تأخذ الأماكن شيئا من ملامحنا الإنسانية حين نلازمها لفترة طويلة، بعض الأماكن تعرفها من الأشخاص المداومين على الجلوس فيها، لذلك فحين يغيبون عنها لبعض الوقت، فإنها تفقد جزءا حيويا من هذه الملامح، تماما مثل صديق قديم كنتَ تعرفه في أول الشباب ثم التقيت به بعد دهر من الأحزان التي اعترته.
لذلك فأنت تشعر بالشجن في ذاك الركن الهادئ من ديوانية رابطة الأدباء الكويتيين بعد أن هجره مضطرا الشاعر الكويتي علي السبتي إثر ظروف صحية قاسية ألزمته منزله منذ عدة شهور، ولكن قبل ذلك، ومنذ سنوات مديدة، كان السبتي يمنح المكان رصانة تشبهه، تسمع صوته على البعد بما يشبه اندفاع الماء عند المنبع، فتعرف أن حياته الإبداعية ما تزال متدفقة بعنفوان منذ الخمسينات من القرن العشرين، الشاعر السبتي هو من بدأ رحلة التجديد الشعري في الكويت، ويشهد له بذلك الناقد د. سليمان الشطي في كتاب له بعنوان «الشعر في الكويت»: «مع علي السبتي دخل الشعر الكويتي مرحلة الحداثة الشعرية، فقد كان هو أول من طرق بابها بقوة بقصيدته (رباب) 1955، التي تبدت بهذا الشكل الجديد الذي ستكون له الصدارة في ستينات القرن العشرين وما بعدها»، وهذا مقطع من القصيدة:
بمن انشغلتِ يا رباب يا أمل المعنى
يا من خَلقتُكِ من هواي البكر لحنا
لحنا كما شاء الغرام وشئت أنت
يبقى على الأيام أقوى من تصاريف الليالي
من مال قارون يجر على الدنيا زهوا ذيوله
المال يغدقه فيجري كالجداول كالبحور
وكان مفيدا من الناحيتين الأدبية والإنسانية أيضا أن يلتقي السبتي بالشاعر العراقي بدر شاكر السياب في البصرة أولا، ثم حضر السياب بعد ذلك إلى الكويت في الخمسينات للعمل في إحدى الشركات، وكتب خلال تواجده فيها قصيدة من أجمل قصائده، هي: «أنشودة المطر»، ثم غادر الكويت وعاد إليها مرة أخرى في عام 1964 ليعالج من مرض ألمّ به، وحصلت هذه العودة بناء على مقالٍ وطلبٍ شخصي، فقد كتب السبتي في صحيفة «صوت الخليج» الكويتية آنذاك مقالا، يناشد فيه وزير الصحة أن يتبنى علاج السياب، وحدثه هاتفيا بالموضوع أيضا، وفعلا استجاب الوزير وجاء السياب، ولكن حالته الصحية كانت قد تدهورت، فما لبث أن مات في المستشفى الأميري، ورافق السبتي جثمان صديقه في عودة روحه إلى البصرة.
* إهداء إلى حارس الرابطة
علي السبتي المولود عاد 1935 يفيض إنسانية يستشعرها جميع مَن حوله، وأكثر ما يبتهج بها موظف مصري يعمل مراسلا وحارسا لرابطة الأدباء، ظل لفترة طويلة يعلق على جدار مطبخ الرابطة قصيدة مكتوب عليها «إهداء خاص من الشاعر علي السبتي إلى الأخ أحمد متولي»، ويعد هذا الأخير أن هذه القصيدة هي من أهم ما جمعه خلال عمله في الكويت، وتتمدد هذه الإنسانية لتوغل في الحكمة، فكلمة السبتي هي الفصل في بعض الإشكاليات التي تقع بين الناس.. يتأمل القضية ويستغرق دقائق في التفكير، ثم ينطق بالحل الذي يقع كقطرة ماء فوق عود ثقاب.. يفعل كل ذلك بروح رشيقة يتميز بها وتجعله «يرش» سكّر الابتسامة على أكثر المواقف مرارة وغضبا. يشعر السبتي بالزهو والثقة لكونه ثقف نفسه، بل إن حصوله على شهادة الرابع المتوسط من مدرسة المباركية الشهيرة، لم يحل بينه وبين تسلمه لمناصب صحافية رفيعة، فعمل رئيسا لتحرير إحدى المجلات، ورئيسا لمؤسسة أهلية، وأحد مؤسسي رابطة الأدباء، وله ركن خاص بمقالاته في الصحف، وأصبح عضوا في جمعية الصحافيين، وكتب إلى جانب الشعر - بشقيه العمودي والتفعيلة - القصة القصيرة.
في عام 1969 أصدر ديوانه الأول «بيت من نجوم الصيف»، وكان عنوان الديوان مؤشرا على منهج التجديد الذي اتبعه في تلك الفترة، ثم في عام 1974 أصدر ديوانه الشهير «أشعار في الهواء الطلق»، ومن هذا العنوان استمد الكاتب الروائي إسماعيل فهد إسماعيل عنوان كتاب أصدره: «علي السبتي شاعر في الهواء الطلق»، وله ديوان بعنوان «وعادت الأشعار» عام 1997، ثم ديوان «رأيت الذي رأى» عام 2011.
* من زمن إلى آخر
تمكن الشاعر علي السبتي من اكتساب خبرة كبيرة عن مراحل تطور الشعر على الصعيد الفني، فقد استمرت تجربته لأكثر من نصف قرن، ولم يحتكر ثراء معرفته، فقد كان ينقلها بشكل دؤوب للأجيال الجديدة التي تأتي إلى رابطة الأدباء، وتبنى مجاميع شبابية وشجعهم وراح يجلس معهم بشكل منتظم من خلال منتديات بعضها من تأسيس الرابطة نفسها، وبعضها الآخر من خارجها. وقال عنه الناقد الراحل د. عبد الله العتيبي: «إن السبتي عاش تجربة التغيير الاجتماعي في الكويت، فهو من جيل مخضرمي الكويت، عاش حياة الكويت القديمة بكل ثبات الواقع الاجتماعي وتقليديته المتمثلة في استقرار قيم مناخه الثقافي، وعاش مرحلة التطور الاجتماعي، وشهد، بكل وعي وإدراك، سرعة هذا التطور، ومدى انعكاسه على حركة المجتمع، واتساع مكونات هذا المجتمع الطبقية وتعقدها، وأهم من ذلك كله إدراك شاعرنا لحقيقة الصراع التقليدي المشروع بين المحافظين وجيل الشباب المنسجم بطبعه مع حركة التجديد».
شفيفٌ كماء الورد، يبقى الشاعر علي السبتي مهما تقدم به العمر، ولذلك، حين انسحب بهدوء إلى فراش المرض، ترك أريجه يعبق في المكان، وبإمكان مَن يزور رابطة الأدباء الكويتيين اليوم أن يتنفس عطر كلماته التي ما تزال تشغل حيزا في الأحاديث اليومية لأصدقائه الأوفياء في ديوانية الرابطة، ويحجزون لها مطرحا يليق به، إلى حين شفائه وعودته مكللا بالأشعار.
نماذج من أشعاره
من ديوانه الأول «بيت من نجوم الصيف»:
أنا لي غادة حلوه
لها عينان ينبوعان من حب ومن نشوه
توشوشني بأعذب ما يُوشوَش شاعر فنان
أحس بدفئها يسري بأعصابي
أحبك أنت دنياي التي ما عاشها إنسان
فتشرق في سماواتي شموس ثرّة الألوان
وتخضرّ الروابي المجدبات، ويزهر النوّار
سعيدا كنت في حبي وأحبابي
بأقماري تصد جحافل الظلماء عن بابي
وبيت من نجوم الصيف شيّدناهْ
غزلناهُ من الأحلام وشّيناه
بعطر شبابنا.. بمنى فؤادينا
وعشنا فيه عصفورين
نغرد: نقطع الأبعاد جذلانين
أحبك يا زمانا فيه قد كنا أليفين
رسمنا دربنا منذ الطفولة خطوة خطوه
كأنا نصنع الأقدار.. نعطي الريح مجراها
بتلك الأمنيات البِكر قد عشنا سعيدين
* روائي وإعلامي سوري مقيم في الكويت


