اتفاق بين واشنطن وأنقرة على وقف التوغل التركي

«رسالة ترمب» خيمت على لقاء إردوغان ـ بنس... ومعارك في رأس العين شمال شرقي سوريا

الرئيس التركي مستقبلا نائب الرئيس الاميركي أمس (أ.ب)
الرئيس التركي مستقبلا نائب الرئيس الاميركي أمس (أ.ب)
TT

اتفاق بين واشنطن وأنقرة على وقف التوغل التركي

الرئيس التركي مستقبلا نائب الرئيس الاميركي أمس (أ.ب)
الرئيس التركي مستقبلا نائب الرئيس الاميركي أمس (أ.ب)

أعلن نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، التوصل إلى اتفاق على وقف العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا، عقب لقاء متوتر جمعه مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أمس, بمشاركة مستشار الأمن القومي روبرت براين، ووزير الخارجية مايك بومبيو، والمبعوث الخاص إلى سوريا جيمس جيفري، وعدد من المسؤولين العسكريين.
وعقد إردوغان اجتماعاً ثنائياً مع بنس استغرق ساعة و40 دقيقة، وبعده عُقد اجتماع موسع انضم إليه كل من نائب الرئيس التركي فؤاد أقطاي، والمتحدث باسم الرئاسة إبراهيم كالين، ووزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، ووزير الدفاع خلوصي أكار، ورئيس الأركان يشار جولار، ووزير المالية والخزانة برات البيراق، وعدد من مسؤولي الخارجية التركية.
وقالت مصادر قريبة من الاجتماعات، إن الموضوع الأساسي الذي تركزت حوله المباحثات هو وقف تركيا عملية «نبع السلام» العسكرية التي تنفذها في شرق الفرات وتستهدف وحدات الشعب الكردية (المكون الرئيسي لتحالف قوات سوريا الديمقراطية). وأضافت المصادر، أن الجانب الأميركي حذر من أن تركيا ستتعرض لمزيد من العقوبات حال عدم وقف إطلاق النار، وأن العقوبات القادمة ستكون أشد مما فرضته واشنطن حتى الآن على وزراء الدفاع والداخلية والطاقة ووزارتي الدفاع والطاقة.
وأشارت المصادر إلى أن الجانب التركي أكد أن العملية العسكرية ليس لها هدف آخر إلا تأمين الحدود التركية ومنع تشكيل «ممر إرهابي» قرب حدودها الجنوبية وإعادة اللاجئين السوريين إلى أراضيهم، وأن العملية العسكرية لا تستهدف الأكراد وإنما تستهدف «التنظيمات الإرهابية»، وإن تركيا مستعدة ولديها الإمكانية للسيطرة على عناصر «داعش» الموجودين في السجون الخاضعة لسيطرة «قسد» وإعادتهم إلى الدول التي أتوا منها، لكنها تحتاج إلى تعاون من الدول الأوروبية وغيرها التي لديها مقاتلون عملوا في صفوف التنظيم الإرهابي.
وكان كل من بنس وبومبيو وصلا إلى أنقرة على متن طائرتين مختلفتين، من أجل إجراء محادثات مع الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، بشأن العملية العسكرية، بينما سبقهما مستشار الأمن القومي روبرت براين الذي أجرى مساء أول من أمس (الأربعاء) مباحثات مع المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين ووزيري الدفاع خلوصي أكار والخارجية مولود جاويش أوغلو سبقت مباحثات بنس وبومبيو أمس مع إردوغان.
وقال بومبيو، أثناء توجهه إلى أنقرة: «مهمتنا هي رؤية ما إذا كان بالإمكان التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وما إذا كنا نستطيع التوسط في ذلك».
وخيمت الرسالة التي كشف البيت الأبيض عن أن الرئيس دونالد ترمب أرسلها إلى إردوغان في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي عقب انطلاق العملية العسكرية في شرق الفرات، وبعد 3 أيام من قرار سحب القوات الأميركية والتي طالبه فيها بعدم التصرف كالمتصلب والأحمق في سوريا.
وجاء في رسالة ترمب: «أنت لا تريد أن تكون مسؤولاً عن ذبح الآلاف من الناس، وأنا لا أريد أن أكون مسؤولاً عن تدمير الاقتصاد التركي... وسأفعل ذلك، سوف ينظر إليك التاريخ بشكل إيجابي إذا قمت بذلك بطريقة صحيحة وإنسانية، وسوف ينظر إليك إلى الأبد كشيطان إذا لم تحدث الأمور الجيدة».
وختم ترمب رسالته بالقول: «لا تكن رجلاً متصلباً. لا تكن أحمق»، مضيفاً: «سوف أتصل بك لاحقاً».
وقال مراقبون، إن الكشف عن الرسالة قبل مباحثات إردوغان وبنس استهدفت إظهار أن واشنطن عازمة على اتخاذ موقف حاسم تجاه الاجتياح التركي لشمال سوريا، وأن ترمب لم يعطِ الضوء الأخضر لإردوغان لإطلاق العملية العسكرية.
وقالت مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط»، إن رسالة ترمب تخلو من أي دبلوماسية وتتنافى مع الأعراف المتبعة في علاقات الدول، وقد وضعها إردوغان في سلة المهملات، وإن الرد التركي تمثل في تجاهل الرسالة والاستمرار في العملية العسكرية وإعلان الرئيس التركي رفض أي محاولة أميركية للوساطة مع «قسد» أو وقف إطلاق النار حتى تحقق العملية العسكرية أهدافها في إقامة منطقة آمنة تمتد من منبج إلى حدود العراق.
وكان إردوغان تعهد، مراراً، باستمرار العملية العسكرية للجيش التركي في مناطق شمال وشرق سوريا، مؤكداً على أهدافها وهي إنشاء منطقة آمنة من مدينة منبج في ريف حلب الشرقي، وصولاً إلى الحدود العراقية.
وقال إردوغان، في تصريحات نشرت أول من أمس،: «قلت لترمب إنه ليس من الصائب من حيث علم السياسة ومن حيث قانون الحرب أن تقوم دولة مثل أميركا بالتدخل في وساطة بين حليف لكم (تركيا)، وبين «تنظيم إرهابي» (قسد)».
في المقابل، اتفق الجانبان التركي والروسي على منع «المنظمات الإرهابية» من تهديد سلامة ووحدة الأراضي السورية. وذكر بيان صدر عن مكتب المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، أنه التقى المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرينتييف، والوفد المرافق له في أنقرة، أمس، وبحث الجانبان آخر التطورات في سوريا، وعملية «نبع السلام» العسكرية في شرق الفرات، وقضايا استراتيجية، ومسار الحل السياسي، والتطورات المتعلقة بأعمال اللجنة الدستورية السورية. وجرى التأكيد خلال اللقاء على أن العملية تهدف لضمان تبديد المخاوف الأمنية التركية، وعودة اللاجئين السوريين بشكل آمن.
وأضاف البيان، أن الجانبين اتفقا على منع المنظمات الإرهابية بما فيها «قسد» و«داعش» من أن تشكل تهديداً لسلامة ووحدة الأراضي السورية، ومواصلة التعاون بين البلدين في هذا الصدد.
وفي السياق ذاته، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، إن روسيا وعدت أنقرة بإبعاد وحدات حماية الشعب الكردية عن الحدود التركية. وقال في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، أمس، إن روسيا «وعدت بألا يكون هناك وجود لحزب العمال الكردستاني أو وحدات حماية الشعب الكردية على الجانب الآخر من الحدود». وأضاف: «إذا أخرجت روسيا يرافقها الجيش السوري (جيش النظام) عناصر وحدات حماية الشعب من المنطقة فإننا لن نعارض ذلك».
وكانت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية قالت، إنه يجب أن تتولى سوريا السيطرة على حدودها مع تركيا ضمن أي تسوية للصراع في المنطقة في حين تواصل تركيا هجومها في شمال شرقي سوريا.
في الوقت ذاته، نفى كالين وجود أي لقاء رسمي أو اتصال مع النظام السوري. وقال إن العملية العسكرية تسير وفقاً للخطة المرسومة لها، وحققت نجاحات في يومها الثامن (أول من أمس) أكثر من المتوقع، وأن أجواء الاستقرار والأمن بدأت تظهر في المناطق التي تم تطهيرها من «الإرهابيين».
واعتبر أن حزب العمال الكردستاني وأذرعه في العراق وسوريا (وحدات حماية الشعب الكردية)، أدوات بيد القوى الدولية، قائلاً: «رأينا ذلك بكل وضوح في سوريا».
من جانبه، أعلن وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، تلقي بلاده معلومات حول اعتزام وحدات حماية الشعب الكردية استخدام أسلحة كيمائية واتهام القوات التركية بالوقوف وراء ذلك.
وتقدمت القوات التركية والفصائل السورية الموالية لها اليوم داخل رأس العين، وباتت تسيطر على نحو نصف مساحتها، بعد أسبوع من مقاومة شرسة من «قسد» وفق «المرصد السوري». وأعلن الجيش الوطني، أمس، السيطرة على قرى شلاح والعصفورية والبرقع وتل جمة وكاجو شرقي وتل عطاش والمناجير، بعد ساعات من سيطرته على صوامع العالية، ليكتمل بذلك الطوق حول مدينة رأس العين.
وتواصلت أمس في اليوم التاسع للعملية العسكرية التركية، الاشتباكات العنيفة على محاور بريف مدينة تل أبيض، بالتزامن مع قصف متبادل؛ ما أدى إلى خسائر بشرية في صفوف الجانبين.
من جانبه، استغل تنظيم «داعش» الإرهابي الغزو التركي للأراضي السورية، في إطلاق سراح عدد من المحتجزات التابعات للتنظيم، غرب مدينة الرقة.
وقالت وكالة «أعماق» التابعة لـ«داعش»، في بيان أمس، إن عدداً من عناصر التنظيم الإرهابي تمكنوا من مهاجمة مقر تابع لـ«قوات سوريا الديمقراطية» في قرية المحمودلي غربي الرقة، ونجحوا في إطلاق سراح مجموعة من الداعشيات.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.