أشبه بـ«حمام بخار»... نظرية جديدة تفسّر كيفية نشوء الماء على كوكبنا

صورة لكوكب الأرض (رويترز)
صورة لكوكب الأرض (رويترز)
TT

أشبه بـ«حمام بخار»... نظرية جديدة تفسّر كيفية نشوء الماء على كوكبنا

صورة لكوكب الأرض (رويترز)
صورة لكوكب الأرض (رويترز)

رجّحت نظرية جديدة أن يكون الماء أصبح متوافراً على كوكب الأرض بفعل ما يشبه حمام بخار، بعد وقت قصير من تكوين النظام الشمسي، وفق دراسة حديثة نشرت نتائجها مجلة «أسترونومي أند أستروفيزيكس».

ووفقاً للنظرية السائدة، نشأ الماء على كوكب الأرض بشكل رئيسي عبر كويكبات ومذنّبات جاءت من خارج النظام الشمسي في أول مائة مليون سنة.

وشبّه المعدّ الرئيسي للدراسة، عالم الفيزياء الفلكية كانتان كرال، تساقط الأجرام ذلك بـ«لعبة بلياردو الجاذبية»، مرجّحاً من جهته حصول عملية «أكثر طبيعية إلى حدّ ما، وأسهل قليلاً».

وبالتالي، هي أقل عشوائية، والأهم أنها تنطبق على كواكب صخرية أخرى في النظام الشمسي، مثل المريخ أو عطارد، من المعروف أنها تحتوي على الماء، تماماً كالقمر.

وبدأ كل شيء من حزام الكويكبات، وهو عبارة عن حلقة من الأجرام السماوية الصغيرة، تقع بين المريخ والمشتري، كانت أكبر بكثير في مرحلة تكوين النظام الشمسي قبل 4,6 مليار سنة.

وقال الباحث في مختبر «ليزيا» LESIA، التابع لمرصد «باريس مودون بي إس إل»: «نعلم أن الكويكبات كانت جليدية في الأساس».

وهذا الجليد «لا يُرى كثيراً» اليوم، إلاّ على سيريس، أضخم الكويكبات، لكنّ آثاره تُرصد على الكويكبات الأخرى نظراً إلى وجود معادن مائية عليها، كتلك التي اكتُشِفَت في عيّنات من الكويكب ريوغو والتي أحضرتها بعثة يابانية.

كوكب الأرض كما يظهر من سطح القمر (ناسا - أ.ب)

وتتمثل فكرة فريق مختبر «ليزيا» مع عالم فلكي من معهد فيزياء الكرة الأرضية في باريس، في أن الأرض استمدّت بالفعل الماء من الكويكبات، لكنّ هذه الكويكبات لم تُحضرها إليها مباشرة.

في هذا السيناريو، كانت الشمس قد تشكلت للتوّ، مما أدى إلى تسخين حزام الكويكبات، وبلغ هذا التسخين ذروته قبل نحو 25 مليون سنة. وأدى هذا التسخين «إلى تسامي جليد الماء»، أي إلى تحوّله من الحالة الصلبة إلى الحالة الغازيّة، ومن ثم إلى تشكيل «قرص من بخار الماء على مستوى حزام الكويكبات»، على ما شرح كانتان كرال.

وتمدّدَ هذا القرص إلى كامل النظام الشمسي وبلغ كوكب الأرض الذي راح يلتقط هذه المادة تدريجياً كلما بردت. وبمجرد التقاط هذه المادة تحت تأثير الجاذبية وتراكمها على الكوكب، أصبح «بخار الماء هذا يعيش حياته كماء»، وتحوّل إلى الشكل السائل.

وهذا النموذج الذي أعدّه كانتان كرال وزملاؤه، يعمل بشكل جيد مع حزام كويكبات ضخم، كما كان حزام النظام الشمسي في رأي هؤلاء العلماء، ويتسم بالفاعلية نفسها إذا كان الحزام أرقّ، ولكن على مدى زمني أطول.

وتُطرح مثل هذه الفرضية للمرة الأولى، لكنّها «لا تأتي من العدم»، بحسب عالِم الفيزياء الفلكية، بل يعود الفضل بقدر كبير في استنتاجها إلى ملاحظات التلسكوب الراديوي «ألما» المخصص لرصد سحب الغاز والغبار في الكون.

