روسيا وأوكرانيا تبحثان صيغة جديدة لضمان إمدادات الغاز الروسي لأوروبا

كييف تخشى بدء {غاز بروم} الضخ عبر شبكات أنابيب بديلة

وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك أثناء وجوده في بروكسل أول من أمس للتباحث حول مصير ترانزيت الغاز الروسي (إ.ب.أ)
وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك أثناء وجوده في بروكسل أول من أمس للتباحث حول مصير ترانزيت الغاز الروسي (إ.ب.أ)
TT

روسيا وأوكرانيا تبحثان صيغة جديدة لضمان إمدادات الغاز الروسي لأوروبا

وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك أثناء وجوده في بروكسل أول من أمس للتباحث حول مصير ترانزيت الغاز الروسي (إ.ب.أ)
وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك أثناء وجوده في بروكسل أول من أمس للتباحث حول مصير ترانزيت الغاز الروسي (إ.ب.أ)

رغم تأكيدهم أنها كانت إيجابية وبناءة، فإن المشاركين في المشاورات الثلاثية، الروسية والأوروبية والأوكرانية، حول مصير ترانزيت الغاز الروسي عبر الشبكة الأوكرانية منذ مطلع العام المقبل، لم يتوصلوا لاتفاق محدد بهذا الصدد. ويبدو أن المحادثات التي ستُستكمل نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، تتجه نحو التوافق على صيغة جديدة تتناسب مع قوانين الطاقة الأوروبية، وتنص على تشكيل مؤسسة مستقلة مسؤولة عن ترانزيت الغاز عبر أوكرانيا، تقوم بطرح قدراتها عبر مزادات، وتقوم «غاز بروم» بحجز تلك القدرات بالحجم الذي تحتاج إليه، وخلال الفترة الزمنية التي تحددها.
بيد أن احتمال عدم التوصل لاتفاق خلال المهلة المتاحة يبقى قائماً، وهذا ما عكسته تصريحات وزير الطاقة الأوكراني، الذي أكد في أعقاب المشاورات الاستعدادات لتلبية الاحتياجات المحلية من الخزانات الأوكرانية، بحال فشلت الأطراف في التوصل إلى اتفاق جديد.
وعقدت كل من روسيا وأوكرانيا والمفوضية الأوروبية مشاورات ثلاثية في بروكسل، ركزت بصورة خاصة على مصير اتفاقية ترانزيت الغاز الروسي عبر أوكرانيا، التي ينتهي العمل بها نهاية العام الحالي، وتوقيع اتفاقية جديدة للسنوات المقبلة. وشارك في تلك المشاورات وزيرا الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك، والأوكراني أليكسي أوجيل، وماروش شيفتشوفيتش، نائب رئيس المفوضية الأوروبية لشؤون الطاقة، ومديرو «غاز بروم» و«نفتو غاز».
وجاءت الجولة الحالية من المشاورات قبل ثلاثة أشهر تقريباً على انتهاء العمل باتفاقية «الترانزيت» الروسية - الأوكرانية، المبرمة منذ عشر سنوات؛ إذ تخشى أوكرانيا، ويدعمها في موقفها الاتحاد الأوروبي، من تخلّي «غاز بروم» الروسية عن ضخ الغاز نحو السوق الأوروبية عبر الشبكة الأوكرانية، مع بدء العمل بشبكات أنابيب بديلة، وهي شبكة أنابيب «سيل الشمال - 2» التي تصل إلى روسيا مع ألمانيا عبر قعر البلطيق، فضلاً عن شبكة «السيل التركي» وهي من أنبوبين؛ واحد لتلبية احتياجات السوق التركية، والثاني للترانزيت باتجاه أوروبا. وتحاول روسيا جاهدة إنهاء أعمال مد الشبكتين وبدء الضخ عبرهما مع مطلع العام الحالي.
الإعلان عن دخول أعمال مد شبكة «سيل الشمال - 2»، جعل «غاز بروم» التي تنفذ ذلك المشروع، تبدو في موقف «مريح» عشية المشاورات، إلا أن الوضع تغير جذرياً، بعد أن أعلنت المحكمة الأوروبية العامة، منتصف الشهر الحالي، عن قراراها بإلزام الشركة الروسية تقليص كميات الغاز التي تضخها عبر واحد من أنبوبي شبكة «سيل الشمال» (توأم «سيل الشمال - 2»، وبدء الضخ عبرها منذ عام 2011). وأعاد ذلك القرار أهمية الشبكة الأوكرانية بالنسبة لشركة «غاز بروم»، التي يرى خبراء أنها باتت الآن بحاجة لضخ ما لا يقل عن 80 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً عبر أوكرانيا خلال عام 2020، إلا أن هذا الحجم قد يتراجع حتى 20 مليار متر مكعب بعد بدء الضخ عبر «سيل الشمال - 2».
