مشاهد من الشرق بعيون غربية... انطلاق معرض «مجموعة نجد» بلندن

150 لوحة من أهم لوحات الفن الاستشراقي استغرق جمعها 10 سنوات

تشارلز روبرتسون «بائع السجاد في القاهرة»
تشارلز روبرتسون «بائع السجاد في القاهرة»
TT

مشاهد من الشرق بعيون غربية... انطلاق معرض «مجموعة نجد» بلندن

تشارلز روبرتسون «بائع السجاد في القاهرة»
تشارلز روبرتسون «بائع السجاد في القاهرة»

في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، بدأ رجل أعمال وهاوٍ للفنون في شراء لوحات فنية لكبار فناني موجة الفن الاستشراقي، كان عشق هذا النوع من الفن هو الدافع، وكان هناك أيضاً خبير فني ومالك لغاليري شهير بلندن يساهم بخبرة وعين مدربة في ترشيح اللوحات. بريان مكديرموت صاحب غاليري «متحف» بلندن اقتنى اللوحات عبر مزادات مختلفة، وقام بعرضها وبيعها، لتتكون بها فيما بعد مجموعة من أهم لوحات ذلك الفن. شغف المقتني بالاطلاع على مشاهد الحياة في العالم الإسلامي، في أوقات لم تكن فيها الصور الفوتوغرافية موجودة، كان دافعاً وملهماً، ويعود لذلك الشغف والنهم الفضل في تكوين ما أطلق عليها «مجموعة نجد» للوحات الفن الاستشراقي، التي تتكون من 150 لوحة تم جمعها على مدى 10 سنوات. وفي لندن سيُطلق يوم الجمعة المقبل معرض علني يضم المجموعة كاملة في دار «سوذبيز» قبل أن تتفرق اللوحات عند بيع 40 منها في مزاد يحمل اسم المجموعة يوم 22 من الشهر الحالي.
أتحدث مع كلود بيننغ رئيس قسم الفن الاستشراقي بـ«سوذبيز»، حول المجموعة، وكالعادة الحديث معه شيق ومتنوع، فالخبير يغوص في تفاصيل كل عمل فني ويعود لنا بقصص وحكايات وخلفيات للعمل والفنان، وكأنما هو أحد هؤلاء الحراس في اللوحات حولنا؛ يفتح أمامنا باباً من الخشب المعتق على ماضٍ عاشه هؤلاء الفنانون القادمون من أوروبا وأميركا إلى بلدان المشرق، الذي سحرهم وغيَّر مسيرة بعضهم الفنية للأبد.
خلال جولة مع بيننغ، توقف أمام عدد من اللوحات التي عدها محطات مهمة في مزاد: «مجموعة نجد».

مشهد الركاب في الصحراء
يبدأ بلوحة للفرنسي جان ليون جيروم، بعنوان «فرسان يعبرون الصحراء»، التي تمثل مجموعة من الرجال يمخرون عباب الصحراء بخيولهم، تتنوع ملابس الركاب ما بين من يرتدي العمامة البيضاء وعباءة خضراء وثوب أصفر، يبدو كأنه قائدهم، وهناك الرجل الذي يرتدي ثوباً أحمر، ويضع على رأسه غطاءً أسود يلثم به وجهه أيضاً، هناك شخص آخر في الخلف يبدو كالنائم الجالس، لا نرى وجهه فهو متدثر بعباءة حمراء تغطي جسده ورأسه أيضاً، ثم هناك بعض الأشخاص المترجلين وقد يكونون الحراس. اللوحة رسمها الفنان في مصر عام 1870. تجذبنا تفاصيل المشهد هنا، الصحراء كما نعرفها برمالها والغبار الذي تثيره حركة الركاب، يرتفع ليلتقي عند الأفق مع سماء زرقاء صافية، نكاد نلمس فيها حرارة الشمس، «وكأنها صورة فوتوغرافية»، يعلق بيننغ، ويستطرد قائلاً: «رغم ذلك فالتفاصيل هنا تتجاوز اللحظة الفوتوغرافية التي تُلتقط في ثوانٍ، ربما قضى جيروم أشهراً في رسمها، مضيفاً لها عمقاً غنياً أكثر مما يمكن لصورة فوتوغرافية تقديمه في ذلك الزمن. انظري لكيفية تصويره للضوء ونقله للتعبيرات على وجوه الركاب، السماء الصافية والانتقال من الغبار المثار إلى السماء الزرقاء». يبدو من تعليق بيننغ تقديره الشديد لأسلوب جيروم، ولمهارته الفذة في الرسم، ولكنه يضيف عنصراً إضافياً لتميز اللوحة، في رأيه، وهي أنها من اللوحات القليلة التي تصور مشهداً طبيعياً من اللوحات المعروضة. بقية اللوحات تصور لحظات حياتية مثل الصلاة والقراءة وعزف الموسيقى والتجارة: «هذا الخط نراه في عدد كبير من اللوحات هنا، فرساموها يحاولون تصوير مناحي الحياة المختلفة أكثر من تصوير المشاهد الطبيعية».
يلفت بيننغ نظرنا إلى وجود لوحة ثانية لجيروم هنا، وهي تمثل عدداً من الأشخاص في مسجد، منهم من كان واقفاً يصلي، ومنهم من جلس مع آخرين، لا يبدو أن هناك صلاة جماعة هنا، فكل شخص يقوم بفعل مختلف، وهو ما أشير له خلال تأملي للوحة، ويجيب بيننغ: «قد يكون ذلك، ولكن يجب أن نتذكر هنا أن فناني الموجة كانوا يقعون في أخطاء لدى تصوير حركات المصلين. في حالة جيروم أعتقد أنه يحاول تصوير أكثر من وضع وحركة في مساحة اللوحة، وكأنه يريد أن ينقل للناظر مختلف الحالات والمشاهد التي قد يراها في المسجد في مختلف الأوقات». هنا نعود لنقطة معروفة عن عمل الفنانين المستشرقين، وهي أنهم كانوا يرسمون لوحاتهم في بلدانهم بعد عودتهم من الشرق، يوضح بيننغ قائلاً إن جيروم كان قد زار المساجد التي صورها لاحقاً، وقام بأخذ الملاحظات، وأعد الرسومات الأولية للمصلين، ولتفاصيل الأماكن، جامعاً كل ذلك ليصنع منه اللوحة النهائية التي سيرسمها لاحقاً في الاستديو الخاص به في باريس.
لودفيغ دويتش... ملك التفاصيل

