تنطلق اليوم في تونس الحملة الانتخابية المتعلقة بالانتخابات البرلمانية، التي ستتواصل لثلاثة أسابيع. بينما ستجرى منافسات الانتخابات التشريعية يوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، على أن تنتهي، قانونيا، كل الحملات الانتخابية يوم 24 من نفس الشهر، ليكون اليوم الموالي يوم صمت انتخابي.
وتتنافس على المقاعد البرلمانية، التي يبلغ عددها 217 مقعدا، 1327 لائحة انتخابية، من بينها 15 مقعدا للتونسيين في الخارج. وتسيطر الأحزاب السياسية على أغلبية اللوائح الانتخابية (أكثر من 800 لائحة انتخابية)، متبوعة باللوائح المستقلة، فيما تتذيل اللوائح الائتلافية مؤخرة الترتيب.
وحملت البرامج الانتخابية لأكثر من حزب سياسي، الملامح الأولى للصراع بين الأحزاب المتنافسة، فالتياران العلماني والليبرالي سيتحالفان ظرفيا من أجل التركيز على النتائج السلبية لفترة حكم الترويكا وفشل الحكومات المتعاقبة في محاصرة الإرهاب، وتلبية حاجيات التنمية والتشغيل، فيما ستعمل حركة النهضة، التي تمثل التيار الإسلامي، على إصلاح الصورة التي أفسدتها فترة الحكم، وذلك من خلال برنامج واقعي اعتمدت فيه على تجربة الحكم نفسها. وستسوق حركة النهضة في حملتها النتائج السياسية التي تعدها إيجابية، ومن بينها التنازل عن الحكم خدمة لمستقبل تونس، والنجاح في التصديق على دستور تونسي جديد، وفتح الطريق أمام التونسيين لإجراء ثاني انتخابات بعد الثورة.
ولكي تمر الحملة الانتخابية في أجواء شفافة، فإن 500 مختص في المحاسبة والمالية والتصرف داخل جميع فروع الهيئة العليا المستقلة للانتخابات شرعوا انطلاقا من اليوم في مراقبة تمويل الحملة الانتخابية للقوائم المرشحة للانتخابات البرلمانية. وفي هذا الشأن، قال سفيان بن عبيد، رئيس الوحدة الفرعية لمراقبة تمويل الحملة الانتخابية، إن هذا الهيكل الإداري داخل هيئة الانتخابات هو الذي سيتولى مهمة مراقبة سجلات الوكلاء الماليين للقوائم، ودفتر الوصولات والتبرعات الواردة على جميع المرشحين.
وسيقيم هؤلاء المختصون في المحاسبة والمالية الذين انتشروا في المدن التونسية، بمساعدة مراقبين محلفين، التظاهرات التي ستنظمها اللوائح المرشحة، وسيقفون على مدى تطابق حجم النفقات مع السقف الإجمالي للإنفاق. وسترفع الوحدة الفرعية لمراقبة تمويل الحملة الانتخابية تقريرها إلى الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، التي بإمكانها اتخاذ الإجراءات الضرورية في حال تسجيل تجاوزات محتملة.
ووفق القانون الأساسي المنظم للانتخابات والاستفتاء، فإن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات هي التي تتولى خلال الحملة الانتخابية مراقبة مدى التزام اللوائح المرشحة أو المرشحين أو الأحزاب بقواعد تمويل الحملة.
ويمكن لهذه الهيئة إبطال النتائج التي قد تحصل عليها اللوائح الانتخابية المخالفة، حتى في حال إعلان فوزها في الانتخابات البرلمانية.
وعلى مستوى المنافسة السياسية، تحتل تونس العاصمة ثقلا سياسيا وديمغرافيا مهما (نحو ثلث سكان تونس)، وهو ما تعكسه اختيارات الأحزاب السياسية للمنافسة على المقاعد البرلمانية في الدائرتين الانتخابيتين تونس الأولى، وتونس الثانية، ودوائر بن عروس، ومنوبة، وأريانة. لكن حسب متابعين للمشهد السياسي التونسي، فإن مناطق صفاقس (العاصمة الاقتصادية) وقفصة (الحوض المنجمي) وسيدي بوزيد (مهد الثورة التونسية) ستشكل بدورها أهمية كبرى في حسم نتائج الانتخابات البرلمانية.
