تشكيل اللجنة الدستورية يطلق «معركة التطبيع» مع دمشق

باريس تضع 4 شروط أوروبية لـ«شرعنة» الانتخابات السورية

بيدرسون خلال مؤتمر صحافي في جنيف قبل يومين (إ.ب.أ)
بيدرسون خلال مؤتمر صحافي في جنيف قبل يومين (إ.ب.أ)
TT

تشكيل اللجنة الدستورية يطلق «معركة التطبيع» مع دمشق

بيدرسون خلال مؤتمر صحافي في جنيف قبل يومين (إ.ب.أ)
بيدرسون خلال مؤتمر صحافي في جنيف قبل يومين (إ.ب.أ)

طرح تشكيل اللجنة الدستورية السورية، وقواعد عملها، «معركة التطبيع» مع دمشق، و«إعادة الشرعية إلى النظام السوري»، بين استعجال موسكو «إعادة سوريا إلى العائلة العربية» من جهة، وتمسك واشنطن بـ«عزل» دمشق من جهة ثانية، في وقت تقدمت فيه باريس بوثيقة وضعت أربعة شروط لـ«إعادة الشرعية»، والاعتراف بنتائج الانتخابات، بينها «إشراف كامل» من الأمم المتحدة على الانتخابات البرلمانية العام المقبل، والرئاسية في 2021.
ومنذ اتفاق المبعوث الأممي غير بيدرسون، ووزير الخارجية السوري وليد المعلم، على قائمة الـ150 مرشحاً للجنة الدستورية، وقواعدها الإجرائية، الشهر الماضي، كان هناك حرص على كل إشارة سياسية؛ ذلك أن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، تبنى الإعلان عن «الإنجاز السياسي»، وأن اللجنة ستعقد اجتماعها الأول في جنيف في الـ30 من الشهر الحالي، بحيث يكون عملها بناء على القرار 2254. وفي المقابل، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، لـ«الشرق الأوسط»، إن الاختراق جاء «بناءً على قرار مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي» بداية العام الماضي، وضمن «إنجازات» الدول الثلاث الضامنة لمسار آستانة؛ روسيا وتركيا وإيران.

- معركة دبلوماسية
لكن المعركة الدبلوماسية الأهم تدور حالياً حول «ما بعد تشكيل اللجنة»، إذ قال لافروف لـ«الشرق الأوسط» إنه يرحب بتشكيل اللجنة الدستورية، لافتاً إلى أن التقدم على المسار السياسي «سيطرح ملفاً تم طرحه منذ وقت طويل، حول ضرورة عودة سوريا إلى العائلة العربية. والكثير هنا سيتوقف على موقف السعودية، لأن صوتها مسموع في المنطقة وخارجها»، علماً بأن الرئيس فلاديمير بوتين سيزور الرياض قريباً. ومن جهته، قال المعلم، بعد لقاء عرضي مع الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط في نيويورك، إن على الجامعة العربية أن تعود إلى سوريا «كي تصبح عربية».
أما أبو الغيط، فقال إن الوقت لم يحن لعودة سوريا للجامعة العربية، وزاد: «ليس بعد، رغم أن دولاً عربية أعادت العلاقات، وأعادت فتح السفارات مع سوريا، فإن الإرادة الجماعية العربية لم تصل بعد إلى اللحظة التي تفيد بأنه ليست لدينا مشكلة مع الحكم في سوريا».
وأضاف: «عندما... تنطلق سوريا الجديدة، أتصور عودة سوريا إلى مقعدها في الجامعة. وسوريا الجديدة لن تكون مرتمية في أحضان إيران؛ هذا شرط عربي رئيسي».
وفي الضفة الثانية، قال المبعوث الأميركي للملف السوري السفير جيمس جيفري: «نواصل حث جامعة الدول العربية على التصدي لأي جهود ترمي لإعادة نظام الأسد إلى الجامعة قبل الوفاء بالمعايير المحددة في القرار 2254»، مضيفاً: «أي محاولة للترحيب بعضوية نظام الأسد مرة أخرى في الجامعة العربية، أو استئناف العلاقات معه، من شأنها أن تقوض جهودنا الجماعية الرامية للتحرك نحو التوصل إلى حل دائم وسلمي وسياسي للصراع الدائر في سوريا، وستستمر العزلة الدولية المفروضة على نظام الأسد حتى يكف عن شن هجماته الوحشية على السوريين الأبرياء، ويتخذ خطوات ذات مصداقية لتهدئه العنف، وتمهيد الطريق أمام التوصل إلى حل سياسي».
وكانت واشنطن قد جمدت، بداية العام الحالي، مسارين لـ«التطبيع» مع دمشق: المسار الأول الذي كان قد بدأ بإعادة تشغيل سفارات عربية في العاصمة السورية، والمسار الثاني رفع التجميد عن مقعد الحكومة السورية في الجامعة العربية الذي اتخذ في نهاية 2012.

