الـ«رفوكري» فن إصلاح ما أفسده الزمن

المتخصصون فيه يعتبرون عملة ذهبية تفقد قيمتها بمجرد أن يضعف نظرهم

في البداية... كانت تتركز العملية على إصلاح الشالات الكبيرة فقط وبمرور الوقت أصبح باستطاعة المتخصصين تصليح أي قطعة قماش
في البداية... كانت تتركز العملية على إصلاح الشالات الكبيرة فقط وبمرور الوقت أصبح باستطاعة المتخصصين تصليح أي قطعة قماش
TT

الـ«رفوكري» فن إصلاح ما أفسده الزمن

في البداية... كانت تتركز العملية على إصلاح الشالات الكبيرة فقط وبمرور الوقت أصبح باستطاعة المتخصصين تصليح أي قطعة قماش
في البداية... كانت تتركز العملية على إصلاح الشالات الكبيرة فقط وبمرور الوقت أصبح باستطاعة المتخصصين تصليح أي قطعة قماش

يعتبر رفوكري، وهو إحدى طرق الرتق، واحداً من الفنون النادرة، التي تقوم على فكرة تصليح المنسوجات المهترئة أو الممزقة. وكان أباطرة المغول أول من أولوا اهتماماً كبيراً بهذا الفن. ففي ظل حكمهم كان يجري النظر إلى العاملين بمجال الرفوكري على أنهم سحرة ماهرون.
تضرب جذور فن الرفوكري في بلاد فارس، حيث حرص العاملون بهذا المجال على خوض دراسة مستفيضة لأنواع المنسوجات والألوان، وما إلى غير ذلك. كانوا يركزون على قطعة منسوجة بعينها، ثم رسم الحدود التي سيبدأون منها العمل، بعد مضاهاة الخيوط لتكون النتيجة على نحو يصعب معه رؤية أي أثر للتصليح.
في البداية، كانت تتركز العملية على إصلاح الشالات الكبيرة فقط، وبمرور الوقت أصبح باستطاعة المتخصصين تصليح أي قطعة قماش.
في كتابهما المعنون «الزهور والتنانين وأشجار الصنوبر: المنسوجات الآسيوية في متحف سبنسر للفنون»، كتبت ماري إ.دوزنبري وكارول بير، أن «تجميع شال كبير من ثمانية قطع من القماش أمر يتطلب مهارة كبيرة من جانب المصممين وعمال الحياكة؛ لضمان توأمة الأشكال والأحجام مع بعضها بعضاً.
وقد تكونت الشالات من المئات من القطع الصغيرة، التي تعود في معظمها إلى الربع الثالث من القرن التاسع عشر، وقد تطلب تجميع هذه القطع الصغيرة في قطعة واحدة متناغمة مهارة مذهلة».
أما الحرفيون المسؤولون عن إبداع مثل هذه القطع فهم العاملون بمجال الرفوكري أو عمال الحياكة الذين كانوا يتولون نسج كل قطعة من شال على حدة، ثم يتولون تجميعها على نحو يشبه أحجية الصور المقطوعة بدرجة بالغة من المهارة تجعل من الصعب رصد الخيوط الواصلة بين القطع. كانوا يعتمدون في ذلك على أسلوب حياكة يشبه إلى حد كبير أسلوب كاني الشهير؛ وذلك لضمان التناغم والاندماج بين القطع المختلفة.
وتعتبر كشمير وناجي آباد، الواقعة على بعد نحو 200 كيلومتر من دلهي، مركزين لفن الرفوكري في الهند. واللافت أن الغالبية العظمى من العاملين في هذا الفن الدقيق من أحفاد مهاجرين انتقلوا إلى وادي كشمير، قادمين من سمرقند وإيران.
على سبيل المثال، قال سليمان، الذي يعمل في الرفوكري في ناجي آباد، وذكر أن أصوله تعود إلى بخارى: «جميعنا قدمنا من آسيا الوسطى. بدأت تعلم هذه المهنة من والدي وجدي عندما كنت في الـ7، وجميعنا خضنا المشوار ذاته. وعندما كنت طفلاً، كنت أحب مشاهدة يد والدي وهي تعمل على نحو أشبه بالسحر».
أما غالبية زبائن هذا الفن، فمن أبناء العائلات الملكية أو الأرستقراطية السابقة، من الذين يملكون شالات أو قطع ملابس ورثوها عن أجدادهم لا تقدر بثمن، لكن تعرضت لتمزق بسبب العثة، أو اهترأت بفعل الزمن. ومن بين العملاء كذلك هنديات يرغبن في إصلاح شالات «باشمينا» قيّمة لديهن.
وشرح رياض خان، أحد العاملين بمجال الرفوكري أنه: «بينما من الصعب رتق المنسوجات المصنوعة من نسيج (باشمينا)، ويصنع من شعر ماعز جبلي بمنطقة التبت، فإن نسيج (شاتوش) المصنوع من شعر ظبي التبت، هو الأكثر صعوبة على الإطلاق من بين جميع المنسوجات لرقتها المفرطة».
من ناحية أخرى، فإن المتخصصين في رتق منسوجات قديمة وهشة للغاية، يعتمدون على خيوط مشدودة من أطراف قطعة النسيج ذاتها. وقد حرص هؤلاء الحرفيون على حماية أسرار المهنة التي توارثوها أباً عن جد.
في مجال صناعة الشالات، غالباً ما يقال إن العاملين بمجال الرفوكري يجنون أموالاً أكثر عن أي حرفيين آخرين مرتبطين بصناعة الشال. على سبيل المثال، أوضح شابير أحمد، أنه يملك مصنعاً لإنتاج الشالات، ويضم 30 منوالاً. وأضاف أن من يتولى حياكة الشالات يتقاضى نحو 10.000 روبية مقابل الشال الواحد، ويستغرق إنجازه شهراً تقريباً، في حين أنه باستطاعة عامل الرفوكري جني القدر ذاته في غضون 10 أيام فقط أو أقل. ويشرح: «عندما أرصد عيباً في أي شال، فإني أستعين بعامل رفوكري، وتتراوح التكلفة حينها ما بين 1.000 و5.000 روبية لإصلاح عيب، ويستغرق الأمر ما بين يومين وثلاثة أيام حداً أقصى».
أيضاً، يحصل العاملون بمجال الرفوكري على فرص عمل بالخارج. مثلاً، عمل أحمد مع معرض «بالارات فاين آرت غاليري» في فيكتوريا لتصليح وإعادة بناء علم يوريكا أثناء انعقاد دورة ألعاب الكومنولث عام 2006. محمد رفيق زوغار المقيم في دلهي، اسم آخر بارز بمجال الرفوكري، حيث يشتهر بتصليح قطع الشال والساري القديمة منذ 40 عاماً حتى اليوم.
عن مسيرته المهنية، يقول: «تعلمت هذه المهارة من ثلاثة معلمين في سريناغار. وبوجه عام، يتطلب فن الرتق يداً ماهرة ونظراً حاداً. وينتهي مستقبل العامل في مجال الرتق بمجرد أن يضعف نظره».

