المشيمة.. «شجرة حياة الطفل الوليد»

العلماء يبحثون في أسرارها المؤثرة على صحة الطفل والأم

المشيمة.. «شجرة حياة الطفل الوليد»
TT

المشيمة.. «شجرة حياة الطفل الوليد»

المشيمة.. «شجرة حياة الطفل الوليد»

بعد دقائق من ولادة طفلة صغيرة في صباح ذلك اليوم في مستشفى جامعة كاليفورنيا في هذه المدينة، جرى الاحتفاظ بمشيمتها، وهي عبارة عن كتلة رخوة يجري التخلص منها عادة، والإسراع بنقلها، وكأنها كنز ثمين، عبر الممرات المتعرجة، إلى مختبر سوزان فيشر أستاذة طب النساء والأطفال وعلوم الإنجاب في الجامعة. وهنالك انكب العلماء عليها بمشارطهم وملاقطهم، وبمجموعة من المواد الكيميائية، لاستخلاص خلايا غريبة تشبه الدقيق، تغزو الرحم وكأنها جيش غاز، للاستيلاء على جسم المرأة لمدة تسعة أشهر بغية الاحتفاظ برحمها حيا. والمشيمة هي نظام دعم الحياة بالنسبة إلى الجنين. وهي عبارة عن قرص من النسيج ملحق ببطانة الرحم من جانب واحد، وبالحبل السري من الجانب الآخر. والمشيمة تنمو من خلايا الجنين، وليس من الأم. وهي تدعى أيضا «ما بعد الولادة» (afterbirth)، لأنها تخرج بعد ولادة الطفل بزنة تبلغ عادة رطلا واحدا، أو سدس وزن الطفل.

* دور المشيمة

* المشيمة تؤمن الأكسجين والغذاء، وتقوم بتصريف الفضلات، كما تقوم أيضا بعمل الرئة والكبد والكليتين، وغيرها من الأعضاء، حتى ينطلق الجنين ويقوى. وإذا ما حصل أي خطأ بالنسبة إلى المشيمة فقد يؤدي ذلك إلى مشاكل عديدة، منها الإجهاض، وولادة طفل ميت، والولادة قبل الأوان، وانخفاض وزن المولود، وتسمم الحمل، وهي حالة يرتفع معها ضغط دم الأم ويمكنه القضاء عليها وعلى حملها. وعندما تكون المشيمة صغيرة جدا، أو أكبر من المعتاد، تكون ذلك إشارة إلى مشاكل عديدة، فقد تزايد اعتقاد الباحثين بأن اضطرابات المشيمة يمكنها أن تغير بصورة دائمة صحة الأم والطفل.
ومع دورها الحيوي الكبير، فإنه من المهم أن يعرف عنها القليل. فقط شرع العلماء أخيرا يشكّون أنها قد لا تكون عديمة الفائدة كما كان يعتقد سابقا، بل هي مستوطنة حية صغيرة لجميع العضويات الصغيرة التي قد تساعد على تشكيل النظام المناعي للجنين، لتؤثر بعد ذلك على صحته في مراحل لاحقة.
وكانت فيشر وغيرها من الباحثين قد قاموا بدراسة المشيمة لعقود من الزمن، لكنها ذكرت «أنه مقارنة بما ينبغي أن نعرف، فإننا لا نعرف شيئا. فهو المكان الذي نعتقد معه أنه يمكننا تحقيق الكثير من الاختراقات الطبية التي ستكون مهمة جدا بالنسبة إلى النساء والأطفال والعائلات».
ويصف المعهد القومي لصحة الأطفال والإنماء البشري المشيمة بأنها العضو البشري الذي لا نفهمه كثيرا، وهو الأكثر أهمية ليس على صعيد صحة الأم وجنينها فحسب، خلال فترة الحمل، بل على صعيد الحياة الطويلة الأمد أيضا بالنسبة إلى الاثنين معا».
وتقوم المشيمة بتأمين إمدادات الدم خلال الأسابيع العشرة حتى الـ12، من بداية الحمل. وفي نهاية المطاف تقوم بغزو 80 إلى 100 من الأوعية الرحمية التي تدعى الشرايين الحلزونية لتنمي نحو 32 ميلا من الشعيرات الدموية. وتقوم الخلايا المشيمية بتشكيل نتوءات صغيرة شبيهة بالأصابع تدعى «الزغب» تحتوي على الشعيرات الدموية هذه، والتي تتصل مع دم الأم، لتلقي الأكسجين منه، والمواد الغذائية أيضا، فضلا عن التخلص من الفضلات والنفايات.
وإذا ما نشرنا هذا النسيج الذي تشكل لتبادل الأكسجين والغذاء، فإنه قادر على أن يغطي 120 إلى 150 قدما مربعة. ففي كل دقيقة يتدفق نحو 20 في المائة من دم الأم عبر المشيمة. والخط الأمامي الذي يتلقى هذا الاجتياح الدموي هو خلية تدعى «الأرومة الغازية» (trophoblast)، وذلك من الطبقة الخارجية للجنين. وفي بداية الحمل تتكاثر هذه الخلايا بكثرة كبيرة لتنطلق أشبه بطابور من الجنود.

