يوسف خواجة حميد... ملياردير هندي يهتمّ بتوفير أدوية منخفضة التكاليف لفقراء العالم

العالم الهندي يوسف حميد
العالم الهندي يوسف حميد
TT

يوسف خواجة حميد... ملياردير هندي يهتمّ بتوفير أدوية منخفضة التكاليف لفقراء العالم

العالم الهندي يوسف حميد
العالم الهندي يوسف حميد

إنه ملياردير هندي، من العلماء المهتمين بالأعمال الخيرية، ومن أقطاب صناعة الأدوية. يُعرف بين العامة باسم «روبين هود» بسبب اهتمامه بتوفير الأدوية منخفضة التكاليف للفقراء المعوزين على مستوى العالم.
يدعى يوسف خواجة حميد، إنّه رجل مسن يبلغ من العمر 83 عاماً، وهو رئيس مجلس إدارة شركة «سيبلا» للمستحضرات الدوائية، وهي أكبر شركة لصناعة الأدوية في الهند. تأثر طيلة حياته بوفاة الملايين من الناس حول العالم بسبب احتياجهم إلى الأدوية بأسعار معقولة تحديداً تلك التي كانت متاحة لدى الشركات متعددة الجنسيات، ولكن بتكاليف باهظة لا يتحمّلها الفقراء.
تأسست شركة «سيبلا» عام 1935 على يد والده السيد خواجة عبد الحميد، بناءً على طلب مباشر من المهاتما غاندي، بهدف تحقيق ميزة الاعتماد الذاتي الهندي في مجال صناعة الأدوية وإنتاجها. وُلد حميد الصغير عام 1936، العام التالي على إنشاء الشركة، ومع رحيل والده عام 1972 ورث حميد، الذي تلقّى تعليمه الجامعي في جامعة كامبريدج البريطانية، رفقة شقيقه مصطفى، أعمال الشركة.
- حملته الخيرية
بدأ الأمر في أوائل عام 2000 حينما تواصَل مجموعة من النشطاء من الولايات المتحدة الأميركية مع حميد هاتفياً، ولم يكن قد التقاهم من قبل في حياته، بغية الوصول إلى طريقة للحصول على عقاقير علاج مرض الإيدز بأسعار معقولة لمن يحتاجون بشدّة إلى تلك الأدوية ولا يتحمّلون تكاليفها الباهظة، ناهيكم بقبضات براءات الاختراع الخانقة.
وبعد مرور أربعة أيام على التواصل الهاتفي مع حميد، تحدّد ميعاد الاجتماع الأول مع مجموعة النشطاء في العاصمة لندن. ووجهوا إليه سؤالاً مباشراً خلال الاجتماع: إلى أي مدى يمكن لسعر عقاقير الإيدز أن ينخفض، وفقاً لتقديره؟ وما حجم ما يمكن إنتاجه من تلك العقاقير لدى شركته؟ وكان حميد يتابع إجراء حساباته الخاصة بالورقة والقلم في أثناء متابعته للاجتماع، وانتهى إلى أنّه يمكنه تخفيض السعر بما يناهز النصف تقريباً، إلى ما يقرب من 800 دولار في العام. وبعد مرور شهر كامل، ومن خلال جهود مجموعة النشطاء الدؤوبة، تلقى حميد دعوة لإلقاء محاضرة في مؤتمر المفوضية الأوروبية في بروكسل عن فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب (الإيدز)، والملاريا، والسل، والحد من الفقر.
وقال حميد أمام المؤتمر الدُّولي الذي ضمّ وزراء الصّحة، ورؤساء الوزراء السّابقين، وممثلين عن شركات الأدوية متعدد الجنسيات، إنّه يستطيع بيع مجموعة من ثلاثة عقاقير مضادة للفيروسات العكوسية لعلاج مرض الإيدز مقابل 800 دولار فقط لكل مريض على أساس سنوي. أثار هذا التصريح غضب شركات الأدوية متعددة الجنسيات التي كانت تبيع نفس المجموعة من العقاقير مقابل 12 ألف دولار للمريض الواحد على أساس سنوي. وكان ذلك في ذروة انتشار وباء الإيدز حول العالم مع الملايين من الفقراء الأفارقة الذين يلقون حتفهم بسبب نقص توافر الأدوية بأسعار معقولة يتحملون تكاليفها.
بحلول عام 2001، عقد حميد العزم من خلال شركته «سيبلا» للمستحضرات الدّوائية على الاستفادة من الثّغرة القائمة في قانون براءات الاختراع الهندي التي كانت تنص في ذلك الوقت على أنّه لا يمكن للمرء تسجيل براءة اختراع المنتجات في المجالات ذات الصّلة بالغذاء والصّحة، ويمكن فقط تسجيل براءات الاختراع الخاصة بالعملية لا بالمنتج. وواجهت شركة «سيبلا» كبريات شركات الأدوية في العالم عن طريق استنساخ العقاقير المضادة للإيدز وبيعها بأبخس الأسعار للمرضى الفقراء بما يقل عن دولار أميركي واحد لكل مريض في اليوم. من ثمّ عادت الشّركة لتخفض هذا السعر إلى 20 سنتاً أميركياً في اليوم منذ ذلك الحين. واليوم، هناك ما يقرب من سبعة ملايين مريض حول العالم يتناولون العقاقير من إنتاج شركة «سيبلا» في العلاج. وسرعان ما ركّزت وسائل الإعلام العالمية اهتمامها على حميد ووصفته بأنّه «روبين هود» العصر الحديث، ومن ثمّ تلقّت شركة «سيبلا» سيلاً هائلاً من أوامر شراء العقاقير.
