أيهما يشكل الذائقة الفنية... النص أم المتلقي؟

كتاب وباحثون مصريون يتحدثون عن التفاعل بينهما... سلباً وإيجاباً

عمار علي حسن ومصطفي الضبع وحسن حماد  ونادية شكري
عمار علي حسن ومصطفي الضبع وحسن حماد ونادية شكري
TT

أيهما يشكل الذائقة الفنية... النص أم المتلقي؟

عمار علي حسن ومصطفي الضبع وحسن حماد  ونادية شكري
عمار علي حسن ومصطفي الضبع وحسن حماد ونادية شكري

يصنع الأدب حالة من الجدل والإمتاع المستمر، سواء بين النص وكاتبه، أو بينه وبين المتلقي، مروراً بوسائط عدة تتدخل أحياناً في فهم النص، كالمجال الثقافي والبيئي والاجتماعي والسياسي، وتمتد خيوط تلك الوسائط إلى النقد الذي يلعب دوراً مهماً في كشف آليات النص، ووسائل تأثيره، وربما مساره المستقبلي.
في هذا الاستطلاع آراء لكتاب ونقاد حول السؤال الأكثر جدلاً في هذه القضية، وهو: كيف تتشكل الذائقة الفنية؟ ومن الحامل الأساسي الأول: النص الأدبي أم المتلقي؟

عمار علي حسن: عدة طرق لقراءة النص
النص الأدبي وسيط شفاف لإيصال تجربة المؤلف إلى القارئ، الذي هو متلقي النص الأدبي، ومن يلعب دوراً في الحياة الأدبية من خلال التغذية المرتدة، وهنا يمكننا أن نتفهم الربط بين الأطراف الثلاثة، باعتبار أن المجتمع يسيطر على الأدب ويطوعه، ولذا لا يجب أن نلقي بالاً للتصنيفات البلاغية لأساليب الكتابة، ونربط بين الكاتب والنص والقارئ، جاعلاً دور الناقد هو إزالة الحواجز التي تفصل بين هذه العناصر الثلاثة.
النص الأدبي هو الحامل الأساسي للذائقة، بما يحمله من قدرة على الجذب والتشويق والشغف والإثارة والإفادة والإشباع، وبعد هذا تأتي خلفية القارئ، الذي قد يكون قارئاً جيداً مستعداً للتذوق على المستوى النظري، لكن ظروفاً نفسية ما قد تسيطر عليه في بعض الأحيان تجعله ينفر مما يجب الانجذاب إليه، ويقبح من يستحق المديح. ولا يمكن هنا أن أنكر دور الناقد.
لست مع التفكيكيين الذين سلبوا النقد أي قدرة على توصيل المعني الجوهري للنص، حين قالوا إن «كل قراءة هي إساءة قراءة»، وإن القارئ منتج للنص وليس متلقياً له، وبذلك فقد النقاد دورهم، وفقد الأدباء أنفسهم مكانتهم لحساب القراء، وتاهت عقول القراء في رحلة بحث مضنية عن المعاني الكامنة في النصوص الغارقة في الغموض، وغاب تأثير الواقع لدى النقاد الجدد، في سبيل رفع شأن مفهوم «التناص» الذي يقوم على أن كل نص أدبي هو مجرد إعادة إنتاج نصوص أدبية أخرى، وليس انعكاساً للواقع الاجتماعي. ولم يصل الأمر إلى هذا الحد فحسب، بل أثيرت شكوك حول الدور التقليدي للأدب، باعتباره يقدم تجارب بديلة لحياتنا، ويقدم صوراً ذهنية جديدة من المعرفة عن أنفسنا والآخرين.
كما أن القارئ ليس واحداً، فهناك القارئ الضمني الذي يخلقه النص لنفسه، وهناك القارئ المقصود الذي يستقبل صوراً بعينها في أثناء عملية القراءة، وهناك القارئ الأعلى الذي يشبه أداة استطلاع يتم استعمالها لاكتشاف المعنى الكامن في النص من خلال جمع آراء عدد من القراء، كما اعتبر أن هناك أيضاً ما يسمى القارئ المخبر الذي لا يهتم بالمتوسط الإحصائي لآراء عدد من القراء مثلما هو الحال بالنسبة للقارئ الأعلى، إنما يهتم بوصف النص من قبل أحد بعينه.
من هنا، نجد أن النص الواحد يقرأ بعدة طرق، إذ إن كل فرد يهضم الأدب على قدر ما لديه من معرفة وخبرة اجتماعية، كما أن النصوص لا تتفاعل بالطريقة نفسها حين يتم نقلها إلى سياقات اجتماعية وسياسية مختلفة عن سياقاتها الأصلية، ولا تنتج القراءات نفسها حين يتعرض لها أشخاص مختلفون، لغوياً وثقافياً واجتماعياً.
وإلى جانب القارئ، هناك المروي عليه الذي يختلف عن القارئ في أنه يعتبر هبة الراوي، إذ إن الروائي هو الذي يحدد جنسه وطبقته وعرقه وعمره من خلال مخاطبته في سياق النص عبر الشخصيات التي يختارها. فكل قارئ يتأثر بشخصيات الرواية أو القصة التي يقرأها، وهذا التأثر يبدأ من مجرد الإعجاب، ويصل أحياناً إلى حد التقمص. ومعنى هذا أن الراوي يحدد السياق الاجتماعي للمروي عليه، الذي بدوره ينظر للنص من زاوية وضعه الاجتماعي، ثقافياً وسياسياً وطبقياً.
فالقارئ والمروي عليه، على حد سواء، وإذا كانت متابعتهما للمقتطفات النصية ومحاولة ترتيبها تقودهم للتوصل إلى استنتاجات مستقلة عن مقاصد المؤلف أحياناً، فإن سلوكهم هذا ليس خروجاً على السياق الاجتماعي، إنما هو إعادة تشكيل لهذا السياق من خلال النص، طبقاً لوضعهما الاجتماعي ومستواهما الثقافي، وكذلك حالتهما النفسية. فتحقق النص يعني توصل القارئ إلى الوعي التاريخي الذي يجعله يدرك موقعه، ويرسخ وجوده الحقيقي.
إن منتج النص هو الأصل والأساس، ودونه لن يكون هناك ما يتفاعل معه القارئ، ونصه مجرداً عن شخصه هو الحامل القوي للذائقة، وبعدها يأتي القارئ، وما بين الاثنين يقع الناقد، ويتفاعل الجميع لإنتاج الذائقة، وإن كان بدرجات متفاوتة.
- باحث في علم الاجتماع السياسي