* غزو جنيني

* وتكون خلايا «الأرومة الغازية» شديدة الاندفاع والقدرة على الاجتياح منذ البداية، كما تقول فيشر «مما يمكنها من اختراق بطانة الرحم لكي تكمن هناك وتستقر». وهي في هذا المسعى تزيح الخلايا الأخرى من الطريق، ولتقضي عليها مستخدمة إنزيمات هضمية، أو تفرز مواد تحفز الخلايا على قتل ذاتها. ويقول مايكل ماك ماستر، أستاذ علم بيولوجيا الخلايا والأنسجة في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، إن الفشل في هذه العملية المبكرة غالبا ما يحدث. والناس غالبا ما يفترضون أن الإجهاض وغيره من المشاكل سببها الجنين ذاته «وقد يكون من الصحيح في هذه المرحلة المبكرة القول إن الكثير من الخلل في وظائف (الأرومة الغازية) قد يؤكد، أو يشير إلى فقدان الحمل، أو حصول أمراض مستقبلية».
و«الأرومة الغازية» هي من قوة الغزو والاجتياح، بحيث يمكنها تشكيل مشيمة في كل مكان، حتى ولو استقرت على نسيج غير الرحم. وأحيانا يبدأ الحمل خارج الرحم في قناة فالوب، أو في أي مكان في البطن، بحيث إن النمو السريع والمخترق للمشيمة يمكن من تمزيق الأعضاء. والمشيمة التي تتشكل فوق ندبة، أو جرح موجود على الرحم، حيث البطانة رقيقة، أو غائبة، بسبب عملية قيصرية سابقة، من شأنها أن تتوغل عميقا، مما يصعب إزالتها لاحقا خلال الولادة، والطريقة الوحيدة التي تحول دون نزف الأم حتى الموت هي في إزالة الرحم.
واكتشف مختبر فيشر أنه مع قيام «الأرومة الغازية» بالاجتياح، فإنها تغير بعض البروتينات المعينة الموجودة على سطحها التي تسمى الجزيئات الالتصاقية، أو الالتحامية، لتصبح متحركة أكثر. وقد وجد الباحثون لاحقا أن الخلايا السرطانية تقوم بالعمل ذاته، وهي تنتشر من الورم لتغزو الأجزاء الأخرى من الجسم. كذلك تتغير «الأرومة الغازية» بأساليب أخرى مقلدة خلايا الأوعية الدموية التي تقوم بغزوها واجتياحها. فالشرايين اللولبية التي تقوم بتغذية بطانة الرحم تصبح مرصوفة ومبلطة بـ«الأرومة الغازية» بدلا من خلايا المرأة ذاتها. ومثل هذه العملية التي «تعيد الصياغة» توسع الشرايين وتمددها بصورة كبيرة بغية جعل الدم يتدفق إلى المشيمة، وبالتالي تغذية الزغب. وتعلق فيشر على ذلك بقولها وهي تتفحص صورة مجهرية للشريان المعاد صياغته «انظروا إلى قطر هذا الوعاء الدموي، فهو يبدو أشبه بوحش من أعماق البحر».
ومثل عمليات الاجتياح وإعادة الصياغة هي ضرورية، فإن لم تحصل لا يمكن للمشيمة أن تحصل على كمية الدم الكافي لكي تتطور يشكل طبيعي، وقد تكون النتائج كارثية، وإحداها يمكن أن تكون تسمم الحمل الذي يصيب 2 إلى 5 في المائة من النساء الحوامل في الولايات المتحدة. بيد أن المعدلات هذه هي أعلى في الدول الفقيرة، لا سيما أفريقيا. والحالة هذه ترفع ضغط الدم لدى الأم، وتتسبب في غيره من الأشياء غير الطبيعية التي قد تكون مميتة.
ويعتبر تسمم الحمل مرضا مشيميا، فغالبية النساء المصابات به يملكن مشيمات صغيرة غير طبيعية. ولدى قيام إخصائيي علم الأمراض بفحصهن بعد الولادة، غالبا ما يجدون خثارات دموية، وتغيرا باللون، وتطورا ضعيفا في إمدادات الدم.
أما لماذا وكيف تحصل هذه الحالة، فغير واضح. فلأسباب غير معروفة لا تتشكل المشيمة بشكل صحيح، ولا تستطيع مجاراة متطلبات الجنين النامي. ولا تستطيع «الأرومة الغازية» أن تتغير تماما إلى خلايا شريانية، بل تبدأ بإنتاج مجموعة من الجزيئات غير الطبيعية التي ترفع ضغط دم الأم، وقد تصيب أوعيتها الدموية بالتلف. وارتفاع ضغط الدم قد يكون محاولة للتعويض، عن طريق فرض المزيد من تفعيل الدورة الدموية للمشيمة، لكنها قد تأتي بنتائج عكسية. والعلاج الوحيد هو طرح الجنين، مما قد يعطي نتائج جيدة، لأنه يزيل المشيمة أيضا.

