تفويض برلماني للجيش التركي بالتدخل عسكريا في العراق وسوريا

مصادر تركية لـ («الشرق الأوسط») : شروطنا للانضمام ما تزال قائمة.. والتعاون اللوجيستي وحده مضمون

نواب من الحزب الحاكم في البرلمان التركي صوتوا أمس في أنقرة لصالح مشروع قرار يعطي الصلاحية للحكومة في توغل عسكري داخل الأراضي السورية والعراقية (أ.ب)
نواب من الحزب الحاكم في البرلمان التركي صوتوا أمس في أنقرة لصالح مشروع قرار يعطي الصلاحية للحكومة في توغل عسكري داخل الأراضي السورية والعراقية (أ.ب)
TT

تفويض برلماني للجيش التركي بالتدخل عسكريا في العراق وسوريا

نواب من الحزب الحاكم في البرلمان التركي صوتوا أمس في أنقرة لصالح مشروع قرار يعطي الصلاحية للحكومة في توغل عسكري داخل الأراضي السورية والعراقية (أ.ب)
نواب من الحزب الحاكم في البرلمان التركي صوتوا أمس في أنقرة لصالح مشروع قرار يعطي الصلاحية للحكومة في توغل عسكري داخل الأراضي السورية والعراقية (أ.ب)

صوت البرلمان التركي بأغلبية 298 صوتا ومعارضة 98. أمس لصالح مذكرة قدمتها حكومة الرئيس أحمد داود أوغلو تسمح للجيش التركي بالتدخل عسكريا في العراق وسوريا، على وقع مظاهرات مناوئة في الداخل، وتهديدات تنظيم «داعش» الذي اقترب من ضريح سليمان شاه، الأرض التركية في سوريا.
وينص التفويض على السماح بوجود قوات أجنبية على الأراضي التركية، كما يسمح بدخول الجيش التركي أراضي البلدين، غير أن هذا لا يعني تلقائيا «الدخول في التحالف الدولي الذي شكلته الولايات المتحدة لمحاربة التنظيم المتطرف»، كما قالت مصادر تركية لـ«الشرق الأوسط». وأشارت المصادر إلى أن التفويض سيطلق يد الحكومة في حوارها مع القوى الدولية من دون أن يعني تخلي تركيا عن شروطها المعلنة لدخول التحالف، وهي إعلان منطقة آمنة في الشمال السوري مع حظر للطيران، وضمان عدم وصول أسلحة متطورة إلى المقاتلين الأكراد قد تستعمل ضد تركيا، بالإضافة إلى ضمان ألا يستفيد النظام السوري من هذه الضربات. وأوضحت مصادر تركية رسمية لـ«الشرق الأوسط» أن هذه التحفظات لا تعني عدم التعاون الكامل مع قوى التحالف، مؤكدا أن أنقرة تعهدت تقديم الدعم اللوجيستي والإنساني لقوات التحالف أيا تكن نتائج الحوار المستمر مع واشنطن فيما يتعلق بآفاق العملية العسكرية.
وكشفت المصادر أن المعلومات التي قدمها الجيش التركي لمجلس الوزراء كانت واضحة جدا، ومبنية على أسس ثابتة، مشيرة إلى أن قائد القوات البرية يرافقه رئيس هيئة العمليات أمضيا نحو أسبوع يتفقدان قوات حرس الحدود، ووضعا تقريرا شاملا عن المخاطر المترتبة على الوضع المتفجر عند الحدود وموجات النازحين، مشيرا إلى أن إنشاء ملاذ آمن للسوريين الفارين من الحرب «يكاد تكون مسألة أمن قومي» بالنسبة لتركيا.
وفي المقابل، حذر زعيم تنظيم حزب العمال الكردستاني المحظور عبد الله أوجلان المسجون في تركيا من أن عملية السلام بين منظمته والدولة التركية ستنتهي إذا سمح لمتشددي داعش بارتكاب مجزرة في بلدة تقطنها أغلبية كردية على الحدود السورية. وقال أوجلان في بيان أصدره وفد حزبي مؤيد للأكراد زاره في السجن أول من أمس: «إذا حققت محاولة ارتكاب مذبحة هدفها فإنها ستنهي العملية». وقال أوجلان في البيان الذي أمس: «أحث كل شخص في تركيا لا يريد انهيار العملية والرحلة إلى الديمقراطية على تحمل المسؤولية في كوباني».
وصوت نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم، مع المذكرة، وكذلك فعل حزب الحركة القومية المتشدد، فيما عارضها حزب المعارضة الرئيس «الشعب الجمهوري» وحزب السلام والديمقراطية الكردي. غير أن أصوات الحزبين لا تكفي، إذ إن العدالة والتنمية وحده يمتلك قريبا من ثلثي مقاعد البرلمان التركي.
وأكد رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو، أن الحزب رفض المذكرة لأننا «عندما نظرنا إلى تلك المذكرة، بدا لنا أن مسألة مواجهة تنظيم (داعش) وكأنها ستار، يراد من ورائه النظام السوري، لذلك لا نراها شيئا صائبا». ورأى أن «هذه المذكرة يجب أن تكون من أجل التفويض بمقاومة (داعش) بمفرده، حتى يمكننا الموافقة عليها على الفور»، مضيفا: «بكل تأكيد نحن لا نريد لجنودنا دخول أراضي دول أجنبية، فالشرق الأوسط نعرفه على أنه مستنقع، وبالتالي ليس هناك أي منطق لإدخال جنودنا في مستنقع كهذا». وخاطب الحكومة قائلا: «إذا كنتم ترغبون حقا في مواجهة (داعش) فعليكم أن تسيطروا على حدودنا جيدا، لكن الآن تريدون من خلال التفويض إدخال جنود أجانب لأراضينا، فهل بذلك ستتمكنون من السيطرة على حدودنا؟»، متابعا: «تنظيم داعش له امتدادات داخل تركيا، بل وخلايا، وبيوت، ومراكز تداو، فهم يقيمون صلوات الجنائز في بعض المناطق المعروفة بوجودهم فيها، والتي يعقدون بها اجتماعات، فهل قام حزب العدالة والتنمية، بأي إجراء حيال ذلك؟».
واصطدمت الشرطة التركية أمس مع مجموعة من النساء اللاتي اقتحمن مكتبا لحزب العدالة والتنمية الحاكم احتجاجا على المذكرة، صارخات: «داعش قتلة.. والعدالة والتنمية متعاون معه». كما رفعت مجموعة أخرى لافتة عملاقة على أحد الجسور فوق مضيق البوسفور رفضا للمذكرة.
وكان رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، قد وقع على المذكرة قبل إرسالها للبرلمان. وركزت تلك المذكرة على إبراز مدى خطورة التهديدات المحدقة بالأمن القومي التركي، في ظل التطورات التي تشهدها دولتا الجوار.
إلى ذلك، بقي الوضع في محيط ضريح سليمان شاه، أحد أجداد مؤسس الدولة العثمانية غامضا في ضوء تأكيد المسؤولين الأتراك أن التنظيم المتشدد اقترب منه، لكنه لم يدخل إليه أو يتعرض للجنود الـ30 الموجودين فيه.
وهددت تركيا التنظيم برد قاس إذا ما تعرض لسلامة الجنود، علما أن التنظيم كان هدد في وقت سابق بتدمير هذا الضريح أسوة بمراكز وأضرحة أخرى دمرها في سوريا والعراق. وقال رئيس هيئة الأركان التركية الجنرال نجدت أوزال، مخاطبا الجنود الأتراك الذين يحمون ضريح سليمان شاه في سوريا: «لستم وحيدين هناك. كونوا على ثقة أن خبرا واحد يصلنا منكم، ستجدون القوات المسلحة التركية إلى جانبكم فورا». وقال في رسالة وجهها إلى الجنود بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك، إن الجنود الأتراك يقومون بالمهمة المناطة بهم بجدارة، في ظل ظروف صعبة للغاية، مبديا ثقته التامة بأنهم سيقومون من الآن فصاعدا بمهمتهم بنجاح، وبشكل يليق بتاريخ الأجداد، وأنهم سيمثلون بنجاح الأمة التركية، والقوات المسلحة التركية. وأضاف أوزال: «خلفكم الأمة التركية العظيمة، ولا تنسوا أنه يوجد خلفكم 76 مليون مواطن، عيوننا وآذاننا وقلوبنا دائما معكم». وهنأهم وذويهم بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك.
يذكر أن اتفاقية أنقرة التي أبرمت بين البرلمان التركي والحكومة الفرنسية، المنتدبة على سوريا، في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 1921، التي أنهت الحرب بين الجانبين، نصت على أن منطقة ضريح «سليمان شاه»، الذي كان في قلعة جعبر، قبل أن تغمرها مياه بحيرة الثورة، نتيجة إقامة سد الفرات عام 1973، هي أرض تركية.
وأكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أنهم كدولة مستعدون للقيام بأي عمل من «أجل أمننا القومي»، مشيرا إلى أن تركيا اتخذت كافة التدابير في الداخل والخارج ضد أي هجوم أو تهديد محتمل على ضريح «سليمان شاه» بسوريا. وأوضح أن هناك سلسلة من التدابير الجاهزة إذا ما تعرض الضريح لأي هجوم أو تهديد. وأضاف «نتمنى ألا يحدث شيء كهذا».
وبخصوص مسألة إنشاء منطقة آمنة على الحدود السورية، قال الوزير التركي: «ينبغي ألا ننظر إلى هذه المسألة على أنها منطقة حظر جوي فقط، فينبغي أن تكون منطقة حظر جوي من أجل تحقيق أمن المنطقة الآمنة». ولفت إلى أن الفوضى والظلم والقتل مستمرة طالما ظل «بشار الأسد» في السلطة، موضحا أن الجميع متفقون على ضرورة التخلص من «داعش» أولا، وذكر أن قوات النظام السوري تملأ الأماكن التي تنسحب منها عناصر التنظيم الإرهابي، وتقتل المواطنين في تلك المناطق. وأوضح أن النظام السوري «الذي قتل أكثر من 200 ألف سوري، لا يختلف عن التنظيم الإرهابي، فهما وجهان لعملة واحدة»، مشددا على ضرورة دعم الجيش السوري الحر في تلك المعركة، على حد قوله.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.