التطواف حول «الرواية التفاعلية»

عجز نقدي عن توطينها في المشهد الثقافي العربي

سعيد يقطين  -  أحمد فضول شبلول  -  زهور كرام
سعيد يقطين - أحمد فضول شبلول - زهور كرام
TT

التطواف حول «الرواية التفاعلية»

سعيد يقطين  -  أحمد فضول شبلول  -  زهور كرام
سعيد يقطين - أحمد فضول شبلول - زهور كرام

في السابع عشر من شهر سبتمبر (أيلول)، وعلى مدى ثلاثة أيام، وبمشاركة نخبة من الروائيين والنقاد، أقيم في عمّان ملتقى الشارقة للسرد، تحت عنوان «الرواية التفاعلية - الماهية والخصائص». وقد اشتمل الملتقى على خمسة محاور: ماهية الرواية التفاعلية، وبنية السرد في الرواية التفاعلية، والرواية التفاعلية - التقنيات والأبعاد الجمالية، والرواية التفاعلية والنقد الرقمي، والرواية التفاعلية وأثرها في الرواية التقليدية. والمستغرب هنا أن القائمين على الملتقى والمشاركين لم يفترضوا وجود الرواية التفاعلية في الفضاء العربي وحسب، بل قرروا وجودها كنصاب أدبي، وبالتالي صار لزاماً مناقشة ماهيتها وخصائصها، ومناقدتها، ورصد ارتداداتها الجمالية، على طاولة حوار مهرجانية يُعتد بها. وكانت الرواية التفاعلية قد ألقت بظلالها الكثيفة على ملتقى القاهرة الدولي للإبداع الروائي العربي في أبريل (نيسان) الماضي، من خلال ندوة «الرواية في عصر المعلومات». وذلك إلى جانب عدد من الملتقيات التي صارت تستدعي الرواية التفاعلية، من دون تقديم الدليل على وجودها الفعلي ضمن المنجز العربي.
هذا التنادي للرواية التفاعلية يستوجب إعادة التذكير بالتشخيص النقدي لسعيد يقطين، الذي كان حاضراً في ملتقى الشارقة للسرد، وغيره من الملتقيات المتعلقة بالنص الرقمي، حيث يصف مجمل المراودات العربية للدخول في عالم النص التشعبي بالمحاولات القاصرة عن الإلمام بمستوجبات اللحظة الرقمية، وذلك في كتابه «من النص إلى النص المترابط - مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي»، إذ يقول: «لقد دخلت الدراسات الأدبية مرحلة جديدة من البحث، وتولدت مصطلحات ومفاهيم جديدة، لكننا ما نزال بمنأى عن التفاعل معها، أو استيعاب الخلفيات التي تحددها. ظهرت مفاهيم تتصل بالنص المترابط، والتفاعلية، والفضاء الشبكي، والواقع الافتراضي، والأدب التفاعلي، ونحن ما نزال أسيري مفاهيم تتصل بالنص الشفوي أو الكتابي، ولم نرقَ بعد إلى مستوى التعامل مع النص الإلكتروني».
وهذه النتيجة المعلنة من قبل رئيس اتحاد كتاب الإنترنت العرب تؤكد أن النقد لا يمكنه أن يعمل في فراغ نصي؛ بمعنى أن الناقد العربي ليس بمقدوره مناقدة مشتبهات روائية تتلبس لبوس الرواية التفاعلية، إذ لا يقدم المشهد العربي البعيد جداً عما بات يُعرف بالإنسانيات الرقمية أي رواية تفاعلية يمكن اعتمادها كمرجعية على وجود هذا النمط الأدبي، عدا روايات محمد سناجله، بشقيها التفاعلي والواقعي الرقمي، حسب تصنيفاته التي تعتمد أسلوب الروابط والإحالات الإلكترونية، لكنها لا تعانق حداثة المصطلح وتعقيدات الاشتغال، إذ تنتهي في الغالب إلى