فراغ ما بعد الصحوة

موتها لا يعني تفتت البنى الاجتماعية والدينية والثقافية المنغرسة بعمق في المجتمع

جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب 2019
جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب 2019
TT

فراغ ما بعد الصحوة

جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب 2019
جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب 2019

وماتت الصحوة، أو أُميتت. المهم أنها لم تعد تُشكل ذلك الطقس الغائم كلياً الذي عطل كل مناحي الحياة الثقافية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية لما يزيد على ثلاثة عقود. والأهم أن التآكل الواضح لمفاعيلها إنما يحدث اليوم على إيقاع ضربات مؤسساتية وشعبية متناغمة لتبديد أي إمكانية لإعادة إنتاجها، حيث الاندفاعة القوية لتجريف قواعدها ورموزها وأدبياتها، وهو تناغم يشي بميلاد لحظة مغايرة تماماً لما كان عليه المشهد الحياتي. لحظة مضادة بالضرورة لكل ما مارسته من عنف ضد مخالفيها، وواعدة بمشهد أكثر انفتاحاً وتنوعاً وتعدداً. بمعنى إلغاء حالة الاستفراد التي كانت سائدة آنذاك، وفتح الأفق لتمثيلات فردية وجماعية أكثر مرونة واستيعاباً لمقتضيات التحول البنيوي العميق الشامل الذي نعبره باتجاه السعودية الجديدة.
إبان تلك الحقبة، تمكنت الصحوة من الهيمنة على كل مفاصل المشهد، بما في ذلك الحركة الثقافية، حيث كانت تعد وجودها حالة ثقافية بالدرجة الأولى، بالنظر إلى أن الحالة الدينية، وفق أدبيات الصحوة، هي جزء أصيل من المكون الثقافي، بل هي الأُس الذي يقوم عليه أي فعل ثقافي. وبالتالي، أخذت لنفسها حق احتلال المنابر الإعلامية والأدبية، وتعقيم المنتجات الأدبية، وابتداع مصطلح الأدب الإسلامي، وتكفير المخالفين، وذلك في إطار أسلمة الحياة. وهو توجه عنفي، رمزي ومادي، لم يقتصر وجوده ومفاعيله على السعودية فقط، بل كان نتيجة امتدادات تعزيمية على مستوى العالمين العربي والإسلامي، حيث التنكيل بالمثقفين وتكفيرهم، والتهديد بتصفيتهم، والعبث حتى بالنصوص الأدبية التأسيسية التي لا تتوافق مع مرئيات وروح واستراتيجيات الصحوة، الأمر الذي دفع بعض المثقفين إلى مواجهة تلك الهجمة بما تيسر من الخطابات التنويرية للحد من تغولها، والتحاق بعضهم بالحراك الصحوي لاكتساب مغانمها المادية والوجاهية، وانزواء فصيل ثالث في الهامش إيثاراً للسلامة، وهكذا.
لقد كانت الصحوة هي المعادل للثقافة، الثقافة بمعناها الشمولي المركزي، أو هذا ما بشرت به أدبياتها، وأشعلت المعارك من أجله، في محاولة لفرض هذه المعادلة كأمر واقع، لدرجة أنها استحوذت على آليات الفعل الثقافي وفضاءاته ومنصاته. وقد تمكنت بالفعل من مسح الحدود الفاصلة بين الحالة الدينية والحالة الثقافية، وذلك في سياق الهيمنة على كل ما هو ثقافي، حيث ولدت جيلاً من المثقفين الصحويين المنذورين على الدوام لمنازلة المثقفين المتمردين على مستوجبات الصحوة، الأمر الذي عطل الفعل الثقافي بمعانيه الإبداعية المتعددة: الأدبية والفنية. وذلك على قاعدة التحريم التي استخدمتها الصحوة على نطاق واسع، وبمجانية فارطة، وكذلك باستدراج المبدعين إلى فخ الاعتراك على هامش الإنتاج الإبداعي.
