عصر السياحة الفضائية والتنقيب في الأجرام السماوية... هل يحتاج إلى قوانين جديدة؟

مهمات دولية لحكومات العالم وكبريات الشركات تهدد بخرق الاتفاقيات القديمة

عصر السياحة الفضائية والتنقيب في الأجرام السماوية... هل يحتاج إلى قوانين جديدة؟
TT

عصر السياحة الفضائية والتنقيب في الأجرام السماوية... هل يحتاج إلى قوانين جديدة؟

عصر السياحة الفضائية والتنقيب في الأجرام السماوية... هل يحتاج إلى قوانين جديدة؟

تناقلت الأنباء اتهام رائدة الفضاء آن ماك كلين بارتكاب ما يمكن اعتباره الجريمة الأولى في الفضاء، فقد تقدّمت ضابطة المخابرات الجوية السابقة سامر ووردن ببلاغ أمام هيئة التجارة الفيدرالية حول سرقة الهوية، تدّعي فيه أنّ شريكة حياتها آن ماك لاين استخدمت حسابها المصرفي دون إذنها، وذلك من مقرّ إقامتها في المحطّة الفضائية الدولية، حيث تشارك في بعثة مدّتها ستة أشهر.
وتُنظّم أمور المحطّة الفضائية الدولية بموجب معاهدة تُعرف بالاتفاق الحكومي الدولي المتعلّق بالمحطة الفضائية، وقّعتها الكيانات الخمسة المشاركة في المحطة الفضائية الدولية وهي روسيا، واليابان، وأوروبا، وكندا، والولايات المتحدة. وعند حصول أي جناية في المحطّة، تسنِد المعاهدة صلاحيات التحقيق فيها إلى الدولة التي ينتمي إليها مرتكبها، إلّا في حال تضرّر أشخاص من الدول الأخرى.
ويعدد الخبراء أهم جوانب استكشاف واستغلال الفضاء القريب، وكيفية تأثيره على حياتنا اليومية، وقوانين الفضاء بالإضافة إلى بعض الأمور التي تثير قلق خبراء الفضاء.
- الأرض والفضاء
عندما نفكّر بالفضاء، تتراود إلى مخيلتنا العربات الجوّالة المتّجهة إلى المريخ وهبوط مركبات أبوللو، وليس الأمور المملّة التي تحصل كلّ يوم مثل الاتصالات، ونظم الإرسال الإذاعية والتلفزيونية، ونظم تحديد المواقع والملاحة وتقنية الأقمار الصناعية الموجودة في الفضاء، التي لن تستطيع المؤسسات المالية العمل في حال عدم وجودها. وفي غياب تلك النظم، لن يستطيع الناس إتمام التحويلات المصرفية أو سحب الأموال من آلات الصرّاف الآلي، ولن نحصل على توقعات للأرصاد الجويّة أو على خدمات البثّ والإنترنت التي تعتمد على الأقمار الصناعية. ومن دونها، سيتوقّف عمل أجهزة الاستجابة الجويّة والبحرية، وسيتعطّل تطبيق إنستغرام على بعض الهواتف، ولن نلتقط إذاعات «سيريوس إكس إم». عبر الراديو، هذا فضلاً عن شلّ بعض المستشفيات التي تحتاج إلى الاندماج بالأقمار الصناعية لتعمل.
وفيما يتعلق بالقوانين، تجتمع الدول التي تملك أقماراً صناعية دقيقة بعيدة كالولايات المتحدة واليابان وجنوب أفريقيا وروسيا والاتحاد الأوروبي، فيما يسمّى ميثاق الكوارث. وبموجب هذا الميثاق، يتوجب على أي دولة تملك قمراً صناعياً يمرّ فوق المنطقة التي تتعرّض لكارثة (بركان، أو زلزال، أو غيرها) قبل أو خلال أو بعد الحدث، مشاركة بياناتها للتقليل من الأضرار، وإنقاذ الأرواح والممتلكات.
- اتفاقيات الفضاء