مصطفى الضبع: دوائر الذائقة
حتى تتشكل الذائقة، فإنها تتربى تربية الإنسان، وتصقل كما تصقل الموهبة، وهو ما يتحقق عبر أربع دوائر أساسية تبدأ من الأوسع للأضيق.
وتتشكل ذائقة الطفل من الصغر إلى الكبر عبر هذه الدوائر، وهي: الوسط الاجتماعي، وتلعب فيه وسائل الإعلام دورها الأهم. فالطفل الذي تأخذه وسائل الإعلام (التلفزيون خاصة) تفرض عليه نوعاً من الذائقة البصرية، تتلوها الذائقة المتشكلة عبر السمع تربية للأذن وتشكيلاً للوعي السمعي، وهو ما يكون له تأثيره الأكبر على تشكيل ذائقة الطفل. ثم المدرسة، وتعمل على تشكيل جينات الذائقة، وترسيخ الجمال الذي من شأنه تعليم الذائقة، وتسهم في الوقت ذاته (مع التلفزيون) على تنمية الذائقة المتدرجة من الصغر إلى الكبر. ثم يأتي بعد ذلك الأسرة، عبر توجيه النشء إلى مواطن الجمال، وتربية الذوق، والعمل على إبعادهم عن مواطن القبح، أو إبعاد مواطن القبح عنهم، وهو ما يعمل على تدشين الذائقة المتطورة من الطفولة إلى الشباب، مرسخة أسسها وقواعدها، وضامنة عدم إصابتها بالخلل مستقبلاً. وتشكل الذات الحلقة الرابعة في هذه الدوائر، عبر مكاشفتها النصوص الممتلكة قدراً أكبر من الجمال، فكلما حرصت الذات على اكتشاف ما ينمي ذائقتها، اكتسبت من الخبرات الجمالية ما يشكل هذه الذائقة بشكل أقوى. ونتيجة لما تشكل من ذائقة في الدوائر الثلاث السابقة، تعمل الأرضية الجمالية للمتلقي بشكل كبير في اكتشاف جماليات النص.
ولن تتشكل ذائقة المتلقي ما لم يكن قادراً على استكشاف الجينات الجمالية في النصوص، تلك التي من شأنها تنمية ذائقته، واستكمال فعل الحاسة الجمالية، وهو ما يعني أن الاستعداد الجمالي للذات وقد تربى سابقاً هو الأساس في اكتشاف الجمال، فالنصوص مهما بلغت من جمالها تتطلب ذائقة تشكلت عبر مراحل نموها الطبيعية، ولن يتمكن نص من تشكيل وعي المتلقي ما لم تكن هناك أسس جمالية متوطنة في النفس الإنسانية.
- أستاذ النقد الأدبي

