خلافات تهدد بتأخير الموازنة اللبنانية

رغم ترجيح وزيري المال والإعلام احتمال إقرارها اليوم في مجلس الوزراء

جانب من اجتماع مجلس الوزراء أمس (دالاتي ونهرا)
جانب من اجتماع مجلس الوزراء أمس (دالاتي ونهرا)
TT

خلافات تهدد بتأخير الموازنة اللبنانية

جانب من اجتماع مجلس الوزراء أمس (دالاتي ونهرا)
جانب من اجتماع مجلس الوزراء أمس (دالاتي ونهرا)

تواجه الحكومة اللبنانية عقبات كبيرة قد تحول دون إقرار موازنة العام 2020 ضمن المهلة الدستورية التي تقتضي إصدارها بمرسوم قبل الثلاثاء المقبل وإحالتها على مجلس النواب لإقرارها.
ورغم التفاؤل الذي عبّر عنه وزير المال علي حسن خليل، وقوله إن الموازنة «في الشوط الإضافي الأخير، والأرجح أن تكون جلسة الجمعة (اليوم) الجلسة النهائية»، إلا أن الخلافات بين أعضاء اللجنة الوزارية المكلّفة دراسة المشروع لم تجد حلاً.
ولا تزال المواقف الاعتراضية تتسع داخل لجنة الموازنة، لا سيما من وزراء حزب «القوات اللبنانية» الذين يبدون معارضة شديدة لغياب الإصلاحات، ولحق بهم وزير «حزب الله» محمود قماطي الذي رفض فرض ضرائب جديدة.
وأمام هذا النقاش الحادّ، استبعد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور مروان إسكندر أن تبصر الموازنة النور قريباً. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لو كانت هناك نيّة حقيقية للإصلاح لبدأوا بملف الكهرباء الذي يشكل 63 في المائة من عجز الخزينة».
وذكّر إسكندر بأن المبعوث الفرنسي لمتابعة تنفيذ مقررات مؤتمر «سيدر» السفير بيار دوكان، أبلغ المسؤولين بأن «الحل يبدأ بإصلاح قطاع الكهرباء، وإذا لم يتحقق ذلك عبثاً تحاولون الحصول على أموال سيدر». وأشار إلى أن «الخطة التي قدمتها وزيرة الطاقة (ندى البستاني) تقضي باستئجار أربع بواخر بكلفة 1.5 مليار دولار وعلى مدى ثلاث سنوات، فهل هكذا نحقق الإصلاحات؟». وشدد على أنه «لا انفراج اقتصاديا ومالياً في ظلّ حكم غير متناسق».
ويشكّل وزراء «القوات اللبنانية» رأس حربة في رفض معظم بنود موازنة 2020 التي تعتمد المعايير نفسها التي اعتمدت في موازنة العام 2019. وأشار عضو كتلة «الجمهورية القوية» النائب وهبة قاطيشا إلى أن فريقه السياسي «يعارض الموازنة في الصيغة الموضوعة حالياً وسيصوّت ضدها في الحكومة وفي البرلمان». وأكد لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يمكن زيادة مداخيل الخزينة إذا كان الوعاء مثقوباً، وطالما الإيرادات تذهب في مزاريب الهدر والسرقة».
ودعا قاطيشا إلى «إقرار حزمة إصلاحات ضرورية، على رأسها وقف التهرب الجمركي، ووقف التهريب عبر المعابر الشرعية وغير الشرعية، ومعالجة أزمة الكهرباء المستفحلة، والتوظيف الذي يستخدم كرشوة انتخابية». ولم ينف وجود خلاف حقيقي داخل اللجنة الوزارية المكلفة دراسة الموازنة. وقال إن «الخلاف الأول معنا حول الإصلاحات التي نطالب بها، والثاني بين المكونات السياسية الأخرى حول الضرائب المنوي فرضها».
ولم يقارب مشروع الموازنة الجديد كيفية معالجة التهرب الضريبي وحلّ معضلة الكهرباء. ولفت عضو كتلة «التحرير والتنمية» (كتلة حركة «أمل» التي يرأسها رئيس مجلس النواب نبيه برّي)، أن «الموازنة الجديدة لا تبشّر بالخير، إذا كانت قائمة على فرض مزيد من الضرائب على اللبنانيين». وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أوصيا بعدم فرض ضرائب، لأن الاقتصاد اللبناني يعاني انكماشاً واختناقاً، يترافق مع نسبة الفوائد المرتفعة». وقال جابر وهو وزير سابق للاقتصاد إن «هناك مشكلة حقيقية في بنية الاقتصاد اللبناني، تستلزم قرارات جدية لمعالجتها، تبدأ بمعالجة الهدر الكبير في قطاع الكهرباء».
