35 عاماً على غياب آخر مثقفي فرنسا الكبار

ميشال فوكو ترك فراغاً لم يملأ حتى اليوم

ميشال فوكو في مكتبته
ميشال فوكو في مكتبته
TT

35 عاماً على غياب آخر مثقفي فرنسا الكبار

ميشال فوكو في مكتبته
ميشال فوكو في مكتبته

ترك غياب المفكر الفرنسي ميشال فوكو (1926-1984) فراغاً هائلاً في المشهد الثقافي الفرنسي، والغربي عامة، لم يتم تعويضه حتى الآن، بل إن رحيله المبكر (عن 58 عاماً) ازداد سطوعاً مع تعاقب الأيام، بعدما اعتزلت الأكاديميا قيادة النقاش العام، واكتفت بالعيش أليفة في أبراجها العاجية، دون امتلاك الرغبة أو القدرة على مواجهة أشكال السلطات المتغولة على حياة الإنسان المعاصر كافة، في ظل الرأسمالية المتأخرة. فوكو بهذا الإطار كان آخر المثقفين الكبار، ولا يكاد يضاهيه أي من مجايلينا، سواء لتأثيره العميق على مروحة من المعارف والعلوم الإنسانية، من التاريخ والفلسفة إلى النظرية الأدبية وعلم الاجتماع، بل وكذلك الطب والتحليل النفسي، أو لناحية شجاعته المنقطعة النظير على الانخراط في جدل نقدي مع آبائه الفكريين، ماركس ونيتشه وفرويد وسارتر، وقدرته الاستثنائية على كسر المنظومات العلمية وتابوهات الفكر المتوارثة، للكشف عن طبيعة علاقات القوة المعقدة، وتقنيات السيطرة التي تتحكم في أقدار البشر، دون أن تكون ظاهرة للعيان. فوكو نفسه، الذي كان يؤمن بفكرة الفيلسوف المُتخفي، وعد دائماً أن النص أهم من أن يكون عملاً فردياً، ورفض في كل مقابلاته الادعاء بامتلاك ناصية المعرفة حول أي موضوع، لم يكن حتماً ليرضى عن وصفه بالمُثقف الكبير، لكنه أصبح بالفعل علماً على مثقف عصر ما بعد الحداثة الذي تحرر من سلطة فقه أنظمة الفكر الشمولية التي تدعي امتلاك حقيقة كلية عن العالم والوجود.
فوكو كان بامتياز الابن الشرعي لمرحلة ثورة الطلاب 1968 التي خلقت نوعاً من تخلٍ عن الماركسية - اللون الغالب على أغلب المثقفين الفرنسيين المهمين بعد الحرب العالمية - بوصفها غير قادرة على تقديم حلول محددة بشأن قضايا صارت ملحة في عصر الحداثة، لا سيما بشأن موقع النساء داخل المجتمع، والعلاقات بين الجنسين، وحقوق الأقليات، والاضطرابات النفسية والعقلية التي تتسبب فيها الرأسمالية المتأخرة، ومن دون شك بدفع من جهود أميركية لتسميم الفكر الأوروبي، في إطار المجهود الحربي للحرب الباردة، لكن تلك قصة أخرى. ولم يساعد وقتها قمع السوفيات لربيع براغ، أو موقف الحزب الشيوعي الفرنسي المُتخاذل عن دعم الطلاب الثائرين، أو الحكومات الاشتراكية التي حكمت فرنسا في أوائل الثمانينات، لدرجة أن فوكو وغيره عدوا حاملي راية الماركسية الرّسميين جزءاً لا يتجزأ من تركيبة الهيمنة التي يناضلون لإسقاطها.
موقف فوكو من الماركسية - التي لم ينكر يوماً دورها في تشكيل وعيه الفكري - لم يكن مع ذلك التحاقاً بالردة الجماعية للمثقفين الفرنسيين عنها، بقدر ما كان متأتياً من عجزها عن تقديم أدوات لفهم ظاهرة علاقات القوة الغامضة التي انتهى تنقيب فوكو في دهاليز ثقافة المجتمعات الغربية إلى الكشف عنها في تمثلاتها المتعددة التي لا تثير كبير انتباه، بوصفها من المألوف وطبيعة الأشياء: من السجن إلى مستشفى الأمراض العقلية، وبالضرورة منظومة العلاقات الجنسية، وعلاقة الفرد بجسده ورغباته.
كان المثقفون الفرنسيون سارتر وليوتارد ودولوز، وغيرهم، قد قرروا في تلك المرحلة أنه قد حان وقت دفن فكرة المثقف النظري البرجوازي الكلاسيكية نهائياً لمصلحة مثقف بروليتاري طالع من قلب الجماهير، ومنها يصوغ براكسيسه (أي فلسفته العملية بشأن الواقع). لكن فوكو وحده كان مسؤولاً عن خلق النموذج البديل لذلك المثقف - «المثقف المتخصص» كما سماه - وهو الذي لا يتحدث كمالك لحقائق شاملة أو لمرجعية نهائية للعدالة، بل هو مكتفٍ بالتخصص في الكشف عن حقيقة علاقات القوة التي تمنح البعض امتيازات غير متاحة للجميع. وبذلك كان فوكو يعيد في الوقت ذاته تصميم دور «النظرية»، من تقديم قراءة شاملة للآيديولوجيات ورموزها في الثقافة والسياسة والاجتماع إلى البحث في دقائق ميكانيزمات سيطرة النخبة شيئاً فشيئاً، وتحويل الاستنتاجات إلى ما يشبه أدوات معرفة استراتيجية قد تكون مفيدة للجمهور في مراحل وأشكال مختلفة، وتساعد بذلك على فتح أفق الإمكانات الثورية أمامه.