- «عزل دمشق»
وقادت واشنطن ولندن جهوداً لتثبيت عناصر الموقف السياسي هذه عبر اجتماع في نيويورك لوزراء خارجية «المجموعة الصغيرة» التي تضم مصر وفرنسا وألمانيا والأردن والسعودية وبريطانيا وأميركا، إضافة إلى اجتماع آخر دعت إليه مسؤولة الشؤون الخارجية الأوروبية فيدريكا موغيريني وبيدرسون على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وإذ رجبت الدول بـ«إعلان الأمم المتحدة أن الأطراف كافة قد وافقت على إنشاء لجنة دستورية. هذه خطوة إيجابية طال انتظارها، ولا تزال تتطلب التزاماً جاداً وتعهداً بتحقيق الوعود لتنجح»، جددت الإشارة إلى أدوات الضغط المتوفرة لديها، وبينها ضرورة توفر البيئة المحايدة للعملية السياسية، و«الإفراج الجماعي عن السجناء السياسيين، والخطوات لتهيئة بيئة آمنة محايدة من شأنها أن تمكن السوريين من إجراء انتخابات حرة نزيهة ذات مصداقية، تحت إشراف الأمم المتحدة، بشكل يتيح للنازحين واللاجئين والمهاجرين المشاركة فيها». كما تمسكت هذه الدول بإبقاء ملف المساءلة مطروحاً، وسط تأكيدها على «دعم الجهود الرامية إلى ضمان تحديد ومحاسبة جميع مرتكبي انتهاكات القانون الإنساني الدولي، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بمن فيهم المسؤولون عن الجرائم ضد الإنسانية».
كما أبقت واشنطن ولندن «ورقة» ملف الكيماوي، إذ أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أن بلاده «خلصت إلى أن نظام الأسد استخدم غاز الكلور كسلاح كيمياوي في 19 مايو (أيار)، في هجوم على محافظة اللاذقية، غرب سوريا». وأيدت لندن موقف واشنطن التي فرضت عقوبات إضافية على كيانات سورية.
ولم تظهر إلى الآن تغيرات جوهرية في مواقف الدول الأوروبية وأميركا من شروط «التطبيع» مع دمشق، و«شرعنة النظام»، والمساهمة في إعمار سوريا، لكن بعض الدول الأوروبية قلقة من تفكك «الجدار الجماعي» إزاء ذلك، خصوصاً بعد إعلان هنغاريا فتح سفاراتها في العاصمة السورية. لذلك، فإن اجتماعات عدة ستعقد في بروكسل لهذا الغرض، قبل الاجتماع الأوروبي الوزاري منتصف الشهر.

