بعد عامين من الفرار المستمر مع مجموعة تتبع تنظيم داعش، رغبت أم محمود في العودة إلى ديارها فحسب. وعندما نجحت أخيراً في الوصول إلى الرقة (شمال سوريا)، رفقة بناتها وحفيداتها، وجدت أن منزلها تعرض للحرق، لكن ما يزال من الممكن العيش فيه بصورة جزئية. كما وجدت من حولها مدينة معادية تبدي ترددها إزاء قبول عودتها، بحسب تقرير لـ«أسوشييتد برس».
كانت أم محمود (53 عاماً)، والتي تعمل بمجال الخياطة، قد عادت إلى الرقة قادمة من مخيم الهول، حيث جرى إبقاء نحو 73 ألف شخص، معظمهم من أسر مسلحي تنظيم «داعش»، بعد هزيمة الجماعة في مارس (آذار). وداخل الرقة، التي حكمها «داعش» بوحشية لسنوات وعانت من دمار بالغ في خضم القتال لطرده من المدينة، لا يشعر الناس بثقة تجاه العائدين. على سبيل المثال، تعرضت أم محمود للنبذ من أقاربها وجيرانها. تقول أم محمود وهي أم لستة أبناء: «لا أحد يسأل عنا، والأقارب يخافون منا».
وتعد عودتها للمدينة، التي جرت في يونيو (حزيران)، جزءاً من تجربة تنفذها الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا ويقودها أكراد مدعومون من الولايات المتحدة، في محاولة لتحقيق مصالحة في الرقة بعد الفوضى التي مزقت نسيجها الاجتماعي. وسمحت إدارة المدينة، من جانبها، بعودة قرابة 700 أسرة من الهول. ويضم المخيم بوجه عام نحو 30 ألف سوري، معظمهم من النساء والأطفال، بجانب عشرات الآلاف من العراقيين ومئات الأجانب. وقد رفضت معظم الدول الأصلية التي ينتمي إليها الأجانب استعادتهم.
ضامنون من شيوخ القبائل
وترى الإدارة هنا بأنه من الأفضل إعادة الأسر إلى أحضان المجتمع، بدلاً من تركها في أتون التطرف. ويجري تنسيق عودة الأسر مع شيوخ قبائل عربية يكفلون العائدين ويعملون بمثابة ضامنين لعدم إثارتهم مشكلات. وتقدم آلاف آخرون من السوريين داخل المعسكر بطلبات للعودة. وحتى الآن، لا تبدو نتائج التجربة مؤكدة، مثلما تكشف حالة أم محمود. وقد تحدثت هي وأفراد أسرتها، شرط عدم كشف هويتهم، بسبب الوصمة التي يلصقها بهم المجتمع المحيط.
كانت أم محمود وأسرتها قد فروا من الرقة صيف 2017 عندما أمر «داعش» سكان الحي الذي يسكنونه بالخروج من ديارهم في مواجهة زحف قوات مدعومة من الولايات المتحدة وضربات جوية من قوات التحالف. وانتقلت الأسرة برفقة المسلحين المتقهقرين من مدينة لأخرى على مدار الشهور التالية، حتى الهزيمة النهائية للجماعة في قرية الباغوز شرق البلاد. وقُتل اثنان من أبناء أم محمود وزوج ابنة لها، أثناء قتالهم أو عملهم لحساب «داعش». وخرجت من الباغوز وأرسلت إلى الهول برفقة ثلاثة من بناتها وثلاثة من أحفادها. والآن، يقبع زوجها ووالدها، وابنها الباقي على قيد الحياة ويبلغ 14 عاماً وزوج إحدى بناتها، قيد الاحتجاز لدى القوات التي يقودها الأكراد. وصدر حكم بالسجن سنة ضد زوج ابنتها لكونه عضواً في «داعش»، رغم أنه تم الإقرار بأنه لم يشارك في القتال.
واليوم، جرى تنظيف شوارع مدينة الرقة التي لم يكن واضحاً من معالمها شيء تحت أكوام الركام، ويحرص عمال البلدية على الحفاظ على نظافة الشوارع. وما تزال الكثير من الشوارع في أفق المدينة عبارة عن هياكل مدمرة، لكن السكان انتقلوا منها وشيدوا شققاً جديدة أو افتتحوا متاجر لهم. كما انتشرت في ربوع المدينة مطاعم جديدة، بعضها على ضفاف نهر الفرات الجاري عبر المدينة. كما ترتفع لوحات إعلانية فوق الشوارع المكتظة بالحركة. وتعلن واحدة من اللوحات عن شركة جديدة متخصصة في تنظيم حفلات الزفاف مع الاستعانة بمطربين، وهو أمر كان محظوراً في عهد «داعش». وتزدان أرفف مصفوفة في الشوارع بفواكه من مزارع قريبة. كما تعج المتنزهات العامة بأطفال وأسرهم.
يقول مسؤولون إن ما يزيد على 800 ألف شخص عادوا للمدينة وضواحيها، ما يعادل قرابة ثمانية أضعاف العدد الذي كان ما يزال في المدينة عندما طردت «داعش» أخيراً منها في أكتوبر (تشرين الأول) 2017.