ضمن هذه الظروف انطلقت المشاورات الثلاثية في بروكسل. وبرز خلالها تمسك أوكراني وأوروبي بتوقيع اتفاقية ترانزيت جديدة لمدة 10 سنوات. ورد الجانب الروسي باقتراح تمديد الاتفاقية الحالية لمدة عام إضافي. وفي نهاية المطاف تم الاتفاق على دراسة اقتراح بديل ينص على استمرار ضخ الغاز الروسي عبر الشبكة الأوكرانية، بعد انتهاء الاتفاقية الحالية، لكن وفق قواعد الحزمة الثالثة من قانون الطاقة الأوروبي، التي تنص بما في ذلك على الفصل بين عمليات الإنتاج و«الترانزيت» وبيع الغاز، أي أن تكون هناك شركة مستقلة لكل واحدة من هذه المهام، وهو ما يعني إصلاحات على شركة «نفتو غاز» الأوكرانية، لتقوم بتأسيس مؤسسة مستقلة بصفة «مُشَغل» لشبكة الأنابيب، يقوم هذا المشغل بطرح قدرة ضخ الشبكة عبر مزادات، وتقوم الشركة الروسية بشراء الحجم الذي تحتاج إليه من تلك القدرات. وقال ممثل المفوضية الأوروبية إن «أوروبا ستساعد أوكرانية في تطبيق هذه الخطوة، والحصول على شهادات الجودة الأوروبية للمشغل الجديد»، لافتاً إلى أن «غاز بروم» شددت على ضرورة أن تكون الشهادات عالية الجودة.
وعبّر شيفتشوفيتش عن ارتياحه لنتائج المشاورات، لافتاً إلى «تقارب في وجهات النظر حول القضايا التي جرى نقاشها»، وأشار بصورة خاصة إلى «استعداد الشركة الروسية الموافقة على شروط عصرية لنقل الغاز»، وقال إن «غاز بروم» لأول مرة لا تستبعد العمل مع أوكرانيا بموجب القواعد الأوروبية اعتباراً من مطلع عام 2020.
من جانبه، بعث وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك رسائل «طمأنة» للاتحاد الأوروبي بشأن صادرات الغاز الروسي، وقال: «أنا واثق أننا سنجد كل الحلول لمنع وقف في إمدادات الغاز اعتباراً من مطلع العام المقبل»، وأكد استعداد روسيا للعمل بموجب التشريعات الأوروبية الجديدة في مجال الغاز، وحجز قدرات الترانزيت عبر الشبكة الأوكرانية، وقال في ختام المشاورات: «بعد أشهر طويلة من المحادثات، سنبدأ التعامل مع مُشَغل جديدة لـ(شبكة الترانزيت)، وسيكون شريكاً جديداً لـ(غاز بروم) في بحث اتفاق الترانزيت». إلا أن أليكسي ميللر، مدير «غاز بروم» عاد واقترح «تمديد العقد الحالي لفترة قصيرة»، ووصف اقتراحه هذا «الخطة ب»، لافتاً إلى أنها الحل الوحيد إذا لم تتمكن «نفتو غاز» الأوكرانية من تنفيذ الإصلاحات وتأسيس مشغل مستقل للترانزيت قبل نهاية العام الحالي.
أما أوكرانيا، ومع تعبيرها عن ارتياحها لنتاج المشاورات في بروكسل، إلا أنها تستعد لمواجهة الموقف بحال فشلت مساعي الاتفاق مع روسيا. وقالت «نفتو غاز» الأوكرانية إن «غاز بروم» أظهرت نية للدخول في مفاوضات بنّاءة، وأبدت استعدادها للعمل بموجب القواعد الأوروبية للترانزيت.
من جانبه، وصف وزير الطاقة الأوكراني أليكسي أوجيل المحادثات بأنها «إيجابية»، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أنه «رغم ذلك، ربما لن نتمكن من التفاهم بشأن (اتفاقية الترانزيت)»، وشدد على أن بلاده لن تسمح «بميزة عدم توقيع اتفاقية» جديدة، معبراً عن قناعته بضرورة مضي الأطراف قدماً، والسعي لتقريب وجهات النظر. وحرصاً على توفير الغاز للمواطنين الأوكرانيين في فصل الشتاء، إذا فشلت المحادثات في التوصل إلى أي اتفاق يضمن استمرار تدفق الغاز الروسي عبر الشبكة الأوكرانية مطلع العام المقبل، قال أوجيل إنه «من الضروري أن تكون أوكرانيا مستعدة لتوفير الغاز لمواطنيها من الخزانات».



مخاوف حرب إيران تدفع لأكبر تخارج من الأصول اليابانية في عقدين

رجل يقف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
رجل يقف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

مخاوف حرب إيران تدفع لأكبر تخارج من الأصول اليابانية في عقدين

رجل يقف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
رجل يقف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

شهدت الأسهم اليابانية أكبر تدفق أسبوعي لرؤوس الأموال الأجنبية الخارجة منذ عقدين، خلال الأسبوع المنتهي في 28 مارس (آذار) الماضي، حيث أدى ارتفاع أسعار النفط، مدفوعاً بالحرب في الشرق الأوسط، إلى ازدياد المخاوف من ضعف النمو العالمي وأرباح الشركات. وباع المستثمرون الأجانب ما قيمته 4.45 تريليون ين (27.92 مليار دولار) من الأسهم اليابانية، مسجِّلين بذلك أكبر صافي مبيعات أسبوعي منذ يناير (كانون الثاني) 2005 على الأقل، وهو التاريخ الذي بدأت فيه وزارة المالية اليابانية بجمع هذه الإحصاءات. وقام المستثمرون الأجانب ببيع أسهم يابانية بقيمة نحو 8.35 تريليون ين منذ بدء الحرب في إيران في 28 فبراير (شباط). وشهدت الأسواق تراجعاً حاداً يوم الخميس مع تصاعد المخاوف من الحرب في إيران، حيث انخفضت أسعار الأسهم وارتفعت أسعار النفط بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنَّ واشنطن قد تشنُّ ضربةً «شديدة للغاية» على إيران في غضون أسابيع، مما بدَّد الآمال في وضوح موعد انتهاء الصراع في الشرق الأوسط. كما شهدت السندات اليابانية تدفقات أجنبية خارجة حادة بلغت 6.81 تريليون ين، وهي الأكبر خلال أسبوع منذ ديسمبر (كانون الأول) 2022. وتخلى المستثمرون الأجانب عن سندات يابانية طويلة الأجل بقيمة 2.65 تريليون ين، وسندات قصيرة الأجل بقيمة 4.16 تريليون ين، مسجِّلين بذلك أكبر صافي مبيعات أسبوعي لهم منذ 27 ديسمبر 2025. وفي المقابل، أضاف المستثمرون اليابانيون صافي 140.6 مليار ين إلى أسهمهم الأجنبية، مواصلين بذلك سلسلة مشترياتهم الصافية للأسبوع السادس على التوالي. ومع ذلك، باعوا سندات أجنبية طويلة الأجل بقيمة 945.4 مليار ين، وسندات قصيرة الأجل بقيمة 224.4 مليار ين.

• تراجع «نيكي»

وفي التعاملات اليومية، انخفض مؤشر «نيكي» الياباني للأسهم بأكثر من 2 في المائة يوم الخميس، متراجعاً عن مكاسبه خلال الجلسة، بعد أن تلاشت الآمال في إنهاء سريع للصراع في الشرق الأوسط، إثر تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشنِّ مزيد من الضربات على إيران. وأغلق مؤشر «نيكي» منخفضاً بنسبة 2.38 في المائة عند 52.463.27 نقطة، بعد أن ارتفع بنسبة 0.97 في المائة في وقت سابق من الجلسة. كما تراجع مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً عن مكاسبه المبكرة، منهياً الجلسة منخفضاً بنسبة 1.61 في المائة عند 3.611.67 نقطة. وفي خطاب متلفز، قال ترمب إن الجيش الأميركي قد حقَّق أهدافه تقريباً في إيران. لكنه لم يقدِّم جدولاً زمنياً واضحاً لإنهاء الحرب المستمرة منذ شهر، وتعهد بقصف البلاد حتى تعود إلى «العصور الحجرية». وقال كازواكي شيمادا، كبير الاستراتيجيين في شركة «إيواي كوزمو» للأوراق المالية: «لم يكن في خطابه أي جديد. لو أعلن إنهاء الحرب فوراً، لكانت سوق الأسهم قد شهدت ارتفاعاً ملحوظاً». وأضاف: «بدلاً من ذلك، بدأ المستثمرون ببيع الأسهم لجني أرباحهم من الارتفاع الأخير، وكأنهم كانوا يتوقَّعون ذلك». وشهد المؤشر ارتفاعاً هذا الأسبوع على أمل خفض التصعيد في الحرب، بعد أن سجَّل أسوأ أداء شهري له منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 في مارس. وارتفع مؤشر «نيكي» إلى متوسطه المتحرك لـ25 يوماً عند نحو 54.258 نقطة في وقت سابق من الجلسة، وهو ما عدّه شيمادا إشارة إلى أن مؤشر «نيكي» قد بلغ أدنى مستوياته.