- أربعة شروط
وكان لافتاً أن باريس وضعت على طاولة حلفائها ورقة حددت شروط قبول نتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية في سوريا، و«إلا، لن تكون شرعية»، واقترحت أربعة مبادئ للموقف الجماعي، هي:
أولاً، إرساء تدابير بناء الثقة على أرض الواقع، بهدف تهيئة الأجواء والبيئة الآمنة والمحايدة، قبل وأثناء وعقب انعقاد الانتخابات، وذلك لضمان تمتع العملية الانتخابية بالمصداقية، في ظل الشروط الأمنية الكافية، مع حماية حقوق الأطراف كافة. ويشمل ذلك وقف النار وإطلاق معتقلين.
ثانياً، ضمانات تؤكد على مشاركة ووصول النازحين واللاجئين إلى مراكز الاقتراع، فضلاً عن حملات التثقيف والتوعية الانتخابية.
ثالثاً، شروط قانونية وعملية ميسرة لإجراء الاقتراع التعددي. وفي ظل وجود 12 مليون لاجئ خارجي ونازح داخلي في سوريا، من الأهمية البالغة أن يتمكن جميع المواطنين السوريين في الشتات من التصويت، مع حيازتهم لحق الترشح أيضاً في الانتخابات المقبلة.
رابعاً، إشراف منظمة الأمم المتحدة على الانتخابات، وتوفر الحياد الصارم في العملية الانتخابية. ومنعاً لوقوع أي شكل من أشكال التلاعب، مع ضمان الإعداد الجيد للانتخابات في مرحلة ما بعد الصراع، ينبغي لإشراف الأمم المتحدة أن يكون شاملاً، يتضمن تنظيم وإجراء الانتخابات، مع الدعم الأممي للبيئة الانتخابية الآمنة، ومراقبتها بعناية فائقة.
وذكرت الوثيقة بموقف دول الاتحاد الأوروبي، وأنها على «استعداد تام للاضطلاع بدورها في إعادة إعمار سوريا، في حالة وجود عملية انتقالية سياسية شاملة حقيقية، على أساس قرار مجلس الأمن 2254».



انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.


سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
TT

سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)

أطلقت سوريا، اليوم الأربعاء، ‌خطة تدعمها واشنطن لتخليص البلاد من مخزون الأسلحة الكيماوية القديمة التي استخدمتها قوات تابعة للرئيس السابق بشار الأسد ضد السوريين.

وأدار الأسد على مدى عقود ​برنامجاً واسع النطاق للأسلحة الكيماوية التي أدى استخدامها إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال الحرب الأهلية الطويلة في سوريا.

وعلى الرغم من انضمام دمشق إلى اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية في عام 2013 وإعلانها امتلاك مخزون يبلغ 1300 طن، استمر استخدام الأسلحة المحظورة، بينما لا يزال حجم البرنامج غير واضح.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي في مقابلة إن فريق عمل ‌دولياً تدعمه الولايات ‌المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وفرنسا، من ​بين ‌دول ⁠أخرى، سيتعقب ​جميع ⁠العناصر المتبقية من البرنامج ويدمرها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

وقال خبراء المنظمة إن هناك حاجة إلى تفتيش ما يصل إلى 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

وستتطلب عملية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات السياسية وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. وقال مسؤولون إن اتساع الحرب ⁠الأميركية الإسرائيلية على إيران والمخاوف الأمنية الأوسع نطاقاً بالمنطقة ‌ستجعل تحديد توقيت للمهمة أمراً ‌صعباً لكنها ستصبح أكثر ضرورة لمنع استخدامها ​في المستقبل.

الحكومة تتعهد ‌بالسماح بتفتيش المواقع

أطيح بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ‌وتعهدت الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح صفحة جديدة والقضاء على الأسلحة الكيماوية المحظورة ومنح المفتشين حرية الوصول الكاملة إلى المواقع المراد دخولها.

وقال عُلبي إن هذه الخطوة تظهر أن سوريا تحولت من دولة ‌كانت تخفي استخدام الأسلحة الكيماوية في الماضي إلى دولة «تقود العزم» على التخلص منها.

وخلصت عدة تحقيقات دولية ⁠إلى أن ⁠نظام الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين، وكذلك غاز الكلور وغاز الخردل، لكنها لم تكشف أبداً عن المدى الكامل لهذا البرنامج السري.

وقال عُلبي: «لا نعرف (تحديداً) ما الذي تبقى، فقد كان برنامجاً سرياً». وأضاف: «المهمة تقع على عاتق سوريا للبحث في هذه الأمور ثم إعلانها».

وقال مصدر دبلوماسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إن المواقع المائة قد تشمل أماكن بدءاً من القواعد العسكرية ووصولاً إلى المختبرات أو المكاتب.

وأضاف المصدر: «من المحتمل أن يستغرق هذا الأمر شهوراً طويلة، إن لم يكن سنوات، لإنجازه. وقطعاً لا يساعد ​الوضع الحالي في الشرق الأوسط ​على المضي قدماً في عملية التدمير الفعلي لأي بقايا لبرنامج أسلحة الأسد الكيماوية».