فراغ ما بعد الصحوة

موتها لا يعني تفتت البنى الاجتماعية والدينية والثقافية المنغرسة بعمق في المجتمع

جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب 2019
جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب 2019
TT

فراغ ما بعد الصحوة

جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب 2019
جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب 2019

وماتت الصحوة، أو أُميتت. المهم أنها لم تعد تُشكل ذلك الطقس الغائم كلياً الذي عطل كل مناحي الحياة الثقافية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية لما يزيد على ثلاثة عقود. والأهم أن التآكل الواضح لمفاعيلها إنما يحدث اليوم على إيقاع ضربات مؤسساتية وشعبية متناغمة لتبديد أي إمكانية لإعادة إنتاجها، حيث الاندفاعة القوية لتجريف قواعدها ورموزها وأدبياتها، وهو تناغم يشي بميلاد لحظة مغايرة تماماً لما كان عليه المشهد الحياتي. لحظة مضادة بالضرورة لكل ما مارسته من عنف ضد مخالفيها، وواعدة بمشهد أكثر انفتاحاً وتنوعاً وتعدداً. بمعنى إلغاء حالة الاستفراد التي كانت سائدة آنذاك، وفتح الأفق لتمثيلات فردية وجماعية أكثر مرونة واستيعاباً لمقتضيات التحول البنيوي العميق الشامل الذي نعبره باتجاه السعودية الجديدة.
إبان تلك الحقبة، تمكنت الصحوة من الهيمنة على كل مفاصل المشهد، بما في ذلك الحركة الثقافية، حيث كانت تعد وجودها حالة ثقافية بالدرجة الأولى، بالنظر إلى أن الحالة الدينية، وفق أدبيات الصحوة، هي جزء أصيل من المكون الثقافي، بل هي الأُس الذي يقوم عليه أي فعل ثقافي. وبالتالي، أخذت لنفسها حق احتلال المنابر الإعلامية والأدبية، وتعقيم المنتجات الأدبية، وابتداع مصطلح الأدب الإسلامي، وتكفير المخالفين، وذلك في إطار أسلمة الحياة. وهو توجه عنفي، رمزي ومادي، لم يقتصر وجوده ومفاعيله على السعودية فقط، بل كان نتيجة امتدادات تعزيمية على مستوى العالمين العربي والإسلامي، حيث التنكيل بالمثقفين وتكفيرهم، والتهديد بتصفيتهم، والعبث حتى بالنصوص الأدبية التأسيسية التي لا تتوافق مع مرئيات وروح واستراتيجيات الصحوة، الأمر الذي دفع بعض المثقفين إلى مواجهة تلك الهجمة بما تيسر من الخطابات التنويرية للحد من تغولها، والتحاق بعضهم بالحراك الصحوي لاكتساب مغانمها المادية والوجاهية، وانزواء فصيل ثالث في الهامش إيثاراً للسلامة، وهكذا.
لقد كانت الصحوة هي المعادل للثقافة، الثقافة بمعناها الشمولي المركزي، أو هذا ما بشرت به أدبياتها، وأشعلت المعارك من أجله، في محاولة لفرض هذه المعادلة كأمر واقع، لدرجة أنها استحوذت على آليات الفعل الثقافي وفضاءاته ومنصاته. وقد تمكنت بالفعل من مسح الحدود الفاصلة بين الحالة الدينية والحالة الثقافية، وذلك في سياق الهيمنة على كل ما هو ثقافي، حيث ولدت جيلاً من المثقفين الصحويين المنذورين على الدوام لمنازلة المثقفين المتمردين على مستوجبات الصحوة، الأمر الذي عطل الفعل الثقافي بمعانيه الإبداعية المتعددة: الأدبية والفنية. وذلك على قاعدة التحريم التي استخدمتها الصحوة على نطاق واسع، وبمجانية فارطة، وكذلك باستدراج المبدعين إلى فخ الاعتراك على هامش الإنتاج الإبداعي.