ترك فوكو مساهمات نوعية في الفكر المعاصر، سواء من خلال كتبه الفريدة (أولها نشر عام 1961؛ «الجنون واللاعقلانية: تاريخ للجنون في العصر الكلاسيكي»)، أو محاضراته ومجادلاته الكثيرة في جامعات العالم (وأكثرها طبع في مجموعات ومختارات)، وكذلك كثير من المقابلات الصحافية التي أدلى بها لكبريات الدوريات، محولاً المقابلة إلى شكل معرفي رفيع، لا مجرد ثرثرة مرتبطة بمناسبات عابرة. ولذلك يصعب دائماً اختصار تلك المساهمات في مقالة، أو حتى كتاب. ومع ذلك، فإنه يمكن على الأقل الحديث عن خمسة مفاهيم أساسية لم يعد ممكناً لأي باحث جاد الخوض في موضوعاتها دون المرور بفوكو كممر إجباري: أولها بالطبع علاقات القوة، موضوعه الأثير، التي أعاد تعريفها بالكامل من صيغتها القانونية - الفلسفية، كما كانت في عهد النهضة الأوروبي، إلى مجموعة علاقات وتقنيات لا مركزية تتغلغل في أجزاء الحياة الاجتماعية للبشر كافة، ملقياً بشكوك كثيفة على كل منظومة تحول المعرفة إلى مصدر للقوة والسيطرة على آخرين. وثاني تلك المفاهيم كان سطوة الحاضر على كل محاولة للتأريخ، وعنده أن المؤرخين ينطلقون دائماً من ضغوط وحاجات الحاضر، وأنه لا مندوحة لسردهم التاريخي عن الماضي من أن يكون مجرد إعادة ترتيب للأحداث كي تكون ذات معنى، وفق رؤية متجذرة في المرحلة التي يعيشها المؤرخ. وبما أن الحاضر في حالة تحول دائم، فإن التاريخ بالتبعية ينبغي أن تعاد قراءته مجدداً، في ضوء تحولات الحاضر. وأيضاً، تناول فوكو موضوع تعريف العقلانية مقابل الجنون، ليصل إلى اعتبارهما كليهما نتاج مرحلة تاريخية محددة، لا مفاهيم عالمية مطلقة. كذلك أعاد تركيب مفهوم الفكر، ليتجاوز النص النظري إلى خطاب متكامل، يتمظهر في الفعل والتصرف كما الكلام، ليصبح الخطاب ذاته ساحة للصراع، بدلاً من مجرد أداة لوصفه أو لأنظمة الهيمنة التي تخوضه مع المهيمن عليهم. وقبل رحيله، انشغل فوكو بكتابة تاريخ للجنسانية (في مجلدين)، بوصفها جزءاً لا يتجزأ من منظومة يتداخل فيها السياسي بالاقتصادي بالأخلاقي، على نحو لا يتبقى معه للفرد كثيراً من السيطرة على جسده أو طرائق تحصيله للذة.
مساهمات فوكو بمجموعها أنتجت مشروعاً فكرياً متكاملاً في دراسة الإنسان المعاصر، بوصفه حقيقة موضوعية ضمن نسق تاريخي وثقافي معين. ولعل ميزة هذا المشروع الأساسية، مقابل طروحات أخرى متشائمة بشأن إمكان تحقق التغيير الاجتماعي، كما عند ثيودور أدورنو ونيكووس بولانتزاس مثلاً، تكمن في إيقاد فوكو لقصعة ضوء صغيرة أعادت الأمل بإمكان التوصل، بصيغة أو أخرى، لتحقيق تقدم حقيقي في السعي لتفكيك أدوات فرض الهيمنة، ولو بشكل جزئي. وقد انخرط هو شخصياً، وإن دون نجاح كبير، في معارك مع السلطات القانونية والقضائية داخل بلاده، سعياً لتحطيم المألوف والسائد والمقبول في نظم السجن والمعاقبة، فكان لذلك شبه صوت وحيد بين النخب الفرنسية، لا سيما دعوته إلى تحسين تجربة السجناء، وإكسابها شيئاً من الإنسانية التي طالما افتقدتها.
ليس بالضرورة أن نتفق مع فوكو في كل ما ذهب إليه، ومنتقدوه على بعض الجزئيات قد يكونون مهمين وكثيرين، لكن الجميع يكادون يتفقون على نزاهة منطلقات موقفه الأخلاقي الرفيع في كل مغامراته الفكرية، وحتى الشخصية، وقدرته المثيرة للإعجاب على البحث عن الحقيقة، متحرراً بوعي نادر من دوغمائيات أنظمة الفكر الشمولي جميعها. لقد كان بالفعل آخر المثقفين الكبار الذين جادت بهم فرنسا على العالم، قبل أن يصيبها العقم.