حسن حماد: البعد الثالث
من يصنع الذائقة الفنية: النص أم المتلقي؟ هذا سؤال جدلي عن العلاقة بين الإبداع والمتلقي بشكل عام. ولكن حتى تكون الفكرة أكثر شمولاً، لا بد من أن نضع في الاعتبار بعداً ثالثاً، وهو الوسط البيئي والثقافي والاجتماعي والتاريخي الذي في ظله يولد العمل الإبداعي، ويوجد أيضاً الجمهور المتذوق، وعادة ما يطلق على هذا البعد الثالث اسم الإطار.
وفكرة الإطار أصبحت تمثل أهمية ضرورية لفهم الواقع الإنساني، حيث أصبح للمكان والبيئة والطبيعة دور كبير في تشكيل الثقافة. وفي ضوء هذا البعد الخاص بالسياق أو الإطار، نستطيع القول إن الذائقة الفنية للفرد أو للمجموع تتشكل عبر إطار تراكمي من الخبرة الإنسانية الحياتية والبيئية، ولا يمكن أن نتصور وجود ذائقة فنية من دون أعمال فنية إبداعية راقية. وبالمثل، لا توجد ذائقة فنية دون وجود جمهور واعٍ، لديه المقدرة على إدراك الأعمال الفنية واستيعابها وفهمها وتذوقها.
مثالاً على ذلك وضع الأغنية الآن في مصر، حيث أصبح الفن الغنائي، شأنه شأن الفن السينمائي، مهدداً بالانقراض والاضمحلال، وذلك لأن المناخ الثقافي العام يعاني انحطاطاً وتراجعاً وتدهوراً نتيجة سيطرة ثقافة السلعة، وهيمنة الذهنية التكفيرية، ووجود أزمة اقتصادية طاحنة، وأيضاً شيوع ثقافة الهامش، وهي ثقافة الدهماء والغوغاء، أو كما أسميها ثقافة «التوك توك»؛ هذا النمط الثقافي أصبح - وللأسف - لا يمثل فقط ثقافة العامة، ولكن أيضا ثقافة النخبة أو الصفوة. أتذكر أنني ذات يوم حضرت حفلاً لعرس أحد الأطباء الشباب، ففوجئت بأن شباب الأطباء أصدقاءه يتراقصون على أغاني المهرجانات، وهذا معناه أن ثقافة الهامش استطاعت أن تغزو المجتمع بطبقاته وطوائفه كافة، وهذه الظاهرة يمكن أن نسميها «مكر الهامش».
وفي ظل هذا المناخ الذي تسير أقداره في اتجاه رأسمالية متحالفة مع الأصوليات الدينية، يضيع النص الإبداعي، وتضمر الذائقة الفنية.
النص هو الصانع.
- أستاذ الفلسفة وعلم الجمال