وقال كرال: «أصبحنا نعرف منذ 10 سنوات أن ثمة أقراص غاز كربون وأكسجين في أحزمة الكويكبات والكواكب الصغيرة في النُظم الكائنة خارج المجموعة الشمسية».

قبل ذلك، لم يكن يُرى سوى الغبار، في حين يُرصَد راهناً وجود غاز أو جليد مائي في حزام الكويكبات «إتش دي 69830»، وهو نظام شمسي يضم ثلاثة كواكب على الأقل.

ويسأل كرال كيف يمكن إذن «اختبار النظرية بدقة؟». والجواب أن ذلك ممكن من خلال البحث عن نُظم أحدث قليلاً «لا تزال تحتوي على قرص غاز الماء الخاص بها».

وحصل فريق «ليزيا» على وقت مراقبة باستخدام «ألما» لنُظم «غير عادية ومثيرة للاهتمام إلى حد ما»، ينتظر العلماء نتائجها.


مقالات ذات صلة

«طريق سرّي» نحو المريخ قد يختصر الرحلة إلى 153 يوماً

يوميات الشرق في الفضاء أيضاً قد تقودنا المصادفة إلى أقصر الطرق (شاترستوك)

«طريق سرّي» نحو المريخ قد يختصر الرحلة إلى 153 يوماً

كشف علماء فلك عن ممرّ فضائي جديد قد يختصر مئات الأيام من زمن الرحلة إلى كوكب المريخ، من خلال الاستفادة من مسار طبيعي تسلكه بعض الكويكبات بين الكواكب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ما كان خيالاً... يقترب (شاترستوك)

كواكب من «حرب النجوم»... اكتشاف أنظمة بـ«سماء مزدوجة»

كشف مسح جديد باستخدام القمر الاصطناعي عن وجود 30 كوكباً غير مألوف تدور حول نجمين وليس نجماً واحداً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن تلسكوبها الفضائي الجديد «رومان» القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون بحثاً عن كواكب خارجية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق بين الأرض والسماء... لقاء لا يتكرَّر كثيراً (شاترستوك)

كويكب ضخم يقترب من الأرض ويُرى بالعين المجرَّدة

الكويكب يُعرف باسم «99942 أبوفيس»، وهو جرم يُتوقّع أن «يمر بأمان» على مسافة 20 ألف ميل من الأرض عام 2029.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
يوميات الشرق في الطريق إلى الأرض تختبر القلوب صبرها (ناسا)

13 دقيقة تحبس الأنفاس... عودة «أرتميس 2» من أطول رحلة حول القمر

في تلك اللحظة بالذات، يمكننا أن ندع العواطف تسيطر علينا ونبدأ الحديث عن النجاح...

«الشرق الأوسط» (لندن)

القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر

القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر
TT

القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر

القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر

أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من العمليات الحديثة... من تطوير المنتجات إلى تخطيط القوى العاملة. إذ إن وعوده جذابة، فهو سيُؤتمت عمل المؤسسات ويُحسّنه على جميع المستويات لدفع عملية صنع القرار القائمة على البيانات، وزيادة الإنتاجية، وتحسين تجارب العملاء... ولكن ثمة مخاطر كامنة وراء هذه المكاسب، كما كتبت لويز ك. ألين(*).

اتخاذ القرار بالنيابة

إن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات أفضل- أمر، غير أن الاعتماد عليه لاتخاذ القرارات نيابةً عنك- أمر آخر.

وقد اتضح أن العديد من المديرين التنفيذيين يميلون إلى الخيار الثاني، حيث وجدت شركة SAP أن 74 في المائة من المديرين التنفيذيين الذين شملهم الاستطلاع قالوا إنهم يثقون في مخرجات الذكاء الاصطناعي أكثر من النصائح البشرية. بالإضافة إلى ذلك، فإن ما يقرب من نصفهم سيسمحون للذكاء الاصطناعي بتجاوز قرارهم الشخصي كانوا قد اتخذوه بالفعل.

وقد يُعرّض هذا التوجه نحو الثقة بالأدوات الذكية، القادة لمساءلة في المستقبل، ما يُقوّض مصداقيتهم ومهاراتهم في سعيهم لتحقيق الكفاءة.