واليوم، إذ تتهاوى الصحوة، بما كانت تمتلكه من حضورٍ كثيفٍ ساطٍ، ينفتح المشهد الثقافي على فراغ هائل، يبدو من الصعب على المثقفين ملؤه. وهذا هو أبرز التحديات للمثقفين الذين بنوا خطاباتهم وأمجادهم على منازلة الصحويين، حيث يُلاحظ وجود فصيل عريض منهم يفضل الإبقاء على وجود حالة صحوية ضعيفة، ليمارس ضدها حالة الاستئساد الثقافي، ويعيد إنتاج خطابه السجالي في المحطة المغادرة ذاتها. وذلك هو ما يكفل له مشروعية الحضور والتأثير والنجومية أيضاً على إيقاع تحطيم أصنام الصحوة. وفي نهاية المطاف، يحاول هذا الفصيل تأخير لحظة الاستحقاق الثقافي قدر الإمكان، لئلا ينكشف فقره المعرفي، وعجزه الأدائي على مستوى الإنتاج الإبداعي، بمعزل عن مهاترات الهامش. وهذا هو بالتحديد من يجعل المشهد مفتوحاً على خواءٍ إبداعي، يعجز المثقفون عن سد شقوقه الواسعة بمنتجات ثقافية مقنعة.
كل فراغ بحاجة إلى من يملأه أو يحركه. وبمقتضى هذا القانون، تقدم جيل شبابي جديد ليعبئ ذلك الفضاء الشاسع بحراك مغاير لاعتيادات المشهد، وهو حضور يمكن التأريخ له بجيل ما بعد الألفين، الجيل الذي اكتسب مشروعيته على إيقاع مبادرات استراتيجية معلنة تضع الروح الشبابية ضمن جوهر هوية ورؤية السعودية الجديدة. وفي الوقت الذي كان فيه رموز الثقافة القديمة، جيل الكِتاب، ينتظرون التفاتة مؤسساتية تموضعهم على رأس هرم الفعل الثقافي، وتدفعهم لاحتلال مواقع الصحويين المندحرين، تقدم ذلك الفصيل الشبابي بخبراته المعرفية والجمالية المتواضعة، وضآلة إحساسه بالمديونية للرموز الثقافية المكرسة، للقبض على مفاصل الفضاء الثقافي المفتوح على تحولات بنيوية كبرى. فهو جيل السوشيال ميديا والمدونات والبودكاست واليوتيوب، حيث الصوت الثقافي من حق الجميع، الأمر الذي شكل مظهراً مركباً من مظاهر التحدي، إذ لا حوار بين فريق ما زال غير قادر على الخروج من مضائق الماضي، وفريق مندفع بقوة إلى الأمام، ولا يريد الالتفات إلى الخلف.
في هذا المفصل بالتحديد تكمن أعتى التحديات الثقافية، وجوهرها يقوم على وجود تيار يرغب في تعديل مواقعه في المشهد، بحيث تكون الثقافة بالصورة التي اعتادها هي محور التنمية بمعناها الشامل، لتعويض الخسارة الفادحة التي تكبدها الوطن بسبب ذلك الضمور الثقافي المتأتي من تغول الصحوة، ولكنه لا يقدم الدليل على أحقيته بهذا الدور من خلال منتجاته الإبداعية والفكرية التي تمثل سيرورة اللحظة، فهو يتموضع في موقف المتفرج الذي يستشعر فيه وجود رؤية مؤسساتية تنتصر للثقافة بمعناها العصري الموائم بين النخبوي والشعبي، المؤكد عليه من خلال توأمة الفعل الثقافي بالأداءات الترفيهية. وفي المقابل، هناك تيار معولم، غير معني بكل السجالات حول الغرب والتراث والحداثة وشرعنة قصيدة النثر وقدسية اللغة، وغيرها من القضايا المؤرشفة، بقدر ما هو معني بالتعبير عن وجوده ضمن لحظة ما بعد حداثية.