قرية القضاة المصرية تحقق شهرة واسعة بفضل كرة القدم

البطولات الشعبية تنجح تنظيمياً وجماهيرياً في محاكاة البطولات الكبرى (صفحة بطولة القضاة للمحترفين)
البطولات الشعبية تنجح تنظيمياً وجماهيرياً في محاكاة البطولات الكبرى (صفحة بطولة القضاة للمحترفين)
TT

قرية القضاة المصرية تحقق شهرة واسعة بفضل كرة القدم

البطولات الشعبية تنجح تنظيمياً وجماهيرياً في محاكاة البطولات الكبرى (صفحة بطولة القضاة للمحترفين)
البطولات الشعبية تنجح تنظيمياً وجماهيرياً في محاكاة البطولات الكبرى (صفحة بطولة القضاة للمحترفين)

نجحت قرية مصرية صغيرة في دلتا النيل بمحافظة الشرقية في تحقيق حضور إعلامي وجماهيري لافت تجاوز حدودها الجغرافية بفضل كرة القدم، بعدما تحولت دورة محلية تنظمها سنوياً إلى حدث رياضي واجتماعي يجتذب آلاف المتابعين، والمسؤولين الحكوميين، وشخصيات عامة، ورعاة، ومعلنين، في مشهد يعكس الدور المتنامي لكرة القدم الشعبية في مصر.

