لندن وبروكسل تزفان «خبراً ساراً» عن اتفاق «عظيم» لبريكست

الوحدويون الآيرلنديون وحليفهم يرفضونه... وجونسون لا يملك أكثرية برلمانية لتمريره

جونسون الذي انفرجت أساريره بعد توقيع الاتفاق يُحيي ماكرون خلال القمة وتقف خلفه ميركل (أ.ب)
جونسون الذي انفرجت أساريره بعد توقيع الاتفاق يُحيي ماكرون خلال القمة وتقف خلفه ميركل (أ.ب)
TT

لندن وبروكسل تزفان «خبراً ساراً» عن اتفاق «عظيم» لبريكست

جونسون الذي انفرجت أساريره بعد توقيع الاتفاق يُحيي ماكرون خلال القمة وتقف خلفه ميركل (أ.ب)
جونسون الذي انفرجت أساريره بعد توقيع الاتفاق يُحيي ماكرون خلال القمة وتقف خلفه ميركل (أ.ب)

نقل رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، في تصريحات سبقت انعقاد قمة بروكسل، التي انطلقت الخميس «خبراً ساراً»، وهو التوصل لاتفاق بين الجانبين حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) يحقق أهداف الجميع من حيث حفظ السلام في جزيرة آيرلندا وتحقيق مصالح شعوب الطرفين. وأجمعا على وصف الاتفاق بـ«العادل والمتوازن»؛ حيث أكدا على عدم الحاجة لتمديد أمد بريكست. وأشار يونكر إلى أهمية الدور الذي سيلعبه كل من البرلمانيين الأوروبي والبريطاني في عملية تمرير الاتفاق، فهما صاحبا الكلمة الأخيرة. وقال: «أنا سعيد بالتوصل إلى اتفاق، لكنني حزين بسبب بريكست».
وقال رئيس البرلمان الأوروبي دونالد توسك إن الاتحاد وبريطانيا «قريبان جداً من المرحلة الأخيرة» لانفصال بريطانيا عن التكتل، موضحاً أن الخطوتين الأخيرتين هما موافقة برلماني بريطانيا والاتحاد. وأدلى توسك بالتصريحات، بعدما وافق أعضاء التكتل على أن تترك بريطانيا بموجب الاتفاق التكتل، في 31 أكتوبر (تشرين الأول)، أي من دون تمديد.
وقال رئيس البرلمان الأوروبي، ديفيد ساسولي، إن المجلس مستعد لتقييم النص الجديد للاتفاق، وربما إقراره. وكتب على «تويتر»: «التوصل لاتفاق لخروج بريطانيا أمر إيجابي. علينا الآن النظر للنص بالتفصيل. البرلمان الأوروبي مستعد للعب هذا الدور».
ومن جانبه، ناشد جونسون برلمان بلاده تمرير الاتفاق؛ حيث «يتعين تحقيق بريكست من دون أي تأخير، ليتسنى لنا التصدي لأولويات الشعب البريطاني الأخرى، خاصة في مجال الصحة». ويأمل الطرفان، البدء بمفاوضات العلاقات المستقبلية في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، أي بعد مصادقة البرلمانيين الأوروبي والبريطاني على الاتفاق.
لكن سرعان ما أعلن الوحدويون الديمقراطيون الآيرلنديون الشماليون، وزعيم حزب العمال البريطاني، رفضهم له. وكتب يونكر على حسابه على «تويتر»: «حصلنا عليه»، في حين تحدث جونسون عن اتفاق جديد «عظيم». وعطى يونكر قادة الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرين بإعطاء الضوء الأخضر له خلال قمتهم، التي بدأت في وقت لاحق، الخميس.