وإذا كان تاريخ الصحوة هو تاريخ معاركها، فإن تاريخ الثقافة التنويرية هو تاريخ مقاومتها لمحاولات تزييف الوعي، وبالتالي فإن مهمة المثقف التنويري لا تعني الاستنقاع في تلك اللحظة المتخثرة، بل تجديد خطاب المواجهة. وهذا ما تحتمه خطابات المابعد، فموت الصحوة لا يعني تفتت البنى الاجتماعية والدينية والثقافية المنغرسة بعمق في مجتمعنا، التي تتمظهر على شكل أعراف وتقاليد وطقوس ومقولات راسخة، إذ لا تكفي النزعة الوطنية المتعالية اليوم للإجهاز على الثقافة العنيدة، الرافلة في المحافظة والتقليدية، وبالمقابل لا يمكن لمد الثقافة الاستهلاكية التي تشكل جانباً محورياً من الثقافة الشبابية أن يكون منطلقاً لتهديد ثقافة أصولية ممتدة في الزمان والمكان. والأهم أن الثقافة التنويرية التي أدت دورها بكفاءة في لحظة مفصلية من لحظات المواجهة تحتاج اليوم إلى أن تسائل نفسها عن جدوى الأبعاد الآيديولوجية التي كانت تنحقن بها آنذاك، وأثبتت المنعطفات التاريخية والأحداث السياسية والاجتماعية عطالتها. كما أنها مطالبة بألا تكون غطاءً زائفاً لمشتبهات ثقافية. وكل ذلك لا بد أن يُستظهر في أدبيات اللحظة على طاولة حوار عريضة وصلبة بين مختلف التيارات الفاعلة.
الجيل الجديد من المشتغلين بالثقافة لا يشكل تهديداً للجيل الماضي، فهما ينتميان إلى المجال الدلالي ذاته، ويؤديان الوظيفة الإنتاجية ذاتها، مع اختلاف الأدوات والأولويات، وهو تصور استراتيجي أكد عليه وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله آل فرحان في أكثر من مناسبة، ضمن رؤية التحول الوطني، وفي سياق توطين التعريف الأحدث الذي اعتمدته اليونيسكو لمعنى الثقافة، المعني بتمثيل جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه، التي تشمل بالضرورة الفنون والآداب وطرائق الحياة. وهذا هو جوهر الاستراتيجية الثقافية بموجب الوثيقة التي اعتمدتها الوزارة، من خلال تأكيدها على بناء مجتمع حيوي تكون فيه الثقافة نمط حياة، وركيزة للنمو الاقتصادي، ومنطلقاً لتعزيز الهوية الثقافة للمملكة ومكانتها الدولية، وهي مهمة ثقافية كُبرى لا تحيل إلى رغبة للإبدال الثقافي، بتهميش جيل لصالح جيل أحدث، بقدر ما هي دعوة لتجديد الفعل الثقافي، وإعادة ربطه بالفعل الاجتماعي، بالنظر إلى كونهما نسقين متكاملين.
الفراغ الثقافي الهائل لا يمكن تعبئته بضجيج المشتبهات الثقافية، ولا بأي نزعة وطنية صاخبة، خالية في الآن نفسه من الرصيد الأدبي والفني. وذلك يعني أن إعلان موت الصحوة ما هو إلا خطوة ابتدائية لمشوار طويل بتنا نتلمسه حتى في تغيير المناهج التعليمية، وذلك ضمن خطة بعيدة المدى. وهو الأمر الذي يحتم على المؤسسة الثقافية اعتماد سياسة الخطوط المتوازية، التي تعادل بين إعجابها ومساندتها للفصائل الشبابية التي صارت تتمدد في الهامش الأكبر من المشهد، وبين فصيل المحاربين القدماء من المثقفين الذين صاروا يستشعرون تهميشهم القصدي، الأمر الذي يهدد المشهد بانزواء أهل الخبرة الثقافية، وظهور مشهد بلا رموز ثقافية. وهذا لا يعني بالتأكيد الدعوة إلى تزيين المشهد بتماثيل ثقافية عاطلة عن الفعل، ولا استكمال مشروع تجريف الصحوة بالاعتماد على جحافل شبابية محمولة على صخب اللحظة.
- ناقد سعودي



الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟
TT

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

هل توجد فلسفة للشعر يا ترى؟ هل يحتوي الشعر على أعماق فلسفية؟ دون شك. ولكنه لا يعبر عنها بطريقة نثرية منطقية عقلانية وإنما بطريقة مجازية شعرية جنونية. نقول ذلك على الرغم من أن هناك فلاسفة أكبر شعرياً من الشعر. من أشهرهم نيتشه في الغرب. «هكذا تكلم زرادشت» أقوى شعرياً من كل شعر لأنها تحتوي في ضربة واحدة على عبقرية الشعر وعبقرية الفكر. إنه يحلق فيها إلى أعلى الأعالي أو يهبط إلى أسفل سافلين. إنه يتلاعب باللغة والفكر كيفما شاء عندما يجن جنونه وتتوهج عبقريته.

وجان جاك روسو في اعترافاته العبقرية ألا تحتوي على الشعر؟ ألا تحتوي على شعر أكبر فنياً وجمالياً من كل شعر. وقس على ذلك... ولكن ليس كانط. لا تطلب من كانط أن يكون شاعراً. مستحيل. كانط صفر على الشمال قياساً إلى نيتشه من هذه الناحية. وقلَّ الأمر ذاته عن هابرماس: كانط العصور الحديثة. فهو صاحب أسلوب وعر ومزعج ومرهق. وينبغي أن تصبر عليه صبر أيوب لكي تصل إلى نتيجة هذا إذا ما وصلت. وبالتالي فلا متعة في قراءته ولا ماء ولا حياة في أسلوبه.

وأما في جهتنا العربية، فقد وُصف أبو حيان التوحيدي بأنَّه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنَّه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة. يكفي أن نغطس في مؤلفاته لكي ندرك ذلك. المقابسات، البصائر والذخائر، الإمتاع والمؤانسة، الصداقة والصديق، الإشارات الإلهية... تحف ما بعدها تحف، جواهر ما بعدها جواهر. وأما المعري فقد وصفوه بأنه «شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء». اسم على مسمى. هل هناك أعمق منه فكرياً في قصائده؟ «غير مجدٍ في ملتي واعتقادي» تعتبر أعمق قصيدة فلسفية وأروع قصيدة فلسفية ليس فقط على مستوى الآداب العربية وإنما على مستوى الآداب الكونية بأسرها.

كان الناقد الفرنسي هنري لوميتر قد نشر كتاباً بعنوان: «الانفجار الرومانطيقي والحداثة الشعرية». لاحظوا العنوان ما أجمله: «الانفجار الرومانطيقي». الشعر العظيم ينبثق انبثاقاً أو ينفجر انفجاراً وإلا فليس شعراً. وكان الناقد الكبير جان بيير ريشار قد نشر كتاباً مهماً وممتعاً جداً بعنوان «الشعر والعمق». وفيه كرَّس فصلاً كبيراً لبودلير بعنوان: «عمق بودلير». ذلك أنَّ بودلير، بحسب وجهة نظره، هو شاعر الأعماق العميقة، الأعماق السحيقة. مَن يعلم إلى أي المهاوي المرعبة كان يهبط بودلير عندما يجن جنونه في خلواته؟ مَن كان يعرف حجم اكتشافاته وابتكاراته الشعرية؟ مَن كان يعرف حجم الآفاق اللانهائية التي توصَّل إليها؟ ولذلك رثاه رينيه شار قائلاً:

لا تبحث عن تخوم البحر

إنها ملكك، بين يديك

لقد وهبت لك في ذات اللحظة

كحياتك المتبخرة العابرة

العاطفة كما تعلم

هي بنت المادة

إنها نظرتها المتموجة الرائعة.

شاعر كبير يتحدث عن شاعر كبير آخر: ماذا تريدون أكثر من ذلك؟

في الكتاب ذاته يخصِّص جان بيير ريشار فصلاً كاملاً لرامبو بعنوان: «رامبو وشعر الصيرورة المتجددة الرائعة». وهو يستهله بهذه الكلمات لرامبو:

«الثالثة فجراً. وحدي في الغرفة. الشمعة تذوب رويداً رويداً وتكاد تنطفئ. فجأة العصافير تزقزق كلها دفعة واحدة في الأشجار. جوقة موسيقية رائعة. انتهت السهرة. انتهى العمل. لم يبقَ لي إلا أن أراقب الأشجار والسماء من نافذتي وأنا في حالة من الذهول والانخطاف لا تكاد توصف. إني أعيش اللحظة الحاسمة: لحظة موت اليوم السابق وولادة اليوم الجديد. يا إلهي ما أحلاها من لحظة. إني مذهول بهذه اللحظة الخارقة للفجر».

يعلق جان بيير ريشار على ذلك قائلاً: «هذه اللحظة الخارقة، هذه اللحظة التي لا يكاد يستبين فيها الخيط الأبيض من الخيط الأسود، هذه اللحظة التي تمثل الولادة السعيدة والمعجزة لليوم الجديد، هي لحظة رامبو بامتياز. إنه يبيع حياته كلها من أجلها. إنه مستعد لأن يسهر الليل كله لكي يراها». ولكن هناك لحظة أخرى قد لا تقل أهمية، هي تلك التي يتحدث عنها بودلير في آخر ديوانه «أزهار الشر»، لنستمع إذن إلى هذا المقطع الذي يعبِّر فيه عن حنينه إلى لحظة الموت بعد أن ضجر وملَّ من هذه الحياة:

آه يا موت، أيها القبطان القديم،

لقد آن الأوان! فلنقلع الأشرعة!