وبخصوص ما ستروجه الأحزاب السياسية خلال حملاتها الانتخابية، أشار جمال العرفاوي، المحلل السياسي، إلى أن معظم البرامج الانتخابية ستتحلى هذه المرة بالواقعية، ولن تجازف بتقديم وعود عريضة تكون عاجزة عن تنفيذها. وأضاف «إن هذا التوجه العام ينم عن نضج سياسي من جهة، وكذلك عن تشخيص متزن لصعوبات وعوائق الوضع الاقتصادي والاجتماعي من جهة ثانية». وتوقع أن تكون المقاعد البرلمانية صعبة المنال نتيجة الغضب الجماعي تجاه الطبقة السياسية ككل، وقال إن تغيير خطابها السياسي، وتشخيص المشكلات الأساسية للتونسيين هما ما يمكن أن ينقذا حملاتهم الانتخابية.
ومهما كانت نتائج الانتخابات البرلمانية المقبلة، فإنها لن تعيد، وفق متابعين للشأن السياسي، إنتاج نفس الخريطة السياسية التي أفرزتها انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2011، وذلك بالنظر لتغير الظروف السياسية، وللتغير الطارئ على مستوى مواقف وآراء الناخبين التونسيين.
وعلى صعيد متصل بالانتخابات، بدأت أول من أمس، أعمال بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات في تونس بشكل رسمي، حيث أعلن عن انطلاق أعمال البعثة خلال مؤتمر صحافي، أشرفت عليه نييتس أوتربروك، رئيسة البعثة والنائبة في البرلمان الأوروبي.
وكانت البعثة قد حلت منذ 17 سبتمبر (أيلول) الماضي بتونس، وهي تتكون من خبراء ومتخصصين في الانتخابات. ويتوقع أن يبلغ عدد أعضاء البعثة أيام الاقتراع مائة مراقب، من 28 بلدا عضوا في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى النرويج وسويسرا وكندا، وسيجري توزيعهم على 27 دائرة انتخابية في البلاد.
وتتوقع الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أن يبلغ عدد المراقبين خلال كامل المسار الانتخابي نحو 30 ألف بين محليين ودوليين.
من جهتها، طالبت منظمة الشفافية الدولية الأحزاب التونسية المترشحة للانتخابات التشريعية بـ«التعهد علنيا» بمكافحة الفساد و«تجفيف منابعه» في تونس. وقالت المنظمة في بيان مشترك مع منظمة «أنا يقظ» التونسية لمكافحة الفساد إن هذا التعهد سيكون «خطوة هامة جدا على طريق التجاوب مع المطالب الفورية للشعب التونسي، والمتمثلة في وقف إساءة استخدام المنصب العام والتعاملات السرية والرشوة».
ودعت المنظمة الحكومة التي ستنبثق عن الانتخابات التشريعية المقبلة إلى «تفعيل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي صادقت عليها تونس سنة 2008 والوفاء بما جاء فيها من التزامات، وذلك من خلال وضع استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد في أسرع وقت ممكن، بالشراكة مع الأطراف ذات العلاقة، بما فيها منظمات المجتمع المدني». وطالبت خصوصا بـ«سن وتفعيل قانون يتعلق بحماية الشهود والمبلغين عن الفساد، وفق المعايير الدولية والتشجيع على التبليغ عن الفساد».
كما دعت إلى «إصلاح القانون المتعلق بالتصريح عن الممتلكات (الخاص بكبار المسؤولين) بحيث يصبح التصريح عن الذمة المالية علنيا وشفافا، وإعطاء محكمة المحاسبات مزيدا من الصلاحيات لتدقيق هذه التصاريح ومراجعتها».
انطلاق حملة الانتخابات البرلمانية في تونس وسط نداءات بمكافحة الفساد
بعثة من الاتحاد الأوروبي و500 مختص في المحاسبة يعملون على مراقبتها
رئيس وزراء تونس مهدي جمعة مع وزير الداخلية لطفي بن جدو خلال لقائهما مع وزير الداخلية الايطالي انجلينو الفانو بتونس أمس (رويترز)
انطلاق حملة الانتخابات البرلمانية في تونس وسط نداءات بمكافحة الفساد
رئيس وزراء تونس مهدي جمعة مع وزير الداخلية لطفي بن جدو خلال لقائهما مع وزير الداخلية الايطالي انجلينو الفانو بتونس أمس (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


