تفويض برلماني للجيش التركي بالتدخل عسكريا في العراق وسوريا

مصادر تركية لـ («الشرق الأوسط») : شروطنا للانضمام ما تزال قائمة.. والتعاون اللوجيستي وحده مضمون

نواب من الحزب الحاكم في البرلمان التركي صوتوا أمس في أنقرة لصالح مشروع قرار يعطي الصلاحية للحكومة في توغل عسكري داخل الأراضي السورية والعراقية (أ.ب)
نواب من الحزب الحاكم في البرلمان التركي صوتوا أمس في أنقرة لصالح مشروع قرار يعطي الصلاحية للحكومة في توغل عسكري داخل الأراضي السورية والعراقية (أ.ب)
TT

تفويض برلماني للجيش التركي بالتدخل عسكريا في العراق وسوريا

نواب من الحزب الحاكم في البرلمان التركي صوتوا أمس في أنقرة لصالح مشروع قرار يعطي الصلاحية للحكومة في توغل عسكري داخل الأراضي السورية والعراقية (أ.ب)
نواب من الحزب الحاكم في البرلمان التركي صوتوا أمس في أنقرة لصالح مشروع قرار يعطي الصلاحية للحكومة في توغل عسكري داخل الأراضي السورية والعراقية (أ.ب)

صوت البرلمان التركي بأغلبية 298 صوتا ومعارضة 98. أمس لصالح مذكرة قدمتها حكومة الرئيس أحمد داود أوغلو تسمح للجيش التركي بالتدخل عسكريا في العراق وسوريا، على وقع مظاهرات مناوئة في الداخل، وتهديدات تنظيم «داعش» الذي اقترب من ضريح سليمان شاه، الأرض التركية في سوريا.
وينص التفويض على السماح بوجود قوات أجنبية على الأراضي التركية، كما يسمح بدخول الجيش التركي أراضي البلدين، غير أن هذا لا يعني تلقائيا «الدخول في التحالف الدولي الذي شكلته الولايات المتحدة لمحاربة التنظيم المتطرف»، كما قالت مصادر تركية لـ«الشرق الأوسط». وأشارت المصادر إلى أن التفويض سيطلق يد الحكومة في حوارها مع القوى الدولية من دون أن يعني تخلي تركيا عن شروطها المعلنة لدخول التحالف، وهي إعلان منطقة آمنة في الشمال السوري مع حظر للطيران، وضمان عدم وصول أسلحة متطورة إلى المقاتلين الأكراد قد تستعمل ضد تركيا، بالإضافة إلى ضمان ألا يستفيد النظام السوري من هذه الضربات. وأوضحت مصادر تركية رسمية لـ«الشرق الأوسط» أن هذه التحفظات لا تعني عدم التعاون الكامل مع قوى التحالف، مؤكدا أن أنقرة تعهدت تقديم الدعم اللوجيستي والإنساني لقوات التحالف أيا تكن نتائج الحوار المستمر مع واشنطن فيما يتعلق بآفاق العملية العسكرية.
وكشفت المصادر أن المعلومات التي قدمها الجيش التركي لمجلس الوزراء كانت واضحة جدا، ومبنية على أسس ثابتة، مشيرة إلى أن قائد القوات البرية يرافقه رئيس هيئة العمليات أمضيا نحو أسبوع يتفقدان قوات حرس الحدود، ووضعا تقريرا شاملا عن المخاطر المترتبة على الوضع المتفجر عند الحدود وموجات النازحين، مشيرا إلى أن إنشاء ملاذ آمن للسوريين الفارين من الحرب «يكاد تكون مسألة أمن قومي» بالنسبة لتركيا.
وفي المقابل، حذر زعيم تنظيم حزب العمال الكردستاني المحظور عبد الله أوجلان المسجون في تركيا من أن عملية السلام بين منظمته والدولة التركية ستنتهي إذا سمح لمتشددي داعش بارتكاب مجزرة في بلدة تقطنها أغلبية كردية على الحدود السورية. وقال أوجلان في بيان أصدره وفد حزبي مؤيد للأكراد زاره في السجن أول من أمس: «إذا حققت محاولة ارتكاب مذبحة هدفها فإنها ستنهي العملية». وقال أوجلان في البيان الذي أمس: «أحث كل شخص في تركيا لا يريد انهيار العملية والرحلة إلى الديمقراطية على تحمل المسؤولية في كوباني».
وصوت نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم، مع المذكرة، وكذلك فعل حزب الحركة القومية المتشدد، فيما عارضها حزب المعارضة الرئيس «الشعب الجمهوري» وحزب السلام والديمقراطية الكردي. غير أن أصوات الحزبين لا تكفي، إذ إن العدالة والتنمية وحده يمتلك قريبا من ثلثي مقاعد البرلمان التركي.
وأكد رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو، أن الحزب رفض المذكرة لأننا «عندما نظرنا إلى تلك المذكرة، بدا لنا أن مسألة مواجهة تنظيم (داعش) وكأنها ستار، يراد من ورائه النظام السوري، لذلك لا نراها شيئا صائبا». ورأى أن «هذه المذكرة يجب أن تكون من أجل التفويض بمقاومة (داعش) بمفرده، حتى يمكننا الموافقة عليها على الفور»، مضيفا: «بكل تأكيد نحن لا نريد لجنودنا دخول أراضي دول أجنبية، فالشرق الأوسط نعرفه على أنه مستنقع، وبالتالي ليس هناك أي منطق لإدخال جنودنا في مستنقع كهذا». وخاطب الحكومة قائلا: «إذا كنتم ترغبون حقا في مواجهة (داعش) فعليكم أن تسيطروا على حدودنا جيدا، لكن الآن تريدون من خلال التفويض إدخال جنود أجانب لأراضينا، فهل بذلك ستتمكنون من السيطرة على حدودنا؟»، متابعا: «تنظيم داعش له امتدادات داخل تركيا، بل وخلايا، وبيوت، ومراكز تداو، فهم يقيمون صلوات الجنائز في بعض المناطق المعروفة بوجودهم فيها، والتي يعقدون بها اجتماعات، فهل قام حزب العدالة والتنمية، بأي إجراء حيال ذلك؟».
واصطدمت الشرطة التركية أمس مع مجموعة من النساء اللاتي اقتحمن مكتبا لحزب العدالة والتنمية الحاكم احتجاجا على المذكرة، صارخات: «داعش قتلة.. والعدالة والتنمية متعاون معه». كما رفعت مجموعة أخرى لافتة عملاقة على أحد الجسور فوق مضيق البوسفور رفضا للمذكرة.
وكان رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، قد وقع على المذكرة قبل إرسالها للبرلمان. وركزت تلك المذكرة على إبراز مدى خطورة التهديدات المحدقة بالأمن القومي التركي، في ظل التطورات التي تشهدها دولتا الجوار.
إلى ذلك، بقي الوضع في محيط ضريح سليمان شاه، أحد أجداد مؤسس الدولة العثمانية غامضا في ضوء تأكيد المسؤولين الأتراك أن التنظيم المتشدد اقترب منه، لكنه لم يدخل إليه أو يتعرض للجنود الـ30 الموجودين فيه.
وهددت تركيا التنظيم برد قاس إذا ما تعرض لسلامة الجنود، علما أن التنظيم كان هدد في وقت سابق بتدمير هذا الضريح أسوة بمراكز وأضرحة أخرى دمرها في سوريا والعراق. وقال رئيس هيئة الأركان التركية الجنرال نجدت أوزال، مخاطبا الجنود الأتراك الذين يحمون ضريح سليمان شاه في سوريا: «لستم وحيدين هناك. كونوا على ثقة أن خبرا واحد يصلنا منكم، ستجدون القوات المسلحة التركية إلى جانبكم فورا». وقال في رسالة وجهها إلى الجنود بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك، إن الجنود الأتراك يقومون بالمهمة المناطة بهم بجدارة، في ظل ظروف صعبة للغاية، مبديا ثقته التامة بأنهم سيقومون من الآن فصاعدا بمهمتهم بنجاح، وبشكل يليق بتاريخ الأجداد، وأنهم سيمثلون بنجاح الأمة التركية، والقوات المسلحة التركية. وأضاف أوزال: «خلفكم الأمة التركية العظيمة، ولا تنسوا أنه يوجد خلفكم 76 مليون مواطن، عيوننا وآذاننا وقلوبنا دائما معكم». وهنأهم وذويهم بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك.
يذكر أن اتفاقية أنقرة التي أبرمت بين البرلمان التركي والحكومة الفرنسية، المنتدبة على سوريا، في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 1921، التي أنهت الحرب بين الجانبين، نصت على أن منطقة ضريح «سليمان شاه»، الذي كان في قلعة جعبر، قبل أن تغمرها مياه بحيرة الثورة، نتيجة إقامة سد الفرات عام 1973، هي أرض تركية.
وأكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أنهم كدولة مستعدون للقيام بأي عمل من «أجل أمننا القومي»، مشيرا إلى أن تركيا اتخذت كافة التدابير في الداخل والخارج ضد أي هجوم أو تهديد محتمل على ضريح «سليمان شاه» بسوريا. وأوضح أن هناك سلسلة من التدابير الجاهزة إذا ما تعرض الضريح لأي هجوم أو تهديد. وأضاف «نتمنى ألا يحدث شيء كهذا».
وبخصوص مسألة إنشاء منطقة آمنة على الحدود السورية، قال الوزير التركي: «ينبغي ألا ننظر إلى هذه المسألة على أنها منطقة حظر جوي فقط، فينبغي أن تكون منطقة حظر جوي من أجل تحقيق أمن المنطقة الآمنة». ولفت إلى أن الفوضى والظلم والقتل مستمرة طالما ظل «بشار الأسد» في السلطة، موضحا أن الجميع متفقون على ضرورة التخلص من «داعش» أولا، وذكر أن قوات النظام السوري تملأ الأماكن التي تنسحب منها عناصر التنظيم الإرهابي، وتقتل المواطنين في تلك المناطق. وأوضح أن النظام السوري «الذي قتل أكثر من 200 ألف سوري، لا يختلف عن التنظيم الإرهابي، فهما وجهان لعملة واحدة»، مشددا على ضرورة دعم الجيش السوري الحر في تلك المعركة، على حد قوله.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.