إن قانون الفضاء حقيقي، ولا يتعلّق بالممتلكات أو المخلوقات الفضائية. ويتألّف قانون الفضاء من مجموعة من الاتفاقيات والقواعد الإرشادية المحليّة والدولية التي تحكم مسائل كالاستكشاف الفضائي، والاستخدام العسكري والتسليحي، والمسؤولية عن الأضرار. كما أنّه يضمّ مجالات قانونية أخرى من الجنائي إلى التجاري وقانون التأمين والملكية والقانون البيئي.
تشارك الولايات المتحدة حالياً في أربع معاهدات مرتبطة بالفضاء وهي: معاهدة الفضاء الخارجي، وميثاق المسؤولية، وميثاق التسجيل، واتفاق العودة والإنقاذ.
معاهدة الفضاء الخارجي، أو كما يسميها البعض «ميثاق الفضاء الأعظم» هي اتفاق عمره 50 عاماً يرسم العناوين العريضة لكيفية الاستكشاف السلمي للفضاء.
ويقول تشارلز ستوتلر، المدير المساعد لبرنامج الطيران والفضاء في جامعة ميسيسيبي في حديث لوسائل الإعلام الأميركية: «تحمل معاهدة الفضاء الخارجي توقيع جميع الدول التي تعمل في استكشاف الفضاء». وتضمّ هذه المعاهدة 109 دول وتشهد انضمام المزيد بشكل دوري.
تشكّل هذه المعاهدة التي أقرّتها الأمم المتحدة أساساً لقانون الفضاء الدولي، وترتكز على مبدأ توجيهي يعتبر أنّ الاستكشاف الفضائي يجب أن يكون مبادرة سلمية وأنّ جميع الدول تملك حقّ الوصول الحرّ إلى الفضاء. يغطّي هذا الاتفاق مسائل متعدّدة ككيفية تحميل الدول مسؤولية نشاطاتها الفضائية وقواعد تفادي تلويث النظام الشمسي. كما أنّه يتولّى تنظيم الاستخدام العادل للفضاء ويمنع أي دولة من «الاستيلاء على الفضاء الخارجي وما يضمّه من أجسام سماوية».
ولكن مع توسّع المجال التجاري في الفضاء، تحوّل تفسير هذا القانون إلى مسألة خلافية، إذ اعتبر ستوتلر أنّ تفسيراته تختلف بين الدول، حيث إن بعضها يعي أنّه لا يستطيع امتلاك أرض خاصة في الفضاء، بينما يعمد البعض الآخر إلى تغييبه لامتلاك ما يريده من الموارد المستخرجة.
- مشاكل الفضاء
-عسكرة الفضاء. بعد ثلاثة عقود من العمل في قانون الفضاء، حذّر رام جاخو، المدير السابق لمعهد قانون الطيران والفضاء، من مسائل كثيرة أخرى تزداد خطورة كعسكرة الفضاء، واستغلال الموارد الطبيعية، والمخلّفات الفضائية. وقال جاخو إنّ «أكبر التغييرات التي حصلت هي تطوّر التكنولوجيا والأعمال التجارية وعسكرة الفضاء. لقد تنامت هذه المشاكل بشكل ملحوظ ولكنّ القانون لم يجار هذا النمو».
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن حديثا عن تأسيس القيادة الفضائية التابعة للجيش الأميركي. من جهته، اعتبر جاخو أنّ روسيا والصين، كما الولايات المتحدة، تؤسسان لقوتهما الفضائية الخاصّة، وأنّ «تكريس القوى يعني التحضير للحرب».
-المخلّفات الفضائية. ومن بين المسائل الخطيرة الأخرى التي يحذّر منها الخبراء اليوم، برزت مشكلة المخلّفات الفضائية.
تسبب هذه القطع التي خلّفتها الصناعات البشرية في الفضاء حوادث ارتطام داخل المدار الأرضي. وتختلف أحجام هذه المخلفات وتتراوح بين كبيرة بحجم دراجة نارية وصغيرة بحجم الأدوات التي يستخدمها روّاد الفضاء. تتحرّك هذه المخلّفات بسرعة مخيفة وتهدّد الأشخاص والمحطات الفضائية والأقمار الصناعية المؤثّرة في التجارة العالمية والبعثات التجارية والعسكرية.
هذه المخلّفات، التي ستتضاعف مع ازدياد الاستكشافات والاستخدامات في الفضاء، ستؤدّي إلى حوادث متعمّدة وأخرى غير متعمّدة. فكلّ حدث ارتطام أو انفصال أو تجزئة سينتج مخلّفات إضافية. وعلى سبيل المثال، أطلقت الصين عام 2007 صاروخاً لتدمير أحد أقمارها الصناعية القديمة، مما أنتج آلاف المخلّفات الجديدة.
ويقول ماثيو شايفر، المدير المساعد لبرنامج الفضاء، والاتصالات، والسايبر، في كلية الحقوق في جامعة نبراسكا: «في حال تسببت هذه المخلّفات بأضرار أو خسارة في الأرواح على سطح الأرض، فإن الدولة التي أطلقتها تتحمّل مسؤوليتها». ولكنّه أشار إلى أنّ وقوع الضرر في الفضاء يزيد من ضبابية الموقف.
بلغ عدد الأقمار الصناعية الموجودة في مدار الأرض منذ مارس (آذار) من العام الجاري 2062 قمراً، تعود ملكية 40 في المائة منها للولايات المتحدة الأميركية. ويعرض الاعتماد الكبير لهذه الدولة على رصيدها الفضائي، إلى خطر أكبر على صعيد المخلّفات الفضائية، سواء عن قصد أو غير قصد.
- سياحة وتنقيبات كونية
يرى شايفر أنّ التقنيات الحديثة، وانخفاض تكلفة الوصول إلى الفضاء، والنماذج التجارية الجديدة، تمهّد لازدهار تجاري محتمل، وأنّ تطوّر النشاطات الفضائية التقليدية سيؤدي إلى بروز مسائل قانونية معقّدة ومستجدة.
صحيح أنّ معاهدة الفضاء الخارجي تنصّ على أنّ أي دولة لا يحقّ لها امتلاك أراض في أي مكان في الفضاء، ولكنّ أحداً لا يحرّك ساكناً لتطبيقها في مواجهة الأفراد والشركات.
وقد بدأت الشركات فعلاً في بناء نماذج لفنادق فضائية، وقريباً، سنرى شركات تجارية خاصة تهبط على القمر لأهداف تنقيبية. علاوة على ذلك، يولّد السفر والسياحة إلى القمر حاجة ملحّة للتشريعات التي تضمن التزام الشركات الخاصة بالحدّ الأدنى من المعاهدة، بحسب شايفر، الذي أضاف أنّ قضيّة المسؤولية ستظهر إلى الواجهة مع انطلاق الرحلات دون المدارية في السنة أو السنة والنصف المقبلة. في الوقت الحالي، تخطّط الصين لإطلاق أوّل قمر صناعي يعمل بالطاقة الشمسية في مدار الأرض، بينما تتلقّى هيئة الاتصالات الفيدرالية الأميركية طلبات لآلاف الأقمار الصناعية الجديدة التي ستستخدم لتوفير خدمات الإنترنت من الفضاء.
من جهة أخرى، يشدّد البعض كميشيل هانلون، المديرة المساعدة لبرنامج قانون الفضاء في كليّة الحقوق في جامعة ميسيسيبي، بأهمية حقوق الإنسان والحاجة إليها في الفضاء. وقد اعتبرت هانلون أنّ عدد السكان الموجودين في الفضاء سيشهد نموّاً مطرداً.
وأضافت «لا يوجد ميثاق لحقوق الإنسان يضمن حقّ البشر بالحصول على الأكسجين أو بفتح خطّ اتصالات من الفضاء إلى الأرض. لا بدّ من تطوير الأوضاع لحماية البشر في الفضاء».


