عصر السياحة الفضائية والتنقيب في الأجرام السماوية... هل يحتاج إلى قوانين جديدة؟

مهمات دولية لحكومات العالم وكبريات الشركات تهدد بخرق الاتفاقيات القديمة

عصر السياحة الفضائية والتنقيب في الأجرام السماوية... هل يحتاج إلى قوانين جديدة؟
TT

عصر السياحة الفضائية والتنقيب في الأجرام السماوية... هل يحتاج إلى قوانين جديدة؟

عصر السياحة الفضائية والتنقيب في الأجرام السماوية... هل يحتاج إلى قوانين جديدة؟

تناقلت الأنباء اتهام رائدة الفضاء آن ماك كلين بارتكاب ما يمكن اعتباره الجريمة الأولى في الفضاء، فقد تقدّمت ضابطة المخابرات الجوية السابقة سامر ووردن ببلاغ أمام هيئة التجارة الفيدرالية حول سرقة الهوية، تدّعي فيه أنّ شريكة حياتها آن ماك لاين استخدمت حسابها المصرفي دون إذنها، وذلك من مقرّ إقامتها في المحطّة الفضائية الدولية، حيث تشارك في بعثة مدّتها ستة أشهر.
وتُنظّم أمور المحطّة الفضائية الدولية بموجب معاهدة تُعرف بالاتفاق الحكومي الدولي المتعلّق بالمحطة الفضائية، وقّعتها الكيانات الخمسة المشاركة في المحطة الفضائية الدولية وهي روسيا، واليابان، وأوروبا، وكندا، والولايات المتحدة. وعند حصول أي جناية في المحطّة، تسنِد المعاهدة صلاحيات التحقيق فيها إلى الدولة التي ينتمي إليها مرتكبها، إلّا في حال تضرّر أشخاص من الدول الأخرى.
ويعدد الخبراء أهم جوانب استكشاف واستغلال الفضاء القريب، وكيفية تأثيره على حياتنا اليومية، وقوانين الفضاء بالإضافة إلى بعض الأمور التي تثير قلق خبراء الفضاء.
- الأرض والفضاء
عندما نفكّر بالفضاء، تتراود إلى مخيلتنا العربات الجوّالة المتّجهة إلى المريخ وهبوط مركبات أبوللو، وليس الأمور المملّة التي تحصل كلّ يوم مثل الاتصالات، ونظم الإرسال الإذاعية والتلفزيونية، ونظم تحديد المواقع والملاحة وتقنية الأقمار الصناعية الموجودة في الفضاء، التي لن تستطيع المؤسسات المالية العمل في حال عدم وجودها. وفي غياب تلك النظم، لن يستطيع الناس إتمام التحويلات المصرفية أو سحب الأموال من آلات الصرّاف الآلي، ولن نحصل على توقعات للأرصاد الجويّة أو على خدمات البثّ والإنترنت التي تعتمد على الأقمار الصناعية. ومن دونها، سيتوقّف عمل أجهزة الاستجابة الجويّة والبحرية، وسيتعطّل تطبيق إنستغرام على بعض الهواتف، ولن نلتقط إذاعات «سيريوس إكس إم». عبر الراديو، هذا فضلاً عن شلّ بعض المستشفيات التي تحتاج إلى الاندماج بالأقمار الصناعية لتعمل.
وفيما يتعلق بالقوانين، تجتمع الدول التي تملك أقماراً صناعية دقيقة بعيدة كالولايات المتحدة واليابان وجنوب أفريقيا وروسيا والاتحاد الأوروبي، فيما يسمّى ميثاق الكوارث. وبموجب هذا الميثاق، يتوجب على أي دولة تملك قمراً صناعياً يمرّ فوق المنطقة التي تتعرّض لكارثة (بركان، أو زلزال، أو غيرها) قبل أو خلال أو بعد الحدث، مشاركة بياناتها للتقليل من الأضرار، وإنقاذ الأرواح والممتلكات.
- اتفاقيات الفضاء