نادية شكري: النص أولاً
النص هو الأساس، فلا شك في أن النص الجيد الصادق الكاشف يخلق المتلقي، ويسيطر عليه، ويضيف إليه، ويجعله منحازاً له، ولكل ما شابهه من إبداع جميل إنساني، عبر لوحة أو مقطوعة موسيقية، أو حتى منظر طبيعي حوله.
تلك النصوص - على قلتها - تحقق ما يسمع عنه الناس من أن «الفن رسالة»؛ النص الأدبي يصنع مجراه بعد انتهاء الكاتب منه لدى المتلقي. فالأخير يتمعن في شخوص العمل وأدوارهم، وفي جمال اللغة وكيفية وقدرة من كتبها على الوصول إليه، بل يتخيل أن الكاتب اصطفاه دون غيره بذاك النص. فيبدأ هو في الاكتشاف، وقد يحفزه النص في البحث داخله عن قدرة على الكتابة، أو حتى على النقد.
والكاتب في أثناء خلقه للعمل لا يقصد شيئاً من هذا على ما أعتقد، لكن بجودة فنه يخلق الوشائج بينه وبين الجمال والمتلقي، فتكون أهمية إضافته. فهناك الفيلم الذي لا ينسى على سبيل المثال، واللوحة أو الرواية أو المقطوعة الموسيقية كذلك.
والفن الجيد جزء من روح صاحبه، جزء من إنسانيته في أرقى صورها، لذا فلا عجب أن تتفاعل مع قارئ أو متلقٍ به حب وشغف يشبه صاحب العمل الأدبي أو الفني عموماً. وبالتالي، لو لم يوجد النص، ما وجد المتلقي بالتأكيد، فالنص سابق على القراءة، وعلى النقد، وحتى على محاولات تنفيذه إخراجياً. فالقارئ حين يتفاعل مع العمل يصنع نوعاً من المشاركة مع شخوص العمل، ومع مؤلفه في الوقت نفسه، يشعر بهم، ويصبح له رأي في أدوارهم أو طبائعهم، ومن الجائز أن يقوم بعمل إسقاط على الشخصيات المحيطة به. ما أعنيه أن الفن يمنح المتلقي وجهة نظر خاصة في كثير من الأمور، أي يضيف إلى وعيه من خبرات الكاتب. وهنا يكمن الخوف من الكتابات الهابطة والتقليعات بعيدة كل البعد عن الرقي الأدبي والإنساني، فهي تهبط بوعي القارئ إلى الغث والرديء، وتؤثر على نظرة الأجيال الجديدة للمستقبل.
- قاصة روائية



تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
TT

تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)

زيّن تمثال للشاعر المصري الراحل فؤاد حداد «بيت الشعر العربي» في القاهرة (بيت الست وسيلة)، بعد أن أزاح المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة، الستار عن التمثال الذي أهداه لـ«بيت الشعر» الفنان المصري أسامة السروي.

جاء إهداء التمثال ضمن فعاليات صالون أحمد عبد المعطي حجازي الذي يقام في «بيت الشعر العربي»، وسط حضور كبير من الشعراء والمبدعين ومحبي الشعر في أمسية حملت عنوان أحد رواد شعر العامية المصرية «في حضرة فؤاد حداد» حضرها نخبة من الشعراء من بينهم أحمد عبد المعطي حجازي والشاعر أمين فؤاد حداد.

ويعد فؤاد حداد (1927 - 1985) من آباء شعراء العامية المصرية، ويأتي هذا التمثال تقديراً لقيمته بوصفه أحد أبرز رموز قصيدة العامية المصرية، وصاحب تجربة إنسانية ووطنية أسهمت في تشكيل ملامح الشعرية المصرية الحديثة، وتركت أثراً ممتداً في الوجدان الثقافي، وفق بيان لوزارة الثقافة، الاثنين.

احتفال في «بيت الشعر العربي» بتمثال فؤاد حداد (وزارة الثقافة)

ولد فؤاد حداد بحي الظاهر بالقاهرة لأب لبناني وأم سورية، وتعلم فى مدرسة الفرير ثم مدرسة الليسيه الفرنسيتين، واطلع على التراث الشعرى فى الكتب الموجودة بمكتبة والده، كذلك تعرف على الأدب الفرنسى، إثر دراسته للغة الفرنسية، مما أهله لبعض الترجمات الفرنسية، ويعد من رواد القصيدة العامية المصرية، وهو الجيل التالي في قصيدة العامية المصرية بعد بيرم التونسي.

كتب فؤاد حداد العديد من الدواوين الشعرية والأغاني التي قدمها عدد من المطربين، من أهم أعماله «المسحراتي» التي تغنى بها سيد مكاوى عام 1964، وكتب البرنامج الإذاعي «من نور الخيال وصنع الأجيال»، كما قدم لسيد مكاوي أيضاً أغنية «الأرض بتتكلم عربي»، فيما غنى له العديد من المطربين من بينهم محمد منير «الجيرة والعشرة»، وحنان ماضي «ما فيش في الأغاني كده ومش كده»، و«يالعروسة» و«صلينا الفجر فين» لعلي الحجار. وعرف بروحه المصرية الأصيلة واستلهامه التراث في الكثير من أعماله.