مقالات ذات صلة

صاروخ إعادة البشر إلى القمر يُنقل لمنصة الإطلاق بفلوريدا

تكنولوجيا مركبة «أرتميس 2» الفضائية موجودة في الحجرة رقم 3 بمبنى تجميع المركبات بمركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال (أ.ف.ب)

صاروخ إعادة البشر إلى القمر يُنقل لمنصة الإطلاق بفلوريدا

نقلت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) صاروخها العملاق «إس إل إس» الذي من المفترض أن يحمل روّاد فضاء إلى مدار القمر في أوّل مهمّة منذ أكثر من 50 سنة.

«الشرق الأوسط» (مركز كيندي الفضائي في فلوريدا )
يوميات الشرق عرض يبدو غريباً لكنه يقترب أكثر من الإنسان (كرنفال قادس)

فرقة كرنفالية إسبانية بزيّ ستيفن هوكينغ على كراسٍ متحرّكة

ظهرت فرقة كرنفالية إسبانية في مقاطع مصوَّرة انتشرت بشكل واسع، يرتدي أعضاؤها زيّ العالم الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينغ.

«الشرق الأوسط» (قادس - إسبانيا)
الولايات المتحدة​ مركبة «دراغون إنديفور» الفضائية التابعة لشركة «سبيس إكس» بعد وقت قصير من هبوطها وعلى متنها رواد الفضاء التابعون لوكالة ناسا... في المحيط الهادئ قبالة ساحل لونغ بيتش ولاية كاليفورنيا الأميركية 15 يناير 2026 (أ.ف.ب)

عودة كبسولة فضاء إلى الأرض على متنها 4 رواد أحدهم مريض

عاد أربعة رواد فضاء بسلام إلى الأرض، فجر الخميس، قبل بضعة أسابيع من موعد انتهاء مهمتهم في محطة الفضاء الدولية، وذلك بعد أن تعرّض أحدهم ​لوعكة خطيرة.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق لقطة تُظهر محطة الفضاء الدولية (رويترز)

بيئة الفضاء تغيّر سلوك الفيروسات… والعلماء يبحثون عن السبب

كشفت دراسة حديثة عن أن الفيروسات التي تصيب البكتيريا، والتي يتم بحثها على متن محطة الفضاء الدولية، تتصرف على نحو مختلف عن نظيراتها على الأرض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.


باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»
TT

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

تقول برينا هين Brenna Henn، عالمة الوراثة في جامعة كاليفورنيا-ديفيس: «في مختبري، نحن نهتم بتوصيف التنوع البشري، وخاصةً لدى السكان الذين يعيشون في أفريقيا، أو المتحدرين منها. وأحد الأمور التي أردنا معالجتها هو التركيز المفرط على الطب الجيني الشخصي. والفكرة هي أنه عند إجراء تسلسل الجينوم، يمكن بعد ذلك دراسته بالنسبة لأمراض القلب أو السل -اختر مرضك المفضل- وسنتمكن من إعطائك درجة تُشير إلى مدى احتمالية إصابتك بهذه الأمراض».

نتائج متحيزة للجنس الأبيض

يُجرى معظم هذا العمل على الأوروبيين أو أحفادهم في الولايات المتحدة. عندما نُطبّق هذه الدرجات على مجموعات سكانية أخرى، لا تكون النتائج بنفس الكفاءة. وهذه مشكلة كبيرة، لأننا نُطوّر أداة سريرية لا تُجدي نفعاً إلا مع نصف الأشخاص الذين يراجعون أي عيادة في الولايات المتحدة.

وأحد أهدافنا هو فهم سبب ذلك. هل يعود ذلك إلى وجود طفرات فريدة لدى هؤلاء الأشخاص غير موجودة لدى الأوروبيين؟ أم أن لديهم نفس أنواع الجينات، ولكن تفاعلهم مع البيئة يختلف؟

دراسة الجينوم الأفريقي

في عام 2019، حصلتُ على منحةٍ للباحثين في بداية مسيرتهم المهنية من المعاهد الوطنية للصحة. جمعنا نحو 3600 جينوم من مجموعات سكانية من أصول أفريقية، سواء في القارة الأفريقية، أو في الأميركتين. وقدّمْنا 80 عينة جمعناها في جنوب أفريقيا من مجموعةٍ بالغة الأهمية تُدعى الخويسان Khoisan التي يتميز أفرادها بتنوّعٍ جينيٍّ يفوق أيّ مجموعةٍ بشريةٍ أخرى. أستمتعُ بوجودي في هذه المجتمعات، وأُحبّ التحدث مع أهلها.