صيغة ورقية لا تختلف عن أي رواية اعتيادية، من دون أي قيمة تفاعلية. فهي رواية الروائي، وليست رواية الروائي والمتلقي. وذلك هو ما يفسر وجود روايته «شات» في المرمى النقدي لمحمد أسليم، وزهور كرام، وأحمد فضل شبلول، وسمر ديوب، وغيرهم من المهتمين بالنصوص الرقمية، كخيار وحيد للتدليل القسري على وجود رواية تفاعلية. هذا بالإضافة إلى متوالية من الروايات التي لا تنتسب إلى الأدب الرقمي إلا من حيث كونها كُتبت في الأصل بشكل تجزيئي، على شكل منشورات «فيسبوكية» أو تغريدات «تويترية» قبل تنضيدها في كتاب ورقي، كرواية «إسبرسو» لعبد الله النعميمي، وغيرها من المراودات التجريبية.
السرديات التفاعلية إشارة من إشارات التماس مع ضرورات الحداثة، المؤسسة على يوتوبيا الاتصال، بحيث يكون فيها الاتصال بمعناه التقني المتقدم قيمة مهيمنة، بما في ذلك السلوك الاتصالي المتعلق بالكتابة. فالإنسانية الجديدة، حسب نوربيرت فاينر، مبتدع السيبرانية أو العلم العام للاتصال، تخص البشر كافة، حيث الحياة برأيه «لم تعد في البيولوجيا، إنما في الاتصال». وهكذا، يمكن النظر إلى التحولات العميقة في كيفية بناء العمل الفني والأدبي، أي في فكرة انتقال جوهر النشاط الإنساني إلى عوالم الميديا، وهو تحول بنيوي عميق لا يتوفر في الحياة العربية، لأن إنتاج النص التشعبي يتجاوز الانتقال إلى أدائية مغايرة، أو إبدال الأدوات إلى مغامرة التماس مع التكنوثقافي؛ بمعنى أن الرواية التفاعلية ليست نزوة شكلانية لاقتفاء أثر الآخر، أو الانتقال من الكتابة الورقية إلى الكتابة على الكي بورد، أو غير ذلك من الاحتيالات الصورية التي لا تعني إنجاز مهمة التعبير بشروط الميديا.
ذلك الإصرار على تسجيل الدخول في نادي الرواية التفاعلية يستلزم بالدرجة الأولى إقامة الصلة بين قيم الحداثة والأدب الرقمي، بمعناه وتجلياته الواسعة المتعددة. ولذلك لا يمكن اعتبار ذلك الاندفاع الصريح باتجاه كتابة النص العنكبوتي المتمادي في توظيف إمكانيات اللحظة الاتصالية سوى حالة من التطواف التهويمي حول مكتسب تكنوثقافي لا يهب مقدراته لكل من أراد أن يتمسح به. فما يحدث عربياً ليس أكثر من مراودات تجريبية ناحية رقمنة النصوص للحاق بالعصر التكنوتروني، باعتماد الوسائط البديلة والوسائط الثورية المعارضة. وفي أفضل الحالات، هو لهاث وراء لافتات موت الكتاب الورقي. كالشعار الذي رفعته كاثرين هاريس في كتابها «الثقافة الرقمية: موت ثقافة الطباعة»؛ أي تحقيق نصاب أدبي إلكتروني بأقصى سرعة ريادية ممكنة.
نظرية الجنس أو اللون الأدبي لا تنتج إلا عبر مخاضات تجريبية عسيرة، وضمن وفرة إنتاجية يمكن اختبار مسطرة النظرية عليها. ولذلك يبدو من الخفة واللاعلمية إطلاق صفة الرواية التفاعلية على كل تلك المنتجات الأدبية الرقمية التي تعاني من عدم الاستواء، المرّحلة على مستوى المضمون من الوعي التقليدي، القابلة من الوجهة التقنية للاستقرار في المهاد الورقي، إذ لا يمكن للتوتر الناشئ بين الرواية التفاعلية كنصٍ رقمي وما قبلها أن يتشكل في مدارات خارج شروط الحدث التكنوتروني، وبالتالي لا يمكن التسليم باستواء المصطلح، أو حتى تبيئته خارج مستوجبات التلقي التفاعلي الرقمي، لأن إنتاج نص افتراضي داخل عالم افتراضي يقتضي تأسيس خطاب داخل ذلك النص يتناسب بالضرورة مع واقع المتصفح الكوني الذي يعادل القارئ الضمني في الأدبيات القديمة.