فمن قلب القرى والمحافظات فرضت دورات مراكز الشباب والملاعب الترابية حضورها بقوة خلال السنوات الأخيرة، بعد أن نجحت تنظيمياً وجماهيرياً في محاكاة البطولات الكبرى، بينما تخطف مواهب لاعبيها عقول وقلوب الجماهير.

وأسدل الستار أمس (الأربعاء) على منافسات دورة قرية القضاة لكرة القدم 2026، وسط حضور جماهيري كثيف، وأجواء احتفالية غير معتادة بالنسبة لقرية صغيرة، وبحضور وزير الشباب والرياضة المصري، جوهر نبيل، للمباراة النهائية، برفقة قيادات برلمانية، وتنفيذية، وشعبية، في انعكاس للمكانة التي تحظى بها البطولة.

حضور جماهيري كثيف للمباراة النهائية لدورة قرية القضاة 2026 (صفحة بطولة القضاة للمحترفين)

وتوّج فريق قرية القضاة (صاحب الأرض) بلقب البطولة بعد فوزه على فريق ميرا بركلات الترجيح بنتيجة 7/6، عقب مباراة أقيمت تحت الأضواء الكاشفة، وحضور جماهيري ملأ جنبات الملعب، والطرق، والأسطح المحيطة به. وما إن أطلق الحكم صافرة النهاية حتى تحولت شوارع القرية إلى ساحة احتفال كبيرة، حيث أضاءت الألعاب النارية السماء، وخرج الأهالي للاحتفال بفوز فريقهم.

أما الجوائز المالية فعكست حجم التطور الذي وصلت إليه البطولة مقارنة بالدورات الشعبية الأخرى، حيث رصدت اللجنة المنظمة جوائز مالية كبيرة للمباراة النهائية، إذ حصل الفريق الفائز بالمركز الأول على جائزة قدرها 40 ألف جنيه (الدولار يساوي 53.92 جنيها)، فيما حصل الفريق صاحب المركز الثاني على 30 ألف جنيه، بإجمالي جوائز بلغ 70 ألف جنيه.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ حظي النهائي بتغطية إعلامية مباشرة عبر قناة رياضية متخصصة تولت نقل المباراة بأحدث تقنيات التصوير والإخراج التلفزيوني، في مؤشر على تنامي الحضور الجماهيري والإعلامي للبطولة، وتحولها إلى حدث تتجاوز أصداؤه حدود القرية، ومحافظة الشرقية.

وهو ما دفع وزير الشباب والرياضة للتعليق بأن «بطولة القضاة تمثل نموذجاً متميزاً لدور الرياضة في تعزيز العلاقات المجتمعية، وإعلاء قيم الروح الرياضية، والتنافس الشريف»، مؤكداً أهمية استمرار هذه المبادرات والبطولات الشعبية التي تجمع أبناء المجتمع حول ممارسة الرياضة، وتسهم في اكتشاف المواهب، وتعزيز روح الانتماء.

وزير الشباب والرياضة المصري جوهر نبيل يسلم كأس البطولة (وزارة الشباب والرياضة)

يوسف كهربا، المسؤول الإعلامي لـ«بطولة القضاة للمحترفين»، وأحد المُنظمين لها، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن البطولة منحت قرية القضاة شهرة غير مسبوقة على مستوى مصر، ويوضح أن القيمة الأساسية للبطولة تكمن في الحضور الإعلامي الكبير الذي حققته للقرية، موضحاً أن اسمها بات متداولاً على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي جعلها، بحسب وصفه، من أكثر القرى المصرية حضوراً في المشهد الرياضي الشعبي خلال السنوات الأخيرة.

