رحلة أسرة سورية من مخيم الهول إلى «الرقة المعادية»

معاناة امرأة و3 من بناتها اشتغل رجالهم مع «داعش»

امرأتان في مدينة الرقة وسط الدمار الذي تسبب به تنظيم «داعش» والمعارك ضده (أ.ف.ب)
امرأتان في مدينة الرقة وسط الدمار الذي تسبب به تنظيم «داعش» والمعارك ضده (أ.ف.ب)
TT

رحلة أسرة سورية من مخيم الهول إلى «الرقة المعادية»

امرأتان في مدينة الرقة وسط الدمار الذي تسبب به تنظيم «داعش» والمعارك ضده (أ.ف.ب)
امرأتان في مدينة الرقة وسط الدمار الذي تسبب به تنظيم «داعش» والمعارك ضده (أ.ف.ب)

بعد عامين من الفرار المستمر مع مجموعة تتبع تنظيم داعش، رغبت أم محمود في العودة إلى ديارها فحسب. وعندما نجحت أخيراً في الوصول إلى الرقة (شمال سوريا)، رفقة بناتها وحفيداتها، وجدت أن منزلها تعرض للحرق، لكن ما يزال من الممكن العيش فيه بصورة جزئية. كما وجدت من حولها مدينة معادية تبدي ترددها إزاء قبول عودتها، بحسب تقرير لـ«أسوشييتد برس».
كانت أم محمود (53 عاماً)، والتي تعمل بمجال الخياطة، قد عادت إلى الرقة قادمة من مخيم الهول، حيث جرى إبقاء نحو 73 ألف شخص، معظمهم من أسر مسلحي تنظيم «داعش»، بعد هزيمة الجماعة في مارس (آذار). وداخل الرقة، التي حكمها «داعش» بوحشية لسنوات وعانت من دمار بالغ في خضم القتال لطرده من المدينة، لا يشعر الناس بثقة تجاه العائدين. على سبيل المثال، تعرضت أم محمود للنبذ من أقاربها وجيرانها. تقول أم محمود وهي أم لستة أبناء: «لا أحد يسأل عنا، والأقارب يخافون منا».
وتعد عودتها للمدينة، التي جرت في يونيو (حزيران)، جزءاً من تجربة تنفذها الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا ويقودها أكراد مدعومون من الولايات المتحدة، في محاولة لتحقيق مصالحة في الرقة بعد الفوضى التي مزقت نسيجها الاجتماعي. وسمحت إدارة المدينة، من جانبها، بعودة قرابة 700 أسرة من الهول. ويضم المخيم بوجه عام نحو 30 ألف سوري، معظمهم من النساء والأطفال، بجانب عشرات الآلاف من العراقيين ومئات الأجانب. وقد رفضت معظم الدول الأصلية التي ينتمي إليها الأجانب استعادتهم.
ضامنون من شيوخ القبائل
وترى الإدارة هنا بأنه من الأفضل إعادة الأسر إلى أحضان المجتمع، بدلاً من تركها في أتون التطرف. ويجري تنسيق عودة الأسر مع شيوخ قبائل عربية يكفلون العائدين ويعملون بمثابة ضامنين لعدم إثارتهم مشكلات. وتقدم آلاف آخرون من السوريين داخل المعسكر بطلبات للعودة. وحتى الآن، لا تبدو نتائج التجربة مؤكدة، مثلما تكشف حالة أم محمود. وقد تحدثت هي وأفراد أسرتها، شرط عدم كشف هويتهم، بسبب الوصمة التي يلصقها بهم المجتمع المحيط.
كانت أم محمود وأسرتها قد فروا من الرقة صيف 2017 عندما أمر «داعش» سكان الحي الذي يسكنونه بالخروج من ديارهم في مواجهة زحف قوات مدعومة من الولايات المتحدة وضربات جوية من قوات التحالف. وانتقلت الأسرة برفقة المسلحين المتقهقرين من مدينة لأخرى على مدار الشهور التالية، حتى الهزيمة النهائية للجماعة في قرية الباغوز شرق البلاد. وقُتل اثنان من أبناء أم محمود وزوج ابنة لها، أثناء قتالهم أو عملهم لحساب «داعش». وخرجت من الباغوز وأرسلت إلى الهول برفقة ثلاثة من بناتها وثلاثة من أحفادها. والآن، يقبع زوجها ووالدها، وابنها الباقي على قيد الحياة ويبلغ 14 عاماً وزوج إحدى بناتها، قيد الاحتجاز لدى القوات التي يقودها الأكراد. وصدر حكم بالسجن سنة ضد زوج ابنتها لكونه عضواً في «داعش»، رغم أنه تم الإقرار بأنه لم يشارك في القتال.
واليوم، جرى تنظيف شوارع مدينة الرقة التي لم يكن واضحاً من معالمها شيء تحت أكوام الركام، ويحرص عمال البلدية على الحفاظ على نظافة الشوارع. وما تزال الكثير من الشوارع في أفق المدينة عبارة عن هياكل مدمرة، لكن السكان انتقلوا منها وشيدوا شققاً جديدة أو افتتحوا متاجر لهم. كما انتشرت في ربوع المدينة مطاعم جديدة، بعضها على ضفاف نهر الفرات الجاري عبر المدينة. كما ترتفع لوحات إعلانية فوق الشوارع المكتظة بالحركة. وتعلن واحدة من اللوحات عن شركة جديدة متخصصة في تنظيم حفلات الزفاف مع الاستعانة بمطربين، وهو أمر كان محظوراً في عهد «داعش». وتزدان أرفف مصفوفة في الشوارع بفواكه من مزارع قريبة. كما تعج المتنزهات العامة بأطفال وأسرهم.