* خدمة «نيويورك تايمز»



سابقة طبية... علاج جنين مصاب بورم وعائي نادر في رحم والدته بفرنسا

صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)
صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)
TT

سابقة طبية... علاج جنين مصاب بورم وعائي نادر في رحم والدته بفرنسا

صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)
صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)

عُولج جنين مصاب بورم وعائي نادر كان على وشك أن يموت في رحم والدته في مستشفى بفرنسا، في سابقة في العالم لهذا النوع من الأمراض، وفق ما أعلن الطاقم المشرف عليه.

وفي أواخر الشهر السابع من الحمل، شخّصت إصابة الجنين بمتلازمة «كاسباخ - ميريت» التي قد تؤدّي إلى الوفاة في مستشفى بمولوز في شرق فرنسا.

وكانت كتلة عند مستوى الرقبة «تعرقل تنفّس الجنين»، حسب ما قال الطبيب كريس مينيلا خلال مؤتمر صحافي، الاثنين، في مستشفى الأم والطفل في مولوز، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الورم ينمو بسرعة وصولاً إلى وجه الجنين.

فيفيان تحمّل ابنها عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم مستشفى الأطفال في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)

واقترح مركز متخصّص في هذه الأمراض النادرة في ليون اللجوء إلى علاج سابق للولادة يحدّ من تشكّل الأوعية الدموية الجديدة بواسطة دواء «سيروليموس» تحت إشراف البروفيسور لوران غيبو.

وأُعطي الدواء للوالدة عبر الفم واجتاز حاجز المشيمة وصولاً إلى الجنين، ما سمح بكبح نموّ الورم.

ووُلد عيسى في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 إثر عملية قيصرية. وهو اليوم رضيع يقظ وبشوش في شهره الثالث. و«بالرغم من الورم، يأكل وينمو جيّداً»، حسب والدته فيفيان (34 عاماً).