ويشير إلى أن التأثير الأبرز كان في رواج اسم القرية خارج حدود محافظة الشرقية، مشيراً إلى أن المواد المصورة الخاصة بالبطولة حققت مئات الملايين من المشاهدات عبر المنصات الرقمية المختلفة الخاصة بها، التي تولت تغطية المباريات، ونشر أبرز اللقطات، والأهداف، وهو ما ساهم في اتساع دائرة المتابعين بصورة كبيرة.

ويضيف كهربا أن النجاح الإعلامي والتنظيمي للبطولة دفع العديد من منظمي الدورات الرياضية الشعبية في المحافظات الأخرى إلى التواصل مع اللجنة المنظمة للاستفادة من تجربتها، خصوصاً كيفية تجهيز الملعب، وإدارة المباريات، واستقدام الفرق، والحكام، فضلاً عن رغبة بعض المنظمين في استضافة فرق اعتادت المشاركة في بطولة القضاة، بهدف رفع مستوى التنافس لبطولاتهم المحلية.

بطولة شعبية منحت قرية القضاة شهرة غير مسبوقة على مستوى مصر (وزارة الشباب والرياضة)

ويرى عضو اللجنة أن حضور وزير الشباب والرياضة للمباراة النهائية مثل لحظة فارقة بالنسبة لأهالي القرية، لأنها عكست حجم الاهتمام الذي باتت تحظى به البطولة، مبيناً أن الزيارة كانت مصدر فخر كبير للسكان، ورسالة بأن حدثاً رياضياً شعبياً انطلق من قرية صغيرة أصبح قادراً على جذب المسؤولين وصناع القرار إلى قلب الريف المصري.

ويرى الناقد الرياضي، أيمن هريدي، أن حضور وزير الشباب والرياضة للمباراة النهائية لدورة القضاة أكسبها قوة، ومكانة، وجدية، وزاد من أهمية الدورات التي تقام في الأقاليم، وأكد أن المواهب موجودة في كل مكان، وتحتاج فقط الفرصة، مؤكداً أن الدورات التي تقام في المحافظات والريف هي «منجم» للموهوبين، وتعد فرصة لاكتشاف المواهب، وبديلاً حقيقياً عن الأكاديميات الرياضية باهظة الثمن، ويمكن أن يخرج منها أسماء لامعة في سماء الكرة المصرية.

أجواء احتفالية غير معتادة شهدتها قرية القضاة عقب انتهاء البطولة (صفحة بطولة القضاة للمحترفين)

ويبين هريدي، لـ«الشرق الأوسط»، أن لهذه الدورات دوراً في توسيع قاعدة الممارسة الرياضية، بما يسهم في شغل أوقات فراغ الشباب والنشء بشكل إيجابي، وتوجيه طاقاتهم نحو نشاط بدني ينمي مهاراتهم، وقدراتهم الذهنية، والبدنية.

كما يشير هريدي إلى أن دورات كرة القدم الشعبية والريفية في المحافظات المصرية لها أهمية اجتماعية ورياضية كبيرة، حيث تتجاوز كونها مجرد مباريات ترفيهية لتشكل جزءاً أصيلاً من النسيج الثقافي، والمجتمعي، فلها دورها في تعزيز الروابط الاجتماعية، حيث يشارك سكان القرية في الاستعدادات التنظيمية، ما يجمع أهل القرية والشباب في أجواء من الألفة، والانتماء، والتنافس الشريف.