• ارتفاع العوائد

وبالتزامن مع تراجع الأسهم، ارتفعت عوائد السندات الحكومية اليابانية يوم الخميس، بعد أن بدَّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الآمال في إنهاء سريع للحرب في الشرق الأوسط، مما أثَّر سلباً على نتائج مزاد السندات القياسية لأجل 10 سنوات. وقفز عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات بمقدار 9 نقاط أساس ليصل إلى 2.39 في المائة، مُسجِّلاً أعلى مستوى له منذ فبراير 1999، والذي تم قياسه يوم الاثنين. وقفز عائد السندات لأجل 20 عاماً بمقدار 15 نقطة أساس ليصل إلى 3.21 في المائة، وارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً بمقدار 9 نقاط أساس ليصل إلى 3.705 في المائة. وتتحرَّك العوائد عكسياً مع أسعار السندات. وقال شويتشي أوساكي، مدير محافظ أول في شركة «ميغي ياسودا» لإدارة الأصول: «ازدادت حالة عدم اليقين بشأن حرب الشرق الأوسط بعد خطاب ترمب، مما أثَّر على مزاد سندات الـ10 سنوات». وأضاف: «ربما كان المزاد مدعوماً بطلب من المتعاملين الذين احتاجوا لتغطية مراكز البيع المكشوف». بلغت نسبة العرض إلى التغطية في المزاد، وهي مقياس للطلب، 2.57 مرة، مقارنةً بـ3.3 مرة في المزاد السابق. وتتعرَّض عوائد سندات الحكومة اليابانية لضغوط تصاعدية، ويتوخَّى المستثمرون الحذر في شراء السندات وسط توقعات السوق برفع «بنك اليابان» أسعار الفائدة في وقت مبكر من هذا الشهر. وأدى ضعف الين وارتفاع أسعار النفط إلى زيادة مخاطر التضخم، مما عزَّز التوقعات برفع أسعار الفائدة مبكراً. وقد تراجع الين بعد خطاب ترمب. وقال كينتارو هاتونو، رئيس قسم الدخل الثابت العالمي في شركة إدارة الأصول «أسيت مانجمنت وان»: «إضافةً إلى ذلك، هناك عوامل تدعم رفع بنك اليابان أسعار الفائدة، حيث يُتوقَّع أن تُشدِّد البنوك المركزية الكبرى سياساتها النقدية». وتزداد توقعات شركات الوساطة العالمية بأن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في وقت مبكر من شهر أبريل (نيسان)، بينما تُقلل من توقعات خفض «بنك إنجلترا» أسعار الفائدة، بعد أن حذَّر صناع السياسات من أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران تُؤجج مخاطر التضخم. وأضاف هاتونو: «إذا استمرَّت اليابان في سياستها النقدية المنخفضة، فإنَّ الفجوة في أسعار الفائدة ستتسع، وهذا قد يُضعف الين أكثر».


بعد عام من «تعريفات يوم التحرير»... الدولار يستعيد قوته كملاذ آمن

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

بعد عام من «تعريفات يوم التحرير»... الدولار يستعيد قوته كملاذ آمن

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

بعد مرور عام على فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعريفات «يوم التحرير» الشاملة، يبدو الدولار في وضع أقوى بكثير، إذ استعيدت مكانته كملاذ آمن في ظل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.

فقد ارتفع الدولار بنحو 1.6 في المائة في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، مسجلاً أفضل أداء ربع سنوي له منذ أواخر 2024، مدعوماً بمكانة الولايات المتحدة كمصدر للطاقة، ولجوء المستثمرين إلى السيولة النقدية في ظل حالة عدم اليقين العالمية، وفق «رويترز».