وقال المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية، إن إهداء تمثال فؤاد حداد لـ«بيت الشعر العربي» يحمل دلالة ثقافية عميقة، خصوصاً في هذا المكان التراثي الذي يجمع بين الفنون المختلفة ويحتفظ بقيمة معمارية وثقافية تتجاوز حدود المكان.

الفنان أسامة السروي يهدي «بيت الشعر» تمثالاً لفؤاد حداد (وزارة الثقافة المصرية)

وعدّ السطوحي «الالتقاء في هذا الفضاء بين الشعر بوصفه أحد الفنون، وبين التمثال الذي ينتمي إلى فن النحت، وبين جدران معمار تراثي قيم، يعكس طبيعة العلاقة التكاملية بين الفنون في التعبير عن روح الثقافة».

وأعلن الدكتور أسامة السروي أن تنفيذ التمثال استغرق أربعة أشهر، مؤكداً اعتزازه به لما يمثله فؤاد حداد من قيمة إبداعية استثنائية بالنسبة له.

وقال الشاعر سامح محجوب، مدير «بيت الشعر العربي»، إن فؤاد حداد حالة استثنائية في شعر العامية المصري، وهو من الآباء الكبار لفن الشعر، وجاءت أشعاره دائماً تمس نبض الشارع والبسطاء، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن الاحتفاء بفؤاد حداد وإهداء تمثال له لـ«بيت الشعر العربي» يدل على القامة الكبيرة التي يمثلها هذا الشاعر في الحركة الشعرية المصرية، على كافة المستويات، سواء الفنية أو الأسلوبية، أو حتى على مستوى الوزن والقافية والصور الجديدة النابضة بالحياة.


«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
TT

«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)

انتقدت «لجنة الدراما» بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بمصر، إقحام حياة الفنانين الشخصية في مسلسلات رمضان، إذ رصدت اللجنة عدداً من سلبيات بعض الأعمال التي وقعت في فخ إقحام حياة الفنانين ضمن السياق الدرامي، واستخدام الحوار في بعض المسلسلات لتبادل رسائل مبطنة، إلى جانب وجود مشاهد عنف غير مبررة درامياً.

وجاء بيان «لجنة الدراما»، الأحد، بالتزامن مع جدل «الأكثر مشاهدة»، و«التلاسن العلني»، بين بعض نجوم مسلسلات الموسم الرمضاني خلال الأيام الماضية، الذي تسبب في أزمة كبيرة انتقدتها نقابة «الممثلين» المصرية، ووصفتها بأنها «حالة تراشق»، و«مهاترات»، و«معارك وهمية» غير لائقة، هدفها السعي وراء «الترند»، وأن مثل هذه السلوكيات لا تليق بتاريخ ومكانة الفن المصري.

من جانبها، قالت رئيسة «لجنة الدراما»، الكاتبة والناقدة الفنية المصرية ماجدة موريس، إن اللجنة رصدت وجود بعض مشاهد من مسلسلات درامية تم إقحام حياة الفنانين فيها دون مبرر، حيث تبين أنها رسائل شخصية يتم تمريرها لأطراف أخرى، وذلك لأول مرة في تاريخ الدراما التلفزيونية التي بدأت منذ ستينات القرن الماضي.

وأكدت ماجدة موريس في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن «الدراما يجب أن تكون بعيدة عن الحياة الشخصية، وأن تكون قائمة على سيناريو وكتابة جيدة، لأن المشاهد لا يشغله سوى الحكاية المحكمة التي تحتوي على رسالة توعوية أو محتوى ترفيهي».

وعدّت ما يجرى «مسؤولية فريق العمل كافة بداية من الكاتب والمخرج والمنتج، وغيرهم، ويجب الانتباه إلى هذه النقطة، وتجنب إقحام الحياة الشخصية، كما يجب على النجوم أنفسهم الانتباه لذلك، وتجنب الترويج لحياتهم على حساب الدراما».