«عبد الوهاب» في أمسية موسيقية تستعيد إرثه الفني في لبنان

الأوركسترا الوطنية تحيي حفل عبد الوهاب في كازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)
الأوركسترا الوطنية تحيي حفل عبد الوهاب في كازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)
TT

«عبد الوهاب» في أمسية موسيقية تستعيد إرثه الفني في لبنان

الأوركسترا الوطنية تحيي حفل عبد الوهاب في كازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)
الأوركسترا الوطنية تحيي حفل عبد الوهاب في كازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)

في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، تحيي الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق عربية أمسية غنائية تكريماً للموسيقار محمد عبد الوهاب، تحمل عنوان «في حبّ موسيقار الأجيال عبد الوهاب والخلود». وتتولى إحياء الأمسية الفنانة نادين عواد، التي تؤدي على مسرح كازينو لبنان باقة من روائع الموسيقار الراحل. وتُسجِّل نادين بهذه المناسبة سابقة فنية، إذ ستكون أول فنانة لبنانية تؤدي أغنية «من غير ليه» كاملة على المسرح.

ويشير المايسترو أندريه الحاج، قائد الأوركسترا الوطنية والمشرف على البرنامج الموسيقي للأمسية، إلى أن اختياره صوتاً نسائياً جاء انطلاقاً من اقتناعه بموهبة نادين عواد، وما تمتلكه من نضج غنائي يؤهلها لخوض هذه التجربة. ويتابع في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «نادين هي ابنة الموسيقي الراحل فؤاد عواد، وقد سبق أن تعاونّا قبل نحو سنتين في حفل غنائي. يومها أدَّت أغنية (أنا لك على طول) لعبد الوهاب، فلفتني صوتها. وانتظرت الوقت المناسب لتقف منفردة على المسرح وتقدّم باقة من أغنياته».

المايسترو أندريه الحاج يدعو المدارس لإدراج هذه النشاطات في مناهجها التربوية (المايسترو أندريه الحاج)

ويؤكد الحاج أن أداء «من غير ليه» كاملة بصوت نسائي لبناني يشكّل تجربة لافتة، موضحاً أنها المرة الأولى التي تؤدي فيها امرأة هذه الأغنية كاملة على المسرح. ويقول: «أعدّها فرصة سانحة لنادين لإبراز موهبة غنائية مميزة. وكان دوري أن أكشف عن هذه الموهبة، لا سيما أنني أقوم بذلك انطلاقاً من حبي لاكتشاف أصوات تمتلك هذا المستوى من التميّز».

ويرى الحاج أن لبنان يزخر بمواهب غنائية كثيرة لم تحظَ بفرصة الظهور، مشدداً على أهمية البحث الدائم عن أصوات جديدة قادرة على مواصلة مسيرة الأغنية الأصيلة التي تركها كبار الفنانين. ويضيف أن الأمسية تستند إلى ثلاثة عناصر فنية أساسية لا غنى عنها في أي أمسية غنائية، هي الموسيقى والصوت والكلمة، وهي عناصر يراها ضرورية لنجاح أي عمل غنائي. ويقول: «حرصنا على حضورها مجتمعة، وهي قاعدة كان الرحابنة يعتمدونها على الخشبة لإنتاج أعمال مسرحية رفيعة المستوى».

وتُفتتح الأمسية بموسيقى أغنية «أنا وحبّي»، قبل أن تؤدي نادين عواد أغنيتَي «لا مش أنا اللي أبكي» و«يا مسافر وحدك». وفي منتصف الحفل، يقدّم الحاج مع الأوركسترا المقطوعة الموسيقية الشهيرة «النهر الخالد»، التي لحّنها عبد الوهاب عام 1954، من كلمات الشاعر المصري محمود حسن إسماعيل، باللغة العربية الفصحى، وعلى مقام الكورد، وتتغنى بنهر النيل الخالد، وترتبط بوجدان المواطن والفلاح المصري، إذ تصف جمال ضفافه وأشجار النخيل المحيطة به بلغة شعرية وموسيقية رفيعة، تعبّر عن ارتباط المصريين بنهرهم.

ويتضمن البرنامج مجموعة من الأعمال الموسيقية والغنائية لعبد الوهاب، تمتد معها الأمسية لأكثر من ساعة. ويلفت الحاج إلى الإقبال الذي تشهده هذه الحفلات، مشيراً إلى نفاد بطاقات الدخول منذ اليوم الأول للإعلان عنها. وتأتي الأمسية في إطار التعاون بين المعهد الوطني للموسيقى وكازينو لبنان.