هذه البلاد تضجرنا، آه يا موت!

فلنرحل!

إذا كانت السماء والبحر أسودين كالحبر

فإنَّ قلوبنا، التي تعرفها، مفعمة بالنور

صبّ علينا سمومك لكي تقوّينا

نريد، ما دامت هذه النار تشعل رؤوسنا،

أن نغطس في أعماق الهاوية،

جحيم أم جنة؟

لا فرق

لا يهم

نريد أن نرحل

آه يا موت!

تقنا للإبحار في أعماق المجهول

عسى أن نكتشف طعماً جديداً!

كان بودلير قد جرَّب كل شيء في الحياة وملَّ من كل شيء ولم يعد هناك شيء آخر لكي يجربه إلا الموت. كان تواقاً لكي يتعرَّف عليه، لكي يذوق طعمه، لكي يعرف ما هو بالضبط. هل للموت طعم يا ترى؟ هل له مذاق خاص؟ كيف هو؟

مع بودلير حصلت النقلة من الشعر الرومانطيقي إلى الشعر الحديث. من شعر اللغة المباشرة، إلى شعر اللغة الرمزية أو المرموزة. من شعر العواطف الجياشة الفائضة، إلى شعر العواطف الملجومة الباردة. من الشعر الذاتي، إلى الشعر الموضوعي. باختصار شديد حصلت الحداثة الشعرية التي كرَّست لها أطروحة الدكتوراه في السوربون يوماً ما. أقصد الحداثة الشعرية العربية التي تلت الفرنسية بعد 100 سنة. ولم تكن أقل بهاءً وروعةً منها. لم يعد الشاعر يسمح لوهم الغنائية المباشرة أو حتى المائعة في أحيان كثيرة أن تسيطر عليه. أصبح رأسمال الشاعر هو: عدد الصور الجديدة أو المجازات الجديدة التي دشَّنها أو ابتكرها من العدم. وكل الشعراء الذين يتلونه يصبحون عالةً عليه أو على مجازاته الخارقة حتى يجيء شاعرٌ آخر كبير قادر على «قتله»: أي على تجاوزه والانحراف عنه، عن طريق تدشين فضاءات أخرى للشعر، عن طريق ابتكار مجازات وصور أخرى لم تخطر على بال بشر من قبل قط. هنا تكمن معجزة الشعر. لم يصبح رامبو شاعراً كبيراً إلا بعد أن «قتل» بودلير: أي بعد أن تخلّص من تأثيره، وطار بجناحيه مستقلاً عنه. وقل الأمر ذاته عن المتنبي بالقياس إلى أبي تمام، أو المعري بالقياس إلى المتنبي. ولكن مَن يستطيع أن يقتل المتنبي؟ لم تلده أمه بعد.

أخيرا من أهم ما كُتب عن فلسفة الشعر رسائل ريلكه الشهيرة إلى شاعر شاب طلب نصيحته. إنها تنفذ إلى جوهر الشعر، إلى أعماق الشعر، إلى مطبخ الشعر: أي إلى الكيمياء السحرية المولدة للشحنات الشعرية. قال له: إذا لم يكن الشعر بالنسبة لك مسألة حياة أو موت فلا داعي لأن تعذِّب نفسك وتكرس حياتك لشيء لم تخلق له. بهذا المعنى وبالمختصر المفيد. مَن يستطيع أن ينسى صوت ريلكه، حنين ريلكه، الجنون الداخلي لريلكه؟ ومع ذلك فلم يحظَ بجائزة نوبل وإنما حظي بها شاعر فرنسي يدعى: سولي برودوم.