إن قانون الفضاء حقيقي، ولا يتعلّق بالممتلكات أو المخلوقات الفضائية. ويتألّف قانون الفضاء من مجموعة من الاتفاقيات والقواعد الإرشادية المحليّة والدولية التي تحكم مسائل كالاستكشاف الفضائي، والاستخدام العسكري والتسليحي، والمسؤولية عن الأضرار. كما أنّه يضمّ مجالات قانونية أخرى من الجنائي إلى التجاري وقانون التأمين والملكية والقانون البيئي.
تشارك الولايات المتحدة حالياً في أربع معاهدات مرتبطة بالفضاء وهي: معاهدة الفضاء الخارجي، وميثاق المسؤولية، وميثاق التسجيل، واتفاق العودة والإنقاذ.
معاهدة الفضاء الخارجي، أو كما يسميها البعض «ميثاق الفضاء الأعظم» هي اتفاق عمره 50 عاماً يرسم العناوين العريضة لكيفية الاستكشاف السلمي للفضاء.
ويقول تشارلز ستوتلر، المدير المساعد لبرنامج الطيران والفضاء في جامعة ميسيسيبي في حديث لوسائل الإعلام الأميركية: «تحمل معاهدة الفضاء الخارجي توقيع جميع الدول التي تعمل في استكشاف الفضاء». وتضمّ هذه المعاهدة 109 دول وتشهد انضمام المزيد بشكل دوري.
تشكّل هذه المعاهدة التي أقرّتها الأمم المتحدة أساساً لقانون الفضاء الدولي، وترتكز على مبدأ توجيهي يعتبر أنّ الاستكشاف الفضائي يجب أن يكون مبادرة سلمية وأنّ جميع الدول تملك حقّ الوصول الحرّ إلى الفضاء. يغطّي هذا الاتفاق مسائل متعدّدة ككيفية تحميل الدول مسؤولية نشاطاتها الفضائية وقواعد تفادي تلويث النظام الشمسي. كما أنّه يتولّى تنظيم الاستخدام العادل للفضاء ويمنع أي دولة من «الاستيلاء على الفضاء الخارجي وما يضمّه من أجسام سماوية».
ولكن مع توسّع المجال التجاري في الفضاء، تحوّل تفسير هذا القانون إلى مسألة خلافية، إذ اعتبر ستوتلر أنّ تفسيراته تختلف بين الدول، حيث إن بعضها يعي أنّه لا يستطيع امتلاك أرض خاصة في الفضاء، بينما يعمد البعض الآخر إلى تغييبه لامتلاك ما يريده من الموارد المستخرجة.
- مشاكل الفضاء
-عسكرة الفضاء. بعد ثلاثة عقود من العمل في قانون الفضاء، حذّر رام جاخو، المدير السابق لمعهد قانون الطيران والفضاء، من مسائل كثيرة أخرى تزداد خطورة كعسكرة الفضاء، واستغلال الموارد الطبيعية، والمخلّفات الفضائية. وقال جاخو إنّ «أكبر التغييرات التي حصلت هي تطوّر التكنولوجيا والأعمال التجارية وعسكرة الفضاء. لقد تنامت هذه المشاكل بشكل ملحوظ ولكنّ القانون لم يجار هذا النمو».
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن حديثا عن تأسيس القيادة الفضائية التابعة للجيش الأميركي. من جهته، اعتبر جاخو أنّ روسيا والصين، كما الولايات المتحدة، تؤسسان لقوتهما الفضائية الخاصّة، وأنّ «تكريس القوى يعني التحضير للحرب».
-المخلّفات الفضائية. ومن بين المسائل الخطيرة الأخرى التي يحذّر منها الخبراء اليوم، برزت مشكلة المخلّفات الفضائية.