ويخضع عيسى لمتابعة منتظمة في المستشفى وما زال يتلقى العلاج بـ«السيروليموس».


لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟

لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟
TT

لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟

لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟

تكشف دراستان علميتان واسعتا النطاق أن جيناً واحداً يُعرف باسم «APOE» يلعب دوراً حاسماً في تحديد ما إذا كان الدماغ سيشيخ وهو بصحة جيدة، أم سيتجه نحو التدهور والإصابة بمرض ألزهايمر. فقد أظهرت النتائج أن اختلاف نسخ هذا الجين يفسِّر إلى حد بعيد سبب احتفاظ بعض الأشخاص بذاكرة قوية وقدرات ذهنية عالية، حتى بعد سن الثمانين، في حين يواجه آخرون خطر الإصابة بالخرف في السن نفسها.

المعمِّرون المميَّزون

ويُطلق الباحثون على كبار السن الذين يحتفظون بذاكرة وأداء معرفي مميز اسم «المعمرين المميَّزين» (Super Agers) وهم أشخاص يبلغون 80 عاماً فأكثر؛ لكن قدراتهم الذهنية تضاهي من هم في الخمسينيات أو الستينيات. وكشفت دراسة واسعة قادها باحثون من المركز الطبي بجامعة فاندربيلت بالولايات المتحدة، ونُشرت في مجلة «Alzheimer’s & Dementia» بتاريخ 16 يناير (كانون الثاني) 2026، أن هؤلاء المعمرين يتمتعون بميزتين جينيتين واضحتين، تقللان بشكل كبير من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر.

جين واحد: بين الخطر والحماية

يحمل جين APOE ثلاث نسخ شائعة، تُعرف بالنسخة الثانية 2، والنسخة الثالثة 3، والنسخة الرابعة 4؛ إذ يرث كل إنسان نسختين من هذا الجين. ومنذ سنوات يعرف العلماء أن النسخة الرابعة تزيد خطر الإصابة بألزهايمر المتأخر، في حين تُعد النسخة الثانية عاملاً واقياً نسبياً.

وقد حللت دراسة جامعة فاندربيلت البيانات الجينية لأكثر من 18 ألف شخص مشارك، عبر 8 مجموعات من كبار السن. وهي أكبر مجموعة من كبار السن الذين تمت دراستهم حتى الآن. وكانت النتائج مذهلة. وأظهرت النتائج أن «المعمِّرين المميَّزين» كانوا الأقل بكثير في حمل النسخة الجينية المرتبطة بمرض ألزهايمر. فقد انخفض احتمال وجود هذه النسخة (النسخة الرابعة) لديهم بنحو 68 في المائة، مقارنة بمن أُصيبوا بالمرض بعد سن الثمانين. كما كانوا أقل بنسبة 19 في المائة في حمل هذه النسخة الخطِرة، مقارنة بأشخاص أصحاء معرفياً في السن نفسها، يتمتعون بصحة ذهنية طبيعية. وفي المقابل كان هؤلاء المعمِّرون أكثر حظاً في حمل النسخة الجينية الواقية (النسخة الثانية) إذ زادت فرص وجودها لديهم بنسبة 28 في المائة، مقارنة بأقرانهم الأصحاء، وبأكثر من الضعف مقارنة بالمصابين بألزهايمر في الفئة العمرية نفسها.

وقالت الدكتورة ليزلي غاينور، من قسم طب الشيخوخة بكلية الطب، مركز فاندربيلت للذاكرة ومرض ألزهايمر، بجامعة فاندربيلت، قائدة الدراسة، إن هؤلاء الأشخاص لا يشيخون بشكل جيد فحسب؛ بل يتمتعون أيضاً بانخفاض واضح في الخطر الجيني للإصابة بألزهايمر.

ومن اللافت أن الدراسة شملت مشاركين من خلفيات عرقية متعددة، ما يعزز أهمية النتائج على نطاق أوسع.

دور جيني أكبر مما كان يُعتقد

وتُعزِّز هذه النتائج دراسة أخرى قادها ديلان ويليامز من قسم الطب النفسي ووحدة الصحة مدى الحياة والشيخوخة، وباحثون آخرون من كلية لندن الجامعية بالمملكة المتحدة (UCL) ونُشرت في مجلة «npj Dementia» بتاريخ 9 يناير 2026، والتي حللت بيانات وراثية لأكثر من 450 ألف شخص، لتقدير حجم مساهمة جين APOE في ألزهايمر والخرف عموماً.

وتوصل الباحثون إلى أن ما بين 72 و93 في المائة من حالات ألزهايمر ترتبط بنسختي الجين الثالثة والرابعة. ونحو 45 في المائة من جميع حالات الخرف ما كانت لتحدث لولا تأثير هذا الجين. ومن المرجح أن يكون الجين نفسه مسؤولاً عن ثلاثة أرباع حالات ألزهايمر على الأقل.

وتُعد هذه التقديرات أعلى من دراسات سابقة؛ لأنها لا تركز فقط على النسخة الرابعة؛ بل تُظهر أن النسخة الشائعة -أي الثالثة التي اعتبرت سابقاً «محايدة»- تسهم أيضاً في زيادة الخطر، مقارنة بالنسخة الوقائية الثانية.

الجينات ليست قدراً محتوماً

ورغم التأثير القوي لجين APOE في خطر الإصابة بألزهايمر، فإن الدراستين تؤكدان أن الجينات لا تعمل بمعزل عن غيرها، ولا تمثل حكماً نهائياً. فحتى لدى الأشخاص الذين يحملون نسختين من المتغير عالي الخطورة، النسخة الرابعة (APOE-ε4) تبقى احتمالية الإصابة بالمرض أقل من 70 في المائة، ما يعني أن مسار المرض قابل للتعديل. وتشير هذه النتائج إلى أن تحسين عوامل نمط الحياة، مثل النشاط الذهني والبدني والصحة القلبية، والحد من التدخين والعزلة الاجتماعية، قد يسهم في تأخير ظهور المرض أو الوقاية منه، حتى لدى من يملكون استعداداً وراثياً مرتفعاً.

وتكشف هذه الدراسات مجتمعة أن فهم الجينات لم يعد هدفه التنبؤ بالمرض فقط؛ بل فتح الباب أمام الوقاية والتدخل المبكر. فمعرفة تأثير جين قوي مثل APOE لا تعني الاستسلام له؛ بل تتيح تحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر، وتوجيه الجهود نحو حماية الدماغ قبل ظهور الأعراض.

ويؤكد الباحثون أن تبنِّي نمط حياة صحي قد يغيِّر مسار الشيخوخة المعرفية، ويؤخر المرض سنوات. وهكذا تنتقل رسالة العلم من «ما كُتب في الجينات» إلى «ما يمكن فعله لحماية الذاكرة» مانحةً الأمل، في شيخوخة أطول وأكثر صحة، وجودة حياة أفضل.


طرق علمية مبتكرة لإنتاج اللحوم المستزرعة

الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)
الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)
TT

طرق علمية مبتكرة لإنتاج اللحوم المستزرعة

الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)
الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)

شهدت السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً بإنتاج اللحوم المستزرعة في المختبر بوصفها بديلاً مستداماً للحوم التقليدية. وتعتمد هذه التقنية على زراعة خلايا حيوانية في بيئات مخبرية، على هياكل صالحة للأكل، بهدف إنتاج لحوم تُشبه منتجات المزارع التقليدية من حيث الملمس والطعم، من دون الحاجة إلى تربية الحيوانات كاملة.

وتركّز الأبحاث في هذا المجال على معالجة تحديات رئيسية عدة، من بينها: ارتفاع تكلفة الإنتاج، وتحسين نسيج اللحوم لمحاكاة تجربة المستهلك، وضمان الاستدامة البيئية، عبر تقليل استهلاك الموارد والحد من النفايات.

