ترمب يدافع عن مكالمته مع زيلينسكي ويصف إجراءات عزله بـ«السخيفة»

بيلوسي اتهمت البيت الأبيض بالتكتم على «القضية الأوكرانية»

ترمب لدى عقده مؤتمراً صحافياً في نيويورك مساء أول من أمس (أ.ف.ب)
ترمب لدى عقده مؤتمراً صحافياً في نيويورك مساء أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدافع عن مكالمته مع زيلينسكي ويصف إجراءات عزله بـ«السخيفة»

ترمب لدى عقده مؤتمراً صحافياً في نيويورك مساء أول من أمس (أ.ف.ب)
ترمب لدى عقده مؤتمراً صحافياً في نيويورك مساء أول من أمس (أ.ف.ب)

شهدت العاصمة الأميركية أمس يوماً آخر من الجدل السياسي الذي لم يخلُ من التشويق والمفاجآت، بعد نشر مضمون المكالمة الهاتفية التي جرت بين الرئيس دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، التي أظهرت أن ترمب طلب بالفعل من أوكرانيا التحقيق بشأن منافسه السياسي جوزيف بايدن.
وبدأ اليوم بنشر نص الشكوى التي تقدم بها المخبر الذي بقيت هويته سرية، وعرضت نسخة غير سرية منها مساء أول من أمس (الأربعاء) على كبار أعضاء مجلس الشيوخ، بينهم ميتش ماكونيل زعيم الأغلبية الجمهوري، وتشاك شومر زعيم الأقلية الديمقراطي، فضلاً عن عدد من كبار أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب.
وكان مجلس الشيوخ قد وافق على قرار يدعو للسماح بإماطة اللثام عن التقرير بإجماع الأصوات يوم الثلاثاء. ووافق مجلس النواب أول من أمس على إجراء مشابه، بموافقة 421 عضواً، وذلك رغم تراجع البيت الأبيض وموافقته على إطلاع لجنتي المخابرات بالمجلسين على التسريب.
وبعد نشر نص الشكوى، تحوّلت الجلسة المغلقة التي أدلى فيها مدير الاستخبارات الوطنية بالوكالة جوزيف ماغواير بشهادته أمام لجنة الاستخبارات في مجلس النواب إلى جلسة علنية، حيث أجاب فيها عن أسئلة محرجة من عدد من أعضاء اللجنة، على رأسهم رئيسها الديمقراطي آدم شيف، الذي لاحق ماغواير بأسئلة عما إذا كان ما أدلى به الرئيس ترمب في تلك المكالمة يُعدّ جرماً أم لا، فضلاً عن مساءلته عن أسباب تأخره في إبلاغ الكونغرس بمضمون الشكوى.
ودافع ماغواير عن قراره بعدم مشاركة الشكوى على الفور مع «الكونغرس»، قائلاً إنه لم يكن مُلزَماً بذلك، لكنه أكد أنه يؤيد حق المخبر في تقديم شكواه إلى مجتمع الاستخبارات، وعلى تأمين الحماية له، واصفاً الشكوى بـ«غير المسبوقة على الإطلاق». وبينما رفض القول ما إذا كان قد ناقش الشكوى مع ترمب، أكد على تشجيع الآخرين على القيام بالمثل، إذا وجدوا ما يمكن أن يثير الشبهات، بحسب قوله. وأضاف ماغواير أنه بشهادته اليوم يثبت أنه ليس حزبياً ولا سياسياً، وهو يسعى إلى الحفاظ على استقلاليته الوظيفية بمعزل عن أي اعتبارات. وأضاف ماغواير أن كثيراً من عناصر الشكوى ربما تمت تغطيتها بامتياز من السلطة التنفيذية، وهو ما ليس في حوزته، ولم يمنحه إياه البيت الأبيض.
وتولّى الجمهوري ديفين نونيس، نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، مهمة الدفاع عن ترمب بشكل حاد، واصفاً القضية بأنها «عملية مطاردة جديدة»، تشبه ملف التحقيق في التدخل الروسي، الذي لعب دوراً رئيسياً في الدفاع فيه عن الرئيس ترمب أيضاً.
وكان الكشف عن تلك المكالمة قد فجَّر أزمة سياسية كبرى في واشنطن، وأجبر رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي على إطلاق آلية تحقيق لعزل ترمب كانت تقاومها منذ فترة طويلة. وهي مطالَبة الآن بتحديد الوجهة والمسار الذي سيسلكه الملف، وصولاً إلى التصويت على عزل الرئيس، الذي تحدث البعض عن أنه قد يحصل بنهاية هذا العام.
واتّهمت بيلوسي البيت الأبيض بأنه سعى للتكتُّم على محاولة قام بها للضغط على أوكرانيا للتحقيق مع بايدن. وقالت للصحافيين أمس إن إجراءات المساءلة التي بدأها النواب الديمقراطيون ستركز على قضية أوكرانيا، وإن القضايا الأخرى التي قد يكون ترمب قد استغلّ سلطاته فيها ستُبحث في وقت لاحق.
وجاء في نص الشكوى غير السرية للمخبر، أن «الرئيس ترمب استغلّ سلطة مكتبه في محاولة لحمل أوكرانيا على التدخل في انتخابات عام 2020 للتحقيق مع منافس سياسي».
وأضاف النص أن وزير العدل ويليام بار والمحامي الشخصي للرئيس رودولف جولياني كانا أساسيَيْن في هذا الجهد.