تسبب هذه القطع التي خلّفتها الصناعات البشرية في الفضاء حوادث ارتطام داخل المدار الأرضي. وتختلف أحجام هذه المخلفات وتتراوح بين كبيرة بحجم دراجة نارية وصغيرة بحجم الأدوات التي يستخدمها روّاد الفضاء. تتحرّك هذه المخلّفات بسرعة مخيفة وتهدّد الأشخاص والمحطات الفضائية والأقمار الصناعية المؤثّرة في التجارة العالمية والبعثات التجارية والعسكرية.
هذه المخلّفات، التي ستتضاعف مع ازدياد الاستكشافات والاستخدامات في الفضاء، ستؤدّي إلى حوادث متعمّدة وأخرى غير متعمّدة. فكلّ حدث ارتطام أو انفصال أو تجزئة سينتج مخلّفات إضافية. وعلى سبيل المثال، أطلقت الصين عام 2007 صاروخاً لتدمير أحد أقمارها الصناعية القديمة، مما أنتج آلاف المخلّفات الجديدة.
ويقول ماثيو شايفر، المدير المساعد لبرنامج الفضاء، والاتصالات، والسايبر، في كلية الحقوق في جامعة نبراسكا: «في حال تسببت هذه المخلّفات بأضرار أو خسارة في الأرواح على سطح الأرض، فإن الدولة التي أطلقتها تتحمّل مسؤوليتها». ولكنّه أشار إلى أنّ وقوع الضرر في الفضاء يزيد من ضبابية الموقف.
بلغ عدد الأقمار الصناعية الموجودة في مدار الأرض منذ مارس (آذار) من العام الجاري 2062 قمراً، تعود ملكية 40 في المائة منها للولايات المتحدة الأميركية. ويعرض الاعتماد الكبير لهذه الدولة على رصيدها الفضائي، إلى خطر أكبر على صعيد المخلّفات الفضائية، سواء عن قصد أو غير قصد.
- سياحة وتنقيبات كونية
يرى شايفر أنّ التقنيات الحديثة، وانخفاض تكلفة الوصول إلى الفضاء، والنماذج التجارية الجديدة، تمهّد لازدهار تجاري محتمل، وأنّ تطوّر النشاطات الفضائية التقليدية سيؤدي إلى بروز مسائل قانونية معقّدة ومستجدة.
صحيح أنّ معاهدة الفضاء الخارجي تنصّ على أنّ أي دولة لا يحقّ لها امتلاك أراض في أي مكان في الفضاء، ولكنّ أحداً لا يحرّك ساكناً لتطبيقها في مواجهة الأفراد والشركات.
وقد بدأت الشركات فعلاً في بناء نماذج لفنادق فضائية، وقريباً، سنرى شركات تجارية خاصة تهبط على القمر لأهداف تنقيبية. علاوة على ذلك، يولّد السفر والسياحة إلى القمر حاجة ملحّة للتشريعات التي تضمن التزام الشركات الخاصة بالحدّ الأدنى من المعاهدة، بحسب شايفر، الذي أضاف أنّ قضيّة المسؤولية ستظهر إلى الواجهة مع انطلاق الرحلات دون المدارية في السنة أو السنة والنصف المقبلة. في الوقت الحالي، تخطّط الصين لإطلاق أوّل قمر صناعي يعمل بالطاقة الشمسية في مدار الأرض، بينما تتلقّى هيئة الاتصالات الفيدرالية الأميركية طلبات لآلاف الأقمار الصناعية الجديدة التي ستستخدم لتوفير خدمات الإنترنت من الفضاء.
من جهة أخرى، يشدّد البعض كميشيل هانلون، المديرة المساعدة لبرنامج قانون الفضاء في كليّة الحقوق في جامعة ميسيسيبي، بأهمية حقوق الإنسان والحاجة إليها في الفضاء. وقد اعتبرت هانلون أنّ عدد السكان الموجودين في الفضاء سيشهد نموّاً مطرداً.
وأضافت «لا يوجد ميثاق لحقوق الإنسان يضمن حقّ البشر بالحصول على الأكسجين أو بفتح خطّ اتصالات من الفضاء إلى الأرض. لا بدّ من تطوير الأوضاع لحماية البشر في الفضاء».