وقال مسؤولون محليون إنهم أعادوا تشغيل 18 من إجمالي 24 محطة ضخ للمياه تضررت بسبب أعمال القتال بالمدينة. واليوم، تفتح أكثر عن 300 مدرسة أبوابها، من إجمالي 800. وتضم عشرات الآلاف من الطلاب. كانت قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة قد تولت تدريب ما يزيد على 7500 من رجال ونساء قوات الأمن الداخلي في الرقة، وأعادت إصلاح 20 جسراً تعرضت للدمار أثناء القتال.
من ناحيتها، تتكسب أم محمود قوتها من خلال بيع ملابس مستعملة في السوق. وباعت قطع حلي ذهبية كانت تملكها لبدء نشاط تجاري لها. وعلى خلاف الحال مع السواد الأعظم من سكان المدينة، ما تزال وبناتها يلتزمن بقواعد الملابس شديدة الصرامة التي فرضها «داعش»، حيث يغطين كامل أجسادهن بما في ذلك الوجه والعينين واليدين. وقالت: «رحل (داعش)، لكننا ملتزمون بطاعة أوامر الله».
وشعرت أم محمود بصدمة إزاء نبذ جيرانها لها. وقالت مشيرة إلى منازلهم: «انظر! لديهم كهرباء ونحن لا. وهذا، وذاك. إنهم لا يشعرون بنا. نحن مجرد نساء نعيش في الظلام بمفردنا، وهم يتمتعون بالكهرباء 24 ساعة. هل هذا ما تصفونه بالحرية؟»
يذكر أنه نظراً لأن الكهرباء لم تعد بشكل كامل في المدينة، يعتمد السكان على مولدات للحصول على الطاقة وعادة ما يتشاركون فيها. أما جيران أم محمود، فرفضوا التشارك معها في المولد.
واعترفت أم محمود أن أبناءها وزوج ابنتها قاتلوا لحساب أو كانوا أعضاء في «داعش»، لكن لم يقدم أي من أفراد أسرتها على أذية أي من الجيران. واتهمت الجيران بالسعي وراء كسب ود السلطات الجديدة.
وقال أفراد أسرتها إنهم واجهوا مشكلات في التعامل مع مسؤولي المدينة، رغم وعود إعادة الدمج. وعندما طلبت ابنتها سمية زيارة زوجها، طلبت السلطات دليلاً يثبت الزواج، لكن المسؤول المحلي رفض منحها الوثيقة، مشيراً إلى أنها كانت من أنصار «داعش». وذهبت سمية إلى المسؤول ثلاث مرات وتخلت عن النقاب المغطي وجهها في إحدى المرات لتجنب وصفها بأنها من فلول «داعش»، لكن دون جدوى. ويعني ذلك أنها لن تتمكن من إلحاق ابنها بالمدرسة.
من ناحية أخرى، نفى مسؤول كردي رفيع مسألة حرمان العائدين من إصدار وثائق رسمية لهم، وقال إن السبب لا بد أنه إجرائي. أما سمية، فترغب بمجرد خروج زوجها من السجن في الانتقال إلى حي جديد تماماً لا يعرفهم فيه أحد.
من جهته، قال متحدث رسمي باسم وزارة الخارجية الأميركية أمام حشد من المراسلين، إن إنفاقات «مستهدفة للغاية» جرى ضخها في المناطق المحررة حديثاً لضمان عدم عودة «داعش». وكانت واشنطن، التي جمدت العام الماضي خططها لتمويل عملية إرساء الاستقرار في شمال شرقي سوريا، قد جمعت ما يزيد على 325 مليون دولار من دول أخرى من أجل عمليات إعادة الإعمار. ومع هذا، أقر المسؤول بأن «المهمة لم تنجز».
تجدر الإشارة إلى أن «داعش» تراجع إلى مناطق صحراوية وذاب مسلحوه بين السكان. والآن، يشن عملية تمرد ويستهدف مسؤولين محليين ونقاط تفتيش أمنية. وشهدت الرقة ست هجمات من هذا النوع خلال أغسطس (آب) الماضي فقط، مقارنة بانعدام العمليات خلال الشهر السابق، تبعاً لما أفاده مركز روجافا للمعلومات.
وتثير أعمال العنف شكوك سكان الرقة. وقال شيخ القبيلة الضامن لأم محمود، هويدي الشلش، إن هذه النظرة قصيرة ومحدودة. وأشار إلى أن النساء والأطفال في مخيم الهول انغمسوا في الأفكار المتطرفة، وسيتحولون لمزيد من الراديكالية إذا لم يتم إخراجهم من المخيم.
رحلة أسرة سورية من مخيم الهول إلى «الرقة المعادية»
معاناة امرأة و3 من بناتها اشتغل رجالهم مع «داعش»
امرأتان في مدينة الرقة وسط الدمار الذي تسبب به تنظيم «داعش» والمعارك ضده (أ.ف.ب)
رحلة أسرة سورية من مخيم الهول إلى «الرقة المعادية»
امرأتان في مدينة الرقة وسط الدمار الذي تسبب به تنظيم «داعش» والمعارك ضده (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة






