الأفغان ضحايا «طالبان»: السلام لن يعيد إلينا أقاربنا

مخاوف من العودة إلى الصفر مثلما حدث عام 2001

قُتلت زوجة عبد الرحمن مبارز وأطفاله السبعة وأربعة أقارب آخرين في غارة جوية أميركية في سبتمبر الماضي (نيويورك تايمز)
قُتلت زوجة عبد الرحمن مبارز وأطفاله السبعة وأربعة أقارب آخرين في غارة جوية أميركية في سبتمبر الماضي (نيويورك تايمز)
TT

الأفغان ضحايا «طالبان»: السلام لن يعيد إلينا أقاربنا

قُتلت زوجة عبد الرحمن مبارز وأطفاله السبعة وأربعة أقارب آخرين في غارة جوية أميركية في سبتمبر الماضي (نيويورك تايمز)
قُتلت زوجة عبد الرحمن مبارز وأطفاله السبعة وأربعة أقارب آخرين في غارة جوية أميركية في سبتمبر الماضي (نيويورك تايمز)

بعد قرابة عقدين من القتال الدامي، كانت الولايات المتحدة و«طالبان» على وشك التوصل إلى اتفاق مؤقت يمكن أن يساعد في إنهاء الحرب الطويلة، غير أن الرئيس ترمب قرر إيقاف المفاوضات.
لكن كثيراً من الأفغان الذين طالما عبروا عن حاجتهم الملحة لوقف إراقة الدماء ظلوا متشككين في جدوى الاتفاق. ورغم أن الصفقة بين الولايات المتحدة و«طالبان» كانت ستفتح الطريق أمام مفاوضات مباشرة بين المتمردين والمسؤولين الأفغان بشأن المستقبل السياسي للبلاد، فإنهم يخشون من أن يشجع فقدان حالة الزخم، نتيجة لسحب القوات الأميركية، حركة طالبان على السعي إلى تحقيق أهدافها، المتمثلة في دحر الحريات الأساسية، وهو ما سعت لتحقيقه طيلة الثمانية عشر عاماً الماضية، وأهمها حقوق المرأة وحرية الصحافة.
فقد أرسلنا كثيراً من التقارير التي لا حصر لها طيلة السنوات الماضية عن أشخاص وقعوا ضحية الصراع البائس، وتوصلنا مؤخراً إلى بعض هؤلاء الأشخاص للاستماع إلى مشاعرهم ومخاوفهم، وقمنا بتدوين إجاباتهم.
قُتلت زوجة السيد مبارز، وأطفاله السبعة وأربعة أقارب آخرين، في غارة جوية أميركية في سبتمبر (أيلول) الماضي استهدفت مقاطعة «وردك»، والسبب أن «طالبان» كانت موجودة في المنطقة نفسها. ومنذ ذلك الحين، بات مبارز يقضى معظم وقته في العاصمة الأفغانية كابل، سعياً لتحقيق العدالة.
يقول مبارز: «لقد تعبت من الناس والمنطقة والمقاطعة كلها. عندما أذهب إلى وردك، فإنني أشعر بتعب شديد. ولكن ماذا عساي أن أفعل؟ لا بد لي من الذهاب إلى هناك، وزيارة قبورهم. لم أفقد شخصاً واحداً، بل 12 شخصاً من أفراد أسرتي. بناتي الأربع وثلاثة أبناء وزوجتي وأربعة أقارب. لقد فقدت كل شيء في يوم واحد، عندما تعرض بيتي للقصف من قبل الأميركيين.
لا يمكنني أن أسامح (طالبان) أبداً، لكن إذا تمكنت صفقة السلام من وقف إراقة الدماء، ففي هذه الحالة فقط يمكنني قبولها. لا أريد أن أرى عائلات أخرى تتجرع من الكأس نفسها.
أذهب إلى الأميركيين، وإلى (طالبان)، وإلى الحكومة، لتحقيق العدالة. يجب أن تكون هناك مساءلة، يجب معاقبة الذين قتلوا عائلتي. أعيش رعباً حقيقياً على أبناء قريتي، فهم أهداف سهلة. (طالبان) والأميركان والحكومة، الجميع يقتلونهم مثل الغنم، وهم لا يردون على الإطلاق، فقد اعتادوا على ذلك.
الله وحده معيني وسط كل هذا الغم. لا أدري ما سيكون عليه حالي لو لم أكن متديناً. أدعو الله أن يعينني ويعين أفغانستان لتحقيق تجربة سلام حقيقية».
وقُتل زوج السيدة كاكار، الصحافي الإذاعي الأفغاني، ساباون كاكار، في تفجير مزدوج أودى بحياة 8 صحافيين آخرين. كان لديهم ابن واحد، وكانت حبلى في ابنهما الثاني.