ومن بين الأغنيات التي تؤديها نادين عواد «إمتى الزمان»، من كلمات أمين عزّت الهجين، وهي واحدة من أشهر الطقاطيق الرومانسية الخالدة في تاريخ الموسيقى العربية.

يقام الحفل بالتعاون بين الكونسرفاتوار الوطني وكازينو لبنان (المايسترو أندريه الحاج)

أما ختام الأمسية، فيكون مع «من غير ليه»، التي تؤديها نادين عواد كاملة على مدى نصف ساعة متواصلة، في تجربة تُعدّ الأولى من نوعها بصوت نسائي لبناني. ويعلّق الحاج: «لم يسبق أن قُدّمت الأغنية بهذا الشكل في لبنان، وأعدّ ذلك حدثاً فنياً من شأنه تعزيز مكانة لبنان الثقافية والفنية».

ويُفتح الحفل مجاناً أمام الجمهور، في خطوة تتيح للبنانيين من مختلف الشرائح الاجتماعية المشاركة في هذه الأمسية الموسيقية. وفي هذا السياق، يشدد الحاج على ضرورة توسيع قاعدة جمهور الحفلات الموسيقية، وعدم حصرها بفئة عمرية أو اجتماعية معينة. ويقول: «علينا الإكثار من هذا النوع من الحفلات، وتشجيع تلامذة المدارس على حضورها. فبرأيي، تبدأ التربية الفنية من البيت والمدرسة. هناك جيل بأكمله يجهل أغنيات عمالقة الفن في لبنان والعالم العربي. ومن هنا، أدعو المدارس إلى إدراج الحفلات الموسيقية الكلاسيكية ضمن مناهجها التربوية، لتعزيز هذا الجانب لدى التلامذة واصطحابهم إلى الأمسيات كي يتعرّفوا إلى الموسيقى الأصيلة».

ويشير الحاج إلى أن الأوركسترا الوطنية تحيي 4 حفلات من هذا النوع شهرياً، مما يتيح للمدارس إدراجها ضمن نشاطاتها الفنية. ويضيف: «ما الفائدة من أن يحضر هذه الحفلات الأشخاص أنفسهم ومن جيل معيّن؟ من الضروري توسيع آفاقها وإشراك جيل الشباب، ليتمكّن من التعرّف إلى تراثه الفني العربي. وأتفاجأ اليوم بوجود جيل لم يسبق له أن سمع بفيروز وفريد الأطرش ووديع الصافي وصباح، أو أم كلثوم وعبد الوهاب. وأعدّ ذلك نقصاً في الثقافة الفنية العامة. فالأوركسترا الوطنية ليست حكراً على أحد، بل هي حق من حقوق الشعب اللبناني، ومن واجبها أن تتيح له الاستفادة ثقافياً من كل ما تقدّمه من حفلات».


بعد 100 يوم من الضياع في المحيط... إنقاذ 5 أشخاص من قارب مفقود

 الأشخاص كانوا في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو عندما باغتتهم عاصفة (أ.ب)
الأشخاص كانوا في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو عندما باغتتهم عاصفة (أ.ب)
TT

بعد 100 يوم من الضياع في المحيط... إنقاذ 5 أشخاص من قارب مفقود

 الأشخاص كانوا في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو عندما باغتتهم عاصفة (أ.ب)
الأشخاص كانوا في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو عندما باغتتهم عاصفة (أ.ب)

عُثر على خمسة أشخاص في دولة كيريباتي الواقعة جنوب المحيط الهادئ، بعدما أمضوا ثلاثة أشهر تائهين في عرض البحر على متن قارب صغير لا يتجاوز طوله 20 قدماً (نحو 6 أمتار)، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وأفاد خفر السواحل الأميركي في غوام بأن القارب، الذي كان على متنه تسعة أشخاص، فُقد أثره في 30 يوليو (تموز)، بعدما لم يصل إلى جزيرة «رو» التابعة لميكرونيزيا.