تأثير الذكاء الاصطناعي على العقل

إن هذا النمط مألوف. إذ غالباً ما تندفع الشركات نحو أطر عمل وأدوات وعمليات جديدة، متوقعةً أن مجرد تبنيها كافٍ لتحقيق النتائج، دون مراعاة التداعيات الأوسع.

ولقد حدث هذا من قبل. ففي العديد من عمليات نقل البيانات إلى الحوسبة السحابية المبكرة، على سبيل المثال، تم تحديث الأنظمة، لكن العمليات ظلت على حالها.

ويسلك الذكاء الاصطناعي مساراً مشابهاً، سواء في الاستخدام الشخصي أو التجاري. إذ يُسوَّق له على أنه طريق مختصر لاتخاذ قرارات مثلى. وقد تقبّل الجمهور، بشكل عام، هذا الطرح دون تمحيص.

القرارات لا تُتخذ بمعزل عن السياق

تكمن المشكلة في أن القرارات لا تُتخذ بمعزل عن السياق. فهي تتطلب سياقاً وحكماً وتحليلاً. عندما يعتاد الناس على الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي، تتضاءل مهارات الفهم والاستدلال مع ازدياد اعتمادهم على الأدوات في إنجاز العمل.

تشير الأبحاث بالفعل إلى مخاطر هذه الديناميكية. وقد أظهرت دراسة أجراها مختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن اعتماد الأفراد بشكل كبير على أدوات الذكاء الاصطناعي لإنجاز المهام التي تتطلب تفكيراً مكثفاً، أدى إلى انخفاض مستوى مشاركتهم الإدراكية. وكانت هذه الآثار بالغة الأهمية لدرجة أن المشاركين أظهروا ضعفاً في قدرتهم على تذكر محتوى أعمالهم.

السرعة أم الحكمة؟

والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن هذه الآثار لم تختفِ عند إزالة الأدوات، بل استمرت. وهذا يشير إلى أن الإفراط في الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على النتائج في لحظتها، ويُضعف المهارات المكتسبة بمرور الوقت.

في المناصب القيادية العليا، قد تكون تداعيات هذا التشويش المنهجي على سير العمل وخيمة. فمهمة القادة هي تحديد التوجه رغم الغموض، وتوحيد جهود الأفراد حول هذا الهدف المشترك.

باختصار، فإن القرارات التي يتخذها القائد يجب أن تكون أقل أهمية من جوانب التعاطف والسلطة والمصداقية التي تُبنى عليها هذه القرارات.

إن كل قرار يُعهد به إلى جهة خارجية يُعد فرصة ضائعة لصقل مهارات التفكير والتواصل.

* قيم المؤسسة وثقافتها وأهدافها طويلة الأجل هي وظائف بشرية في جوهرها*

إعادة صياغة دور الذكاء الاصطناعي

يُخاطر القادة الذين يُطلقون العنان لأدوات الذكاء الاصطناعي بشكل كامل بتقويض نجاحهم. تُتيح هذه الأدوات توسيع نطاق المدخلات التي يأخذها القادة في الاعتبار، وتحدي الافتراضات، وتسريع التحليل. مع ذلك، فإنَّ الموازنة بين الأولويات المتنافسة وإدارة التنفيذ بطرق تُجسّد قيم المؤسسة وثقافتها وأهدافها طويلة الأجل هي وظائف بشرية في جوهرها. وكلما زاد غموض هذا الخط الفاصل بين العمل والتنفيذ، زادت المخاطر التي تواجهها المؤسسات.

الانضباط عند اتخاذ القرار

ستكون المؤسسات الأكثر استفادة من الذكاء الاصطناعي هي تلك التي تتسم بالانضباط في اتخاذ قراراتها. وهذا يتطلب تركيزاً مُتجدداً على أساسيات القيادة: وضوح النية والقدرة على تطبيق الحكم السليم في المواقف التي تكون فيها البيانات غير مكتملة أو غامضة. قد يبدو هذا التمييز فلسفياً، ولكنه في الواقع عملي وواقعي.

الحفاظ على الطابع الإنساني للقرارات

إنّ أولئك الذين يُفكرون ملياً في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي ومتى، وما يجب على القادة الاستمرار في تحمّل مسؤولياته، سيحققون نتائج أفضل من أولئك الذين يُركّزون كلياً على الكفاءة.

ذكاء «محايد ومتفاعل وخصم»

هذا يعني التخلي عن فكرة اعتبار الذكاء الاصطناعي صانع قرار أو مالك مشروع، والنظر إليه بدلاً من ذلك على النحو التالي:

1. طرف ثالث محايد: تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي معالجة البيانات وتلخيصها بسرعة، ما يساعد على إبراز الأنماط الموضوعية، ولكن على القادة تفسير الأرقام في ضوء تاريخ المؤسسة وثقافتها وخصوصياتها.

2. منصة تفاعلية لتبادل الآراء: استخدم الذكاء الاصطناعي لمناقشة الخيارات، وجمع المعلومات حول سيناريوهات مماثلة، وتطوير أساليب تفكير جديدة، مع الاحتفاظ بمسؤولية الحكم والتوجيه النهائي والتواصل.

3. خصمٌ شرس: دع الذكاء الاصطناعي يلعب دور المُعارض. اطلب منه أن يُشكك في أفكارك، وأن يختبر خططك بدقة، وأن يُحلل ثغرات تفكيرك من منظور مختلف أصحاب المصلحة، وذلك لفهم كيفية استقبال الآخرين لرؤيتك الاستراتيجية.

يُساعد هذا التغيير في التفكير على ترسيخ وتوضيح دور الذكاء الاصطناعي في سير العمل التنفيذي، وجعله عاملاً مُساعداً لا مُتحكماً في الخطوات اللاحقة. ففي نهاية المطاف، القيادة تعني تحمُّل مسؤولية التوجيه والأفراد والنتائج.

يُمكن للذكاء الاصطناعي دعم هذا العمل، لكنه لا يستطيع القيام به. سيجد المديرون التنفيذيون الذين يسمحون للذكاء الاصطناعي باتخاذ القرارات بدلاً من تقديم المعلومات، أنفسهم، حتماً تقريباً، يُعيدون صياغة رؤاهم وفقاً لصورة التكنولوجيا، مُتجاهلين حدودها. وهذا يُشكل خطراً، استراتيجياً وشخصياً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


حضور الذكاء الاصطناعي في الاجتماعات... قنبلة موقوتة

حضور الذكاء الاصطناعي في الاجتماعات... قنبلة موقوتة
TT

حضور الذكاء الاصطناعي في الاجتماعات... قنبلة موقوتة

حضور الذكاء الاصطناعي في الاجتماعات... قنبلة موقوتة

يقوم جيفري جيفورد، وهو محامٍ في سان أنطونيو، متخصص في حوكمة الشركات والأوراق المالية وعمليات الاندماج والاستحواذ في مكتب دايكيما للمحاماة بدور حارس أمن... قبل بدء الاجتماعات الافتراضية! كما كتبت سارة كيسل(*).

ويقول لموقع «ديل بوك»: «قبل بدء الاجتماع، عندما أرى برنامج تدوين الملاحظات الذكي يظهر، أقول (للمشاركين): (مرحباً مايك، جيم، باربرا، لقد رأيت برنامج تدوين الملاحظات الذكي. سأقوم بإيقافه وإخراجه من الاجتماع)».

إن هذا الأمر يتكرر حالياً بشكل متزايد. ويضيف يفورد: «الجميع يستخدم هذه البرامج، من المديرين التنفيذيين إلى أعضاء مجالس الإدارة ورجال الأعمال غير التنفيذيين».

رواج «الإنتاجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي»

يُطلق على عملية تخطّي الاجتماعات وعدم المشاركة فيها، وإرسال مُدوّن ملاحظات يعمل بالذكاء الاصطناعي اسم «أحدث صيحة في عالم الأعمال». وقد أصبحت أجهزة التسجيل صغيرة الحجم التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتسجيل التفاعلات المباشرة من فئة المنتجات الرائجة. بل إنّ أحد الرؤساء التنفيذيين على الأقل أيّد فكرة إضافة عضو مجلس إدارة يعمل بالذكاء الاصطناعي (ربما كان مُبرمجاً ليتصرف مثل وارن بافيت - رجل الاعمال الشهير).

ذكاء اصطناعي في الاجتماعات- قنبلة موقوتة

لكن بالنسبة لمحامين مثل جيفورد، فإنّ دعوة روبوت ذكاء اصطناعي إلى الاجتماعات تُشكّل قنبلة موقوتة من المخاطر القانونية.