وعن حياتها بعد المأساة، قالت: «حياتي مليئة بالتحديات الآن، يجب أن ألعب دور الأب والأم، وأن أبقى قوية من أجل أطفالي. لقد غادرت البلاد، ولا أريد العودة، وليس لديّ شيء هناك، يجب أن أخفي ألمي وأظل مبتسمة أمام الأولاد، وهي مهمة مؤلمة للغاية تحتاج إلى كثير من الطاقة.
المستقبل يبدو رمادياً بالنسبة لي، فهناك كثير من النساء اللائي يعملن، وهن العائل الوحيد للعائلة. إذا عادت (طالبان)، فمن الواضح أنها ستضع قواعد جديدة، وستكون النساء ضحية لعملية السلام.
أنا ممزقة، وعندما أكون هادئة عقلياً، أشعر برغبة في أن يعم السلام للبلاد. لا أريد أن تمر النساء الأخريات بكل ما مررت به. لكن في بعض الأحيان عندما أشعر بالحزن الشديد والاكتئاب، أعتقد أنني لا أبالي بالسلام. لقد فقدت كل ما أملك، فالسلام لن يعيد إلى عائلتي».
وكان السيد رضائي على وشك خطبة نجيبة الحسيني، التي جاءت من قرية متربة بوسط أفغانستان، وكانت على وشك الذهاب إلى اليابان للحصول على درجة الماجستير، لكنها قُتلت في انفجار استهدف حافلة تقل موظفي وزارة المناجم، حيث كانت تعمل.
وعن تجربته يقول: «لا أستطيع أن أنسى ما فعلته (طالبان)، ولا يمكنني أن أغفر لهم ما جنته أيديهم. عندما فقدت نجيبة، كان من الصعب للغاية التغلب على الألم. لقد فقدت نفسي، وكنت حزيناً للغاية. لم يكن من المفترض أن تذهب نجيبة إلى المكتب في ذلك اليوم، لأنه كان من المخطط القيام باحتجاج في ذلك اليوم، لكنها ذهبت لتوفير بعض أيام الإجازات لقضاء العطلة في منطقة (باميان) بعد خطبتنا.
عندما يتعلق الأمر بالسلام، أعتقد أننا فقدنا كل شيء. إذا عادت (طالبان) إلى البلاد، فعلينا أن نبدأ مرة أخرى من الصفر، مثلما حدث عام 2001؛ وهذا أمر مخيف للغاية. أتذكر نجيبة في كل مرة يحدث فيها انفجار. أفكر في كل من فقد شقيقته وشقيقه وأبيه وأمه وحبيبته».
وفقد السيد الزنداني والده في غارة جوية أميركية، وقُتلت شقيقته في انفجار قنبلة زرعتها «طالبان» على جانب الطريق، لتصيبه بالعمى في سن المراهقة. والعام الماضي، سار الزنداني في مسيرة نظمتها حركة داعية لإحلال السلام.
يقول الزنداني: «لقد دمرت الحرب حياتي كلها: قتل والدي، وقتل أفراد الأسرة الآخرين، وأصبت بالعمى، ولا يمكنني الذهاب إلى قريتنا التي نشأت فيها.
إذا كانت الأطراف جادة في مساعي إحلال السلام لكانوا قد سمعوا صوتنا الآن، فخوفنا هو أن تتوقف هذه الحرب وتبدأ حرباً أخرى. إن لم يكن الجانبين أكثر انفتاحاً وشفافية، فمن الممكن ألا يفضي هذا الاتفاق لأي فوائد».
وأصيبت السيدة موسازاي، إحدى ضحايا شلل الأطفال، في هجوم لـ«طالبان» على الجامعة الأميركية في أفغانستان، أسفر عن مقتل 12 شخصاً على الأقل. وفي تعليقها على مساعي السلام، تقول موسازاي إنه «من الصعب القول إننا سنحقق السلام في البلاد لأن هناك مفاوضات بين (طالبان) والولايات المتحدة، والسبب هو أن الأفغان (الحكومة الأفغانية) لا يشاركون على الإطلاق. إذا توصلت (طالبان) والحكومة الأفغانية إلى اتفاق، فسيكون ذلك مقبولاً.
الآن، نرى التفجيرات كل يوم، ومحادثات السلام، وحتى الحديث عن السلام، لا معنى له. إذا كانت (طالبان) تريد السلام، لماذا تقصفنا إذن؟
إذا انضمت (طالبان) إلى عموم الشعب، وكان هناك سلام، فسأقبلهم كجزء من البلاد والحكومة، لكن لا يمكنني أن أنسى أبداً ما فعلوه، فقد هاجموا جامعتي، وأصبت بالرصاص في ساقي، وتظاهرت بأنني مت. سوف أقبلهم لأنني أريد مستقبلاً أفضل، ولا أفكر في الانتقام. لكنني قلقة إذا ما عادت (طالبان) إلى البلاد، فإن النساء الأفغانيات سيكن الضحايا الرئيسيين».
- خدمة «نيويورك تايمز»



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.