تاريخ الرفوكري في كشمير

تتميز مهنة الرتق بتاريخ مثير داخل كشمير، وككل شيء في الإقليم، ارتبطت هي الأخرى بالسياسة وبدأت نتاجاً لسياسات حكومية.
في هذا الصدد، شرح سالم بيغ، مسؤول بالصندوق الوطني الهندي للفنون والتراث الثقافي، أنه: «في ظل الحكم الأفغاني، فرض الحكام ضرائب باهظة على صناعة الشالات. وقدر المسؤولون قيمة الضرائب تبعاً لحجم الشال. وسعياً لتفادي الضرائب؛ شرع الحرفيون في كشمير في صناعة الشالات بأحجام تعادل نصف حجمها المألوف. وفي وقت لاحق، كان يجري ضم القطعتين أو الثلاث معاً بمهارة على يد عامل متخصص في الرتق. وبذلك، كانت تجري صناعة الشال بحجمه الكامل دون الحاجة إلى دفع ضرائب بفضل عمال الرفوكري.
ومع تعرف مزيد من الحرفيين على هذه الحيلة المبتكرة، انتشرت هذه الممارسة واكتسب العاملون بمجال الرفوكري أهمية أكبر. ومر وقت طويل للغاية قبل أن يكشف الحكام الأفغان الحيلة.
كانت المرة الثانية التي نجح خلالها عمال الرفوكري في إنقاذ صناعة الشال مطلع القرن الـ19، عندما ابتكر تاجر أرميني يدعى الخواجة يوسف بالتعاون مع عامل رتق محلي يدعى علي بابا، شالات «أمليكار» (أي المزخرفة). كان يوسف قد انتقل للعمل في كشمير عام 1803 وكيلاً لشركة «كونستانتنبول» للتجارة. ونجح الرجلان في طرح شالات مزخرفة بأعمال الإبرة في السوق بثلث تكلفة الشالات المصنوعة على منوال صوف. ونجح الشال الجديد المبتكر في توفير ثلث تكاليف الإنتاج ونجحت الشالات المصنوعة بأعمال الإبرة بادئ الأمر في الإفلات من الضرائب التي فرضتها الحكومة على الشالات المصنوعة من الصوف، والتي وصلت عام 1823 إلى 26 في المائة من قيمة المنتج. وبذلك، حقق التجار أرباحاً هائلة، وتوسع هذا المجال من صناعة الشالات سريعاً. عام 1803، انخفض عدد عمال الرفوكري أو العاملين بمجال زخرفة الملابس ممن يملكون المهارات اللازمة للعمل الجديد. إلا أنه في غضون 20 عاماً، قدرت أعداد العاملين بهذا المجال بـ5.000 شخص.
من جانبه، قال محمد سالم بهت، أحد العاملين في هذا المجال في سريناغار: «تبلغ تكلفة صناعة شال رفيع المستوى مئات، بل وآلاف الروبيات. وفي كثير من الأحيان، تتوارث الأسر الهندية الشالات من جيل إلى آخر باعتباره كنزاً قيّماً يفخرون به. وإذا تعرض الشال لأي ضرر، فإنه ليس من السهل التخلي عنه ببساطة وشراء آخر، وإنما يأتون إلينا بها لإصلاحها. ومن جهتنا، نحرص على دراسة الشال بدقة ونمط الرسوم به وألوانه، وما إلى غير ذلك من تفاصيل دقيقة، قبل أن نرسم الحدود التي سنبدأ العمل منها. فالمهم هو مضاهاة الخيوط وإنجاز العمل على نحو يجعل من الصعب رصد أي آثار لعملية التصليح أو الرتق».
أما المفارقة الكبرى اليوم، فهي انحسار أعداد الممتهنين لهذا الفن في وقت يزداد الطلب عليه بأضعاف مضاعفة. وعن هذا، يُعلق سليم بيغ، من الصندوق الوطني الهندي للفنون والتراث الثقافي في جامو وكشمير: «هناك عشرات الآلاف من الشالات لدى الأسر الهندية بمختلف أرجاء البلاد. وحتى لو افترضنا أن واحداً في المائة فقط منها في حاجة إلى تصليح، فإن هذا يشكل سوقاً ضخمة لا يخدمها سوى فناني الرفوكري في كشمير. وعادة ما نتلقى في الصندوق الوطني الهندي للفنون والتراث الثقافي طلبات من أشخاص لمعاونتهم في تصليح شالات قديمة ونجابه صعوبة في الوصول إلى شخص يملك المهارة اللازمة لإنجاز ذلك».



الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
TT

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً. سبب الضجة لا يعود إلى حضوره بقدر ما يعود إلى التوقيت. فقد كان بعد ساعات من توقيف شقيقه أندرو لدى الشرطة البريطانية بشبهة ارتكاب مخالفات، فيما يمكن اعتباره أول انتكاسة من نوعها للعائلة الملكية.

الملك تشارلز الثالث خلال زيارته للمعرض يستمع لمجموعة من المصممين الصاعدين (رويترز)

الأمر الذي جعل البعض يُفسر هذا الحضور بأنه رسالة رمزية عن الاستقرار واستمرار الحياة، بينما الحقيقة أبسط من ذلك. فالزيارة كان مخططاً لها مسبقاً كجزء من جدول ارتباطاته الرسمية، وليس «ظهوراً مفاجئاً» كما نشرت مجلة «فوغ». ربما يكون المفاجئ في الأمر جلوسه في الصف الأمامي لمتابعة عرض المصممة تولو كوكر، لا سيما وأن هذه الأخيرة، وهي واحدة من الذين تلقوا دعماً من مؤسسة تشارلز الثالث The Prince’s Trust التي أسسها عندما كان ولياً للعهد، لم يكن لديها أدنى علم أنه سيحضر عرضها. صرّحت لمجلة «فوغ» بأنها «سمعت شائعة» في وقت سابق من الأسبوع تفيد بأنه «قد يُشرّف عرضها بحضوره» لكن لا أحد أخبرها رسمياً.

الملك مع المصممة ستيلا ماكارتني خلال زيارته للمعرض (رويترز)

من جهة أخرى، لا بأس من التنويه بأن الملك تشارلز ليس غريباً على الموضة. فقد صنَّفته عدة مجلات رجالية ضمن أكثر رجال العالم أناقة عدة مرات نظراً لاهتمامه بأدق التفاصيل وإطلالاته الكلاسيكية الراقية. كما أنه من أكثر الداعمين للبيئة والتدوير واستعمال مواد عضوية وما شابه من أمور تصب في مجال «الموضة المستدامة» قبل أن تُصبح وسماً رائجاً على وسائل التواصل الاجتماعي. معروف عنه أيضاً رعايته لعدة مبادرات تدعم الحرف اليدوية المحلية.

تجدر الإشارة إلى أن هذه ثاني مرة يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً ومباشراً. سبقته إلى ذلك والدته الراحلة إليزابيث الثانية في عام 2018، عندما حضرت عرض ريتشارد كوين بعد فوزه بجائزة تحمل اسمها، تم إطلاقها لأول مرة في ذلك التاريخ.

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

ومع ذلك لا يختلف اثنان على أن هذا الحضور لم يكن عبثياً. فالموضة صناعة تتقاطع فيها السياسة مع الثقافة والاقتصاد إلى جانب الاستدامة والهوية، ووراء التصفيق والابتسامات المتبادلة تكمن طبقات من الرمزية الهادئة بأن الحياة العامة مستمرة بسلاسة.


في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.