واليوم، إذ تتهاوى الصحوة، بما كانت تمتلكه من حضورٍ كثيفٍ ساطٍ، ينفتح المشهد الثقافي على فراغ هائل، يبدو من الصعب على المثقفين ملؤه. وهذا هو أبرز التحديات للمثقفين الذين بنوا خطاباتهم وأمجادهم على منازلة الصحويين، حيث يُلاحظ وجود فصيل عريض منهم يفضل الإبقاء على وجود حالة صحوية ضعيفة، ليمارس ضدها حالة الاستئساد الثقافي، ويعيد إنتاج خطابه السجالي في المحطة المغادرة ذاتها. وذلك هو ما يكفل له مشروعية الحضور والتأثير والنجومية أيضاً على إيقاع تحطيم أصنام الصحوة. وفي نهاية المطاف، يحاول هذا الفصيل تأخير لحظة الاستحقاق الثقافي قدر الإمكان، لئلا ينكشف فقره المعرفي، وعجزه الأدائي على مستوى الإنتاج الإبداعي، بمعزل عن مهاترات الهامش. وهذا هو بالتحديد من يجعل المشهد مفتوحاً على خواءٍ إبداعي، يعجز المثقفون عن سد شقوقه الواسعة بمنتجات ثقافية مقنعة.
كل فراغ بحاجة إلى من يملأه أو يحركه. وبمقتضى هذا القانون، تقدم جيل شبابي جديد ليعبئ ذلك الفضاء الشاسع بحراك مغاير لاعتيادات المشهد، وهو حضور يمكن التأريخ له بجيل ما بعد الألفين، الجيل الذي اكتسب مشروعيته على إيقاع مبادرات استراتيجية معلنة تضع الروح الشبابية ضمن جوهر هوية ورؤية السعودية الجديدة. وفي الوقت الذي كان فيه رموز الثقافة القديمة، جيل الكِتاب، ينتظرون التفاتة مؤسساتية تموضعهم على رأس هرم الفعل الثقافي، وتدفعهم لاحتلال مواقع الصحويين المندحرين، تقدم ذلك الفصيل الشبابي بخبراته المعرفية والجمالية المتواضعة، وضآلة إحساسه بالمديونية للرموز الثقافية المكرسة، للقبض على مفاصل الفضاء الثقافي المفتوح على تحولات بنيوية كبرى. فهو جيل السوشيال ميديا والمدونات والبودكاست واليوتيوب، حيث الصوت الثقافي من حق الجميع، الأمر الذي شكل مظهراً مركباً من مظاهر التحدي، إذ لا حوار بين فريق ما زال غير قادر على الخروج من مضائق الماضي، وفريق مندفع بقوة إلى الأمام، ولا يريد الالتفات إلى الخلف.
في هذا المفصل بالتحديد تكمن أعتى التحديات الثقافية، وجوهرها يقوم على وجود تيار يرغب في تعديل مواقعه في المشهد، بحيث تكون الثقافة بالصورة التي اعتادها هي محور التنمية بمعناها الشامل، لتعويض الخسارة الفادحة التي تكبدها الوطن بسبب ذلك الضمور الثقافي المتأتي من تغول الصحوة، ولكنه لا يقدم الدليل على أحقيته بهذا الدور من خلال منتجاته الإبداعية والفكرية التي تمثل سيرورة اللحظة، فهو يتموضع في موقف المتفرج الذي يستشعر فيه وجود رؤية مؤسساتية تنتصر للثقافة بمعناها العصري الموائم بين النخبوي والشعبي، المؤكد عليه من خلال توأمة الفعل الثقافي بالأداءات الترفيهية. وفي المقابل، هناك تيار معولم، غير معني بكل السجالات حول الغرب والتراث والحداثة وشرعنة قصيدة النثر وقدسية اللغة، وغيرها من القضايا المؤرشفة، بقدر ما هو معني بالتعبير عن وجوده ضمن لحظة ما بعد حداثية.