نموذج لتطور الإنسان المبكر

ساعدتنا هذه البيانات في وضع نموذجٍ جديدٍ لتطور الإنسان المبكر في أفريقيا. لطالما ساد اعتقادٌ بأنّ الإنسان نشأ في موقعٍ واحدٍ فقط في أفريقيا. لكنّ ظهور جنسنا البشريّ على الأرجح كان أوسع نطاقاً في أفريقيا.

ورغم أن منحتي كانت قابلة للتجديد كل خمس سنوات، فقد تعطلت الموافقة عليها ثم ظل الطلب معلقاً من ديسمبر (كانو الأول) 2024 إلى سبتمبر (أيلول) 2025.

إخفاقات التمويل أوقفت الأبحاث

ثم قيل لنا: «لا يمكن تحديد سياسة معينة. ولكن نظراً لأن طلبكم يتضمن تعاوناً مع جنوب أفريقيا، فلن يتم تمويله». هذا كل ما جاء في البريد الإلكتروني.

إنني أشعر بخيبة أمل شديدة. كان أحد أهدافنا نشر قاعدة بيانات ضخمة للجينومات الأفريقية. سيكون هذا المورد متاحاً لآلاف الباحثين في مجال الطب الحيوي في الولايات المتحدة، والعالم. الآن لا أملك المال الكافي لاستضافة البيانات، أو إجراء التحليلات. لديّ 200 تيرابايت من البيانات مُخزّنة على خادم كمبيوتري في كيبيك. إنه لأمرٌ مؤسفٌ للغاية.

* باختصار خدمة «نيويورك تايمز»


مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026
TT

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

نادراً ما يُتاح للمهندسين المعماريين اختيار المشاريع التي يعملون عليها؛ وذلك لاعتماد مجال الهندسة المعمارية على كبار المطورين العقاريين المتمتعين بميزانيات ضخمة.

وقد طلبت المجلة من مهندسين معماريين ومصممين من كبرى الشركات العالمية التفكير في أنواع المشاريع التي يتمنون تنفيذها، بغض النظر عن الزبائن والميزانيات، وربما عن الواقع أيضاً. وشارك سبعة مهندسين معماريين مشاريع بناء يتمنون العمل عليها في عام 2026.

أحلام معمارية

إليكم السؤال الذي طرحناه على لجنة من المصممين وقادة الهندسة المعمارية: ما هو مشروع أحلامكم لعام 2026؟

* «إعادة تصور حي حضري». يقول ترينت تيش، مدير مؤسسة KPF لبناء المدن إن مشروع أحلامي ليس مجرد مَعلم بارز في الأفق أو مشهد مبهر، بل هو نظام مستدام طويل الأمد، مشروع يُعاد فيه استخدام هيكله، وتُحسّن مواده ويُعاد تدويرها بدلاً من استبدالها، ويتحسن أداؤه بمرور الوقت. حيث لا تُخفى استراتيجيات الاستدامة في الأقبية أو على أسطح المباني، بل تُصبح جزءاً لا يتجزأ من التجربة المعمارية.

مشروع أحلامي هو إعادة تصور حي حضري، يُعاد تصميمه بدقة متناهية (بدلاً من هدمه)، حيث تُمنح مبانيه المتدهورة حياة جديدة من خلال تحسينات دقيقة، وتدخلات بسيطة، واهتمام بالحرفية وأداء المبنى.

* «أماكن متكاملة - حلول للأزمات الراهنة». مشروع أحلامي، كما يقول ديفيد بولزين، المدير التنفيذي للتصميم لمؤسسة «كانون ديزاين»، هو تصميم يتجاوز نطاق المبنى الواحد، ليشمل نطاق الحي بأكمله؛ بهدف ابتكار أسلوب حياة جديد. لدينا القدرة على تجاوز التجزئة التي أوجدناها في البيئة العمرانية، والتوجه نحو أماكن متكاملة لا يقتصر فيها الأمر على عيش الناس وعملهم وترفيههم في المكان نفسه، بل يتيح لهم أيضاً الابتكار والتعلم والاهتمام بأنفسهم وببعضهم بعضاً. يتضمن هذا النهج حلولاً للأزمات الراهنة كالسكن، والحصول على الغذاء والرعاية، وغيرها: التفكير في بناء المجتمع وما يحتاج إليه الناس من حولهم لضمان حياة آمنة وحيوية ومُدعمة.

بورصة المناخ و«جنة الأرض»

* «بورصة نيويورك للمناخ». مشروع أحلامي الذي أطمح إليه - كما يقول كولين كوب، شريك في شركة SOM- أن يبدأ العمل فيه مع نهاية هذا العام - بورصة نيويورك للمناخ New York Climate Exchange في جزيرة «غوفيرنيرز». سيكون بلا شك أكثر المشاريع استدامةً على الإطلاق في المدينة، ومثالاً على المسار الذي يجب أن يسلكه التصميم في العقد المقبل.

* رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض». يقول لوك ليونغ، رئيس استوديو الهندسة المستدامة في شركة SOM، إن مشروعي الطموح ذو فلسفة تصميمية راسخة على البساطة والاستدامة والتعبير الواضح عن الوظائف الهندسية، سيُشكّل هذا المشروع مختبراً حياً على نطاقٍ واسع، من الأحياء إلى المناطق، وربما حتى على مستوى الدولة، مُجسّداً التخطيط الحضري المُراعي للإنسان والمُستجيب للمناخ.

وسيُبيّن المشروع كيف يُمكن للهندسة المعمارية أن تُسهِم في خلق بيئات مبنية أكثر صحة، ودفع عجلة خفض الانبعاثات الكربونية، وتعزيز رفاهية الإنسان، ودعم النظم البيئية المزدهرة، وتقديم نماذج قابلة للتطبيق لمدن مرنة في جميع أنحاء العالم - رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض» في بيئة مبنية.

اندماج التخصصات ومجمعات التعلم

* «كسر الحواجز بين البرامج والتخصصات». لطالما تشكّلت محفظة مشاريع شركتنا انطلاقاً من فكرة الهندسة المعمارية كبنية تحتية اجتماعية ومدنية، وليست مجرد كيانات معزولة.

مشروعنا الطموح لعام 2026 - كما تقول كلير وايز، المؤسسة والمديرة الرئيسية لشركة WXY للهندسة المعمارية والتصميم الحضري - هو مشروعٌ يُتيح لنا كسر الحواجز بين التخصصات والبرامج المُقيِّدة، بما يعود بالنفع على مُستخدمي المساحات التي نُصمِّمها. قد يتخذ هذا المشروع شكل حيٍّ جديد متعدد الاستخدامات، أو مبنى سكني مُصمَّم خصيصاً لرعاية الأطفال، أو أكواخٍ وسط الغابات، أو بنية تحتية حضرية مُعاد ابتكارها. لكنّه سيسترشد، كما هو الحال في جميع أعمالنا، بفكرة الإدارة طويلة الأمد والتعاون الوثيق مع المجتمع وزملائنا في مجالات الهندسة المعمارية والهندسة المدنية وغيرها. نهتمّ بشكلٍ خاص بالمشاريع التي يُسهِم فيها التصميم في بناء القدرات وتعزيز الثقة، والتي لا يُقاس نجاحها بما يُبنى فحسب، بل بما يُتيحه من إمكانات على المدى البعيد.

* «أماكن ووجهات للتعلم والتجمُّع». يقول نيك ليهي، الرئيس التنفيذي المشارك والمدير التنفيذي لشركة «بيركنز إيستمان»، إن هناك حاجة مُتزايدة إلى مُحفِّزات ثقافية ومجتمعية تُقرِّب الناس، لا سيما في المجتمعات التي تفتقر إلى وجهات للتعلم والتجمُّع. يُمكن للتصميم أن يُعزِّز الشعور بالانتماء والارتباط بالجوانب المادية للهندسة المعمارية، وهو أمرٌ بالغ الأهمية في عصرنا هذا الذي يُفضِّل الإشباع الفوري. للطلبات والرغبات.

* مجلة «فاست كومباني»