مقالات ذات صلة

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

يوميات الشرق صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق بين الأرض والسماء... لقاء لا يتكرَّر كثيراً (شاترستوك)

كويكب ضخم يقترب من الأرض ويُرى بالعين المجرَّدة

الكويكب يُعرف باسم «99942 أبوفيس»، وهو جرم يُتوقّع أن «يمر بأمان» على مسافة 20 ألف ميل من الأرض عام 2029.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
العالم مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق في الطريق إلى الأرض تختبر القلوب صبرها (ناسا)

13 دقيقة تحبس الأنفاس... عودة «أرتميس 2» من أطول رحلة حول القمر

في تلك اللحظة بالذات، يمكننا أن ندع العواطف تسيطر علينا ونبدأ الحديث عن النجاح...

«الشرق الأوسط» (لندن)

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»
TT

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»

استخدم ما يقرب من ثلثي البالغين الأميركيين أداة بحث مدعومة بالذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الستة الماضية. ولكن الإحصائية المثيرة لمطوري هذه الأدوات: 15 في المائة فقط يقولون إنهم يثقون بالنتائج «ثقة تامة». وتُمثل هذه الفجوة بين الاستخدام والثقة التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي. فالمستهلكون يُقبلون على هذه التقنية، لكنهم يُشككون في النتائج، كما كتب كريغ سالدانها (*).

وعلى مطوري هذه المنتجات، طرح سؤال مُحرج على أنفسهم: هل إنهم يصممون تجارب تكسب ثقة المستهلكين، وتستحقها؟

«حديقة مسوّرة»

تعاونت شركة Yelp مع Morning Consult لإجراء استطلاع رأي شمل أكثر من 2200 بالغ أميركي حول كيفية استخدامهم البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي ونظرتهم إليه. وتشير النتائج إلى مشكلة واحدة مُتكررة: يشعر المستهلكون بأنهم مُحاصرون.

أكثر من نصف المشاركين في الاستطلاع (51 في المائة) يقولون إن نتائج البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي تبدو وكأنها «حديقة مسوّرة» يصعب معها التحقق مما يقرأونه.

صعوبة التحقق من الإجابات

  • يقول 63 في المائة إنهم يتحققون من نتائج البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي بالرجوع إلى مصادر موثوقة أخرى، مثل مواقع الأخبار ومنصات التقييم.
  • ويشير 57 في المائة إلى أنهم أقل ميلاً لاستخدام البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي تحديداً لافتقاره إلى مصادر موثوقة.

في البدايات، أي في الأيام الأولى لعمليات البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي، اتسمت النتائج بالغموض، حيث كانت النماذج تُلفّق الإجابات بثقة. وتمكنت معظم المنصات الرائدة من حل هذه المشكلة التقنية إلى حد كبير. لكن ما زال هناك شك أعمق: ليس فقط «هل هذه الإجابة صحيحة؟»، بل «كيف لي أن أعرف؟»؛ إذ وعندما تُزيل المنصات المصادر والاقتباسات والروابط إلى المحتوى الواقعي الذي استندت إليه إجاباتها، فإنها تبني جدراناً لا جسوراً. يُعبّر المستهلكون بوضوح عن رغبتهم في الحصول على الروابط والمصادر والقدرة على التحقق بأنفسهم.

«فتح الأبواب» للبيانات الموثقة

يرسم الاستطلاع صورة متسقة بشكل ملحوظ لما يلزم، لسد فجوة الثقة.

يقول ما يقرب من ثلاثة أرباع المشاركين في الاستطلاع (72 في المائة) إن منصات الذكاء الاصطناعي يجب أن تُظهر دائماً مصدر معلوماتها.

  • يرغب ثلثا المشاركين (66 في المائة) في مزيد من الأدلة على المصادر الموثوقة، مثل روابط منصات التقييم ومواقع الأخبار، إلى جانب الإجابات التي يُقدمها الذكاء الاصطناعي.
  • بينما يقول أكثر من نصفهم (52 في المائة) إن الأدلة المرئية، مثل صور الطبق الغذائي، أو صور مصاحبة لطلباتهم، من شأنها أن تزيد من ثقتهم.

والمستهلكون ليسوا ضد الذكاء الاصطناعي، بل ضد الأنظمة المبهمة. إنهم يريدون أن يقوم الذكاء الاصطناعي بالعمل الشاق المتمثل في تحليل كميات هائلة من المعلومات ثم عرض النتائج.

لا يستخدم الشخص العادي الذكاء الاصطناعي لتحليل الشفرات أو غيرها من التطبيقات التقنية، بل يستخدمه في عمليات البحث المحلية اليومية.

استخدام محلّي يومي

  • يستخدم أكثر من نصف المشاركين في الاستطلاع (57 في المائة) أدوات الذكاء الاصطناعي للعثور على الشركات المحلية شهرياً على الأقل. إنهم يريدون نصائح حول مكان اصطحاب عائلاتهم لتناول عشاء عيد ميلاد أو اختيار من يسمحون له بدخول منزلهم لإصلاح أنبوب مياه متفجر؛ ولذا لن يكون ملخص الذكاء الاصطناعي المستقل دون دليل موثوق كافياً.