كانت السلطات قد أوقفت عمليات البحث عقب إخفاق فرق الإنقاذ في العثور على أي أثر للقارب أو ركابه، رغم تمشيط مساحة بلغت 85 ألفاً و700 كيلومتر مربع على مدى 10 أيام.

لكن سكان قرية في جزيرة «جنوب تاراوا» التابعة لجمهورية كيريباتي رصدوا القارب الصغير الأسبوع الماضي، وتمكنوا من إنقاذ خمسة من ركابه.

ووفقاً للتقارير، عُثر على القارب على بُعد نحو 5400 كيلومتر من الموقع الذي شوهدت فيه المجموعة للمرة الأخيرة.

وقال خفر السواحل الأميركي لوكالة «أسوشييتد برس»: «إنها أخبار مذهلة ورائعة؛ فقد عُثر على هؤلاء الأشخاص الخمسة، وهم يتلقون الرعاية حالياً».

وأضاف: «نتقدم بخالص تعازينا إلى عائلات وأصدقاء أولئك الذين لم يصلوا معهم».

رحلة مدتها ساعة تتحول إلى محنة استمرت أشهراً

كان الأشخاص التسعة في رحلة يُفترض أن تستغرق ساعة واحدة بين جزيرتي موريلو ورو، عندما باغتتهم عاصفة حوّلت رحلتهم القصيرة إلى محنة امتدت لأشهر، عانوا خلالها الجوع وفقدوا عدداً من رفاقهم.

وحسب آرثر آيرونز الثاني، وهو مسؤول في ميكرونيزيا، فقد نفد وقود القارب في أثناء رحلة العودة، مما أدى إلى انحرافه عن مساره.

وأوضح آيرونز لصحيفة «نيويورك تايمز» أن الركاب شاهدوا سفناً وطائرات في الأفق، ولوّحوا طلباً للمساعدة، لكن المسافة التي كانت تفصلهم عنها كانت كبيرة جداً.

وبعد نحو 100 يوم في عرض البحر، لمح الركاب جزيرة في الأفق، قبل أن يجنح قاربهم الصغير ويستقر على الشاطئ.

واهتدى الناجون الخمسة، وهم ثلاثة رجال ومراهقان، إلى البلدة مسترشدين بأصوات أجراس الكنيسة.

وفي البداية، اعتقد سكان القرية أن القادمين كانوا في حالة سُكر، بعدما شاهدوهم يترنحون في أثناء دخولهم البلدة.

ووفقاً للتقرير، توفي أربعة من ركاب القارب، بينهم طفل، خلال الأشهر التي قضوها تائهين في عرض البحر.

جفاف شديد وسوء تغذية حاد

وقال المشرّع كاو تيتاكي راكوروا، من دولة كيريباتي، إن الناجين يتلقون الرعاية حالياً على يد قسّ في الجزيرة.

من جانبها، أفادت الممرضة بوكين تورورو بأن الناجين الخمسة كانوا يعانون من جفاف شديد وسوء تغذية حاد. وأوضحت أنهم يخضعون للعلاج باستخدام المحاليل الوريدية، وأن علامات التعافي بدأت تظهر عليهم.

وأفادت: «إنهم يبتسمون، ويُبدون رغبتهم في تناول الطعام».

من جهته، أعلن حاكم ولاية تشوك في ميكرونيزيا، ألكسندر ناروهن، أنه بدأ محادثات مع حكومة كيريباتي لترتيب عودة الناجين إلى وطنهم.

وقال الحاكم: «كان على متن القارب المفقود تسعة أشخاص. نشكر الله على محبته ورحمته، إذ تم العثور على خمسة منهم».

وأضاف: «نواصل الدعاء لرفاقهم الأربعة الآخرين».