ويمثل هذا تناقضاً صارخاً مع الوضع قبل عام، حين أدت تعريفات ترمب إلى انخفاض حاد في قيمة الدولار، كرد فعل من المستثمرين على تصاعد حالة عدم اليقين بشأن السياسات الأميركية، فضلاً عن الهجمات الكلامية التي شنّها ترمب على مجلس الاحتياطي الفيدرالي وابتعاده عن الحلفاء والمؤسسات الدولية.

على سبيل المثال، انخفض مؤشر الدولار، الذي يقيس قيمة العملة الأميركية مقابل سلة من العملات العالمية الرئيسية، بنسبة تقارب 10 في المائة خلال العام الماضي، مسجلاً أسوأ أداء له منذ عام 2017.

ارتفاع الآن... ولكن إلى متى؟

على الرغم من انتعاش الدولار مطلع عام 2026، يشير المحللون إلى أن العملة لا تزال تواجه ضغوطاً هبوطية على المدى الطويل، في ظل استمرار التساؤلات بشأن هيمنتها على التجارة والتمويل العالميين.

احتياطيات النقد الأجنبي

تراقب البنوك المركزية من كثب أي مؤشرات على تحول الدول عن الدولار. وتشير أحدث بيانات لجنة احتياطيات النقد الأجنبي التابعة لصندوق النقد الدولي للربع الأخير من عام 2025 إلى انخفاض تدريجي طفيف في حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية.

ورغم ذلك، تظل عملات مثل اليورو واليوان أبرز المستفيدين من أي تراجع في حصة الدولار، لكن التحولات الأخيرة كانت طفيفة جداً بحيث لم تؤثر بشكل ملموس على مكانة الدولار الإجمالية. ولا يُتوقع أن يفقد الدولار موقعه كأكبر عملة احتياطية في العالم في أي وقت قريب، نظراً لهيمنة الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي والتجارة وأسواق الدين.

الاستثمار الأجنبي

تفوق قيمة الأصول الأميركية التي يمتلكها المستثمرون الأجانب بكثير على قيمة الأصول التي يمتلكها المستثمرون الأميركيون في الخارج، بفضل التدفقات الاستثمارية الخارجية المستمرة، مما يعزز قوة العملة الأميركية. ومع ذلك، يشير المحللون إلى أن أي تباطؤ في هذه التدفقات قد يؤثر سلباً على قوة الدولار.


صدمة الطاقة تختبر توقعات التضخم ومستقبل أسعار الفائدة

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

صدمة الطاقة تختبر توقعات التضخم ومستقبل أسعار الفائدة

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

يواجه محافظو البنوك المركزية حول العالم مهمة بالغة التعقيد، تكاد تلامس المستحيل: فهم سلوك الشركات، والنقابات العمالية، والأسر في الوقت الفعلي، لتقدير كيفية تفاعلهم مع أوضاعهم المالية في ظل صدمة طاقة جديدة.

ويدرس صناع السياسات خيار رفع أسعار الفائدة لمواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة، لكن اتخاذ هذه الخطوة يبقى مشروطاً بقناعتهم بأن ارتفاع تكاليف الطاقة الناتج عن الحرب في إيران سينتقل إلى بقية الأسعار، بما يؤدي إلى ترسيخ توقعات تضخم أعلى على مستوى الاقتصاد ككل، وفق «رويترز».

يتسوق الناس في أحد متاجر نيويورك (رويترز)

غير أن التحدي الأبرز يكمن في صعوبة قياس هذه التوقعات بدقة. فعلى الرغم من امتلاك البنوك المركزية طيفاً واسعاً من الأدوات، بما في ذلك الاستطلاعات والمؤشرات السوقية والنماذج التحليلية، فإنَّ جميعها تعاني من أوجه قصور، إن لم تكن عيوباً جوهرية.

ومنذ جائحة «كوفيد-19»، كثَّفت البنوك المركزية جهودها لتطوير أدوات جديدة تسدّ فجوات البيانات السلوكية، غير أن قياس توقعات التضخم لا يزال أقرب إلى فن قائم على التقدير منه إلى علم دقيق.

حذر متزايد في قرارات الفائدة

هذا الغموض قد يدفع صناع السياسات إلى رفع سقف الحذر قبل الإقدام على تشديد السياسة النقدية، إذ يفضّلون عادة انتظار دلائل أكثر صلابة، لتقليل مخاطر اتخاذ قرارات خاطئة.

