في الحج لا تعرف من يكون بجوارك يناجي ربه، لا جنسية، ولا لون ولا طبقات، ولا خلفية عقائدية.. كل ذلك يذوب وتبقى روحانية المكان. وفي هذه الأجواء حرص برنامج الأمير محمد بن نايف للمناصحة على دفع المطلوبين أمنيا بعد مناقشتهم فكريا وتصحيح ما يدور في خلدهم، للوجود في هذا المشهد، ومن هؤلاء «علي الكربي» الذي قضى 11 عاما مع معتنقي الفكر التكفيري خارج السعودية، وصل مع 500 حاج من المطلوبين أمنيا للمشاعر المقدسة لأداء مناسك الحج.
علي الكربي (في العقد الخامس من العمر) «المطلوب أمنيا» يحبس أنفاسه ندما على ما ضاع من عمره دون راحة أو استقرار، بعد أن سلم نفسه لفرقة من الفئة الضالة رسمت له طريق النجاة والأبدية، فصدق ضلالهم، كما وصف في حديث خص به «الشرق الأوسط» حينما عرض عليه مجموعة من المتطرفين مبالغ ماليه أغرته ودفعته لتصديقهم والسير على خطاهم إلى أن أخرجوه من السعودية إلى اليمن قبل 11 عاما.
وأضاف أن تلك الفئة وعدته بأن حاله سيتغير للأفضل، في حال انضمامه إليه واتباع أفكارهم، وعلى ذلك تبعهم، مما دفعه لمغادرة السعودية وترك عائلته، وبدأت رحلة التنقل من دولة إلى أخرى حسب الوضع الأمني بها، بدعوى الجهاد، ومع تعدد المحطات التي مر بها والسجن بين تلك الجماعة، أن الحلم تحول إلى واقع أليم، وأصبح مطاردا طيلة تلك السنوات، مشيرا إلى أن الكثير من السعوديين الذين راحوا ضحية أصحاب الفكر الضال يعيشون حاليا حياة صعبة ويفكرون في العودة إلى السعودية، بعد أن شاهدوا تعاون الدولة معهم في مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة. وأكد الكربي أنه أجرى العديد من الاتصالات مع بني جلدته المنضمين للجماعات المتطرفة، وأيقن من أحاديثهم خوفهم مما هم فيه ورغبتهم في العودة للبلاد، متوقعا أن تصل إلى السعودية في الفترة المقبلة أعداد منهم بعد أن أقنعهم وأبان لهم الوضع الصحيح وآلية التعامل من قبل الجهات الأمنية التي تهتم بجانب التثقيف والتوجيه وإعادتهم إلى الطريق السليم مواطنين صالحين.
وفي السياق نفسه، أشار مجموعة من المطلوبين أمنيا، التقتهم «الشرق الأوسط»، إلى أنهم تعرضوا لنفس ما تعرض إليه الكربي، من عملية خداع وتغرير، تمنيهم بمواقع أفضل، من خلال سرد وتزييف للحقائق من قبل القائمين على تلك الجماعات، التي أودت بهم إلى مستقبل مجهول، مما دفعهم إلى تسليم أنفسهم إلى السلطات السعودية لتصحيح مسار حياتهم.
من جانبهم، كشف القائمون على مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة أن عدد الذين استضافهم المركز أكثر من 2900 شخص، أدرجوا ضمن برامج متطورة، بداية من تصحيح معتقداتهم وتوضيح الأخطاء التي وقعوا فيها، وحتى مرحلة التدريب والتطوير والمتابعة اللاحقة، بالإضافة إلى العمل على تقديم الدعم المالي لهم ولأسرهم وتلمس حاجاتهم وتقديم الرعاية الصحية والاجتماعية لهم، إلى جانب فتح المجال أمامهم لإكمال مراحل التعليم.
وقال الدكتور خالد التركي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة القصيم، إن مركز الأمير محمد بن نايف لمناصحة الموقوفين أمنيا يعمل على إقامة الدورات لحمايتهم من الانحراف سواء كان فكريا أو سلوكيا أو عقديا، مشيرا إلى أن بعض اللقاءات مع الموقوفين تتحول إلى مناظرات في سبيل إيضاح الفكرة وتصحيحها من خلال اللجان التي يضمها المركز وهي النفسية والاجتماعية والدينية، وتتم أيضا مناصحتهم من خلال إيضاح القضايا التاريخية والمسؤولية الاجتماعية وتطوير الذات في سبيل محاولة مناقشة الإشكاليات التي يواجهها الشباب من معتنقي الفكر التكفيري والتطرف.
وأشار إلى أن التطرف ليس حصرا على السعودية، وإنما يوجد في الكثير من دول العالم، إلا أن محاربته تختلف من بلد إلى آخر، فهناك دول يكون مكان المتطرف فيها السجن والتعذيب وربما القتل، ولا تكون لذلك علاقة بالأمور الاجتماعية، إلا أن الوضع في السعودية مختلف تماما، فهي تنظر إلى أن المتطرفين أبناؤها، وأن لديهم أخطاء يمكن تصحيحها من باب أن الخطأ موجود في البشرية منذ الأزل، حيث يقوم المركز بعقد اللقاءات والدورات لمناقشة الشباب في أسباب الفكر التكفيري الذي هو منهج الخوارج. ويروي تجربته في التعامل مع أصحاب الفكر التكفيري من خلال عمله في لجان المناصحة، إذ يؤكد التركي أنه يلمس الآثار الإيجابية للمركز في تعديل وإصلاح سلوك الشباب، حيث يرى الشاب أنه ولد من جديد ويظهر الندم والعزم على عدم العودة إلى طريق الضلال، موضحا أن المركز يتعامل معهم تعاملا أخويا، لافتا إلى أن 10 في المائة من الشباب السعودي يعتنقون الفكر المتطرف ولديهم بعض الإشكاليات في هذا الجانب، والدراسات التي أجريت عليهم أثبتت أن غالبية من يعتنقون هذا الفكر من ذوي المستويات التعليمية المتدنية ولديهم بساطة في التفكير.
وفي سياق متصل، خلصت دراسة أميركية إلى اهتمام دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا بالاستراتيجيات السعودية لمحاربة التطرف والفكر «التكفيري»، إذ قالت دورية «سي تي سي سنتنيل» - التي يصدرها مركز مكافحة الإرهاب التابع للأكاديمية العسكرية الأميركية في ويست بوينت - إن تعاظم شعبية الإنترنت ودوره المركزي في نشر آيديولوجيا التطرف والعنف أديا إلى اهتمام دولي على نطاق واسع بما تقوم به «حملة السكينة» السعودية لمكافحة التطرف المستشري في مواقع الشبكة العالمية. وأضافت أن نجاح الحملة دفع بريطانيا وأميركا والجزائر والكويت والإمارات إلى إبداء رغبات في إنشاء برامج مماثلة لتحقيق الغرض المنشود.
ورأت الدراسة التي أعدها الدكتور كريستوفر بوسيك، وهو خبير أميركي يعكف منذ سنوات على دراسة الاستراتيجيات السعودية لمكافحة التشدد وإعادة تأهيل المتطرفين التائبين، أن التواصل مع الشريحة السكانية المتمسكة بتعاليم دينها والتي تبحث عن إجابات عن أسئلة تتعلق بالإسلام، وتقديم بدائل للتطرف العنيف، يمثلان «ضرورة حاسمة في حرب الأفكار». وخلصت إلى أن التجربة السعودية في محاربة «الجهاز الإلكتروني» ستكون «درسا مفيدا للآخرين ليعكفوا على درسها».
وأشارت الدراسة إلى الأنظمة الصارمة التي استنتها السعودية لمكافحة استخدام «الإنترنت» لنشر التطرف والإرهاب والفكر «التكفيري»، وقالت إنها تفرض عقوبات تزيد في قسوتها عشرة أضعاف ما يفرض في الجرائم الإلكترونية غير ذات الصلة بالإرهاب. واعتبرت أن السعودية استكملت تعزيز جبهة «حرب الأفكار» بتقنين عملية إصدار الفتاوى الشرعية من خلال موقع يتبع للرئاسة العامة للبحث العلمي والإفتاء والدعوة والإرشاد، مما أدى إلى الحد من استشراء الفتاوى المتشددة غير الشرعية.
التائب الكربي لـ {الشرق الأوسط}: الشباب السعودي ضحية لأرباب الفكر الضال ومغريات المال والبحث عن الخلود
عائدون من حفر الموت إلى جنة الغفران
علي الكربي («الشرق الأوسط»)
التائب الكربي لـ {الشرق الأوسط}: الشباب السعودي ضحية لأرباب الفكر الضال ومغريات المال والبحث عن الخلود
علي الكربي («الشرق الأوسط»)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


