ريناتو كوتوزو... رائد الواقعية الإيطالية

مجموعة مختارة من أعماله في قصر «ميرابيلو» التاريخي

إحدى لوحات كوتوزو
إحدى لوحات كوتوزو
TT

ريناتو كوتوزو... رائد الواقعية الإيطالية

إحدى لوحات كوتوزو
إحدى لوحات كوتوزو

في مدينة فاريزى الشمالية، وفي صالات قصر «ميرابيلو» التاريخي العريق، يقام معرض فني يضم مجموعة مختارة من أعمال الفنان الراحل ريناتو كوتوزو رائد الواقعية الإيطالية في الفن التشكيلي، يستمر حتى نهاية الشهر الأول من السنة الجديدة.
والفنان الإيطالي ريناتو كوتوزو «1911 - 1986» هو فنان عواطف وأفكار وممارسات مبدعة، وقد اتسعت القاعدة التعبيرية الأوروبية الجديدة في فترة الخمسينيات والستينيات على يديه، إذ أخرجها من كل النظريات التقليدية ذات الرؤية الضيقة للمستقبل الإنساني، فقد أدرك منذ البداية بأن الفن الجديد عليه أن يخرج للآخرين من التراث الواقعي الإنساني الكبير.
وتزامنت واقعية كوتوزو مع انطلاقة النهوض الكبير الذي عاشته السينما الإيطالية بواقعيتها الجديدة التي حمل لواءها روسلليني الذي حاول استنهاض السينمائيين الإيطاليين في التعبير عن مشاكل وأحلام الناس، قائلاً: «يجب أن نحمل الكاميرا وننطلق إلى الشوارع والطرقات وندخل البيوت، إذ يكفي الخروج إلى الطرق ونقف في أي مكان ونلاحظ ما يدور بعيون مفتوحة لكي نخرج فيلماً إيطالياً حقيقياً»، وقد أسس بمقولته هذه الواقعية الجديدة في السينما.
الفنانان كوتوزو وروسلليني تأثرا بالأفكار اليسارية التي ألهبت خيال تلك الأجيال في مناهضة التيارات غير الإنسانية وغير الديمقراطية التي مثلها الفكر الفاشي في إيطاليا والذي كان يدعو إلى عزل المفاهيم الجمالية عن الفن، وعزل الفن عن الحياة الاجتماعية، وتمجيد الفرد القائد.
في إيطاليا كان الفنان كوتوزو، مع الفنان فينتوري يمثلان الطليعة الجديدة، فقد اختارا طريقاً صعباً لأنهما أدركا بأن دور الفن ووظيفته تمكنه من لعب دور بارز في تصوير الحياة القومية ومعارك الأفكار الدائرة فيها. وقد توصل إلى فهم يؤكد «أن مهمات الفن الاجتماعية تتحدد في أن يعي الفنان عملية الاصطفاف التاريخي مع الحرية من خلال تعلم قوانينها وتكيفاتها من أجل ملاءمة الاستخدام الإنساني وأغراضه النبيلة».
ولقد توضح هذا الاتجاه عند كوتوزو في لوحته الشهيرة «الهرب من اتنا» التي يروي من خلالها الفنان إحدى قصص النضال الذي خاضته القوى المناهضة للفاشية، وكيف تصدت قوى الظلام بوحشية كبيرة للناس الذين فروا من المدينة الصقلية. رسم هذه اللوحة عام 1939 الملتهبة، مستخدماً فيها الرمزية المعتمدة على التمزق التعبيري لجسد الإنسان، واستخدم اللون الحار الصاخب بإحساس عميق وببراعة وحرية شديدة فكانت تلك اللوحة بمثابة البداية القاعدية التي عبر من خلالها عن محبته للجسد الإنساني، محبته لاكتمال الحياة الفعلية بأبعادها الثلاثة وتجسيدها على سطوح أعماله اللاحقة، مما جعل من فنه قوة واقعية عملاقة متحدية.
ولوحة «الهرب من اتنا» التي جاءت بعد عامين من رسم لوحة «الغورنيكا» للفنان الإسباني بابلو بيكاسو الذي ربطته علاقة حميمية مع كوتوزو، مثلت البيان التاريخي لمسؤولية كل من بيكاسو وكوتوزو إزاء مجتمعهما، ففي الوقت الذي وقف بيكاسو ضد ديكتاتور إسبانيا الجنرال فرانكو الذي كان يدعوه بيكاسو «عدو الإنسانية والثقافة»، وقف كوتوزو ضد موسوليني وحمل البندقية لمحاربته، وفي الوقت الذي كانت الحياة الثقافية والإنسانية تتعرض لوحشية الفاشيست الإسبان الذي دمروا بكل عنف وبربرية شعب تلك المدينة الصغيرة التي كانت تُدعى «غورنيكا» وبالتحالف مع النازيين الألمان.