يقول مسؤولون إن ما يزيد على 800 ألف شخص عادوا للمدينة وضواحيها، ما يعادل قرابة ثمانية أضعاف العدد الذي كان ما يزال في المدينة عندما طردت «داعش» أخيراً منها في أكتوبر (تشرين الأول) 2017.
وقال مسؤولون محليون إنهم أعادوا تشغيل 18 من إجمالي 24 محطة ضخ للمياه تضررت بسبب أعمال القتال بالمدينة. واليوم، تفتح أكثر عن 300 مدرسة أبوابها، من إجمالي 800. وتضم عشرات الآلاف من الطلاب. كانت قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة قد تولت تدريب ما يزيد على 7500 من رجال ونساء قوات الأمن الداخلي في الرقة، وأعادت إصلاح 20 جسراً تعرضت للدمار أثناء القتال.
من ناحيتها، تتكسب أم محمود قوتها من خلال بيع ملابس مستعملة في السوق. وباعت قطع حلي ذهبية كانت تملكها لبدء نشاط تجاري لها. وعلى خلاف الحال مع السواد الأعظم من سكان المدينة، ما تزال وبناتها يلتزمن بقواعد الملابس شديدة الصرامة التي فرضها «داعش»، حيث يغطين كامل أجسادهن بما في ذلك الوجه والعينين واليدين. وقالت: «رحل (داعش)، لكننا ملتزمون بطاعة أوامر الله».
وشعرت أم محمود بصدمة إزاء نبذ جيرانها لها. وقالت مشيرة إلى منازلهم: «انظر! لديهم كهرباء ونحن لا. وهذا، وذاك. إنهم لا يشعرون بنا. نحن مجرد نساء نعيش في الظلام بمفردنا، وهم يتمتعون بالكهرباء 24 ساعة. هل هذا ما تصفونه بالحرية؟»
يذكر أنه نظراً لأن الكهرباء لم تعد بشكل كامل في المدينة، يعتمد السكان على مولدات للحصول على الطاقة وعادة ما يتشاركون فيها. أما جيران أم محمود، فرفضوا التشارك معها في المولد.
واعترفت أم محمود أن أبناءها وزوج ابنتها قاتلوا لحساب أو كانوا أعضاء في «داعش»، لكن لم يقدم أي من أفراد أسرتها على أذية أي من الجيران. واتهمت الجيران بالسعي وراء كسب ود السلطات الجديدة.
وقال أفراد أسرتها إنهم واجهوا مشكلات في التعامل مع مسؤولي المدينة، رغم وعود إعادة الدمج. وعندما طلبت ابنتها سمية زيارة زوجها، طلبت السلطات دليلاً يثبت الزواج، لكن المسؤول المحلي رفض منحها الوثيقة، مشيراً إلى أنها كانت من أنصار «داعش». وذهبت سمية إلى المسؤول ثلاث مرات وتخلت عن النقاب المغطي وجهها في إحدى المرات لتجنب وصفها بأنها من فلول «داعش»، لكن دون جدوى. ويعني ذلك أنها لن تتمكن من إلحاق ابنها بالمدرسة.
من ناحية أخرى، نفى مسؤول كردي رفيع مسألة حرمان العائدين من إصدار وثائق رسمية لهم، وقال إن السبب لا بد أنه إجرائي. أما سمية، فترغب بمجرد خروج زوجها من السجن في الانتقال إلى حي جديد تماماً لا يعرفهم فيه أحد.
من جهته، قال متحدث رسمي باسم وزارة الخارجية الأميركية أمام حشد من المراسلين، إن إنفاقات «مستهدفة للغاية» جرى ضخها في المناطق المحررة حديثاً لضمان عدم عودة «داعش». وكانت واشنطن، التي جمدت العام الماضي خططها لتمويل عملية إرساء الاستقرار في شمال شرقي سوريا، قد جمعت ما يزيد على 325 مليون دولار من دول أخرى من أجل عمليات إعادة الإعمار. ومع هذا، أقر المسؤول بأن «المهمة لم تنجز».
تجدر الإشارة إلى أن «داعش» تراجع إلى مناطق صحراوية وذاب مسلحوه بين السكان. والآن، يشن عملية تمرد ويستهدف مسؤولين محليين ونقاط تفتيش أمنية. وشهدت الرقة ست هجمات من هذا النوع خلال أغسطس (آب) الماضي فقط، مقارنة بانعدام العمليات خلال الشهر السابق، تبعاً لما أفاده مركز روجافا للمعلومات.
وتثير أعمال العنف شكوك سكان الرقة. وقال شيخ القبيلة الضامن لأم محمود، هويدي الشلش، إن هذه النظرة قصيرة ومحدودة. وأشار إلى أن النساء والأطفال في مخيم الهول انغمسوا في الأفكار المتطرفة، وسيتحولون لمزيد من الراديكالية إذا لم يتم إخراجهم من المخيم.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.