إردوغان مهووس باستعادة الأمجاد الغابرة

عبد الرحمن صلاح يكتب عن تجربته {سفيراً لدى السلطان»

إردوغان مهووس باستعادة الأمجاد الغابرة
TT

إردوغان مهووس باستعادة الأمجاد الغابرة

إردوغان مهووس باستعادة الأمجاد الغابرة

شغل عبد الرحمن صلاح منصب آخر سفير مصري في تركيا بين عامي 2010 و2013. وشهدت مرحلة توليه المنصب كثيراً من التداعيات في علاقات البلدين اللذين يمثل كل منهما قطباً إقليمياً فاعلاً ومؤثراً على مستوى المنطقة. وكان لتلك التداعيات أن جعلت مهمة السفير صعبة، لكنها أمدت الكاتب الكامن في داخله بالمادة الأولية الضرورية لإنجاز كتابه. هكذا، قرر السفير الذي عانى الإقصاء، وصولاً إلى التهميش، في كثير من مفاصل مهمته، أن يتحول شاهداً، ولاحقاً راوياً.
منح صلاح لكتابه الأول، الصادر عن دار «نهضة مصر»، عنواناً موحياً غير محايد «كنتُ سفيراً لدى السلطان». ومنذ البداية، يميل الكاتب إلى مقاربة جوهر الخلل: ثمة رئيس في تركيا، هو رجب طيب إردوغان، يبدي حرصاً، يكاد يكون مرضياً، على استعادة حلم الخلافة، يوم كان سلاطين بني عثمان يمارسون سطوة وهيمنة بلا حدود على مناطق شاسعة من العالم وشعوبه. الصورة التي اختارها السفير غلافاً لكتابه تطابق العنوان، وتنسجم مع دلالاته: صورة السلطان المعاصر محاطاً بعناصر حرسه المرتدين لثياب العسس في قصور الخلافة... الأمر يكاد يحيل إلى حلم من أحلام اليقظة.
يتألف الكتاب من أربعة عشر فصلاً، ألحقت بها ستة محاور، تشمل المقابلات الصحافية التي أجريت مع الكاتب، وهي تهدف إلى محاولة استيعاب خفايا العلاقات بين مصر وتركيا، وصولاً إلى الأزمة التي عصفت بينهما، فدفعتهما إلى تخفيض مستوى علاقتهما الدبلوماسية لدرجة القائم بالأعمال عام 2013، وهي الحادثة التي منحت عبد الرحمن صلاح لقباً متميزاً: «آخر سفير للقاهرة في إسطنبول». وقد بدأ السفير عمله في تركيا في أواخر عهد الرئيس حسني مبارك، واستمر في الفترة الانتقالية التي تسلم السلطة فيها المجلس العسكري، برئاسة المشير حسين طنطاوي، ليعاصر مرحلة تولي الرئيس محمد مرسي منصب الرئاسة، وليستمر في الفترة الانتقالية الثانية، تحت سلطة المستشار عدلي منصور، قبل أن يغادر السفارة عائداً إلى مصر بعد نشوب الأزمة بين البلدين، في عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي. وفي خضم هذه التحولات المتسارعة، أمكن للسنوات الثلاث التي أمضاها عبد الرحمن صلاح سفيراً لبلاده في تركيا أن تكون زاخرة بالأحداث الدالة التي يسعها أن تضيء على كثير من الزوايا المظلمة في العلاقة بين دولتين محوريتين.
يقدم صلاح في كتابه رؤية مراقب للواقع السياسي والشعبي في تركيا: ثمة تناقض لا تخطئه العين، يتجلى في نفور واضح من الغرب «الذي يحيك الدسائس لتركيا»، يقابله انجذاب صارخ نحو العادات والسلوكيات الغربية في كثير من تفاصيل العيش: التدين المجاور للعلمانية المتجذرة، والتعصب للقومية التركية يسير بالتوازي مع حالة انبهار بأنماط الحياة السائدة غرباً.
وفي مجتمع على هذا القدر من التناقض، يقوم حكم سياسي مهجوس باستعادة أمجاد غابرة، ويتكرس حاكم تراوده أحلام السلطنة، فتصير مصر، بما تمثله من مكانة رائدة على مستوى العالم العربي، محط استهداف مفصلي من قبل الحكم التركي، خصوصاً بعد تولي الإخوان المسلمين، بزعامة محمد مرسي، مقاليد السلطة فيها، لتكريس حالة تبعية مصرية لتركيا، وإن كانت مضمرة، أي سيطرة غير مباشرة لإردوغان على محيط عربي شاسع، وهي نقطة انطلاق ملائمة لبعث السلطنة وإحياء مجد السلطان.