وسأل: «أي إصلاحات تعد بها الحكومة، وهي تطلب ما بين مليار ونصف المليار وملياري دولار لتمويل عجز الكهرباء سنوياً؟ ولماذا لا تأخذ بالعروض المقدمة من دول شقيقة، بينها مصر التي عرضت تزويد لبنان بالغاز المضغوط لمحطات الكهرباء بدل المازوت والفيول، وبما يوفر على الخزينة نصف مليار دولار سنوياً؟».
من جهته، أعلن نائب رئيس مجلس الوزراء غسان حاصباني في تصريح أن رافضي مشروع الموازنة «يرفضون إلغاء العقود غير القانونية للموظفين الذين أدخلوهم إلى المؤسسات العامة والهيئات ويتجرأون على اتهام غيرهم»، في إشارة إلى آلاف الوظائف التي حُملت على موازنة الدولة خلال موسم الانتخابات الماضية.
وقال حاصباني: «فليصدر مجلس الوزراء قراراً بإلغاء كل هذه العقود فور تحديد الأسماء من قبل ديوان المحاسبة ومن دون مماطلة». وأضاف: «نحن أثبتنا نيتنا ولم نجدد عقود مراقبي وزارة الصحة في 2018. وألغينا عقود موظفين في التنمية الإدارية فأرونا ماذا ستفعلون وكفوا عن تضليل الناس».
ورجح وزير الإعلام جمال الجراح أن تكون جلسة الحكومة اليوم هي الأخيرة للانتهاء من مشروع الموازنة، وذلك في ختام الجلسة التي عقدها مجلس الوزراء أمس. وأعلن عن «إقرار معظم البنود المدرجة على جدول الأعمال، وأهمها إقرار استراتيجية الحدود التي تهدف إلى ضبط الحدود مع الدول المجاورة واستراتيجية الهواء التي تقدم بها وزير البيئة، وهذه مسألة مهمة بمعالجة الوضع البيئي».
وأعلن عن «تفويض وزير الاتصالات بتجديد الاتفاق مع شركة سيتا القبرصية لمد كابل بحري جديد مكان الكابل الموجود حالياً والذي يؤمن الإنترنت للبنان»، على أن يعيد إطلاقه في مناقصة جديدة لخط جديد بين قبرص ولبنان. ورداً على سؤال حول عدم البحث في الموازنة في جلسة أمس، أوضح: «إننا أخذنا وقتاً في إقرار بنود جدول الأعمال، وغداً هناك جلسة إن شاء الله للانتهاء من الموازنة».
وأكدت مصادر مطلعة أن خطة الحدود أقرت من دون اعتراض أي فريق، لكن سجالاً حصل بعد الجلسة بين وزير الدفاع إلياس بوصعب ووزير العمل في «القوات اللبنانية» كميل أبو سليمان على خلفيتها. إذ أعلن الأخير أن حزبه اعترض على خطة الحدود التي تقدم بها بوصعب لأنها «لا تتضمن استراتيجية كاملة لضبط المعابر غير الشرعية».
وردّ وزير الدفاع على وزير العمل قائلاً: «كنت أعتقد أن الوزير أبو سليمان لم يقرأ الخطة فحسب، إذ تبين أنه لم يعلم على ماذا اعترض أيضاً، فما طلبت تعديله وحصل هو استبدال عبارة (الدول المجاورة) الواردة في السطر الأول بالنص الأساسي المرفق، بعبارة (الدول الصديقة) كي لا تكون إسرائيل مشمولة بهذا الموضوع».
ورد أبو سليمان مرة ثانية على بوصعب، معلّقا على قوله إن وزراء «القوات اللبنانية» لم يكونوا على اطلاع على خطة الحدود، قائلاً: «أوضح للرأي العام أن الوزير بوصعب أدخل تعديلات على الخطة وتلاها شفهياً، منها أنه يعتبر سوريا دولة صديقة، ما أثار اعتراضنا وتم استبدال العبارة. ثم سألت الوزير بوصعب عما إذا كان يعتبر أن الخطة تتضمن استراتيجيته لضبط المعابر غير الشرعية، ففوجئنا بأنه أجاب بنعم، رغم أن الخطة بنظرنا غير كافية لضبط المعابر غير الشرعية».



عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)
تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)
TT

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)
تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

فيما كان وزير النقل محسن العمري يناقش خطط تطوير المواني وتعزيز كفاءتها، بالتوازي ينشغل وزير النفط والمعادن الدكتور محمد بامقا بملف إعادة تشغيل مصفاة عدن ودعم المنظومة الكهربائية، أما وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي فقد كرّس جهوده لتوحيد البيانات وبناء خطط تستجيب لمتطلبات المرحلة، بما يعيد هيبة الدولة، ويؤسس لبيئة أكثر انضباطاً وأمناً.

تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

هكذا بدت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن، برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء وزير الخارجية، في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة، وتفعيل مؤسسات الدولة من الداخل، والانخراط المباشر في مناقشة الخطط الاستراتيجية والمستقبلية التي تمس حياة المواطنين، وتضع أسساً لمرحلة أكثر استقراراً وتنظيماً، وذلك لمباشرة مهامه من داخل البلاد، في خطوة تعكس توجه الحكومة الجديدة نحو تعزيز الحضور الميداني وتفعيل أداء المؤسسات الحكومية في مرحلة توصف بأنها مفصلية على المستويين الاقتصادي والخدمي.

وتؤكد الاجتماعات المتلاحقة للوزراء أن العمل الميداني من داخل البلاد بات خياراً سياسياً وإدارياً، يعزز الثقة، ويمهّد لمرحلة عنوانها استعادة الاستقرار بدعم مباشر وسخي من المملكة العربية السعودية على مختلف الأصعدة.

في قطاع النقل، عقد وزير النقل محسن العمري سلسلة لقاءات في عدن، ناقش خلالها مع قيادات مؤسستي مواني البحر العربي والبحر الأحمر خطط تطوير المواني، وفي مقدمتها مشاريع ميناء بروم في حضرموت، وميناء قنا في شبوة، وميناء قرمة في سقطرى، إلى جانب توسعة ميناء المكلا، وإعادة تأهيل وتشغيل ميناء المخا.

ووجّه العمري بتسريع المشاريع، وتعزيز الشفافية والرقابة، وتوفير أجهزة الأمن والسلامة، خصوصاً في ميناء سقطرى، حسب وكالة (سبأ) الرسمية. وتمثل هذه الخطوات رافعة اقتصادية مهمة لإحياء الحركة التجارية، وتخفيف تكلفة الاستيراد، وتغذية الأسواق، بما ينعكس استقراراً معيشياً وأمنياً في المحافظات المحررة.

وفي مسار تعزيز الهوية الوطنية، بحث وزير الثقافة والسياحة المهندس مطيع دماج مع سفيرة فرنسا لدى اليمن، كاترين كورم كامون، دعم قطاع المتاحف والآثار والمدن التاريخية والسينما، مؤكداً أن الحكومة تولي الثقافة والسياحة اهتماماً خاصاً بوصفهما رافداً للتنمية المستدامة.

أما في قطاع الطاقة، فناقش وزير النفط والمعادن الدكتور محمد بامقا إعادة تشغيل مصفاة عدن، وبدائل تصدير النفط، ودعم المنظومة الكهربائية، إلى جانب إعداد استراتيجيات وطنية لقطاعات النفط والغاز والمعادن للفترة من 2026 إلى 2040.

وزير النفط والثروة المعدنية خلال اجتماعه بمسؤولي الوزارة في عدن (سبأ)

كما تناول بامقا ملف الهيدروجين الأخضر، وتشجيع الاستثمار في الليثيوم والعناصر النادرة، وهي ملفات تمثل حجر زاوية في استعادة الموارد السيادية، وتأمين الإيرادات العامة، وتثبيت الاستقرار المالي للدولة.

وفي قطاع الاتصالات، ترأس الوزير الدكتور شادي باصرة اجتماعاً موسعاً لتطوير الأداء المؤسسي والبنية التحتية الرقمية، ومعالجة أوضاع الشركات غير القانونية، وتفعيل قطاع البريد الذي يضم نحو 140 مكتباً، وتعزيز الأمن السيبراني. وأشاد باصرة بالدعم السعودي، مؤكداً أهمية توظيفه لتحديث الشبكات وتقوية البنية الرقمية.

وفي التعليم العالي، ناقش الوزير الدكتور أمين نعمان التحضيرات للمؤتمر الدولي الأول حول «التحول الرقمي والتنمية المستدامة» بالشراكة مع جامعة عدن، مؤكداً أهمية ربط المسار الأكاديمي باحتياجات التنمية.