واستفاد الجنيه الإسترليني من الإعلان، وارتفع بنسبة 1 في المائة أمام الدولار، في حين كانت الأوساط الاقتصادية تخشى تبعات عدم التوصل إلى اتفاق في نهاية أكتوبر. ووصف كبير المفاوضين الأوروبيين، ميشال بارنييه، الاتفاق بأنه «عادل ومعقول» و«يتفق مع مبادئنا»، وقال إن جونسون بدا واثقاً خلال مكالمته مع يونكر من الحصول على تأييد البرلمان. وبدوره، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنه «واثق بدرجة معقولة» من موافقة النواب البريطانيين على الاتفاق. وأعربت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن رضاها عن التقدم الذي حدث في المفاوضات بين لندن وبروكسل. وقالت ميركل قبل القمة الأوروبية في بروكسل: «إنه نبأ سارّ»، لافتة إلى أن الاتفاقية التي تم التفاوض بشأنها تفتح إمكانية الحفاظ على سلامة السوق الأوروبية الموحدة، وكذلك على اتفاقية الجمعة العظيمة بشأن إنهاء النزاع المتعلق بآيرلندا الشمالية، لافتة إلى أن إعلان رئيس الوزراء الآيرلندي ليو فارادكار رضاه عن ذلك، يعد أيضاً «إشارة في غاية الأهمية».
وقال رئيس الوزراء الآيرلندي، ليو فارادكار، إن الاتفاق جيد بالنسبة لجمهورية آيرلندا وآيرلندا الشمالية. وغرد فارادكار على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»: «حظينا باتفاق بريكست يتيح خروج المملكة المتحدة بطريقة منظمة». وأضاف: «لدينا حل فريد من أجل آيرلندا الشمالية، يحترم تاريخها وجغرافيتها الفريدة». وأوضح: «الاتفاق جيد من أجل آيرلندا وآيرلندا الشمالية»، مشيراً إلى تجنب «الحدود المتشددة» وحماية مكانة آيرلندا في السوق الأوروبية الموحدة.
لكن زعيم حزب العمال المعارض في بريطانيا، جيريمي كوربن، دعا النواب إلى رفض الاتفاق. وقال كوربن، في بيان، إن الاتفاق «لن يجمع البلد معاً، ويجب رفضه». وأضاف أن «أفضل حل لبريكست هو إعطاء الشعب الكلمة الأخيرة في تصويت عام».
وعمل المفاوضون الأوروبيون والبريطانيون حتى وقت متأخر لليلة الثانية، للتوصل إلى اتفاق يمكن عرضه على القمة الأوروبية، مع عودة التفاؤل الأسبوع الماضي، بعد تقارب جديد بين دبلن ولندن. والاتفاق هو الثاني من نوعه لتنفيذ نتيجة استفتاء 2016، بعد أن رفض النواب البريطانيون الاتفاق الأول 3 مرات.
ودعا بوريس جونسون النواب إلى الموافقة على الاتفاق الجديد، خلال جلسة استثنائية تعقد السبت، بعد أن توعد مراراً بأنه سينفذ بريكست في نهاية الشهر، سواء باتفاق أم من دون اتفاق.
وستكون مهمته أمام البرلمان حساسة، بعد أن فقد غالبيته، ولم يعد بوسعه الاتكال على دعم الحزب الديمقراطي الوحدوي، الذي يشكل جزءاً من ائتلاف برلماني مع حزبه المحافظ.
ويتطلب تمرير الاتفاق في بريطانيا بشكل خاص أصوات الحزب الديمقراطي الوحدوي الصغير الآيرلندي الشمالي، الذي أعلن الخميس رفضه للاتفاق الجديد. ولقد قضى الحزب على أي تفاؤل بإصداره بياناً قال فيه: «لا يمكننا دعم ما هو مقترح حول قضيتي الجمارك وموافقة» سلطات آيرلندا الشمالية على مشروع بريكست، وهما نقطتان خلافيتان أساسيتان بين لندن والاتحاد الأوروبي. وتحدث الحزب كذلك عن «عدم وضوح بشأن رسم القيمة المضافة» الذي سيطبق في آيرلندا الشمالية. لكن الحزب الذي يمثله 10 نواب في مجلس العموم قال إنه «سيواصل العمل مع الحكومة للتوصل إلى اتفاق معقول لصالح آيرلندا الشمالية، ويحمي السلامة الاقتصادية والدستورية للمملكة».