يؤرخ الكاتب، بدءاً من السنة الأخيرة من عهد الرئيس مبارك، للعلاقة بين مصر وتركيا، ويكشف أن معبر رفح الذي يفصل بين غزة ومصر كان يشكل محور التناظر. كان مبارك يحرص على تخفيض مستوى المساعدات العينية للقطاع عبر المعبر، حتى لا يتهم من قبل إسرائيل بتسريب الأسلحة، في حين شهدت المدن التركية مظاهرات حاشدة تدعو مصر لفتح المعبر على مصراعيه. وعندما سأل السفير المصري الذي سبق صلاح في تركيا أحد المسؤولين الأتراك ما إذا كانت حكومته تقف خلف تلك المظاهرات، لم يجد الرجل ما يدعوه للتمويه في رده: «يجدر بك أن تحمد الله على أننا لم نقتحم سفارتك»!
في عام 2011، بعد تنحي مبارك عن سدة الرئاسة، وتولي المجلس العسكري، بقيادة المشير حسين طنطاوي، مقاليد السلطة، رأت تركيا أن الفرصة أصبحت سانحة لتحقيق حلم الهيمنة على مصر. فسارع مسؤولون أتراك للتوافد إلى القاهرة، مقدمين أنفسهم كأوصياء على سلطة مرتبكة، وشهد شهر مارس (آذار) من العام نفسه زيارة قام بها الرئيس التركي آنذاك (عبد الله غول) لمصر، مترئساً وفداً تركياً رفيع المستوى، ضم وزير خارجيته أحمد داود أوغلو وآخرين، ليكون بذلك أول رئيس جمهورية يزور القاهرة بعد التحولات المستجدة فيها.
وفي وقت لاحق (سبتمبر | أيلول 2011)، قدم إردوغان إلى مصر، وكان في سلوكه كثير مما يثير الريبة، فقد طرح على طنطاوي مشروع إقامة «مجلس استراتيجي مشترك» بين البلدين، وإقرار حرية تنقل المواطنين من دون تأشيرة. ولم يجد المشير صعوبة في رفض الاقتراح الأول، معللاً موقفه بأنه يتولى سلطات انتقالية لا تتيح له فرض الأمر على الرئيس الذي سيتولى الحكم بعده. أما مسألة التأشيرات، فأحيلت إلى جهاز المخابرات العامة الذي رفضها لدواعٍ أمنية.
الأداء اللوجيستي لإردوغان وفريقه في تلك الزيارة كان باعثاً على الدهشة أيضاً، حيث تم السماح بنشر آليات عسكرية تركية مدرعة للحماية، وهي سابقة لم تشهدها زيارة رسمية من قبل. كذلك تولى الأمن التركي مهمة تفتيش صالة الاستقبال في المطار، حيث منعوا المصريين من الدخول، وتكرر الأمر مع وزير الاتصالات الذي كان عليه أن يرفع صوته حتى أمكنه الدخول إلى دار الأوبرا، حيث كان الرئيس التركي سيلقي كلمة. وفي اليوم التالي، منع الجنود الأتراك وزيرة التعاون الدولي فايزة أبو النجا من دخول صالون اجتماعات مجلس الوزراء المصري، حيث كان إردوغان يعقد لقاء مع رئيس الوزراء المصري عصام شرف، فأبدت الوزيرة غضبها، وطالبت الضيف التركي بالاعتذار، لكنه اكتفى بأن دعا مضيفيه المصريين إلى تفهم حرص مرافقيه على حياته. ثمة حادثة مماثلة حصلت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، حيث كان وفد تركي برئاسة إردوغان يزور مصر. وبعد عشاء أعقب جلسة مباحثات، توجه رئيس الوزراء المصري حينها (هشام قنديل) إلى الحمام، حيث كان إردوغان قد سبقه، ففوجئ قنديل حينها بعناصر الأمن التركي يحملونه من ذراعيه ويلقون به خارجاً... وكان كل ما حصل عليه بعد ذلك الموقف المسيء عناقاً من إردوغان، مشفوعاً بكلمة «عفواً» باللغة العربية!
واعتماداً على ثقافته الدبلوماسية، يرصد الكاتب سوء أداء الطاقم السياسي المصري المحيط بالرئيس السابق محمد مرسي، حيث كانوا يحرصون في زياراتهم المتكررة لتركيا على تخطي القواعد المعتمدة في العمل الدبلوماسي، فيتعمدون إقصاء سفير بلادهم عن لقاءاتهم مع المسؤولين الأتراك. وكانوا يصرون على ذلك، رغم سيل البرقيات التي كانت ترسلها السفارة إلى القاهرة، مذكرة بضرورة اعتماد الأصول. لكن زوار إسطنبول من المصريين كانوا يضربون عرض الحائط بكل تلك الأعراف والنواظم، مصرين على عقد لقاءاتهم بصورة منفردة، بعيداً عن السفير والسفارة.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً