ومحمد الحجوي الأمين العام للحكومة، وعبد اللطيف لوديي الوزير المنتدب المكلف إدارة الدفاع الوطني، ونور الدين بوطيب الوزير المنتدب في الداخلية، ومحسن الجزولي الوزير المنتدب في الخارجية.
كذلك، حافظ معظم الوزراء الحزبيين في الحكومة السابقة على حقائبهم أو أسندت إليهم حقائب جديدة، وبلغ عدد الوزراء المجدد لهم 11 وزيراً، هم: المصطفى الرميد وزير الدولة المكلف حقوق الإنسان، الذي أضيفت له حقيبة العلاقات مع البرلمان، ومحمد بنعبد القادر وزير العدل الجديد (الذي كان الوزير المنتدب المكلف إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية سابقاً)، ومحمد بنشعبون وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، وعزيز أخنوش وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، وسعيد أمزازي وزير التربية الوطنية، وحفيظ العلمي وزير الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي، وعبد القادر أعمارة وزير التجهيز والنقل واللوجستيك والماء، وعزيز رباح وزير الطاقة والمعادن والبيئة، وجميلة المصلي وزيرة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة، ونزهة الوافي الوزيرة المنتدبة المكلفة المغاربة المقيمين بالخارج.
أما الوجوه الجديدة في الحكومة فبلغ عددهم ستة، هم: نزهة بوشارب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة (الحركة الشعبية)، ومحمد أمكراز وزير الشغل والإدماج المهني (العدالة والتنمية)، والحسن عبيابة وزير الثقافة والشباب والرياضة، والناطق الرسمي باسم الحكومة (الاتحاد الدستوري)، وإدريس اعويشة الوزير المنتدب المكلف التعليم العالي والبحث العلمي (مستقل)، وخالد آيت الطالب (مستقل) الذي عين وزيرا للصحة خلفا لأنس الدكالي، ونادية فتاح العلوي وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والنقل الجوي والاقتصاد الاجتماعي (التجمع الوطني للأحرار).



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.