هل سمعتم باسمه؟ حتماً لا. مَن هو هذا الأحمق الذي يجهل عظمة ريلكه، عبقرية ريلكه؟ ليس هيدغر على أي حال. ومعلوم أنَّ الفيلسوف الكبير كرَّس له دراسة مطولة في كتابه المعروف: «دروب تؤدي إلى لا مكان». وهذا العنوان مأخوذ حرفياً من عنوان قصيدة لريلكه ذاته. وبالتالي فهو ليس من هيدغر على عكس ما نظن.أخيراً ربما كان أهم كتاب عن فلسفة الشعر هو تلك الدراسات المطولة التي كرَّسها هيدغر لشعر هولدرلين بعنوان: «مقاربات هولدرلين»، أو إضاءات مسلطة على شعر هولدرلين. ومنها نستنتج ما يلي: بالنسبة لهيدغر فإنَّ الشعر ليس فقط مجرد فن أدبي من جملة فنون أخرى وإنما هو عصارة اللغة والمحل الذي تتجلى فيه حقيقة الكينونة وجوهر الوجود. إنه يتيح للإنسان أن يهرب من الجفاف التكنولوجي للعالم الحديث. إنه يتيح له أن يسكن الأرض شعرياً. ومن كثرة إعجاب هيدغر بشعر هولدرلين طلب منهم أن يقرأوا على قبره قبل الدفن بعض قصائد شاعر ألمانيا الأكبر.

وُصف أبو حيان التوحيدي بأنه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة


«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة
TT

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

لا يختزل كتاب «لسنا أرقاماً: أصوات شباب غزة»، الصادر بالعربية عن دار «العربي» في القاهرة، القضية الفلسطينية في أرقام الضحايا من القتلى والمصابين أو النازحين، بل يكشف، برهافة وحس إنساني يسعى لتجاوز محنة الألم، ما وراء هذا الأرقام من حياة كاملة وأحلام مشروعة وذكريات وتفاصيل حميمة عابرة لأصوات القصف ودوي القنابل وأزير الرصاص الذي يلاحق المدنيين والأبرياء.

يتجاوز العمل فكرة التوثيق التقليدي للحرب، ليقدم غزة من خلال شهادات وتجارب شبابها، وهو من تحرير الفلسطيني أحمد الناعوق والأميركية بام بايلي، ترجمة محمد فؤاد، وتقع الطبعة العربية في 336 صفحة، تجمع نصوصاً مختارة من مقالات وتأملات مفتوحة تستكشف قضايا وهموم الذاكرة والعائلة والمنفى والصداقة والمقاومة والأمل.

تستعيد تلك الكتابات تفاصيل الحياة اليومية بما فيها من طموحات مهنية وثقافة، وتتوقف عند أماكن عزيزة على قلوب أصحابها، وحتى أبسط الأشياء التي تمنح الحياة معناها وسط الحصار والعنف.

من هنا يرفض هذا العمل فكرة «القصة الواحدة» عن غزة، فالقارئ يجد أشباح الخوف والموت والفقد تطل برأسها عبر النصوص، لكنه يجد كذلك الحب والطموح والدراسة والفن والمرح والحنين إلى الأماكن والأحلام المؤجلة، بتوقيع فتيات وفتيان يتحدثون عن حياتهم بلغتهم وتجاربهم، كما يكشف كيف لا تلغي المأساة الرغبة في الحياة. على هذه الخلفية، وصفت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، هؤلاء الشباب بأنهم جعلوا من الكتابة «فعلاً تحررياً ووسيلة لمقاومة محو غزة من الوعي العالمي». وأوضح أحمد الناعوق، في تصريح لصحيفة «الغارديان» البريطانية، أنه كان حريصاً منذ البداية على تشجيع الكتاب الشباب على الكتابة عن جمال غزة وأهلها وثقافتها ومساجدها وكنائسها ومقابرها، حتى لا تظل صورة القطاع مرتبطة فقط بالدمار. من النماذج اللافتة التي يتضمنها الكتاب، قصة فتاة مراهقة تحدق في سقف منزلها وتتمنى ألا ينهار فوق رأسها، في مشهد قد يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يلخص كيف يمكن للحرب أن تتسلل إلى أكثر التفاصيل اليومية عادية، حتى يصبح السقف الذي يُفترض أن يمنح الإنسان الأمان مصدراً للخوف. وفي نموذج آخر، يروي شاب تجربته في البحث عبر الإنترنت عن صور المكتبات في أنحاء العالم، حيث يحلم بأن يتمكن يوماً من زيارتها، على نحو يكشف أن الطموح والتعليم والمعرفة مفردات ربما تستمر في الإلحاح على وعي الأفراد حتى وسط الظروف الأكثر قسوة.

وتتعدد القصص الإنسانية في الكتاب، فهذه فتاة تتجول في شوارع المدينة وتدوّن أسماء المباني التي تحلم بإصلاحها، وهذا شاب يحاول متابعة شغفه بعلم الفلك في مكان يصعب فيه الوصول إلى التلسكوبات، كما تتناول إحدى القصص التعقيدات غير المعتادة للتسوق عبر الإنترنت في ظل القيود المفروضة على غزة.

ومن النماذج اللافتة نص للكاتبة ندى حماد عن غزة بعد حرب 2014، حيث تصف انتقال المشهد تدريجياً من اللون الرمادي الذي خلفه الدمار إلى بقع صغيرة من الألوان، عبر طلاء أحد الجدران وظهور الرسوم على جدران المساكن المؤقتة. والفكرة هنا أن إعادة تلوين المكان تصبح فعلاً رمزياً للحياة، فالسكان لا يحاولون فقط نسيان ما حدث، وإنما يؤكدون قدرتهم على الاستمرار.

اللافت هنا أن الكتاب لا يقتصر على أحداث الحرب الأخيرة، فالنسخة الأصلية تجمع 74 نصاً مختاراً من نتاج مشروع «We Are Not Numbers» أو «لسنا أرقاماً» على مدى نحو عقد، وتتحرك النصوص زمنياً عبر سنوات مختلفة، بحيث يستطيع القارئ رؤية كيف تغيرت حياة جيل كامل من الشباب الفلسطيني مع تعاقب الحروب والحصار والأزمات.

وتعد العائلة واحدة من أكثر الموضوعات حضوراً في هذا السياق، وهو أمر مفهوم في ظل طبيعة التجربة الفلسطينية في غزة، لكن الكتاب لا يتحدث عن فقدان «عدد من الأشخاص» فقط، وإنما عن آباء وإخوة وأبناء وأصدقاء، وعن ذكريات مرتبطة بهم. وتكتسب تلك المسألة بعداً شخصياً بالغ الأهمية بالنسبة إلى محرر الكتاب أحمد الناعوق، الذي فقد 21 فرداً من عائلته في غارة إسرائيلية على غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، من بينهم والده وإخوته وأطفالهم، بحسب ما روى في مقابلته مع «الغارديان». اللافت أن مشروع «لسنا أرقاماً» نفسه بدأ قبل الحرب الأخيرة بسنوات، في أعقاب حرب غزة عام 2014. ووفق الرواية التي قدمها الناعوق، فقد دفعته وفاة شقيقه إلى كتابة قصة شخصية عن فقدانه، بمساعدة بام بايلي، وبعد نشرها تلقى رسائل تعاطف من أشخاص خارج غزة.

ومن هنا جاءت فكرة إنشاء منصة تمنح شباب غزة فرصة سرد تجاربهم بأنفسهم لجمهور عالمي، فيما انطلق المشروع عام 2015 مع نحو 20 كاتباً شاباً، ثم توسع تدريجياً، ونشر خلال السنوات التالية أكثر من 1500 نصاً.


تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته
TT

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

عبر نصوص سردية متفاوتة البنية، يضع الكاتب والروائي المصري حاتم حافظ في مجموعته القصصية «عندما تحوّلت إيمان خيري إلى طائر» فكرة التحوّل في قلب عالمه القصصي، بوصفها مدخلاً لاختبار صور مختلفة للوجود، مستعيناً بالغرائبي لإعادة النظر في شكل الحضور الإنساني.

المجموعة الصادرة أخيراً عن دار الشروق بالقاهرة، تتنقل فيها مقاعد الأبطال بين حاضر وغائب، إنسان وطائر، متفرج ومادة للفرجة، وهي انتقالات لا تقوم جميعها على التحوّل بمعناه الجسدي، بقدر ما تنشأ أحياناً من تبدل الموقع الذي تحتله الشخصية، أو الزاوية التي ترى منها حياتها.

يبدو التحوّل في تجليه الأكثر وضوحاً في القصة التي تمنح المجموعة عنوانها، حين تستيقظ البطلة في غرفة الرعاية الفائقة لتجد أن جسدها قد اختفى، وحلّ محله جسد ضئيل ملوّن، بمنقار وجناحين قادرين على حملها إلى خارج الغرفة والمستشفى.

