نظام «الاستثمار الأجنبي».. رحلة الأطوار الأربعة في السعودية

شهدت مسيرة تطور من اقتصاد مغلق وغير متنوع إلى بيئة استثمار مفتوحة ومرنة

جانب من مدينة الجبيل
جانب من مدينة الجبيل
TT

نظام «الاستثمار الأجنبي».. رحلة الأطوار الأربعة في السعودية

جانب من مدينة الجبيل
جانب من مدينة الجبيل

شكلت مسيرة تطور نظام الاستثمار الأجنبي في السعودية رحلة مثيرة من التطور وسط تطلع السعودية لاستيعاب مجالات الاقتصاد الحديث بما يحويه من إمكانات وقدرات وتصنيع وتنمية مستفيدة من تجارب الأمم ومستجدات خبراتهم.
ومرت السعودية بأربعة أطوار من أنظمة الاستثمار الأجنبي، قبل أن تقّر الدولة نظاما متطورا قبل 14 عاما، لتكشف تلك المسيرة أن السعودية شهدت نقلة نوعية حيث بدأت باقتصاد مغلق غير متنوع ثم تحولت إلى اقتصاد مفتوح متنوع ومرن.
وساهمت تلك الأنظمة مع تطوراتها في تدفق رؤوس الأموال الأجنبية إلى المملكة، جعلت السعودية في المرتبة الـ22 عالميا من حيث سهولة أداء الأعمال بحسب تقرير التنافسية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي.
ويرصد هذا التقرير تطور الأنظمة المتعلقة بالاستثمار الأجنبي في السعودية:
أربعة أنظمة للاستثمار
النظام الأول للاستثمار الأجنبي في السعودية صدر في منتصف الخمسينات ميلادية في عام 1957 (1376هـ)، ولم يكن جاذبا لرؤوس الأموال الأجنبية في حينه، ليصدر نظام آخر بعد سبع سنوات في عام 1963 (1383هـ) يتميز بحوافر تشجيعية للمستثمر الأجنبي، مشترطا ألا تقل نسبة رأس المال السعودي في إجمالي المشروع عن 25 في المائة، وهو ما اعتبر قفزة كبيرة في القوانين المنظمة لعمل الاستثمار الأجنبي في السعودية آنذاك.
إلا أن مسيرة التطوير والنهضة في المملكة وتحديات المرحلة فرضت إصدار نظام ثالث للاستثمار الأجنبي تحت مظلة وزارة الصناعة والكهرباء في عام 1978 (1399هـ) كان أكثر انفتاحا وتنظيما، واستمر العمل به نحو 22 عاما، وصولا إلى نظام الاستثمار الحالي، والذي اقترن بقرار تأسيس الهيئة العامة للاستثمار.
والنظام الجديد الذي صدر في عام 2000 اشتمل على عدد من المحفزات النوعية للاستثمار، فقد نص في مادته الرابعة على أن منشآت الاستثمار الأجنبي تتمتع بالمزايا والحوافز والضمانات التي تتمتع بها المنشآت الوطنية، وفقا للأنظمة المعمول بها في المملكة، ومنها حرية تدفق الأموال من المملكة وإليها واحترام الملكية الخاصة، بما في ذلك عدم جواز مصادرة الاستثمارات إلا بحكم قضائي أو نزع ملكيتها إلا للمصلحة العامة مقابل تعويض عادل، والحصول على القروض الميسرة والإعفاءات الجمركية المتاحة.
بالإضافة إلى ذلك، يحق لهذه المنشآت تملك العقارات اللازمة لمزاولة النشاط المرخص أو لسكن العاملين بها وفقا لأحكام نظام تملك غير السعوديين للعقار، كما يحق لها استقدام وكفالة المستثمر الأجنبي وموظفيه غير السعوديين. كما أن للاستثمار في المملكة مزايا وحوافز نوعية أخرى جعلت من المملكة بيئة جاذبة للاستثمار، أبرز هذه المزايا انخفاض أسعار الطاقة وتوفرها، واستقرار الريال السعودي، والهامش الربحي الكبير للاستثمارات، ونسبة المخاطرة المنخفضة، وموقع المملكة الجغرافي، والامتيازات الضريبية، وتوفر الأيدي العاملة، وانخفاض المصاريف التشغيلية، وسهولة الإجراءات وغيرها.
ويمكن القول إن المملكة خلال المراحل الأربعة لنظام الاستثمار الأجنبي بدأت باقتصاد مغلق غير متنوع، ثم تحولت إلى اقتصاد مفتوح متنوع ومرن، ويفسر هذا إيمان الدولة بأهمية الاستثمار وفوائده، وهو حل لمشكلات أيضا غير مباشرة، مثل ارتفاع بند الرواتب والأجور في الميزانية، كون الحكومة هي صاحب العمل الرئيس للمواطنين بنسبة تقارب 90 في المائة، مما يزيد من أعباء التضخم، لذا؛ فالحل يكمن في خلق وظائف جديدة عبر جلب الاستثمارات، وزيادة إيرادات الدولة غير النفطية، وكذلك تحفيز المستثمر المحلي، وتسهيل الإجراءات لممارسة العمل الحر سواءً كان على مستوى المشاريع الكبرى أو المشاريع الصغيرة، وإنشاء الحاضنات المتخصصة.
* الأرقام تتحدث