وزير الاتصالات وتقنية المعلومات خلال مناقشة خطط وزارته (سبأ)

وفي ملف الأمن الغذائي، ترأس وزير الزراعة والري والثروة السمكية اللواء الركن سالم السقطري اجتماعاً موسعاً لإعداد خطة 2026، وتنظيم تدفق الصادرات والواردات الزراعية والسمكية بنظام شبكي يعزز الشفافية، مع تأكيد وجود تفاهمات مع جهات مانحة لتمويل مشاريع جديدة.

وفي الملف العسكري، شدد وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي على توحيد البيانات، وإنهاء الازدواجية، وتعزيز الانضباط المؤسسي، وإعداد خطط تستجيب لمتطلبات المرحلة، بما يعيد هيبة الدولة ويكرّس الأمن.

وتأتي هذه التحركات، في ظل دعم سعودي سياسي واقتصادي وإنمائي وأمني، لتشكّل مساراً متكاملاً يعيد مؤسسات الدولة إلى قلب المشهد، ويعزز ثقة المواطنين، ويمهّد تدريجياً لعودة الاستقرار والأمن في مختلف أنحاء اليمن.


الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)

اتخذت الرئاسة الصومالية خطوةً جديدةً تجاه «حركة الشباب» المتشددة، بإعلانها العفو عن «الشباب المضلَّل» الذي انخرط في صفوف الحركة، وذلك حال تخليهم عن الفكر المتطرف.

تلك الخطوة يراها خبير صومالي متخصص في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعزز فرص تضييق الخناق على «حركة الشباب» شريطة أن تتوفر شروط عدة منها الدمج وإعادة التأهيل.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية، الاثنين، بأن رئيس البلاد حسن شيخ محمود «قرر إصدار عفو عن الشبان الذين تم تضليلهم بالفكر المتطرف في صفوف ميليشيات الخوارج (مصطلح يطلق محلياً على حركة الشباب) في حال تخليهم عن الفكر المتطرف»، مضيفاً أن الدولة ستوفر لهم حياة جديدة وفرصاً لبناء مستقبلهم، ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع.

يأتي ذلك بينما يشن الجيش الوطني عملية عسكرية مخططة تستهدف «فلول ميليشيات الخوارج التي تتحصن في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى، في إطار الجهود المتواصلة الهادفة إلى القضاء على الإرهاب»، حسب ما نقلته الوكالة الأحد.

استهداف مسلحين تابعين لـ«حركة الشباب» في إقليم هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

ويستضيف الصومال بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار، المعروفة باسم «أوصوم»، التي بدأت عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

ويرى الباحث في الشأن الصومالي عبد الولي جامع بري أن العفو الذي أعلنه شيخ محمود «يمكن قراءته من ثلاث زوايا: أمنية، واجتماعية، واستراتيجية. وهو أداة مهمة، لكن نجاحه ليس مضموناً ما لم يُدعم بسياسات مكملة».

وأضاف أن العفو في حد ذاته خطوة إيجابية «لفتح باب العودة، خاصة وأن كثيراً من الشباب انضموا تحت التضليل أو الإكراه، وأن إيجاد مخرج آمن يشجع المنشقين على ترك التنظيم، فضلاً عن كونها رسالة إنسانية وسياسية تُظهر أن الدولة تفرّق بين القيادات المتشددة والشباب المغرر بهم، وتعزز صورة الحكومة كجهة حاضنة لا انتقامية».

يأتي ذلك وسط تصاعد عمليات «حركة الشباب»، حيث قال «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف» إن «نذير الخطر الإرهابي يتصاعد على امتداد الحدود الصومالية - الكينية خلال شهر رمضان، في ظل استراتيجية دموية تنتهجها (حركة الشباب) لترهيب المدنيين وتنفيذ ضربات عابرة للحدود».

وأوضح المرصد في بيان، الاثنين، أن «هذا التصعيد الميداني بدأ ليلة السبت الماضي، حين نفذت عناصر الحركة الإرهابية إعدامات رمياً بالرصاص بحق 10 مدنيين في منطقتي بوالي بجوبا الوسطى وكونيا بارو بشبيلي السفلى جنوب الصومال»، لافتاً إلى أن الحركة تضاعف نشاطها في هذا التوقيت لاستغلال الشعور الديني العام في رمضان.

ويرى بري أن الحركة تستغل الأجواء الدينية، «لذا فإن قرار العفو وحده لا يكفي إذا لم يُربط ببرامج إعادة تأهيل حقيقية، لكي ينجح في محاصرة (حركة الشباب) عبر استمرار النصيحة الدينية والفكرية والدمج الاقتصادي ومتابعة أمنية ذكية».

Your Premium trial has ended


الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.