وإذا كان تاريخ الصحوة هو تاريخ معاركها، فإن تاريخ الثقافة التنويرية هو تاريخ مقاومتها لمحاولات تزييف الوعي، وبالتالي فإن مهمة المثقف التنويري لا تعني الاستنقاع في تلك اللحظة المتخثرة، بل تجديد خطاب المواجهة. وهذا ما تحتمه خطابات المابعد، فموت الصحوة لا يعني تفتت البنى الاجتماعية والدينية والثقافية المنغرسة بعمق في مجتمعنا، التي تتمظهر على شكل أعراف وتقاليد وطقوس ومقولات راسخة، إذ لا تكفي النزعة الوطنية المتعالية اليوم للإجهاز على الثقافة العنيدة، الرافلة في المحافظة والتقليدية، وبالمقابل لا يمكن لمد الثقافة الاستهلاكية التي تشكل جانباً محورياً من الثقافة الشبابية أن يكون منطلقاً لتهديد ثقافة أصولية ممتدة في الزمان والمكان. والأهم أن الثقافة التنويرية التي أدت دورها بكفاءة في لحظة مفصلية من لحظات المواجهة تحتاج اليوم إلى أن تسائل نفسها عن جدوى الأبعاد الآيديولوجية التي كانت تنحقن بها آنذاك، وأثبتت المنعطفات التاريخية والأحداث السياسية والاجتماعية عطالتها. كما أنها مطالبة بألا تكون غطاءً زائفاً لمشتبهات ثقافية. وكل ذلك لا بد أن يُستظهر في أدبيات اللحظة على طاولة حوار عريضة وصلبة بين مختلف التيارات الفاعلة.
الجيل الجديد من المشتغلين بالثقافة لا يشكل تهديداً للجيل الماضي، فهما ينتميان إلى المجال الدلالي ذاته، ويؤديان الوظيفة الإنتاجية ذاتها، مع اختلاف الأدوات والأولويات، وهو تصور استراتيجي أكد عليه وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله آل فرحان في أكثر من مناسبة، ضمن رؤية التحول الوطني، وفي سياق توطين التعريف الأحدث الذي اعتمدته اليونيسكو لمعنى الثقافة، المعني بتمثيل جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه، التي تشمل بالضرورة الفنون والآداب وطرائق الحياة. وهذا هو جوهر الاستراتيجية الثقافية بموجب الوثيقة التي اعتمدتها الوزارة، من خلال تأكيدها على بناء مجتمع حيوي تكون فيه الثقافة نمط حياة، وركيزة للنمو الاقتصادي، ومنطلقاً لتعزيز الهوية الثقافة للمملكة ومكانتها الدولية، وهي مهمة ثقافية كُبرى لا تحيل إلى رغبة للإبدال الثقافي، بتهميش جيل لصالح جيل أحدث، بقدر ما هي دعوة لتجديد الفعل الثقافي، وإعادة ربطه بالفعل الاجتماعي، بالنظر إلى كونهما نسقين متكاملين.
الفراغ الثقافي الهائل لا يمكن تعبئته بضجيج المشتبهات الثقافية، ولا بأي نزعة وطنية صاخبة، خالية في الآن نفسه من الرصيد الأدبي والفني. وذلك يعني أن إعلان موت الصحوة ما هو إلا خطوة ابتدائية لمشوار طويل بتنا نتلمسه حتى في تغيير المناهج التعليمية، وذلك ضمن خطة بعيدة المدى. وهو الأمر الذي يحتم على المؤسسة الثقافية اعتماد سياسة الخطوط المتوازية، التي تعادل بين إعجابها ومساندتها للفصائل الشبابية التي صارت تتمدد في الهامش الأكبر من المشهد، وبين فصيل المحاربين القدماء من المثقفين الذين صاروا يستشعرون تهميشهم القصدي، الأمر الذي يهدد المشهد بانزواء أهل الخبرة الثقافية، وظهور مشهد بلا رموز ثقافية. وهذا لا يعني بالتأكيد الدعوة إلى تزيين المشهد بتماثيل ثقافية عاطلة عن الفعل، ولا استكمال مشروع تجريف الصحوة بالاعتماد على جحافل شبابية محمولة على صخب اللحظة.
- ناقد سعودي



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.