وقال توم باركين، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، إن فهم طريقة تفكير واضعي الأسعار يمثل عنصراً حاسماً، مضيفاً أن قرار رفع الفائدة سيعتمد على ما إذا كانت توقعات التضخم ستبدأ بالفعل في التحرك صعوداً، وهو ما لم يتحقق بعد، وفق تقديره.

تحولات سلوكية منذ 2022

يتمثل أحد أبرز التعقيدات في تغير سلوك الأفراد والشركات. ففي عام 2022، ومع محدودية الخبرة في التعامل مع التضخم السريع، كانت عمليات تعديل الأسعار والأجور تتسم بالجمود النسبي.

لكن، وفق ما أشارت إليه إيزابيل شنابل، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، فإن تجربة التضخم المؤلمة في السنوات الأخيرة جعلت التوقعات أكثر هشاشة، وبالتالي أكثر حساسية لصدمات أسعار الطاقة.

وبالنسبة للشركات، لم يعد تعديل الأسعار حدثاً سنوياً كما كان قبل الجائحة، بل أصبح أكثر تكراراً، مما يجعل وتيرة التغيير - وليس حجمه فقط - مؤشراً مهماً على تحولات التوقعات.

أدوات تقليدية... وقيود واضحة

لطالما اعتمدت البنوك المركزية على الاستطلاعات ومؤشرات السوق لتقدير توقعات التضخم. غير أن هذه الأدوات تعاني من قيود واضحة؛ فالاستطلاعات تُجرى بوتيرة محدودة ولا تواكب التحولات السريعة، كما أن آفاقها الزمنية لا تتماشى دائماً مع احتياجات صناع القرار.

أما المؤشرات السوقية، فتتأثر بعلاوات المخاطر التي يطلبها المستثمرون، مما يجعلها تعكس مزيجاً من التوقعات الفعلية ومعنويات السوق، وبالتالي تُضعف دقتها.

وتكمن أهمية هذه التقديرات في أن المستثمرين باتوا يتوقعون حالياً رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة مرتين أو ثلاث مرات هذا العام، وبنك إنجلترا مرتين، في حين تراجعت توقعات خفض الفائدة من قبل «الاحتياطي الفيدرالي» خلال عام 2026.

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

ابتكار لسد فجوات المعرفة

لمواجهة هذه التحديات، طوَّرت البنوك المركزية أدوات جديدة، تشمل متابعة توقعات الأجور من خلال اتفاقيات النقابات، وإجراء استطلاعات مباشرة مع الشركات، والتواصل مع المديرين التنفيذيين لرصد سلوك التسعير.

كما تراقب وتيرة تغيّر الأسعار بشكل أكثر دقة، وتعمل على تحسين النماذج الاقتصادية التي أخفقت سابقاً في توقُّع موجة التضخم المرتبطة بالجائحة والحرب في أوكرانيا.

ويُعد فهم الفروق بين صدمة التضخم الحالية وتلك التي شهدها العالم قبل أربع سنوات أمراً محورياً في رسم السياسات، إذ تختلف الظروف جذرياً اليوم.

بيئة اقتصادية مختلفة

فأسعار الفائدة مرتفعة بالفعل، والسياسات المالية أكثر تشدُّداً، وسوق العمل تُظهر بوادر تباطؤ، كما أن الأسر لم تعد تمتلك فوائض نقدية كبيرة كما كان الحال خلال الجائحة.

وفي هذا السياق، أشار محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إلى أن الاقتصاد يدخل هذه المرحلة مع تباطؤ تدريجي في التضخم، وضعف في سوق العمل، ونمو دون إمكاناته.

كما تؤكد الشركات، وفق ما تنقله البنوك المركزية، تراجع قدرتها على تمرير زيادات الأسعار، مما يعكس ضعفاً في القوة التسعيرية عبر معظم القطاعات.

توازن دقيق ومخاطر قائمة

ورغم الثقة النسبية الحالية في استقرار توقعات التضخم على المدى الطويل، فإن استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة قد يؤديان إلى تغيير هذا المسار.

فمع ارتفاع تكاليف المعيشة اليومية، مثل الوقود، تزداد احتمالات ترسخ توقعات تضخم أعلى، غير أن توقيت حدوث ذلك يظل غير واضح، مما يترك لصناع السياسات مساحة واسعة للاجتهاد والتقدير.

وفي هذا الإطار، لخَّص بريموز دولينك، مسؤول السياسات في البنك المركزي الأوروبي، المشهد بالقول: إن علم الاقتصاد، رغم اعتماده على التحليل، لا يخلو بطبيعته من عنصر الحكم الشخصي والتقدير.