* ككل دول العالم تسعى المملكة لجذب الاستثمار الأجنبي إليها، لأن ما يميز هذا النوع من الاستثمار نقله للتقنية والتكنولوجيا الحديثة إلى داخل البلاد، فضلا عن توفير فرص عمل للشباب السعودي وإكسابهم المهارات والخبرات التي تؤهلهم لفتح استثماراتهم الخاصة، وإدخال مفاهيم إدارية حديثة، ناهيك عن المزايا الأخرى كتنويع القاعدة الإنتاجية وانعكاسه على خزانة الدولة والاقتصاد الوطني، ودفع عجلة الحراك الاقتصادي، والأرقام التي تخرج بها الهيئات والمؤسسات الحكومية تعكس مدى استفادة اقتصاد المملكة من هذه الاستثمارات، ففي تقرير للهيئة العامة للاستثمار - الجهة المخولة بتنظيم الاستثمار الأجنبي - يظهر أن المملكة تحتضن 11 ألف شركة أجنبية، وأن التدفقات الاستثمارية الأجنبية تجاوزت مائتي مليار دولار سنويا، وفي تقارير اقتصادية أخرى تضاعف حجم الاقتصاد السعودي أربع مرات خلال العشر سنوات الماضية، ليصبح في المركز الأول بين دول المنطقة، وفي المركز التاسع عشر عالميا.
وتقول الأرقام أيضا إن المملكة استحوذت على 38 في المائة من الاستثمارات الأجنبية المتجهة إلى دول غرب آسيا خلال الخمس سنوات الماضية، كما سجل الاقتصاد السعودي نموا بلغت نسبته 6.8 في المائة. كما بلغ حجم هذا الاقتصاد 2.7 تريليون ريال في عام 1433هـ، وهو ما يدل على تكامل الاستثمارات الأجنبية مع النمو الاقتصادي والنهضة الشاملة التي تشهدها الدولة.
أما عالميا، فتحتل المملكة المرتبة الـ23 ضمن الاقتصادات الخمسة والعشرين الأكبر في العالم، ما يعني أن الاستثمار المحلي فاعل وحاضر بقوة في المشهد الاقتصادي، وربما عزز ذلك ما ينعم به المستثمرون السعوديون من مزايا تمويلية، كبرامج الإقراض من الصناديق التمويلية الصناعية والزراعية والعقارية وصندوق المئوية والبنوك المحلية، وبرامج تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
يضاف لذلك وجود أراض ببنية تحتية وخدمات لوجستية مهيأة للاستثمار في المدن الاقتصادية وعشرات المدن الصناعية بإيجارات تحفيزية سنوية تبدأ من ريال واحد للمتر المربع، والحصول على الخدمات بأسعار مخفضة (مياه، كهرباء، غاز، ديزل، بنزين)، وكذلك الإعفاء الجمركي وينقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسة تشمل مواد أولية، ومكائن وآلات ومعدات، وقطع غيار المكائن والمعدات والآلات، وفق نظام لحماية وتشجيع الصناعات الوطنية.
القيمة المضافة والعمالة الوطنية
يتوفر الاستثمار في المملكة على الكثير من عناصر القيمة المضافة التي تجعل من هذا الاستثمار أكثر نجاحا وربحية، والتي تشكل بحد ذاتها مزايا رئيسة تضاف إلى مزايا الاستثمار في المملكة.
فعلى صعيد توفر المواد الخام اللازمة للصناعات المستهدفة، تأتي الصناعات البتروكيماوية كأكبر المستفيدين من وضع المملكة كأكبر بلد منتج ومصدر للبترول الذي يصل إلى المستهلك بأسعار تشجيعية تفيد هذا القطاع الصناعي الأكبر في المملكة بشكل خاص، إلى جانب توفر الغاز الطبيعي أو المصاحب كمصدر إضافي للطاقة النظيفة، إلى جانب كونه كمادة لقيم للكثير من الصناعات. كما أن من الممكن القول إن السوق السعودية التيتمتاز بارتفاع القوة الشرائية فيها تعد من عناصر القيمة المضافة للاستثمار في المملكة.
غير أن الأكثر أهمية مما سبق، هو الجهود الحثيثة التي تبذل حاليا لتوفير كوادر وطنية قادرة على المشاركة بقوة في قطاع الإنتاج الصناعي الذي توفره الاستثمارات الجديدة. فالأيدي العاملة الوطنية تعد من أهم عناصر القيمة المضافة في أي اقتصاد.
إن تطور البحث العلمي الذي تجسده جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، وانتشار الجامعات في مختلف مناطق المملكة، سيسهم بلا شك في تطوير صناعات جديدة، وتوفير كوادر سعودية شابة وكفؤة قادرة على تحدي غيرها من الكفاءات.
كما أن السياسات والبرامج التي تتبعها الدولة في توسيع مجالات الاستثمار، والاستفادة من المعادن الأخرى التي تختزنها أراضي المملكة، ستوفر بدورها مجالات جديدة رحبة للاستثمار الذي سيعزز من متانة الاقتصاد السعودي.
البحث عن حل المعوقات
في مواجهة ذلك تبقى هناك بعض معوقات الاستثمار التي قد تحد من تنافسية المملكة باعتبارها بيئة جاذبة للاستثمار، ولا شك أن المعنيين بقطاع الاستثمار يدركون هذه المعوقات التي تتطلب البحث عن حلول لها.
ويشكل منتدى التنافسية الذي يعقد اليوم في الرياض منبرا للمكاشفة والبحث عن الحلول اللازمة لهذه المعوقات.



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.