وفي هذا السياق، ابتكر فريق بحثي من «يونيفرسيتي كوليدج-لندن» في بريطانيا طريقة جديدة لاستخدام بقايا عملية تخمير الحبوب، وهي عملية تحويل السكريات الموجودة في الحبوب، خصوصاً الشعير، إلى كحول باستخدام الخميرة لإنتاج سليلوز بكتيري صالح للأكل، يمكن زراعة خلايا اللحوم عليه.

ولا يقتصر هذا النهج على خفض التكاليف فحسب، بل يستفيد أيضاً من مخلفات صناعية كانت تُهدر، ويوفّر بديلاً أكثر استدامة وكفاءة من حيث التكلفة لطرق إنتاج اللحوم الحالية، حسب دراسة نُشرت يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2026 بدورية «Frontiers in Nutrition».

إنتاج قطع دجاج مستزرعة في المختبر تحاكي اللحم الحقيقي في الشكل والقوام (جامعة طوكيو)

زراعة خلايا حيوانية

وتعتمد اللحوم المستزرعة بالمختبر على زراعة خلايا حيوانية في بيئات مهيّأة لنموها وتكاثرها، دون الحاجة إلى تربية الحيوانات كاملة. وتبدأ العملية بأخذ خلايا أولية من العضلات أو الأنسجة الدهنية، ثم زراعتها على هياكل داعمة صالحة للأكل تحاكي النسيج الطبيعي للحوم، وتدعم نمو الخلايا ثلاثي الأبعاد، مع تزويدها بالمواد الغذائية الضرورية، والتحكم بعوامل مثل درجة الحرارة ومستويات الأكسجين والضغط لتكوين ألياف عضلية مشابهة للحوم التقليدية.

ويُعد السليلوز البكتيري إحدى المواد الواعدة في هذا المجال، إذ يوفّر هيكلاً داعماً لنمو الخلايا، ويمكن استخدامه في إنتاج اللحوم المستزرعة. وقد استُخدم سابقاً في صناعة بعض أنواع الحلوى، لكنه أصبح مؤخراً يُوظّف في تطبيقات غذائية متنوعة، بما في ذلك الأطعمة النباتية، نظراً إلى قدرته على دعم نمو الخلايا وتحسين النسيج النهائي للمنتج الغذائي.

يقول أستاذ الطب التجديدي في الجامعة، الباحث الرئيسي في الدراسة، الدكتور ريتشارد داي، إن إنتاج اللحوم المستزرعة في المختبر يواجه تحدياً رئيسياً قبل وصوله إلى الأسواق، يتمثّل في تحقيق التكافؤ السعري مع اللحوم التقليدية، مضيفاً أن اللحوم الطبيعية تحتوي على مكونات هيكلية تمنحها ملمسها وتدعم نمو الخلايا، في حين أن الهياكل الداعمة المستخدمة حالياً لإنتاج اللحوم المستزرعة غالباً ما تكون باهظة الثمن، أو غير صالحة للأكل، أو غير مصنّفة بوصفها مادة غذائية.

وأوضح داي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الابتكار الجديد الذي يعتمد على استخدام مخلفات تخمير الحبوب يوفّر حلاً عملياً لهذه المشكلة، إذ يتيح مواد منخفضة التكلفة وصالحة للأكل يمكن تحويلها إلى هياكل داعمة لنمو الخلايا. وأشار إلى أن هذه المواد متوفرة بكميات كبيرة عالمياً، ما يوفّر سلسلة توريد قابلة للتوسع، فضلاً عن خلق مصدر دخل ثانوي ودعم أهداف الاستدامة، وهو ما يعزّز الصورة الإيجابية لدى المستهلكين.

ولفت داي إلى أن الهياكل الداعمة الحالية مناسبة بدرجة أكبر لإنتاج اللحوم المفرومة ومنتجات مثل النقانق والبرغر، في حين أن إنتاج اللحوم الكاملة القطع، مثل شرائح اللحم أو صدور الدجاج، يظل أكثر تعقيداً، ويتطلّب تكرار البنية الطبيعية للحوم والألياف العضلية، مما قد يؤدي إلى ارتفاع التكلفة مقارنة بالمنتجات المفرومة.