وقالت الشكوى إن «مسؤولي البيت الأبيض كانوا قلقين للغاية بشأن ما قاله الرئيس في المكالمة الهاتفية مع الرئيس الأوكراني الجديد في شهر يوليو (تموز) الماضي، حتى تدخلوا (لإغلاق) سجلّ المكالمات الهاتفية».
وتوضّح الشكوى التي تم إصدارها بأقل قدر من التنقيحات، أن هناك شهوداً يستطيعون تقديم نسخة احتياطية من المكالمة، ما يشير إلى قلق الاستخبارات من التعامل مع سجلّات البيت الأبيض للمكالمة. وتوضح الشكوى أن سجلّ المحادثة في 25 يوليو بين ترمب ونظيره فولوديمير زيلينسكي عُومِل بطريقة غير معتادة، بما في ذلك الإفراط في تصنيف أجزاء منها لدواعي السرية، بحسب وجهة نظر المخبر.
وتشير الشكوى إلى أن هناك تفاصيل كثيرة من المكالمة الهاتفية كان قد تم الإفراج عنها في نص الشكوى الأصلي التي قدمها المخبر، في أغسطس (آب) الماضي، تتضمن أسماء مسؤولي البيت الأبيض الذين ربما شهدوا سوء السلوك الرئاسي وغيره من الإجراءات.
وبعد الجلسة العلنية التي حضرها ماغواير أمام لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، شهد مع مايكل أتكنسون المفتش العام للاستخبارات، كل على حدة، في جلسة مغلقة أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، حول الموضوع نفسه.
وواصل الرئيس ترمب الدفاع عن نفسه، وانتقد الديمقراطيين بعد دقائق من نشر تقرير المخبر، وحث الجمهوريين في تغريدة على «تويتر»، على «التماسك». وفي تغريدة أخرى، أكّد أن أسواق الأسهم سوف تنهار إذا تابع الديمقراطيون إجراءات عزله.
ودعا الرئيس الأميركي الجمهوريين إلى «القتال»، مضيفاً أن «مستقبل البلاد على المحك»، علماً بأنه يندد منذ يومين بـ«أسوأ حملة مطاردة (يتعرَّض لها) في تاريخ الولايات المتحدة».
وكان ترمب عقد مؤتمراً صحافياً مع وزير الخارجية مايك بومبيو، ووزير الخزانة ستيفن منوشين، مساء أول من أمس (الأربعاء)، في نيويورك، دافع فيه عن المكالمة، مؤكداً أنه غير قَلِق، وأنه لم يخالف القانون، ومن السخيف أن يتم إطلاق آلية لعزله بناء عليها.
واتّهم ترمب الديمقراطيين بأنهم يسعون لتحقيق مكاسب سياسية «لعجزهم عن هزيمتنا في صناديق الاقتراع». وشدّد على إنجازاته الاقتصادية، وعلى صعود الاقتصاد الأميركي عموماً، وارتفاع قيمة الأسهم وانخفاض معدل البطالة بشكل قياسي وارتفاع الأجور، وكذلك على سياساته التجارية مع الصين وغيرها من الدول، وعلى إجبار حلفاء الولايات المتحدة وأصدقائها على زيادة مساهماتهم وإنفاقهم على أمنهم، مشيراً إلى أن هذه السياسات مهدَّدة بالتبخُّر إذا تم عزله.
وحظي ترمب بدعم كثير من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب الجمهوريين، الذين فضّلوا عدم إبعاد أنفسهم عنه، على رأسهم السيناتور ليندسي غراهام، الذي غرد على «تويتر» قائلاً: «إذا شعرت بالصدمة من هذا النص، فأنت لستَ وحدك أو مجنوناً». وأضاف أن «أولئك الذين يرغبون في عزل الرئيس على هذا النص قد أظهروا كراهيتهم للرئيس ترمب حتى من دون وجوده».
يُذكر أن غراهام عمل مدعياً عامّاً في مجلس النواب خلال محاكمة الرئيس الأسبق بيل كلينتون عام 1999.
في المقابل، عبّر شيوخ جمهوريون، بينهم السيناتور ميت رومني، عن «قلقهم» مما ورد في الشكوى. كما أعلن السيناتور الجمهوري بن ساس، وهو عضو لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ أنه «يجب ألّا يهرع الجمهوريون للدفاع وقول إن الأمر لا ينطوي على شيء، في حين أنه من الواضح أنه ينطوي على كثير من الأشياء المثيرة للقلق البالغ».
وكانت قناة «إم إس إن بي سي» الأميركية قد قطعت بثّ المؤتمر الصحافي لترمب، مساء أول من أمس، معللةً ذلك بأن الرئيس «يكرر الاتهامات حول منافسه الديمقراطي جوزيف بايدن، في محاولة للتشويش على مسألة التحقيق ضده، وبأن ادعاءاته ضد بايدن لا تستند إلى أي دليل، وأن المحقق العام الأوكراني كان أصدر قراراً ينفي فيه التهم التي وُجهت إلى ابنه هانتر بايدن»، بحسب ما قالته مذيعة المحطة، نيكول والاس.
وعمل نجل بايدن لصالح مجموعة غازية أوكرانية منذ عام 2014، حين كان والده نائباً للرئيس السابق باراك أوباما.
هذا وتزايد عدد أعضاء مجلس النواب الذين يؤيدون البدء في آلية التحقيق والتصويت على العزل. وبلغ عددهم حتى مساء أمس أكثر من 218 نائباً، ما يعني أن الديمقراطيين صار لديهم الغالبية للتصويت على عزل ترمب، من دون الحاجة إلى أي نائب جمهوري.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».