كنوز المكتبة البريطانية معروضة لمن يريد طوال أيام الأسبوع

كنوز المكتبة البريطانية معروضة لمن يريد طوال أيام الأسبوع

الخميس - 20 محرم 1441 هـ - 19 سبتمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14905]
لندن: سوسن الأبطح
في حوزة المكتبة البريطانية ثروة من الكتب والمخطوطات القديمة، التي يقصدها الباحثون من كل أصقاع الدنيا لندرتها ونفيس قيمتها. هذه المكتبة التي كانت جزءاً من المتحف البريطاني، وأصبحت مستقلة منذ عام 1973 ثم أطلقت في حلتها الجديدة عام 1997 تضم ما يقارب 14 مليون مؤلف، وتخصص صالة لعرض مستمر لجزء من أندر محتوياتها مفتوح للجمهور ولمن يريد بالمجان طوال أيام الأسبوع.

المعرض المستمر الذي يحمل اسم «كنوز المكتبة البريطانية» ويخضع لبعض التعديلات بين الحين والآخر، يسمح باكتشاف، ومعاينة أجمل ما تمتلكه هذه المؤسسة العريقة. ثمة كتب من أقصى آسيا كما أفريقيا وأوروبا والمنطقة العربية بطبيعة الحال، وللكتب الدينية حصة مهمة. وأول ما يلفت الزائر العربي الواجهة المخصصة للمصاحف. هناك مخطوطتان للقرآن الكريم قبل عهد التنقيط، بالخط الكوفي تعودان إلى القرن التاسع الميلادي - الثالث الهجري، نسختان في شمال أفريقيا. ولعشاق الفترة المملوكية في مصر مصحف من تلك الحقبة يعود إلى السلطان فرج بن برقوق. ومن لطائف المعروضات القرآنية أيضاً، المصحف الذي كان يقرأ فيه الظاهر بيبرس بمجلداته السبع. وبيبرس هو المؤسس الحقيقي للدولة المملوكية ورابع سلاطينها، كان عبداً وانتهى أحد أعظم سلاطين العصر الوسيط وأشهرهم.

والمعرض يعنى بشكل واضح بالكتب الدينية لمختلف الشعوب كما سبق وذكرنا، لما لها من قيمة حضارية ولكن أيضا جمالية. فقد احتفت الأمم بكتبها الدينية، وتفنن الخطاطون والرسامون لإخراج أجمل ما لديهم.

لذلك وبطبيعة الحال، للأناجيل مكان الصدارة ومن بينها ذاك الذي طبعه مخترع الطباعة الشهير مدشناً به عصراً جديداً، وعرفت النسخة باسمه. وقد طبع يوهانس غوتنبرغ هذا الإنجيل في ماينتس الألمانية في القرن الخامس عشر. لذلك لهذه الطبعة المعروضة في لندن أمام الزائر، أهمية استثنائية لأن تاريخها يعود إلى بدء ثورة عصر الكتاب المطبوع.

وهناك أيضاً أناجيل ليندسفارن، وهي مخطوطة ومذهبة، تمت كتابتها بين عامي 715 - 720 في دير ليندسفارن، قبالة ساحل نورثمبرلاند. وتعتبر المخطوطة بحسب الخبراء في المجال، واحدة من أجمل الكتب المزخرفة التي تجمع بين أساليب منطقة البحر الأبيض المتوسط والزخارف الأنجلوسكسونية. وهي من عمل راهب يدعى إيدفريث، الذي أصبح أسقف دير ليندزفارن في عام 698 وتوفي في عام 721. وهي مخطوطة للإنجيل غير مكتملة، لذا فمن المحتمل أن إيدفريث كان لا يزال يعمل عليها وقت وفاته.

قد لا يهتم كثيراً الزائر العربي لمخطوطة بيوولف، الملحمة الشعرية الإنجليزية القديمة الأشهر، التي يرجح أنها كتبت بين القرن الثامن والتاسع الميلادي من قبل شاعر مجهول الهوية. وقد لا تعنيه أيضاً المخطوطة المهمة بالنسبة لمواطن إنجليزي التي هي النسخة الأولى من الماجنا كارتا أو الميثاق الأعظم، وكتبت عام 1297 لتكون بمثابة قانون للحكم وهي وثيقة اعتمدت في حينها ولا تزال من بين الأنظمة الداخلية في وويلز حتى اليوم.

لكن من المؤكد أن الزائر العربي الذي عرف أو سمع أغنيات البيتلز سيتوقف طويلاً أمام الواجهة الزجاجية التي تعرض مخطوطات أغنياتهم، بخط اليد. ولربما بدأ يقرأ بعض تلك النصوص التي يعرفها ويدندنها مغناة. وفي هذا الجزء من المعرض أيضاً الكتب الأولى وبعض المخطوطات لكبار الأدباء ومشاهيرهم مثل فرجينيا وولف وكذلك الشاعر ويليام بليك. وإذا لم يسبق لك وأن رأيت كتاباً لشكسبير مكتوباً بخط يده، ولا تعرف كم كان خطه جميلاً ومتقناً وأنيقاً، ستكتشف ذلك من خلال زيارتك لهذا المعرض. هنا تقبع مخطوطات لم يكن يخطر لك أن تراها. وهي ليست إلا غيض من فيض ما تنام عليه المكتبة البريطانية من ثروات.

من المخطوطات الجميلة تلك التي تعود إلى عام 1865 وخطها عالم الرياضيات الإنجليزي تشارلز لوتويدج دودسون تحت اسمه المستعار لويس كارول، تلك القصة الشهيرة والآسرة، التي عرفها العالم أجمع وهي «أليس في بلاد العجائب» تجدها هنا بصفحاتها ورسوماتها. وكذلك مخطوطة مذكرات الكابتن جيمس كوك البحار والمستكشف الإنجليزي التي سجلها إثر رحلاته الشهيرة الثلاث في القرن الثامن عشر، والتي اكتشف خلالها جزءاً من أستراليا وهاواي ونيوزيلندا.

هذا غير الخرائط والوثائق. واللافت في كل هذه المؤلفات من مطبوعة ومكتوبة بخط اليد، هو الاحتفاء الكبير بالكتابة، واستنفار الذائقة الفنية في كثير من الأحيان لتزيين المؤلفات بالرسوم البديعة من ملونة أو حتى في عصور أحدث بالقلم الرصاص أو بالحبر.

تعيد زيارة مثل هذه المعارض المخصصة للكتب القديمة، ونحن في زمن الإنترنت، ذاك الإحساس الحزين بأن زهو الورق ليس هو فقط الذي ذوى بل كل ما رافق الكتابة الورقية من فنون وابتكارات لجعل المكتوب أكثر جمالاً وألقاً.
المملكة المتحدة أخبار المملكة المتحدة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة