باسيل يُقحم الحكومة اللبنانية في اشتباك سياسي

خطابه يعكس أولوية طموحاته الرئاسية... وخصومه يترقّبون رد فعل عون

الحريري مترئساً جلسة الحكومة أمس بحضور باسيل (الثالث من اليمين) (دالاتي ونهرا)
الحريري مترئساً جلسة الحكومة أمس بحضور باسيل (الثالث من اليمين) (دالاتي ونهرا)
TT

باسيل يُقحم الحكومة اللبنانية في اشتباك سياسي

الحريري مترئساً جلسة الحكومة أمس بحضور باسيل (الثالث من اليمين) (دالاتي ونهرا)
الحريري مترئساً جلسة الحكومة أمس بحضور باسيل (الثالث من اليمين) (دالاتي ونهرا)

فوجئ الوسط السياسي اللبناني، مع حلول الذكرى التاسعة والعشرين لإخراج العماد ميشال عون من القصر الجمهوري في بعبدا عندما كان رئيساً للحكومة العسكرية، بالخطاب «الناري» الذي ألقاه صهره رئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل في هذه المناسبة، لما حمله من «مضامين حربجية (مستفزة) أقل ما يقال فيها إنها محاولة للانقلاب على التسوية السياسية التي أوصلت عون إلى رئاسة الجمهورية»، حسب مصدر وزاري بارز.
وسأل المصدر الوزاري عن «الأسباب التي أمْلت على باسيل أن يتوجه إلى جمهوره بخطاب شعبوي غلب عليه التوتر السياسي وشن من خلاله الحملات على خصومه كأنهم هم الذين كانوا وراء إخراج العماد عون من بعبدا، متجاهلاً في الوقت نفسه بعض حلفائه ممن كانوا على ارتباط وثيق بالنظام في سوريا الذي قاد العملية العسكرية التي أدت إلى إبعاد الجنرال عن قصر الشعب» في 1990. وأضاف: «لماذا وجّه باسيل مدفعيته السياسية باتجاه خصومه في الوقت الذي ينصرف فيه رئيس الحكومة سعد الحريري إلى وقف الانهيار الاقتصادي باعتباره الهم الأول والأخير الذي لا يزال يُقلق اللبنانيين على مستقبلهم؟».
واعتبر أن ما قاله باسيل «لا يخدم الرئيس عون ولا يشكل رافعة للعهد القوي الذي يغدق التطمينات على اللبنانيين من دون أن يوقف اقتراب البلد من الانهيار الاقتصادي». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن باسيل «أراد من خطابه الهروب إلى الأمام بدلاً من أن يصارح جمهوره بالأسباب التي لا تزال تحول دون تحقيق رئيس الجمهورية ما وعد به من إنجازات». وسأل عن موقف عون من تصريحات باسيل وما إذا كانت تسهم في تعزيز الاستقرار السياسي وتخدم الجهود الرامية إلى إنقاذ البلد من أزمته الاقتصادية والمالية، «خصوصاً أن خطابه جاء بعد أسابيع على انتهاء النصف الأول من ولايته الرئاسية».
وأشار إلى أن باسيل أراد من تحامله في خطابه على خصومه أن يوحي لمحازبيه بأنهم كانوا وراء عدم قدرة الرئيس عون على ترجمة ما تعهد به من أجل أن ينقل البلد من التأزم إلى الانفراج. وقال إن «لوزير الخارجية جدول أعمال يتعارض مع أجندة رئيس الحكومة ومكونات رئيسة في هذه الحكومة لأن لهؤلاء جميعاً بنداً وحيداً عنوانه البحث عن الحلول لتفادي الانهيار الاقتصادي».
ورأى المصدر أن «جدول أعمال باسيل بات يقتصر على خدمة طموحاته للوصول إلى سدة الرئاسة الأولى خلفاً للعماد عون الذي سبق له أن عزا الحملة على وزير الخارجية إلى أنه يقف على رأس السباق إلى الرئاسة». وقال إن «وزير الخارجية يتوخى من تصعيده السياسي الذي بلغ ذروته في خطابه هذا، أن يقدّم أوراق اعتماده ليس كمرشح للرئاسة فحسب، وإنما لرغبته في مخاطبة حلفائه، أو بعضهم على الأقل، بأنه الأقدر على مواجهة خصومهم في الساحة اللبنانية».
ولفت المصدر إلى دعوة باسيل رئيس الجمهورية إلى أن «يضرب على الطاولة» واستعداده هو شخصياً لقلب الطاولة معه. وسأل: «هل يريد من دعوته هذه الاستعداد منذ الآن لإطاحة الحكومة؟ مع أنه يعرف جيداً أن الطاولة ستنقلب عليه لأن من يخطط لمثل هذا الانقلاب يريد أن يأخذ البلد إلى المجهول؟».
وحذّر من تداعيات «إقحام البلد في مغامرة من العيار الثقيل»، موضحاً أن «تشكيل حكومة بديلة من لون واحد سيعرّض البلد لأقصى العقوبات السياسية من قِبل المجتمع الدولي، وبالتالي سيفرض عليه كل أشكال الحصار». ورأى أن «مجرد التفكير في قلب الطاولة على الطريقة الباسيلية يعني حكماً أن وزير الخارجية سيكون أول المتضررين، وبالتالي لا مجال لإقحام البلد في مثل هذه الألعاب السياسية». وأكد أن «رئيس الجمهورية هو المتضرر الأول من مواقف باسيل، لأن رمي المسؤولية على الآخرين لن يُصرف في مكان».
وفي هذا السياق، يستغرب المصدر مطالبة باسيل لرئيس الجمهورية بأن يعود للعب دور العماد (وهذه رتبة محصورة في قائد الجيش)، ويقول: «هل للرئيس مصلحة مع اقتراب النصف الثاني من ولايته في تأزيم الوضع وقطع الطريق على مواصلة التواصل مع الأطراف الفاعلة في البلد حتى لو كانت على خلاف معه؟ ما المصلحة في هدم جسور العبور التي من دونها لا حوار بين اللبنانيين؟ وبالتالي كيف يسمح لباسيل بأن يتصرف على خلاف ما أنجزه رئيس الجمهورية في نيويورك؟».
وعليه، كيف سيتعاطى حلفاء باسيل مع خطابه، وأين يقف رئيس البرلمان نبيه بري حيال تهديده بقلب الطاولة، وهو ينتظر من الحكومة أن تُحيل إلى البرلمان مشروع الموازنة لعام 2020؟ وهل سيغفر هؤلاء له انطلاقاً من إعلانه أنه ذاهب إلى دمشق للبحث في عودة النازحين السوريين إلى بلداتهم، وبالتالي سيلوذون بالصمت مراعاةً للنظام في سوريا؟
لذلك، فإن ربط باسيل زيارته لدمشق بإعادة النازحين لن يلقى اعتراضاً، وسيكون موضع ترحيب من خصومه في حال أنه نجح في إقناع النظام في سوريا بضرورة عودتهم، خصوصاً أن خصوم وزير الخارجية لا يربطون عودتهم بالوصول إلى حل سياسي في سوريا مع أن باسيل يدرك قبل غيره أن النظام لا يريد عودة الشباب من النازحين، وأن ترحيب وزير الخارجية السوري وليد المعلم، من على منبر الأمم المتحدة، باستقبال النازحين رهن ذلك بإعادة بناء منازلهم وتوفير الخدمات لهم وتأهيل البنى التحتية في البلدات والقرى المهدّمة.
لكنّ هذا كله لا يلغي التساؤل عن سبب حصر باسيل خطابه في الهجوم على خصومه من دون أن يأتي على ذكر ما حصل في 13 أكتوبر (تشرين الأول) 1990، وعما إذا كان استهدافهم يشكّل له المعبر الإلزامي لرفع منسوب طموحاته الرئاسية، مع أن التداعيات المترتبة على خطابه ستبقى حاضرة في المدى المنظور ولن تخدم رئيس الجمهورية ما لم يبادر إلى إصدار موقف يستعيد من خلاله زمام المبادرة ويخفف من الارتدادات السلبية للخطاب الذي لن يمر مرور الكرام وسيلقى معارضة من أبرز المكونات في الحكومة التي شملها في مواقفه الشعبوية وأقحم مجلس الوزراء في دورة من الاشتباكات السياسية التي لا مبرر لها، خصوصاً أن هؤلاء لن يسمحوا بأن يكون الأمر له في كل شاردة وواردة.



انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.


سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
TT

سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)

أطلقت سوريا، اليوم الأربعاء، ‌خطة تدعمها واشنطن لتخليص البلاد من مخزون الأسلحة الكيماوية القديمة التي استخدمتها قوات تابعة للرئيس السابق بشار الأسد ضد السوريين.

وأدار الأسد على مدى عقود ​برنامجاً واسع النطاق للأسلحة الكيماوية التي أدى استخدامها إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال الحرب الأهلية الطويلة في سوريا.

وعلى الرغم من انضمام دمشق إلى اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية في عام 2013 وإعلانها امتلاك مخزون يبلغ 1300 طن، استمر استخدام الأسلحة المحظورة، بينما لا يزال حجم البرنامج غير واضح.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي في مقابلة إن فريق عمل ‌دولياً تدعمه الولايات ‌المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وفرنسا، من ​بين ‌دول ⁠أخرى، سيتعقب ​جميع ⁠العناصر المتبقية من البرنامج ويدمرها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

وقال خبراء المنظمة إن هناك حاجة إلى تفتيش ما يصل إلى 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

وستتطلب عملية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات السياسية وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. وقال مسؤولون إن اتساع الحرب ⁠الأميركية الإسرائيلية على إيران والمخاوف الأمنية الأوسع نطاقاً بالمنطقة ‌ستجعل تحديد توقيت للمهمة أمراً ‌صعباً لكنها ستصبح أكثر ضرورة لمنع استخدامها ​في المستقبل.

الحكومة تتعهد ‌بالسماح بتفتيش المواقع

أطيح بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ‌وتعهدت الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح صفحة جديدة والقضاء على الأسلحة الكيماوية المحظورة ومنح المفتشين حرية الوصول الكاملة إلى المواقع المراد دخولها.

وقال عُلبي إن هذه الخطوة تظهر أن سوريا تحولت من دولة ‌كانت تخفي استخدام الأسلحة الكيماوية في الماضي إلى دولة «تقود العزم» على التخلص منها.

وخلصت عدة تحقيقات دولية ⁠إلى أن ⁠نظام الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين، وكذلك غاز الكلور وغاز الخردل، لكنها لم تكشف أبداً عن المدى الكامل لهذا البرنامج السري.

وقال عُلبي: «لا نعرف (تحديداً) ما الذي تبقى، فقد كان برنامجاً سرياً». وأضاف: «المهمة تقع على عاتق سوريا للبحث في هذه الأمور ثم إعلانها».

وقال مصدر دبلوماسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إن المواقع المائة قد تشمل أماكن بدءاً من القواعد العسكرية ووصولاً إلى المختبرات أو المكاتب.

وأضاف المصدر: «من المحتمل أن يستغرق هذا الأمر شهوراً طويلة، إن لم يكن سنوات، لإنجازه. وقطعاً لا يساعد ​الوضع الحالي في الشرق الأوسط ​على المضي قدماً في عملية التدمير الفعلي لأي بقايا لبرنامج أسلحة الأسد الكيماوية».