مصادر المعلومات

وعندما يلجأ المستهلكون إلى الذكاء الاصطناعي للمساعدة في اتخاذ هذه القرارات، تكون توقعاتهم واضحة لا لبس فيها:

  • 76 في المائة منهم يرون أن معرفة مصدر المعلومات أمرٌ بالغ الأهمية،
  • و73 في المائة يؤكدون على أهمية تقييمات وآراء الزبائن الحقيقيين

و76 في المائة يرون أهمية الاطلاع على مصادر موثوقة متعددة.

كما أن الشركات المحلية تتسم بطبيعتها بالديناميكية، حيث قد يرحل العاملون، وتتغير العروض (مثل انتقال الطهاة وتغيّر قوائم الطعام)، وتتغير ساعات العمل. لذا وبدون محتوى بشري أصيل ومُحدّث بانتظام من مصادر موثوقة، يُخاطر الذكاء الاصطناعي بتقديم معلومات قديمة أو غير موثوقة.

أجوبة جيل الإنترنت

وإذا كان أحدٌ يظن أن جيل الإنترنت، سيكون أكثر ثقة، فإن البيانات تُشير إلى عكس ذلك. يتمتع جيل الشباب بأعلى معدل استخدام:

  • استخدم 84 في المائة منهم منصة بحث تعتمد على الذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الستة الماضية.
  • لكنهم أيضاً الأكثر تطلباً؛ إذ يقول 72 في المائة منهم إن منصات الذكاء الاصطناعي يجب أن تُقدّم المزيد من الأدلة على المصادر الموثوقة، مقارنةً بـ63 في المائة من جيل الألفية و59 في المائة من «جيل إكس» السابقين له.

إن هذا جيلٌ مُتشبّعٌ بمحتوى الذكاء الاصطناعي الرديء، وقد طوّر أفراده حساً أقوى في التمييز بين المعلومات الأصلية والمُصطنعة. لذا؛ تُخاطر المنصات التي تُبقي هذه الفئة من الجمهور داخل بيئة مغلقة، بفقدان الجيل الأكثر إلماماً بالذكاء الاصطناعي أولاً.

قصور الحُجّة المضادة

قد يجادل البعض بأن إضافة الاقتباسات والروابط ومؤشرات المصادر تخلق عوائق، وأن جوهر البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يكمن في تقديم إجابة سلسة ومتكاملة. فلماذا إذن ندفع المستخدمين بعيداً عن منصتنا؟ لكن هذا الطرح يخلط بين القيود وقيمة ما يقدم.

لا يرفض المستهلكون الملخصات التي يُنشئها الذكاء الاصطناعي، بل يرفضون الإجابات التي لا يمكنهم التحقق منها.

  • غالبية المستهلكين (69 في المائة) يرغبون في خيار مغادرة منصات الذكاء الاصطناعي وزيارة مواقع موثوقة لإجراء بحوثهم الخاصة. وعندما اختبرنا ذلك عملياً، وعرضنا على المستهلكين نسختين من نتائج بحث الذكاء الاصطناعي، إحداهما بمصادر شفافة والأخرى من دونها، فضّل 80 في المائة النسخة التي تضمنت محتوى بشرياً أصيلاً ومصادر موثوقة وروابط قابلة للتنفيذ. إن إزالة القيود لا تُنفّر المستخدمين، بل تُعزز ثقتهم.

ربط الذكاء الاصطناعي بتجارب الواقع

يقف قطاع الذكاء الاصطناعي على مفترق طرق. ولن تكون المنصات الفائزة هي تلك التي تُنتج إجابات اصطناعية أكثر إقناعاً. بل ستكون هذه المنصات تلك التي تربط المستخدمين بسلاسة بتجارب حقيقية من العالم الواقعي، مستخدمةً الذكاء الاصطناعي جسراً إلى محتوى بشري موثوق.

مع نضوج منظومة الذكاء الاصطناعي، لن تقتصر المنصات التي تُحقق التوازن الأمثل بين الملخصات المُولّدة بالذكاء الاصطناعي والمحتوى البشري الشفاف والأصيل على سدّ فجوة الثقة فحسب، بل ستضع معياراً لما يتوقعه المستهلكون.