لقد ركز كوتوزو على عملية الحداثة في تصوير التاريخ، وهذه الحداثة اعتمدت الإبداع الفني من خلال التحكم بالطريقة التي يولد بها الفكر والشعور والحركة والوصول من خلالها إلى أبعد مدى في إضفاء الطابع الإنساني على كل الوقائع الخارجية والداخلية والتي مثلت جزءاً من حركة التاريخ الإيطالي، فأصبح عمله يحمل السمو، لا لكونه عملية تسجيل يحكمها التوازن المنطقي المطلوب حسبما تريده النظريات التقليدية يمينها ويسارها، وإنما لأنه كان في كل أعماله الفنية، شخصية حية لا ترتضي تبني وجهات نظر تتقرر بمراسيم ليخرج من خلالها الفن الجديد، بل أدرك أن الفن الجديد يخرج من الأعمال الفنية ذاتها، وأدرك أنه كلما زادت إمكانيات التعبير وتعددت، صاحبتها زيادة في القدرة على إنتاج الفن المطلوب في تكونه وحركته التاريخية، حيث يرتبط الإبداع الخيالي بشكل وثيق بالظواهر المختلفة للحياة الروحية للمجتمع.
وقد جسد كوتوزو الميزة الحية للصورة الفنية بحقيقة أن الفكرة المطلقة تعطي تحقيقاً ملموساً، ويمكن إدراكه حسياً من خلال تصوير الأحداث والشخصيات وظواهر العالم المحيط، ويتضح ذلك في لوحات كبيرة له من أبرزها «سوق الخضار» و«الساحة» فأصبح فنه فن حركة لأنه وُلد وبشكل مباشر من التراث الواقعي الإنساني الذي شكلت قاعدته الواقعية الجدية، فكانت أعماله التي اعتمدت طريقة التركيب والكولاج بمثابة تعلق بالحياة الإنسانية إذ تكلم رسمه وتكلمت الأشجار والأجساد والأرض والظلال حين غطاها بألوانه البراقة الصارخة المحتدة.
في لوحاته الشهيرة مثل «المنجم» و«الاجتماع العام» و«جسر الأميرالية» صور الناس بشجاعة كبيرة وتنوع مدهش، ورسم أشكال الرعب والخوف والمعاناة التي جعلت كل لمسة من فرشاته تتقد الإحساسات المتوترة، يمكن قراءة الكرامة والقوة والصلابة لهؤلاء الناس الذين أحبهم الفنان بكل إخلاص.
امتاز رسم كوتوزو في اعتماده على الخطوط اللونية المتفجرة والتي اتجهت في عدد من أعماله لتكون في بعض جوانبها تصاميم زخرفية، وأجزاء أخرى منها عبارة عن نماذج مبسطة ذات أسطح تموج بحياة الألوان الصارخة. وفي مرحلته المتأخرة بدأ يميل إلى استخدام الخط الحساس ذي البعدين لتصوير الناس وخلفهم أرضيات تميل إلى أن تكون واقعية وذات ثلاثة أبعاد، وقد ابتعد عن التشويه التعبيري، إلا أنه تلاعب كثيراً وبشكل مثير بالأضواء والظلال والشعور بضخامة الشخوص المرسومة مع أنه استخدم في هذه المجموعة من اللوحات خطوطاً مبسطة تبدو فيها الشخصيات كما لو كانت خارجة من اللوحة.
في جميع أعماله الفنية التي حملت تنوعات كبيرة للغاية والتي عكست جمال الحياة الإنسانية الطبيعية وغناها الحسي، والعمق النفسي والإنساني الذي يشترك فيه البشر، صور المقاهي كـ«المقهى الإغريقي» الذي يقع وسط مدينة روما وهو من أقدم مقاهي العاصمة الإيطالية، والبيوت التاريخية المهجورة القديمة، ودهاليز المسارح والأسواق، والشخصيات العادية وشجاعة الأبطال المعادين للفاشية في تاريخ إيطاليا الحديث باعتبارهم بشراً يمكن للمرء أن يقرأ في وجوههم صعوبات الحياة ومشقاتها، كما يمكن قراءة الكرامة والقوة والجمال، كما في «عدة بورتريهات للكاتب ألبرتو مورافيا» التي رسمها بشعور إنساني أصيل، مبرزاً التناقض الدرامي للضوء والظل.



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.