ولإثبات الفكرة، استخدم الباحثون مخلفات خميرة البيرة المستهلكة لزراعة بكتيريا قادرة على إنتاج سليلوز عالي الجودة. وأظهرت الاختبارات، باستخدام ما يُعرف بـ«آلة المضغ» التي تقيس خصائص مثل القساوة والليونة واللزوجة، أن السليلوز الناتج كان أقرب في نسيجه إلى اللحوم الطبيعية وأكثر ملاءمة من السليلوز التقليدي، كما أظهر قدرة على دعم التصاق الخلايا الحيوانية ونموها، مما يؤكد إمكانية استخدامه في إنتاج اللحوم المستزرعة بالمختبر.

ويؤكد داي أن هذه التكنولوجيا يمكن أن تُسهم في تحسين الأمن الغذائي العالمي، إذ توفّر مادة خاماً رخيصة ومتاحة وصالحة للأكل، مما يجعل اللحوم المستزرعة أكثر جدوى اقتصادية، لا سيما في المناطق ذات الموارد المحدودة. كما أن قابلية التوسع في إنتاجها تساعد على انتقال هذه المنتجات من الأسواق المتخصصة إلى نظم الغذاء الرئيسية، مع تقليل الأثر البيئي لإنتاج اللحوم التقليدية من حيث استهلاك الأراضي والمياه، بما يتيح توجيه الأراضي الزراعية لزراعة محاصيل أخرى، وبهذا، يُسهم هذا الابتكار في دعم الإنتاج المستدام، والمساعدة في توفير الغذاء لسكان العالم المتزايدين.

انتشار محدود

وعلى الرغم من الموافقة على بيع عينات من اللحوم المستزرعة في بعض مناطق العالم، فإن انتشارها ما زال محدوداً جغرافياً ومن حيث حجم الإنتاج، إذ يتطلّب وصولها إلى شريحة أوسع من المستهلكين مزيداً من الموافقات التنظيمية (القانونية) وحلولاً لتحديات التصنيع على نطاق واسع، حسب معهد «The Good Food» البحثي في آسيا والمحيط الهادئ ومقره سنغافورة.

وحتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، سُمح بتداول هذه اللحوم في سنغافورة والولايات المتحدة وأستراليا، مع حصول شركات على موافقات لإنتاج أصناف تشمل الدجاج والسمان والسلمون، في حين تخضع منتجات أخرى للمراجعة التنظيمية في دول ومناطق عدة، من بينها الاتحاد الأوروبي، ونيوزيلندا، وسويسرا، والمملكة المتحدة، وتايلاند، وكوريا الجنوبية، كما تعمل دول أخرى على إعداد أطر تشريعية مماثلة.

وبالتوازي مع التطورات التنظيمية، تتضافر الجهود البحثية لتحسين تقنيات الإنتاج في بلدان، مثل: بريطانيا، واليابان، وأستراليا، والبرازيل، والولايات المتحدة. ففي عام 2025، أعلن فريق من جامعة طوكيو اليابانية إنتاج قطع دجاج مستزرعة في المختبر تحاكي اللحم الحقيقي في الشكل والقوام، باستخدام خلايا ليفية من الدجاج وجهاز يحاكي الدورة الدموية لتوصيل الأكسجين والمغذيات عبر ألياف مجوفة دقيقة، مما أتاح نمو أنسجة أكثر سماكة خلال تسعة أيام.

كما سبق ذلك في عام 2021 نجاح علماء من جامعة أوساكا اليابانية في إنتاج أول شريحة لحم من البقر الياباني «الواغيو» داخل المختبر باستخدام الطباعة الحيوية ثلاثية الأبعاد، عبر تنظيم العضلات والدهون والأوعية الدموية بطريقة تحاكي الملمس المميز لهذا النوع من اللحم. وتفتح هذه التقنيات المجال مستقبلاً لإنتاج لحوم مستزرعة ذات قوام ونكهة قابلة للتخصيص، وفق أذواق المستهلكين واحتياجاتهم الصحية.