جانب من اجتماع لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (فيسبوك)

وتعليقاً على أزمة «الأكثر مشاهدة»، أكدت ماجدة موريس أن الصراع الذي يجري على «السوشيال ميديا»، خلفه فرق إلكترونية تعمل على ترويج بعض المسلسلات، وأن «الأرقام التي يتم الإعلان عنها ليست دقيقة ولا تعكس الواقع، كما أن المشاهد نفسه لا يشغله هذه الصراعات، بل القصة الدرامية الجيدة»، على حد تعبيرها.

وأصدرت «لجنة الدراما» بيانها، عقب مناقشة أعمال النصف الأول من موسم رمضان، لافتة إلى وجود طفرة في عناصر الإنتاج الدرامي، مثل الديكور والتصوير والموسيقى التصويرية والإضاءة والمونتاج.

وأشادت اللجنة بتوجه عدد من المسلسلات إلى إعلاء قيمة اللجوء إلى العدالة في إطار قانوني، من بينها «عين سحرية»، و«الست موناليزا»، و«وكان يا ما كان»، و«حد أقصى»، بعد أن كانت ظاهرة «أخذ الحق باليد»، قد انتشرت في مواسم درامية سابقة، كما أشادت اللجنة بتناول الأعمال الدرامية لقضايا وطنية وقومية واجتماعية، وأبرزها القضية الفلسطينية، عبر مسلسل «صحاب الأرض».

وأشارت اللجنة في بيانها، إلى وجود ضعف في بعض السيناريوهات، خصوصاً في الأعمال التي تمتد إلى 30 حلقة، إلى جانب انتشار ظاهرة الكتابة أثناء التصوير، وضغط الوقت وسرعة وتيرة التصوير للحاق بمواعيد العرض، مما أدى إلى وقوع عدد من الأخطاء التقنية والتنفيذية.

ولفتت اللجنة إلى غياب واضح للأعمال المكتوبة عن «الروايات»، و«الأعمال الأدبية»، إلى جانب غياب الأعمال الكوميدية المتميزة.

من جهته، أكد الناقد الفني المصري سمير الجمل، أن الدراما حالياً تعاني من ظاهرة «الترند»، حيث يحاول الجميع أن يكونوا في الصدارة، وأن ما يحدث في الوقت الحالي لم يكن في السباق؛ بل كانت المسلسلات الجيدة تحظى بالاهتمام دون الحاجة إلى اللجوء لمثل هذه الأمور غير المبررة.

وأضاف الجمل في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «بعض الأعمال الدرامية حالياً تعاني من تخبط كبير، حيث يتم اختراع أخبار وقضايا، وتسريب فيديوهات، وصراعات لتصدر (الترند)، وغياب المؤلف الحقيقي هو السبب في هذه الحالة».


أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
TT

أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)

رحل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً، نتيجة تدهور حالته الصحية. ولم يحضر جنازته سوى قلة من زملائه. فكتب المنتج إيلي معلوف، الذي كان من بينهم: «لا أعرف ماذا أكتب... عجبي أم عتبي؟ أين الوفاء لمن صنع هوية الدراما التاريخية، وصنع أبطالاً على المسرح والخشبة؟ وفي مأتمه ستة أشخاص».

ويُعدُّ غندور أول من كتب حلقة تلفزيونية لبنانية مدتها ساعة ونصف الساعة، ضمن سلسلتي «كانت أيام» و«أديب وقصة». وقد تجاوزت أعماله المائة، بين مسلسلات تلفزيونية وأعمال مسرحية وإذاعية وسينمائية، فضلاً عن أعمال وثائقية عُرضت على شاشات لبنانية وعربية. وطبع الشاشة الصغيرة بأعمال درامية حفرت في ذاكرة اللبنانيين، وأسهم في صناعة نجوم الزمن الجميل للدراما، من بينهم أنطوان كرباج، ونبيه أبو الحسن، وفيليب عقيقي، وإيلي صنيفر.

كتب غندور حبكات درامية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بأرض الوطن، وصبغ مؤلفاته بتاريخ لبنان، ناقلاً وقائع من ذاكرته الاجتماعية والسياسية إلى الشاشة، ومحوَّلاً أحداثاً مفصلية إلى حكايات إنسانية قريبة من الناس.

