الانتخابات التونسية لم تفرز قوة مهيمنة... والحكومة في انتظار تبلور التحالفات

تراجُع الأحزاب التقليدية في البرلمان الجديد... و«النهضة» تبقى في الصدارة

من عمليات فرز أصوات المقترعين في العاصمة التونسية أمس (أ.ب)
من عمليات فرز أصوات المقترعين في العاصمة التونسية أمس (أ.ب)
TT

الانتخابات التونسية لم تفرز قوة مهيمنة... والحكومة في انتظار تبلور التحالفات

من عمليات فرز أصوات المقترعين في العاصمة التونسية أمس (أ.ب)
من عمليات فرز أصوات المقترعين في العاصمة التونسية أمس (أ.ب)

في انتظار إعلان النتائج الأولية الرسمية للانتخابات البرلمانية التي أُجريت في تونس، أول من أمس (الأحد)، خيّم الصمت المطبق على عدد من الأحزاب السياسية التي باتت مهددة بالاضمحلال الكامل نتيجة فشلها في حجز أي مقعد في البرلمان الجديد. وسجّل هذا الاقتراع التشريعي الذي يسبق الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الأحد المقبل، ظهور قوى سياسية جديدة قد تكون مؤثرة في المشهدين البرلماني والسياسي في البلاد. ولكن في ظل غياب قوة أساسية تهيمن على البرلمان الجديد، فإن التوقعات تفيد بأن مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة ستأخذ وقتاً وربما ستكون معقدة قبل تبلور تحالفات نيابية تضمن نيلها الثقة.
وقبل إعلان النتائج الأولية الرسمية غداً (الأربعاء)، بقي التنافس على أشده حول زعامة المشهد البرلماني، بين حركة «النهضة» الإسلامية بزعامة راشد الغنوشي، من جهة، وحزب «قلب تونس» الذي يتزعمه المرشح الرئاسي المسجون نبيل القروي. كما أظهر اقتراع الأحد أن أحزاباً أخرى باتت خارج الحسابات السياسية وعلى رأسها حزب «النداء» الذي أسسه الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي. ولم يحصل «النداء» إلا على مقعد برلماني وحيد بعدما كانت حصته 86 مقعداً في انتخابات 2014. كذلك فشل تحالف «الجبهة الشعبية» اليساري الذي يتزعمه حمة الهمامي، في الفوز بأي مقعد برلماني، علماً بأنه احتل المرتبة الرابعة بـ15 مقعداً في برلمان 2014.
ومنحت غالبيةُ عمليات سبر الآراء حركةَ «النهضة» المرتبة الأولى في انتخابات الأحد بـ40 مقعداً برلمانياً، بعدما كان هذا الحزب الإسلامي قد حصل على 69 مقعداً برلمانياً في انتخابات 2014. وحل حزب «قلب تونس» الذي يشارك للمرة الأولى في الانتخابات، في المرتبة الثانية بـ33 مقعداً برلمانياً. وتتطلب عملية تشكيل الحكومة المقبلة 109 مقاعد برلمانية لنيل الثقة، ما يدعو إلى البحث عن تحالفات سياسية «اضطرارية» لتفادي الفشل في تكوين الحكومة وإمكانية التوجه إلى انتخابات برلمانية جديدة سابقة لأوانها.
وكان راشد الغنوشي، زعيم «النهضة»، قد أشار في مؤتمر صحافي عقب الإعلان عن فوز حزبه في انتخابات الأحد، إلى حاجتهم إلى شركاء سياسيين لتشكيل الحكومة المقبلة. وأوضح أن التحديات التي تواجه تونس لا يمكن أن يواجهها حزب سياسي وحده، مؤكداً ضرورة مواصلة «سياسة الشراكة» مع بقية الأطراف السياسية على أساس برنامج مشترك لـ«مقاومة الفساد والفقر»، على حد تعبيره.
وفي الإطار ذاته، نقلت وكالة الأنباء الألمانية عن عماد الخميري القيادي في «النهضة» والمتحدث باسمها، أن الحركة ستعمل على التفاوض مع الأحزاب والمستقلين القريبين منها من أجل التوصل إلى تشكيل حكومة تستجيب لطلبات التونسيين في العدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد. وقال: «ننتظر النتائج النهائية لهيئة الانتخابات والتي ستحدد ملامح البرلمان وتركيبته». وتابع: «نعتبر النتيجة تجديد ثقة في حركة النهضة وتقديراً لجهودها بعد الثورة في حماية قيم الثورة والانتقال الديمقراطي». وتابع: «سنجلس مع كل الأحزاب السياسية والقوائم المستقلة التي تلتقي معنا، للعمل على الاستجابة لطلبات التونسيين في العدالة الاجتماعية خصوصاً مكافحة الفساد».
وأشارت وكالة «رويترز» إلى أنه إذا أكدت النتائج الرسمية تصدر «النهضة» المشهد البرلماني فسيكون أمام هذا الحزب شهران لتشكيل حكومة ائتلافية. وبعدها يمكن لرئيس البلاد الجديد أن يطلب من سياسي يختاره هو محاولة تشكيل حكومة. وإذا أخفق ذلك أيضاً بعد شهرين فسيعود التونسيون إلى صناديق الاقتراع مجدداً.