تعليقات عفوية... ودعاوى قضائية

النصوص المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، التي تُتيح بعض تطبيقات مكالمات الفيديو للمستخدمين تفعيلها افتراضياً، تحفظ أنواعاً مختلفة من المعلومات - كالتعليقات العفوية، والتصريحات المُصحّحة بسرعة، والنكات - التي نادراً ما يُدوّنها البشر في محاضر الاجتماعات. وتظهر هذه النصوص في اجتماعات ما كانت لتُسجّل لولا ذلك.

وفي الدعاوى القضائية أو التحقيقات، قد يُصبح كل ما يُقال قابلاً للكشف.

بل الأسوأ من ذلك، كما يقول محامو الشركات إنّ «مشاركة الاجتماع مع روبوت ذكاء اصطناعي قد تُبطِل سرية العلاقة بين المحامي وموكله؛ ما يجعل المحادثات التي ما كانت لتخضع للكشف في الظروف العادية، متاحةً للطعن في الدعوى القضائية».

تحذيرات حقوقية من حضور الروبوت في الاجتماع

أصدرت نقابة المحامين في مدينة نيويورك، العام الماضي، رأياً رسمياً بشأن برامج تدوين الملاحظات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وحثت المحامين على «النظر فيما إذا كان تسجيل المحاضر وتفريغها وتلخيصها إجراءً تكتيكياً مناسباً في الظروف الخاصة بكل حالة»، ونصحوا الزبائن الذين يستخدمون هذه الأدوات (بالتمعّن) «بمساوئ القيام بذلك».

ومن بين المخاوف دقة هذه البرامج؛ فعلى سبيل المثال، قد يسجل برنامج تدوين الملاحظات المدعوم بالذكاء الاصطناعي عبارة «مهم» على أنها «غير مهم». وإذا ما طُرحت هذه الجملة في المحكمة بعد سنوات، فقد يصعب تذكُّر الخطأ.

كما يشعر محامو الشركات بالقلق إزاء افتقار برامج تدوين الملاحظات المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى فهم السياق والتقدير. فعلى سبيل المثال، قد يكون تسجيل كل كلمة في اجتماع مجلس الإدارة، مهما كانت الملاحظة هامشية، أمراً محفوفاً بالمخاطر القانونية.

مشكلات «امتياز السرية القانونية»

يتوقع المسؤولون التنفيذيون ومجالس الإدارة عموماً أن تتمتع المحادثات مع فريقهم القانوني بشأن المسائل القانونية، بامتياز السرية بين المحامي والموكل. ويفقدون هذه الحماية إذا شاركوا المعلومات نفسها مع جهات خارجية، ومن المحتمل أن يكون لبرامج تدوين الملاحظات المدعومة بالذكاء الاصطناعي التأثير نفسه.

ويُزعم أن الشركات التي تُصنّع هذه الأدوات قد تتمكن من الوصول إلى نصوص المحادثات والبيانات المتعلقة بها.

اجتهادات القضاة

وبينما لم تتناول المحاكم هذه المسألة بشكل مباشر، فقد نظرت في مسائل مماثلة. ففي فبراير (شباط) الماضي، وعندما طلب المدعى عليه استشارة قانونية منه، قضى القاضي جيد س. راكوف، من المحكمة الجزئية الأميركية للمنطقة الجنوبية من نيويورك، بأن نصوص المحادثات التي تم إنشاؤها باستخدام تطبيق «كلود» للذكاء الاصطناعي لا تتمتع بامتياز السرية بين المحامي والموكل.

وكتب القاضي أنه لا يحق للمدعى عليه توقع أي خصوصية عند استخدام نموذج مُدرّب على مدخلات المستخدم، الذي يتضمن إخلاء مسؤولية صريحاً في سياسة الخصوصية الخاصة به بشأن قدرته على مشاركة المعلومات مع جهات خارجية (بما في ذلك «السلطات التنظيمية الحكومية«).

من جهة أخرى، اتخذ القاضي غيرشوين أ. درين، من محكمة المقاطعة الأميركية في ديترويت، نهجاً مختلفاً؛ فقد قضى، في فبراير أيضاً، بأنه لا يمكن إجبار المدعية التي مثّلت نفسها بفعالية في المحكمة على تسليم نصوص محاضر جلسات «تشات جي بي تي» المتعلقة بالقضية.

* باختصار، خدمة «نيويورك تايمز».


تطورات «كريسبر»: من قصّ الجينات إلى قراءة عقل الخلية

خطوات محورية في دراسة السرطان واضطرابات المناعة
خطوات محورية في دراسة السرطان واضطرابات المناعة
TT

تطورات «كريسبر»: من قصّ الجينات إلى قراءة عقل الخلية

خطوات محورية في دراسة السرطان واضطرابات المناعة
خطوات محورية في دراسة السرطان واضطرابات المناعة

أظهرت دراسات علمية حديثة أن تقنية «كريسبر» لم تعد تُستخدَم فقط لتعديل الجينات بدقة، بل أصبحت أداة أساسية لفهم كيفية تصرّف الخلايا المعقّدة واختلاف استجابتها للتعديل الجيني من نسيج إلى آخر. وقد بيّنت هذه الأبحاث أن نجاح التعديل لا يعتمد على «قصّ» الجين بحد ذاته، بل على السياق الخلوي والبيولوجي الذي يحدث فيه هذا التغيير.

هذه النتائج التي كشفت عنها ثلاث دراسات نُشرت خلال العام الماضي ترسم ملامح مرحلة جديدة في تطوّر «كريسبر»، مرحلة يتقدّم فيها الذكاء البيولوجي والنماذج الأكثر واقعية إلى الواجهة ليصبح فهم الخلية وآلياتها الداخلية بأهمية القدرة التقنية نفسها على تعديل الجينات.

خلايا الدماغ تتميز عن بقية الخلايا

لماذا تستجيب الخلايا العصبية لـ«كريسبر» بطريقة مختلفة عن بقية خلايا الجسم؟ أحدث هذه الدراسات زمنياً نُشرت في مجلة Nature Communications بتاريخ 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وركّزت على أحد أكبر التحديات في الطب الجيني: لماذا يصعب استخدام «كريسبر» لعلاج أمراض الدماغ؟قاد الدراسة بروس كونكلين من معهد الجينوميات المبتكرة في جامعة كاليفورنيا. وخلص فريقه إلى أن السبب لا يعود إلى أداة «كريسبر» نفسها، بل إلى طبيعة الخلايا العصبية. فالخلايا العصبية تُعدّ خلايا غير منقسمة، أي أنها لا تتجدد باستمرار مثل خلايا الجلد أو الدم.

وعندما يُحدِث «كريسبر» قطعاً في الحمض النووي داخل هذه الخلايا، فإن آلية إصلاح الضرر تختلف جذرياً عن الخلايا المنقسمة. فقد تبيّن أن تأثير التعديل الجيني في الخلايا العصبية يستمر لفترة أطول؛ ما يزيد فرص نجاح العلاج، لكنه في الوقت نفسه قد يرفع مخاطر حدوث تعديلات غير مقصودة.

كما كشفت الدراسة عن أن الخلايا العصبية تعتمد على عدد أقل من مسارات إصلاح الحمض النووي؛ وهو ما يجعل نتائج التعديل أكثر قابلية للتنبؤ إذا جرى التحكم بهذه المسارات بدقة. واستطاع الباحثون بالفعل تحسين دقة التعديل الجيني، بل ونجحوا في تطبيق الاستراتيجية نفسها على خلايا أخرى غير منقسمة مثل خلايا عضلة القلب.

وتشير هذه النتائج إلى أن علاج الأمراض العصبية باستخدام «كريسبر» ممكن، لكنه يتطلب فهماً خاصاً لطبيعة كل نوع من الخلايا بدل استخدام نهج واحد للجميع.

حين تُشوّه الأداة نفسها نتائج أبحاث السرطان

كيف دفع الجهاز المناعي العلماء إلى «إخفاء كريسبر» داخل الخلايا؟

وكشفت دراسة أخرى من سويسرا نُشرت في مجلة Cell في 7 نوفمبر 2025 عن تحدٍ مختلف، لكنه لا يقل أهمية هذه المرة في أبحاث السرطان.

وفي دراسة قادها نيكولا أسيتو، أستاذ علم الأورام الجزيئي في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيوريخ، تبيّن أن أداة «كريسبر» نفسها قد تؤثر في نتائج التجارب.

إن بروتين (كاس9) Cas9 المستخدم على نطاق واسع في «كريسبر»، ذو أصل بكتيري؛ ما يعني أنه قد يثير الجهاز المناعي في النماذج الحيوانية. وهذا التفاعل المناعي قد يؤدي إلى رفض الخلايا المعدّلة جينياً أو تقليل قدرتها على تكوين أورام، وبالتالي إعطاء انطباع مضلل حول فاعلية التعديلات الجينية.

ولتجاوز هذه المشكلة؛ طوّر الباحثون ما أطلقوا عليه «العباءة الجزيئية»، وهي استراتيجية تجعل الخلايا المعدّلة جينياً أقل وضوحاً للجهاز المناعي. وبفضل هذا الأسلوب أصبح بالإمكان إجراء تجارب «كريسبر» في نماذج حيوانية ذات جهاز مناعي سليم أقرب إلى الحالة البشرية الواقعية.

وأسفر هذا النهج عن نتائج لافتة؛ إذ تمكّن الفريق من تحديد جينين يؤدي تعطيلهما إلى انخفاض كبير في انتشار سرطان الثدي. وتؤكد هذه الدراسة أن دقة أدوات البحث لا تقل أهمية عن التعديل الجيني نفسه، خصوصاً في مجال معقّد مثل السرطان.

جيل جديد من أدوات «كريسبر» لفهم الأمراض المعقّدة

اتجاه آخر هو تعديل شبكة كاملة من الجينات بدل جين واحد. فقد تناولت الدراسة الثالثة والمنشورة في مجلة Nature Biomedical Engineering في 20 مارس (آدار) 2025 سؤالاً أساسياً هو: كيف يمكن لـ«كريسبر» أن يتعامل مع أمراض لا يسببها خلل جين واحد، بل شبكة كاملة من الجينات؟

في هذه الدراسة قاد سيدي تشين، الأستاذ المشارك في علم الوراثة وجراحة الأعصاب في كلية الطب بجامعة ييل الاميركيه، فريقاً طوّر جيلاً جديداً من أدوات «كريسبر» يعتمد على بروتين (كاس12 إيه)Cas12a بدلاً من «كاس9» التقليدي.

ويتميّز هذا النظام بقدرته على تعديل جينات عدة في الوقت نفسه، وهي خطوة محورية في دراسة أمراض مثل السرطان واضطرابات المناعة، حيث تتفاعل مسارات جينية متعددة لإحداث المرض.

ولتحقيق ذلك؛ أنشأ الباحثون سلالات جديدة من فئران معدّلة وراثياً تسمح بتشغيل أو إيقاف مجموعات من الجينات بدقة عالية. وقد مكّن هذا النهج العلماء من نمذجة أمراض معقّدة بسرعة أكبر ودراسة كيفية تفاعل الخلايا المناعية مع تغييرات جينية متعددة في آن واحد.

ويرى تشين أن هذه النماذج تمثّل قفزة نوعية في فهم الأمراض المعقّدة، وقد تسرّع تطوير علاجات تستهدف أكثر من مسار جيني بدل التركيز على هدف واحد فقط.

نماذج أقرب إلى الواقع البشري

تُظهر هذه الدراسات الثلاث أن تقنية «كريسبر» تمر اليوم بمرحلة جديدة أكثر نضجاً وواقعية. فالتحدي لم يعد في القدرة على تعديل الجينات، بل في معرفة متى وكيف وأين يتم هذا التعديل.

ومن فهم خصوصية الخلايا العصبية إلى تجنّب تداخل الجهاز المناعي في أبحاث السرطان، وصولاً إلى تعديل شبكات جينية كاملة يتضح أن مستقبل الطب الجيني يعتمد على الجمع بين القوة التقنية والفهم البيولوجي العميق.

ويرى الباحثون أن هذه التطورات ستسهِم في تحسين نمذجة الأمراض وتسريع اكتشاف العلاجات ودفع الطب الدقيق نحو علاجات مصمّمة خصيصاً لكل مريض ونوع خلية. ومع هذا التقدّم يقترب العلم خطوة إضافية من تحقيق وعد «كريسبر»، ألا وهو «علاج المرض من جذوره الجزيئية بأمان ودقة غير مسبوقين».