الشفافية تسهل اتخاذ القرارات

والخبر السار هو أن زيادة الروابط الشفافة والسخية تُعدّ مدًّا متصاعداً يُفيد الجميع: إذ يحصل المستهلكون على القدرة على إجراء أبحاثهم الخاصة واتخاذ قراراتهم بثقة، ويحصل مُنشئو المحتوى والناشرون على الزيارات التي تُحافظ على منظومة محتوى صحية، وتستفيد منصات الذكاء الاصطناعي نفسها من علاقات أقوى مع المصادر الموثوقة التي تجعل إجاباتها جديرة بالثقة في المقام الأول.

الشفافية ليست خياراً ثانوياً، بل هي أساس النجاح.

* مجلة «فاست كومباني»


ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟

ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟
TT

ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟

ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟

عندما طرح «تشات جي بي تي» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، كان رد الفعل فورياً وقوياً: إنه يعمل! ولأول مرة، اختبر ملايين الأشخاص الذكاء الاصطناعي ليس بوصفه وعداً بعيد المنال، بل بوصفه شيئاً مفيداً وبديهياً. وحتى مع عيوبه، فقد ظهر أنه يتمتع بقدرات مذهلة.

حدس صحيح واستنتاج خاطئ

كان هذا الحدس صحيحاً. أما الاستنتاج الذي تلاه فكان خاطئاً. لأن ما ينجح ببراعة مع فرد أمام لوحة المفاتيح، أثبت عدم فاعليته بشكل مفاجئ داخل المؤسسة.

الشركات لا تُدار باللغة

بعد عامين، وبعد مليارات الدولارات من الاستثمارات، وعدد لا يحصى من التجارب، وتدفق مستمر من «المساعدين» الأذكياء، يتبلور واقع مختلف: الذكاء الاصطناعي التوليدي استثنائي في إنتاج اللغة... لكن الشركات لا تُدار باللغة: بل تُدار بالذاكرة والسياق والتغذية الراجعة والقيود.

وهذه هي الفجوة. ولهذا السبب تفشل الكثير من مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات بهدوء. إذ حتى مع الانتشار الواسع، هناك تأثير محدود... وشعور متزايد بالتكرار.

فشل 95 % من المشاريع التجريبية

ليست هذه قصة عن تقنية فشلت في اكتساب زخم، بل على العكس تماماً.

وأظهر تحليل مدعوم من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والذي حظي باهتمام واسع، أن نحو 95 في المائة من المشاريع التجريبية للذكاء الاصطناعي التوليدي في المؤسسات تفشل في تحقيق نتائج ملموسة، حيث لا يصل سوى 5 في المائة منها إلى مرحلة الإنتاج المستدام. وتشير تغطيات أخرى للنتائج نفسها إلى النمط نفسه: تجارب مكثفة، وتحول محدود.

والتفسير واضح: المشكلة ليست في الحماس، ولا حتى في القدرة، بل في أن توظيف الأدوات لا يُترجم إلى تغيير عملي حقيقي... ليست هذه مشكلة للتبني، بل مشكلة هيكلية.

المفارقة المزعجة: ذكاء اصطناعي... لكن لا شيء يتغير

داخل معظم الشركات اليوم، يتعايش واقعان: من جهة، يستخدم الموظفون أدوات مثل «تشات جي بي تي» باستمرار. فهم يصيغون ويلخصون ويبتكرون ويسرّعون عملهم بطرق تبدو طبيعية وفعالة.

من جهة أخرى، تكافح مبادرات الذكاء الاصطناعي الرسمية في المؤسسات للتوسع خارج نطاق المشاريع التجريبية الخاضعة لرقابة دقيقة. يصف التحليل نفسه المتعلق بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا فجوةً متزايدةً في «التعلم»: يجد الأفراد فائدة وقيمةً بسرعة، لكن المؤسسات تفشل في دمج هذه القيمة في سير العمل ذي الأهمية. والنتيجة هي ما يشبه «الذكاء الاصطناعي الخفي»: يستخدم الأفراد ما يُجدي نفعاً، بينما تستثمر الشركات فيما لا يُجدي.

الخطأ الأساسي: التعامل مع نموذج اللغة كنظام تشغيل

تركز معظم تفسيرات هذا الفشل على التنفيذ: بيانات غير دقيقة، حالات استخدام غير واضحة، نقص في التدريب. كل هذا صحيح، لكنه ثانوي.