سبق وكرّمته وزارة الإعلام بجائزة «رائد الدراما التاريخية» (فيسبوك)

كما عُرف بقدرته على مزج التاريخ بالدراما، فاستعاد في نصوصه محطات من التراث اللبناني وسِيَر شخصيات تركت بصمتها في المجتمع. وكان حريصاً على تقديم أعمال تُبرز الهوية اللبنانية وتوثِّق تفاصيل الحياة اليومية للناس، فبدت نصوصه أشبه بمرآة تعكس تحوّلات المجتمع وتقلباته عبر العقود. ومن أشهر مؤلفاته «بربر آغا»، و«أخوت شاناي»، و«أربع مجانين وبس»، و«رصيف البارزيانا» وغيرها. كما قدَّم للمسرح أكثر من عمل، بينها «طانيوس شاهين»، و«المير واستير»، و«القبقاب». وكانت له تجربة سينمائية لافتة من خلال فيلم «كلنا فدائيون» عام 1969.

وفي مسلسل «دويك»، من بطولة الراحل عبد الله حمصي المعروف بـ«أسعد»، حفظ اللبنانيون تحية هذه الشخصية الريفية الشهيرة للعاصمة: «صبّحِك بالخير ستنا بيروت».

نقيب الممثلين نعمة بدوي، الذي كانت تربطه علاقة وطيدة بالراحل، أشار في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه لا يمكن توجيه العتب لمن غابوا عن جنازة غندور. وقال: «في ظل الحرب التي يشهدها لبنان لا أستطيع لوم أحد لعدم مشاركته في وداع كاتب رائد. لكنني أحمل في قلبي غُصَّة لأنه رحل في جنازة خجولة بحضور محدود وغياب رسمي. فأنطوان غندور كان سيِّد النص الدرامي التاريخي على الشاشة والخشبة، وعرف كيف ينقل تاريخ لبنان إلى أجيال متعاقبة بأسلوب سلس ومشبَّع برائحة التراب. وكان يجدر بنا تقديره بما يليق بقامته الفنية. لكن البلاد برمتها منشغلة بالحرب، كما أن رحيله جاء على عجل، حتى إن ولديه لم يتمكنا من الوصول إلى لبنان لوداعه، إذ يقيمان في دول الخليج».

رحيل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً (فيسبوك)

وكان الراحل أنطوان غندور قد ابتعد في السنوات الأخيرة عن الساحة بسبب تدهور حالته الصحية. وفي آخر ظهور له، خلال تكريمه من قبل «التجمع الوطني للثقافة والبيئة والتراث» في ديسمبر (كانون الأول) 2025، بدا متعباً وجالساً على كرسي متحرك أثناء تلقيه درعه التكريمي على خشبة مسرح جوزيف أبو خاطر.

ويستذكر النقيب نعمة بدوي مشواره مع الكاتب الراحل قائلاً: «تربطني به علاقة وثيقة. وكان أول من كسر حاجز بيروت الشرقية والغربية عندما طلب مني أداء بطولة مسرحية (المير واستير). يومها تعرَّض لانتقادات لأنه اختار ممثلاً من غير بيئته لتجسيد دور الأمير بشير الشهابي. لكنها كانت خطوة جريئة منه، اعتبرها جسراً لإعادة التواصل بين البيروتَين (بيروت الشرقية وبيروت الغربية) في فترة الحرب».

وُلد غندور في بلدة عين علق المتنية عام 1942، ومنذ طفولته المبكرة مال إلى القراءة والكتابة. ولم يكن قد بلغ العشرين من عمره عندما فقد والدته جميلة مراد. درس في مدرسة في جونية قبل أن ينتقل إلى جامعة الحكمة، حيث تابع دراسة علم النفس لعامين. تزوّج من زينب عازار ولهما ولدان، فادي وكريستيان. ومن أولى كتاباته سلسلة القصص «تحت شجرة الزيزفون».

نال جوائز عدة عن أعماله، بينها «صدفة» عام 2003 من بطولة تقلا شمعون، وبيار داغر، كذلك مسلسل «سقوط زهرة البيلسان» من بطولة إبراهيم مرعشلي، وجلنار شاهين، وفيليب عقيقي، وإخراج إيلي سعادة. وحاز عنه أيضاً جائزة التلفزيون الأولى في الكويت، وجائزة الحوار في جامعة الدول العربية، وعُرض على شاشة تلفزيون لبنان عام 1981.