وبشأن ردود الفعل الصادرة عن عدد من الأحزاب السياسية التي كانت تحظى بنصيب وافر للفوز في الانتخابات البرلمانية غير أن نتائجها كانت دون المأمول، قال محمد علي التومي القيادي في «حزب البديل» التونسي الحائز على ثلاثة مقاعد برلمانية لـ«الشرق الأوسط»، إن مشاركة حزبه الذي يتزعمه مهدي جمعة، رئيس الحكومة السابق، لا تعد مشاركة سيئة، معتبراً أن حداثة تشكيل الحزب تبرر مثل هذه النتيجة في مشاركة انتخابية هي الأولى له. وأضاف أن تقديم الانتخابات الرئاسية (بدورتها الأولى) على الانتخابات البرلمانية أضر بالنتائج الانتخابية التي سجلها «البديل». ومعلوم أن زعيم هذا الحزب، مهدي جمعة، كان مرشحاً في الانتخابات الرئاسية لكنه فشل في المرور إلى الدورة الثانية المحصورة بين المرشح المستقل قيس سعيّد، وزعيم «قلب تونس» نبيل القروي المسجون بتهم تهرب ضريبي وتبييض أموال، وهي تهم دأب على نفيها.
واعترف التومي بإمكان أن يكون «البديل» قد ارتكب أخطاء في إيصال رؤيته إلى الناخبين، مؤكداً أن برنامج الحزب لن يتغيّر كونه ليس مرتبطاً بهذا الاستحقاق الانتخابي فحسب. وفيما يتعلق بصعود حزب «قلب تونس» إلى صدارة المشهد السياسي، قال التومي إن هذا الحزب دخل الحياة السياسية بقوة، وبالإمكان اعتباره «نداء تونس جديداً»، في إشارة إلى أن هذا الحزب يتبنى نفس الأفكار الحداثية لـ«النداء» ويمكن أن يكون نسخة جديدة منه. لكن التومي تساءل إن كانت الأيام المقبلة ستشهد صفقة سياسية جديدة يتم إبرامها مع حركة «النهضة» التي قال إنها أظهرت أنها «حزب مستقر» رغم خسارة 30 مقعداً برلمانياً.
وفي السياق ذاته، شهد حزب «النداء» الذي يتزعمه حافظ قائد السبسي، نجل الرئيس التونسي الراحل، هزيمة مدوية، إذ حصل على مقعد برلماني وحيد فيما كان متصدراً المشهد البرلماني بحيازته 86 مقعداً في انتخابات برلمان 2014. وفي هذا السياق، قال المنجي الحرباوي، المتحدث باسم «النداء»: «نأسف لهذه النتيجة ونعترف بالهزيمة». واعتبر أن هذه النتيجة ليست النهاية «بل بداية جديدة» ستقود إلى تقييم موضوعي حول الأسباب والمسببات التي أدت إلى الهزيمة. وعبّر عن اعتذاره للناخبين وانتقد العملية الانتخابية برمتها، معدداً خروقات شابتها، حسب رأيه.
وأشارت وكالة الأنباء الألمانية، من جهتها، إلى أن نتائج انتخابات الأحد كشفت عن صعود قوى جديدة ستكون مؤثرة في مفاوضات التحالف الحكومي أو في المعارضة، مثل «الحزب الدستوري الحر» الذي يمثل واجهة النظام القديم قبل الثورة، و«ائتلاف الكرامة» اليميني المحافظ، إلى جانب أحزاب الوسط مثل «تحيا تونس» لرئيس الحكومة يوسف الشاهد، و«التيار الديمقراطي»، و«حركة الشعب». وتتراوح حصة كل حزب من هذه الأحزاب بما بين 14 و18 مقعداً في البرلمان.
وأشارت وكالة الصحافة الفرنسية، من جهتها، إلى أن «الحزب الدستوري الحر» لمؤسسته عبير موسي التي ترفع لواء الدفاع عن نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، نجح في تكوين قاعدة مكّنت زعيمته من نيل 4% من الأصوات في الدورة الرئاسية الأولى. وقالت عبير موسي عقب ظهور نتائج الاستطلاعات ليلة الأحد: «الدساترة (أنصار الحزب الدستوري) دخلوا التاريخ من الباب الكبير ولأوّل مرة بعد ثورة 2011، مجلس نواب الشعب، بحزب يحمل اسمهم وتاريخهم». وأضافت: «لن أدخل في توافق مع الإخوان (نسبة إلى إسلاميي حركة النهضة) وسنبقى في المعارضة».
في غضون ذلك، تتواصل في تونس حملة الانتخابات الرئاسية المقررة الأحد المقبل، والتي أفرزت مرشّحَين غير متوقّعَين، هما أستاذ القانون الدستوري المستقلّ قيس سعيّد (18,4%) ونبيل القروي (15,5%) الذي تخوض زوجته حملته بالوكالة.
وإثر وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي، في 25 يوليو (تموز) الفائت، غيّرت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات موعد الانتخابات الرئاسية إلى 15 سبتمبر (أيلول) الفائت، وينص الدستور التونسي على أن يتسلم الرئيس الجديد مهامه هذا الشهر.



البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.


الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

تشهد المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، تصاعداً في وتيرة الإنفاق على الفعاليات ذات الطابع الآيديولوجي، وفي مقدمتها المناسبة المرتبطة بما يُعرف بذكرى «الصرخة الخمينية»، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة، ويجد ملايين اليمنيين أنفسهم عالقين بين الجوع، وانقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات الأساسية، وتآكل ما تبقى من قدرتهم على الصمود في مواجهة واقع معيشي بالغ القسوة.

وفي مقابل الانكماش الاقتصادي الحاد، واستمرار التدهور في قيمة الدخول، والارتفاع المتواصل في معدلات الفقر والبطالة، تمضي الجماعة في تخصيص موارد مالية كبيرة لتمويل الفعاليات التعبوية، بما يشمل الحشد الإعلامي، وطباعة الشعارات، وتنظيم الأنشطة الجماهيرية، في مشهد يثير تساؤلات واسعة بشأن أولويات الإنفاق في مناطق تعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق مصادر مطلعة، فقد رصدت الجماعة الحوثية، عبر ما تُسمى اللجنة العليا للاحتفالات، ما يقارب مليون دولار لتمويل فعاليات ذكرى «الصرخة الخمينية»، ضمن مساعٍ متواصلة لترسيخ خطابها الآيديولوجي وتعزيز حضورها التعبوي داخل المجتمع، خصوصاً بين فئة الشباب، عبر سلسلة من الأنشطة المكثفة التي شملت المدارس والمعاهد والجامعات، إلى جانب مهرجانات جماهيرية ومحاضرات تعبوية أُقيمت في عدد من المدن والمناطق الواقعة تحت سيطرتها.

أطفال في محافظة حجة حشدتهم الجماعة الحوثية لإحدى فعالياتها (إكس)

وعلى امتداد الأيام الماضية، شهدت مناطق سيطرة الجماعة أكثر من 150 فعالية واحتفالية مرتبطة بهذه المناسبة، وهو ما فجّر موجة استياء واسعة بين السكان الذين يرون أن الأولوية يجب أن تُمنح لمعالجة الملفات المعيشية الملحة، وفي مقدمتها صرف الرواتب المتوقفة، وتحسين خدمات الكهرباء والمياه، والحد من التدهور الاقتصادي الذي يدفع مزيداً من الأسر نحو دائرة الفقر المدقع.

وتعكس شهادات السكان حجم الفجوة بين ما يُصرف على الأنشطة التعبوية وبين الاحتياجات الأساسية للمواطنين؛ فهناك موظفون حكوميون يؤكدون أنهم لم يتسلموا رواتبهم منذ سنوات، فيما تعتمد أسر كثيرة على الديون، أو على مساعدات متقطعة بالكاد تكفي لسد الرمق.

ولا يقتصر أثر الأزمة على جانب واحد من الحياة اليومية؛ إذ تمتد تداعياتها إلى التعليم والصحة وفرص العمل، مع اتساع رقعة العجز داخل الأسر عن تأمين الاحتياجات الأساسية، واضطرار كثير من الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة، في حين يواجه المعلمون والعاملون في القطاع العام ظروفاً معيشية خانقة نتيجة توقف المرتبات وغياب أي معالجات اقتصادية ملموسة.

أولويات طائفية

يرى مراقبون يمنيون أن استمرار توجيه الموارد نحو هذه الفعاليات الحوثية، يعكس طبيعة الأولويات التي تحكم سياسات الجماعة، حيث تتقدم الاعتبارات الآيديولوجية والسياسية على الملفات الخدمية والمعيشية الأكثر إلحاحاً بالنسبة للسكان.

وبحسب هذه القراءة، فإن الاستثمار في المناسبات التعبوية لا يُنظر إليه بوصفه حدثاً موسمياً فحسب؛ بل بوصفه جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل الوعي العام وترسيخ خطاب الجماعة في المجال الاجتماعي والتعليمي والثقافي.

فعالية تعبوية أقامها الحوثيون في صعدة حيث معقلهم الرئيسي (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن هذا النمط من الإنفاق، في ظل الموارد المحدودة والاقتصاد المنهك، يسهم بصورة مباشرة في تعميق الاختلالات القائمة، ويزيد الضغوط على المجتمع الذي يواجه أصلاً مستويات غير مسبوقة من الفقر، في وقت تتراجع فيه فرص العمل، وتتآكل القدرة الشرائية بوتيرة متسارعة، وسط غياب أي مؤشرات على انفراج اقتصادي قريب.

كما يربط بعض المراقبين هذه المناسبة بسياقات رمزية تتجاوز البعد المحلي، باعتبارها جزءاً من منظومة شعارات وطقوس جرى إدخالها إلى خطاب الجماعة منذ سنوات، لتصبح لاحقاً ركناً ثابتاً في نشاطها العام، وأداة متكررة للحشد والتعبئة، بما يعكس استمرار توظيف البعد الآيديولوجي بوصفه أولوية تتقدم على متطلبات الحياة اليومية للمواطنين.

خطر المجاعة يقترب

في موازاة هذا المشهد، تتزايد التحذيرات الدولية من انزلاق اليمن نحو مستويات أشد خطورة من الأزمة الإنسانية؛ إذ حذرت «منظمة الأغذية والزراعة» التابعة للأمم المتحدة، من التدهور المستمر في الوضع الغذائي.

الحوثيون يحرمون الموظفين من الرواتب ويبددون الأموال لإحياء مناسبة طائفية (إكس)

وأكدت المنظمة أن اليمن بواجه خطراً حقيقياً بالانزلاق نحو المجاعة خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار القيود على إيصال المساعدات، وتراجع التمويل الإنساني، وتأثيرات التصعيد الإقليمي على الوضع الاقتصادي والإنساني.

ووفق أحدث التقديرات، يعاني نحو 18.3 مليون شخص في اليمن، من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي مع بداية عام 2026، وهو رقم يعكس حجم الكارثة المتفاقمة، ويضع البلاد ضمن أعلى المعدلات العالمية في مستويات الطوارئ المرتبطة بالجوع وسوء التغذية.