ومنذ عبارته الأولى: «حين استيقظت إيمان خيري ذات صباح، على إثر أحلام سادها الاضطراب»، يستدعي النص استهلال «المسخ» لفرانز كافكا، لكن التحوّل الكافكاوي، وإن ظل حاضراً في الاستهلال، ينهض هنا على دلالة مغايرة؛ فبدلاً من الجسد الذي يتحول إلى سجن ويعزل صاحبه عن العالم، يبدو الجسد الجديد في هذه القصة أكثر خفةً وقدرةً على تحرير صاحبته من المرض والألم.

وإذا كان جريجور سامسا ينكفئ بعد تحوله داخل غرفته وتتآكل صلته تدريجياً بالآخرين، فإن إيمان تطير إلى خارج غرفتها، ترى الشمس وتستنشق الهواء، قبل أن تتسلل إلى من أحبتهم عبر أحلامهم، ليصبح التحوّل عتبة حياة ثانية لا تنقطع تماماً عن الحياة الأولى، وإنما تستعيد صلاتها بها من موقع جديد.

تتفتت القصة إلى أحلام قصيرة يرويها أشخاص مختلفون تزورهم البطلة إيمان، غير أن اللافت أن الحالمين أنفسهم يبدون واعين بتحوّلها وبقدرتها على العبور بين الهيئتين؛ فهم يرونها بطلة «تبدل هويتها كطائر وكإنسان بخفة»، ويخشى كلما لاح حضورها البشري في الحلم «أن تتبدل إلى طائر مرة أخرى».

مع تكرار هذه الزيارات، لا يعود التحوّل واقعةً غرائبيةً معزولة، إنما صيغة جديدة للوجود، تستفيد فيها القصة من مدلول «الطائر» المرتبط بالتحليق والقدرة على عبور الحدود، لتمنح بطلتها وجوداً يتجاوز الموت وحدود الجسد وعالمه.

ولا تتوقف فكرة التحوّل عند حدود تلك القصة الرئيسية للمجموعة، فتلوح عبر القصص في صور أقل مباشرةً، ففي قصة «شخصيتين في رواية» ينتقل التحوّل من الجسد إلى الوعي؛ إذ يتبنى الراوي هُوية «شخصية روائية»، ويتعامل مع هذا اليقين الفانتازي كحقيقة يحاول إشراك من حوله فيها.

لا يبدو ثمة موقع ثابت للشخصية هنا، فيتصور الراوي أن الرجل «قد يكون في خفة الفراشات في روايتي، لكنه قد يكون بطلاً في رواية أخرى»، فلا تتبدل الهيئة هذه المرة، إنما تتبدل مواقع الشخصيات، في لعبة سردية تبحث في موقع الإنسان داخل حكايات الآخرين. يتأمل الراوي الرجل المقابل له ويتخيل الحياة التي كتبها له مؤلف الرواية، قبل أن يصل إلى إدراك أكثر اتساعاً: «كلنا شخصيات في روايات بعضنا البعض».

ويصنع حافظ هنا تناصاً مع عالم الروائي الجنوب أفريقي ج. م. كوتزي، مستدعياً شخصيته «إليزابيث كوستلو»، التي عبرت من رواية إلى أخرى داخل أعماله. لكنه يدفع اللعبة خطوةً أبعد، حين يتخيل أن كوتزي نفسه قد يكون شخصيةً روائيةً في نص يكتبه مؤلف آخر، فتتسع لعبة تبدل المواقع لتشمل الكاتب وشخصياته معاً.

تمتد فكرة تبدل المواقع تلك إلى قصة «الحكاية غير العادية للأشخاص العاديين»، التي تقوم إحدى مفارقاتها على تلصص متبادل بين الجيران، يتحول تدريجياً إلى ما يشبه تبادل الحيوات؛ إذ تتنقل الشخصيات بين موقعي المتفرج والمُشاهَد. غير أن القصة لا تبني مفارقتها على الغرائبي، بقدر ما تستخرج الغرابة من قلب اليومي الرتيب، كأن يشتري أحد أبطال القصة بطانية أطفال مستفيداً من خصم كبير في «تصفيات الشتاء»، ويفكر في أنها سوف تفيده في الشتاءات المقبلة، قبل أن يعقب السارد: «وكان بصحة جيدة؛ فلم يفكر في أن موته قبل الشتاء القادم أمر محتمل».