وسوف تكون أصوات النواب الـ10 التابعين للحزب حاسمة، عندما يصوت البرلمان البريطاني على الاتفاق غداً (السبت). وأضاف الحزب: «موقفنا الثابت هو أننا سوف نوافق فقط على دعم الترتيبات التي تخدم الدستور والمصالح الاقتصادية على المدى الطويل لآيرلندا الشمالية، وتحمي تكامل الاتحاد». وأوضح الحزب: «هذه المقترحات، في رأينا، لا تعود بالمنفعة على الأوضاع الاقتصادية لآيرلندا الشمالية، وتقوض تكامل الاتحاد» في إشارة إلى خطط وضع ترتيبات جمركية بشأن آيرلندا الشمالية منفصلة عن بقية المملكة المتحدة. ولا يحظى جونسون بأغلبية في البرلمان، المؤلف من 650 مقعداً، وعملياً يحتاج إلى 320 صوتاً للتصديق على الاتفاق يوم السبت في جلسة استثنائية.
وقال نايجل فاراج، زعيم حزب «بريكست» والسياسي المخضرم المناهض للاتحاد الأوروبي، إن الاتفاق مع بروكسل «ليس خروجاً لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)». ويقول حزبه في تغريدة منفصلة: «لن نقبل بأي شيء أقل من (خروج كامل نظيف)، اتفاق بوريس الجديد ليس جديداً وليس خروجاً لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي». وفي مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، قال فاراج إن الاتفاق سوف يؤدي إلى «سنوات أخرى من المفاوضات، بداية من جائزة اتفاقية التجارة الحرة، التي نعرف بالفعل أننا لن نحصل عليها». ويقول: «بصراحة أعتقد أنه يجب رفضه»، مضيفاً أنه سيكون «من الصعب للغاية» على جونسون إقناع الحزب الديمقراطي الوحدوي في آيرلندا الشمالية بدعم الاتفاق.
وينص الاتفاق على تطبيق عمليات المراقبة الجمركية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، وليس بين شطري جزيرة آيرلندا، التي ستبقى بمجملها عضواً في الاتحاد الجمركي الأوروبي. ووجود هيئة مشتركة خاصة بالتعامل مع مشكلات الإجراءات، وإعطاء الجمعية العامة في آيرلندا الشمالية حق النظر في البروتوكول والتصويت بالأغلبية البسيطة، كما ينص على مرحلة انتقالية تستمر حتى عام 2020 قابلة للتمديد.
وركزت المحادثات بين لندن وبروكسل على عدد من القضايا الحساسة؛ كيفية تجنب عودة الحدود بين آيرلندا، عضو الاتحاد الأوروبي، ومقاطعة آيرلندا الشمالية، وهي جزء من المملكة المتحدة، من أجل الحفاظ على السلام في الجزيرة، مع السماح بوجود نقطة للتفتيش الجمركي، وحقّ سلطات آيرلندا الشمالية في أن تتفحص اتفاق الطلاق، أو العلاقة في المستقبل. وأدت التطورات المتصلة ببريكست إلى إرباك منظمي القمة، إذ لم ينشروا خلافاً للمعتاد جدول الأعمال سوى صباح الخميس. وبالإضافة إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، سيناقش رؤساء الدول والحكومات الوضع في تركيا، والعودة بشكل خاص إلى الموقف الأوروبي من الهجوم التركي في شمال شرقي سوريا. وسيتطرقون إلى مسألة توسيع الاتحاد الأوروبي، ليشمل مقدونيا الشمالية، وألبانيا، قبل مناقشة ميزانية الاتحاد الأوروبي للفترة 2021 - 2027 الجمعة.



متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، وأكد أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

تحوّلات ونماذج بديلة

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

امتحان التكيّف والتعاون

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.


سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
TT

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن واشنطن لا تمانع عودة تركيا إلى برنامج إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35»، متوقعاً أن يتم معالجة مسألة العقوبات الأميركية المفروضة عليها بسبب شرائها منظومة الدفاع الصاروخي الروسية «إس - 400» قريباً.

وفي تكرار لتصريحات أطلقها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال براك، خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي انطلقت دورته الخامسة، الجمعة، في مدينة أنطاليا جنوب تركيا،: «أعتقد أن مشكلة منظومة (إس – 400) ستحل قريباً، ومن وجهة نظر رئيسي (دونالد ترمب)، لا مانع من قبول تركيا في برنامج طائرات (إف - 35)».

وأخرجت الولايات المتحدة تركيا من برنامج مقاتلات «إف - 35»، التي تنتجها شركة «لوكهيد مارتن»، عقب حصولها على منظومة «إس - 400» في صيف عام 2019، لتعارضها مع منظومة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفرض عليها ترمب عقوبات بموجب قانون «كاتسا» في أواخر عام 2020، فيما اعتبرته تركيا قراراً غير عادل، لا سيما أنها دفعت نحو 1.4 مليار دولار لشراء مقاتلات «إف - 35».

منظومة «إس - 400» الروسية (موقع الصناعات الدفاعية التركية)

وعلى الرغم من اتجاه تركيا للبحث عن بدائل مثل طائرات «يوروفايتر تايفون» الأوروبية أو إنتاج بدائل محلية، فإنها تواصل السعي لرفع العقوبات الأميركية والحصول على مقاتلات «إف - 35».

وفي ديسمبر الماضي، قال براك، إن أنقرة باتت أقرب إلى التخلي عن المنظومة الروسية، متوقعاً إمكانية حل هذا الملف خلال فترة تتراوح بين 4 و6 أشهر، لافتاً إلى أن القانون الأميركي لا يسمح لتركيا بتشغيل أو حيازة المنظومة الروسية إذا أرادت العودة لبرنامج إنتاج وتطوير المقاتلة الأميركية.

واقترحت تركيا، في مارس (آذار) الماضي، تشغيل منظومة «إس - 400» بشكل مستقل عن أنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) لحل الخلاف مع الولايات المتحدة، وإنهاء أزمة استبعادها من مشروع إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35» والحصول عليها.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

ولم تفعّل تركيا المنظومة الروسية منذ حصولها عليها، بموجب الصفقة التي وقعت مع روسيا في عام 2017، أو نقلها إلى مكان آخر أو بيعها لدولة أخرى.

وقال وزير الدفاع التركي، يشار غولر، «إن الحل الذي اقترحته تركيا بات واضحاً، تم إبلاغ نظرائنا الأميركيين بفكرة تشغيل منظومة (إس – 400) كنظام مستقل، دون دمجها في أنظمة الناتو، وإن هذا هو الحل الأمثل».

وعن مسار العلاقات التركية - الأميركية، قال براك إن العلاقات بين أنقرة وواشنطن شهدت تقدماً ملحوظاً خلال الـ16 شهراً الماضية يفوق ما تحقق خلال الـ15 عاماً الماضية.

ولفت إلى إحراز تقدم في مجالات السياسة الخارجية والاستخبارات والشؤون العسكرية والتجارية، لا سيما في ظل العلاقات الجيدة بين الرئيسين، رجب طيب إردوغان ودونالد ترمب.

براك متحدثاً عن العلاقات التركية - الأميركية خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (إعلام تركي)

وأضاف براك: «يجري إعادة تشكيل التحالف بين البلدين، ما حدث في سوريا (منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024) كان في صالح تركيا إلى حد كبير، تستحق تركيا والسعودية ثناءً كبيراً لدعمهما هذا «الهيكل الناشئ» في سوريا.

وتابع أنه «حتى مع وجود بعض العيوب؛ في الواقع، كانت تركيا العامل الحاسم في هذه العملية، العلاقات بين البلدين أفضل من أي وقت مضى، أعتقد أنه سيتم التوصل إلى حل لمسألة منظومة (إس – 400) قريباً، ومن وجهة نظري، فإن إعادة قبول تركيا في برنامج (إف - 35) أمر ممكن أيضاً».