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الخيبة النقدية المتمثلة في كثافة الحضور وقلة الأداء إزاء مصطلح ومنجز الرواية التفاعلية، إذ لا وجود لمنتجات روائية ذات قيمة يمكن الاختلاف بها وعليها، وبالتالي لا يمكن للنقاد المتبارين في الملتقيات إلا التطواف اليائس أيضاً حول المصطلح والمشتبهات الروائية، وأحياناً التنظير من منطلق التبشير بإمكانية استنبات الرواية التفاعلية في المشهد الثقافي العربي، فيما يشبه التمارين الإحمائية استعداداً لما قد يظهر من تباشير روائية، لأن الروايات التفاعلية، باعتبارها منتجات رقمية، يفترض أنها منقطعة تاريخياً وإجرائياً وأدائياً عما قبلها، لدرجة أن سعيد بن كراد أغلق الطريق أمام العبث الإلكتروني بمجمله، ووصف الأدب الرقمي بالجماليات المستحيلة، حين قال «باستحالة جماليات رقمية تقدم للعين أجمل مما يقوله اللفظ».
الرواية التفاعلية سليلة النص الإلكتروني، الذي هو قرين الديمقراطية، بالنظر إلى أن الاتصال ذاته وثيق الصلة بالنزعة الليبرالية، وهو ما يعنى أن الرواية التفاعلية المفترض أن تُنتج عربياً لا بد أن تتولد من خلال حاضنات ذات طابع سياسي واجتماعي، وليس عبر منظومة من الألفاظ والقوالب التحرُّرية المستعارة. فالثورة في عالم الميديا تؤدي إلى انقلاب مفاهيمي وأدائي تعبيري داخل المجتمع. وإذ لا يمكن لنص إلكتروني أن يفارق بنيته، يصعب تصور رواية تفاعلية عربية تنتسب للمابعدية بقفزة في الهواء، أو لمجرد الرغبة في التجريب، لأن الذات المنتجة لها تتحرك في مدارات اتصالية ضيقة، كما أنها تفتقر إلى شرط الاغتراب، بمعناه الفلسفي.
الأدبيات الإلكترونية، بمعانيها التشعبية والرقمية والتفاعلية، لا يمكن اختصارها في معركة الصراع ضد الورقي، ولا في المزاوجة الصورية بين الأدب والتقنية، لأنها مغامرة متجاوزة تحتم تحويل مجمل النشاط الفني والأدبي إلى نشاط اجتماعي إعلامي يقوم على الإعلام والتحريض وتحطيم الحدود بين أشكال التعبير والحواس كافة، لملاقاة شروط الكتابة متعددة الأشكال والسرد البصري، وهذا ما تقترحه الثقافة الإلكترونية؛ أي استيلاد نص مفتوح النهايات يتأتى من مدارات ما بعد الحداثة، بما هي نتاج الحياة الصناعية والتقدم التكنولوجي الجارف الذي يتبأر في مجال ثورة المعلومات وطفراتها الهائلة، ورفض محدودية وقداسة الأنساق الفكرية المغلقة. وهو نصاب أدبي يبدو مستعصياً في اللحظة الراهنة، إذ يعجز حتى الخطاب النقدي عن استجلاب نماذج غربية للرواية التفاعلية لتدارسها وتوطينها في المشهد الثقافي العربي.

- ناقد سعودي



«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».