من جيروم، ننتقل لرودلف إرنست ولودفيغ دويتش، وهما فنانان عاشا في الفترة نفسها، وانتقلا من النمسا إلى باريس، حيث مارسا الرسم، وهناك تعرفا على أعمال جيروم. بالنسبة لبيننغ، هناك فرق بين إرنست ودويتش، رغم أنهما يشتركان في الأسلوب، فالأخير يتمتع بدقة مذهلة في نقل التفاصيل الدقيقة، وكمثال يشير إلى لوحة أمامنا بعنوان «الحارس»، وتمثل حارساً ضخماً يقف حاملاً رمحه أمام بوابة مسجد أو مبنى عتيق، نغوص في التفاصيل الدقيقة التي صورها دويتش بأسلوب رفيع، فمن الحارس الذي يقف شامخاً مهاباً وتفاصيل ملابسه وسلاحه إلى تفاصيل الخوذة الحربية التي نستطيع رؤية حلقاتها المعدنية وتفاصيل النقوش على المبنى، وكأن الفنان استخدم عدسة مكبرة لرؤية كل تلك التفاصيل ليستطيع نقلها بتلك الدقة والحساسية.
الحارس النوبي من الأشخاص الذين صُوروا كثيراً في لوحات المستشرقين، ونجد مثالاً آخر هنا في لوحة لرودلف إرنست بعنوان «الحارس الغافي»؛ حارس يحمل سلاحاً أمام باب معدني منقوش، يبدو متعباً يغالب النوم لا ينظر للشخص الذي يخطو للداخل جانبه. يشير بيننغ إلى التفاصيل المدهشة هنا، من الباب البديع في زخرفته إلى الكتابات أو النقوش الإسلامية على الإطار الحجري للبوابة، إذا نظرنا طويلاً للوحة، فلن نتوقف عن ملاحظة كيف نجح الفنان في نقل العروق البيضاء في أعمدة الرخام الأحمر على الجانبين أو بيضات النعام المتدلية من شبكات حمراء أعلى البوابة، التي يقول لنا عنها الخبير أنها كانت تستخدم لطرد الحشرات.
اللوحات تشي بالكثير عن طريقة عمل الفنانين، ومثال على ذلك تكرار ظهور الأشخاص، ففي لوحات دويتش نرى الرجل نفسه مصوراً في أكثر من لوحة وبملابس وهيئة مختلفة، يقول بيننغ «كل فنان كان يفضل التعامل مع أشخاص معينين، ما يعرف بـ(الموديل) اليوم»، ويضيف معلومة أخرى لنا قائلاً: «ليس فقط الأشخاص، فالفنان كان أيضاً يستخدم بعض القطع التي أحضرها معه من الشرق، وكان يستخدمها في أكثر من لوحة مثل معطف مبطن من الفراء، نراه في أكثر من لوحة لجيروم أو سجادة نجدها متكررة في لوحات أخرى وهكذا».

عثمان حمدي بيه... الجسر بين الشرق والغرب
في الموسم الحالي، ظهرت في مزادات ومعارض لندنية أكثر من لوحة للفنان التركي عثمان حمدي بيه، فلوحته «القارئة» بيعت في مزاد لدار «بونامز»، الشهر الماضي، وظهرت بعد ذلك من خلال معرض «إلهام من الشرق» في المتحف البريطاني، الأسبوع الماضي. في مزاد «مجموعة نجد» نرى الفنان مرة أخرى من خلال لوحة «درس القرآن»، التي نرى فيها رسماً شخصياً للفنان جالساً يستمع للدرس. يقول بيننغ إن عثمان حمدي بيه تأثر بأسلوب جيروم خلال دراسته بفرنسا، ولدى عودته لبلاده نقل أسلوب الرسام الفرنسي، ليصور به المجتمع التركي. بالنسبة للفن الاستشراقي يشغل حمدي بيه مكاناً خاصاً، فهو فنان شرقي عاش في الغرب، واستخدم الأسلوب الغربي لينقل مظاهر الحياة في مجتمعه، باختصار تحول الفنان إلى جسر ما بين الشرق والغرب. يراه بيننغ «فناناً ثورياً»، إضافة إلى قائمة طويلة من الإنجازات، فهو دبلوماسي ومصور وأثري، كما أسس مدرسة الفنون بإسطنبول.
ورغم تميز أسلوبه ووقوفه على مستوى عمالقة في الفن الاستشراقي، إلا أنه حمدي بيه لم يكن غزير الإنتاج، يضيف بيننغ أن أعمال الفنان تعد إرثاً قومياً في تركيا، ومن الصعب إخراج أي لوحة له من البلاد: «ما عدا عدد ضئيل من اللوحات التي وجدت طريقها للخارج منذ فترة طويلة. لن تجدي لوحات لحمدي بيه في المزادات العالمية».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».