المشكلة الحقيقية أبسط وأكثر جوهرية: نماذج اللغة الكبيرة مصممة للتنبؤ بالنصوص. هذا كل شيء. كل شيء آخر، من الاستدلال إلى التلخيص والمحادثة، إلخ، هو خاصية ناشئة عن هذه القدرة.

الأدوات الذكية التوليدية لا تعمل ضمن الواقع

لكن الشركات لا تعمل كسلاسل من النصوص. إنها تعمل كأنظمة متطورة ذات حالة وذاكرة وتوابع وحوافز وقيود... هذا هو التناقض. كما ذكرتُ سابقاً، هذا هو العيب البنيوي الأساسي للذكاء الاصطناعي: نماذج اللغة لا «ترى» العالم. فهي لا تحتفظ بحالة مستمرة. ولا تتعلم من ردود الفعل الواقعية إلا إذا صُممت خصيصاً لذلك... إنها تُنتج لغة مقنعة عن الواقع، لكنها لا تعمل ضمنه.

إجابات متميزة منفصلة عن النظام الفعلي

لا يمكنك إدارة شركة بناءً على تنبؤات الكلمات.اطلب من نموذج اللغة ما يلي:

-«زيادة مبيعاتي»

-«تصميم استراتيجية دخول السوق»

- «تحسين أداء الفريق»

وستحصل على إجابة. غالباً ما تكون جيدة جداً. إجابة منظمة، بليغة، ومقنعة. ولكنها منفصلة تماماً تقريباً عن النظام الفعلي الذي من المفترض أن تؤثر فيه.

وذلك لأن نموذج اللغة لا يستطيع تتبع مسار المبيعات، أو إدارة الحوافز، أو دمج بيانات إدارة علاقات العملاء، أو التكيف بناءً على النتائج. إذ يمكنه وصف استراتيجية، لكنه لا يستطيع تنفيذها.

وتؤكد نتائج معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا هذه النقطة: أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي فعّالة في المهام الفردية المرنة، لكنها تعجز عن العمل في بيئات المؤسسات التي تتطلب التكيف والتعلم والتكامل. وبعبارة أخرى: يمكن للأداة الذكية كتابة المذكرة، لكنها لا تستطيع إدارة الشركة.

زيادة قدرات الحوسبة لن تحل المشكلة

كان ردّ فعل القطاع حتى الآن متوقعاً: بناء نماذج أكبر، ونشر بنية تحتية أوسع، وتوسيع نطاق كل شيء. لكن التوسع لا يُصلح خللاً في التصميم. إذا كان النظام يفتقر إلى أساس واقعي، فلن تُوفّر له المزيد من المعايير هذا الأساس. وإذا كان يفتقر إلى الذاكرة، فلن تُوفّر له المزيد من الرموز الذاكرة. وإذا كان يفتقر إلى حلقات التغذية الراجعة، فلن تُنشئها المزيد من مراكز البيانات.

يُضخّم التوسع ما هو موجود، لكنه لا يُنشئ ما هو مفقود. وما هو مفقود هنا ليس المزيد من اللغة، بل المزيد من العالم.

المرحلة المقبلة... نظم ذكية ضمن بيئات حقيقية

لن تُحدّد المرحلة التالية من الذكاء الاصطناعي المؤسسي بواجهات دردشة أفضل أو نماذج لغوية أكثر قوة، بل ستُحدّد بشيء آخر تماماً: أنظمة قادرة على الحفاظ على الحالة، والاندماج في سير العمل، والتعلم من النتائج، والعمل ضمن قيود.

أنظمة لا تُولّد نصوصاً فحسب، بل تعمل ضمن بيئات حقيقية. لهذا السبب؛ لن يُبنى مستقبل الذكاء الاصطناعي في الشركات على نماذج اللغة وحدها، بل على بنى تُدمجها ضمن نماذج أكثر ثراءً للواقع.

أقول ما يعرفه الكثيرون بالفعل... ولكن نادراً ما يقولونه: هناك زخم كبير، واستثمارات ضخمة، وسرديات كثيرة مبنية على فكرة أن توسيع نطاق نماذج اللغة سيحل كل شيء في النهاية. هذا لن يحدث.

فرصة حقيقية

هذه ليست نهاية الذكاء الاصطناعي المؤسسي، بل هي نهاية مفهوم خاطئ. فنماذج اللغة ليست بنية مؤسسية، بل هي طبقة واجهة. طبقة قوية، لكنها غير كافية بمفردها. الشركات التي تُدرك هذا أولاً لن تُحسّن فقط من استخدام الذكاء الاصطناعي، بل ستُنشئ شيئاً مختلفاً جذرياً.

مجلة «فاست كومباني»


الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل

الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل
TT

الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل

الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل

يتنافس الموظفون على تطوير مهاراتهم في الذكاء الاصطناعي. ووفقاً لتقرير جديد، فإنهم يستخدمونه أيضاً لتعزيز تعلمهم، سواءً كان ذلك لطلب مساعدة إضافية منه لتوضيح المفاهيم وحل المشكلات، أو لاكتساب مهارات جديدة، كما كتبت سارة بريغل (*).

تحسين المهارات

يستند التقرير إلى نتائج استطلاع أجرته شركة «فراكتل» لصالح الكلية الأميركية للتعليم (ACE)، شمل أكثر من 1000 موظف أميركي يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في عملهم اليومي.

وكما هو متوقع، تستخدم نسبة كبيرة من الموظفين الذكاء الاصطناعي لتحسين مهاراتهم. فقد أفاد 63 في المائة منهم بأنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي لتعلم مهارات لم يتلقوا تدريباً رسمياً عليها من مؤسساتهم.

القلق من دقة المعلومات

ومع ذلك، أعرب 65 في المائة منهم عن قلقهم بشأن دقة الذكاء الاصطناعي. إلا أن 23 في المائة من الموظفين لا يزالون يعدّون الذكاء الاصطناعي خيارهم الأول عندما يحتاجون إلى تعلم شيء جديد.

فوائد سرعة الإجابات

قد يعود جزء من ذلك إلى سرعة توفير الذكاء الاصطناعي للإجابات: إذ قال ما يقرب من نصف الموظفين (46 في المائة) إنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي للبحث عن الإجابات لأنه أسرع من طلب المساعدة.

التعلّم سراً لتفادي الاتهامات بالجهل

وربما الأهم من ذلك، أن استخدام هذه التقنية يعني أيضاً أن الموظفين لا يضطرون إلى الاعتراف بجهلهم بشيء ما. فقد قال ما يقرب من ثلثهم (29في المائة) إنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتعلم مهارات جديدة دون الإفصاح عن ذلك. ويُعدّ المديرون أكثر عرضةً لهذا الأمر: إذ اعترف 32 في المائة منهم بأنهم يتعلمون سراً.

وبشكل عام، قال 69 في المائة من الموظفين إن استخدام الذكاء الاصطناعي حسّن إنتاجيتهم، وقال أكثر من 55 في المائة إنه ساعدهم على الشعور بمزيد من الثقة في وظائفهم.

الذكاء الاصطناعي نقطة انطلاق

ومع ذلك، فبينما يستخدم الموظفون الذكاء الاصطناعي بوضوح لسدّ فجوة ما، فإنهم ليسوا راضين تماماً عن قدراته التعليمية. فقد قال 7 في المائة فقط من الموظفين إنهم يشعرون بأن تعلم المهارات من الذكاء الاصطناعي كافٍ، وقال 39 في المائة إنهم يعدّون التدريب الذي يحصلون عليه من الذكاء الاصطناعي نقطة انطلاق لمزيد من التعلم.

الذكاء الاصطناعي يحفّز للانخراط في دورات تدريبية

أفاد ما يقارب نصف المشاركين (48 في المائة) بأنهم التحقوا بدورات تدريبية بعد أن عرّفهم الذكاء الاصطناعي على مواضيع معينة رغبوا في استكشافها بتعمق. والأكثر إثارة للإعجاب، أن 80 في المائة من العاملين أكدوا استمرارهم في التعلم بشكل أو بآخر بعد تعلمهم شيئاً ما باستخدام الذكاء الاصطناعي.

مع أن الذكاء الاصطناعي قد لا يحل محل التدريب العملي تماماً، فإنه يمثل حالياً نقطة انطلاق لغالبية العاملين الساعين لاكتساب مهارات جديدة.

* مجلة «فاست كومباني»