وصرح حميد قائلاً: «لا أهدف أبداً إلى جني المزيد من الأموال استغلالاً لتلك الأمراض الشّنيعة التي تمزّق نسيج المجتمعات تمزيقاً». ولكنّه تلقّى هجوماً عارماً، كما كان متوقعاّ، من شركات الأدوية متعددة الجنسيات التي وصمته بـ«قرصان العقاقير»، فانهالت عليه الدّعاوى القضائية العديدة في داخل الهند وخارجها. وقالت شركات الأدوية الدُّولية إنّها تُنفق مليارات الدولارات على الأبحاث وابتكار الأدوية الجديدة، ولذلك ينبغي السّماح لها بالحصول على أرباح معقولة تضاهي تلك الجهود الهائلة المبذولة. ودافع حميد عن موقفه قائلاً إنّ مبتكري الأدوية والعقاقير الحقيقيين نادراً ما يحصلون على حقوقهم المعتبرة وإنّ عمالقة صناعة الأدوية العالمية يشترون حقوق الملكية الفكريّة وبراءات الاختراع لقاء بضعة ملايين من الدُّولارات لا تتناسب أبداً مع ما يحققونه من مليارات هائلة في إنتاج الأدوية نفسها وتوزيعها.
ومن ثم، بدأت شركات الأدوية متعدّدة الجنسيات في خسارة حرب العلاقات العامة على الصّعيد العالمي. كما قرّرت الشّركات الدُّولية تخفيض أسعار عقاقير علاج الإيدز لكنّها لم تتمكّن من مضاهاة أسعار شركة «سيبلا» الهندية أبداً. وفي الهند، يمكن قياس فرق السعر بين أدوية الشركات متعددة الجنسيات وأدوية شركة «سيبلا» من واقع حقيقة أنّ الشركة الهندية تبيع عقار علاج سرطان المعدة اليوم بسعر يبلغ 6500 روبية هندية لكل 30 قرصاً مقابل 280 ألف روبية هندية لنفس العقار بنفس عدد الأقراص تتقاضاها شركات الأدوية متعددة الجنسيات العاملة في البلاد.
وفي عام 2005، وإثر التزام من منظمة التجارة العالمية، تدخّلت الحكومة الهندية بتعزيز قوانين براءات الاختراع لديها اتساقاً مع المعايير العالمية المعمول بها. ويمكن للشركات الهندية اليوم انتهاك براءات الاختراع في حالات الطوارئ الوطنية فقط. ويقول حميد عن ذلك، إنّ قوانين براءات الاختراع الخاصة بكل دولة لا بد أن تستند إلى الاحتياجات الوطنية لذلك البلد، وينبغي لتلك القوانين أن تكون ذات طبيعة وطنية خالصة وليست دولية بحال.
ويوجه حميد الاتهامات عبر تفاعلاته المستمرة مع مختلف وسائل الإعلام إلى صناعة المستحضرات الدّوائية الغربية بأنّها «تحتجز ثلاثة مليارات شخص من سكان العالم الثالث رهائن الحصول على فِدى من خلال استغلال الأوضاع الدّوائية الاحتكارية لفرض قيم سعرية باهظة». كما أنّه تعهد بتكريس نفسه تماماً لصناعة العقاقير المنقذة لحياة الناس، وغير المشمولة بحماية العلامات التجارية الكبرى، والموجهة إلى سكان البلدان الأكثر فقراً على مستوى العالم. هذا، وكانت مجموعة «سيبلا» قد تمكّنت من إنتاج عقار مضاد لمرض الملاريا بسعر أدنى من دولار أميركي واحد. كما أنّها توفر التقانة المجانية للعقاقير المضادة للفيروسات العكوسية لمعاونة الشركات الأخرى التي ترغب في إنتاج الأدوية الخاصة بها. ومن المنتجات القادمة على حملة شركة «سيبلا» هناك عقار منخفض التكاليف لعلاج مرض السرطان.
وبرز دور حميد في معركة الإنتاج الجماعي للعقاقير المضادة للفيروسات العكوسية في أفريقيا ضمن الفيلم الوثائقي بعنوان «حرائق الدماء». وفي حديثه للفيلم الوثائقي قال حميد، كما نقلت صحيفة «إنديا توداي» عنه: «إن قصة يوسف حميد سوف تجعل كل مواطن هندي يشعر بالفخر، فهو الرجل الوحيد الذي قرّر السّباحة ضدّ التيار العالمي وبيع العقاقير بهدف إنقاذ أرواح الناس بصرف النّظر تماماً عن الأرباح المادية».
- الحياة الشخصية
على الصعيد الشّخصي، يملك يوسف حميد قصة إثنية مثيرة للاهتمام، فهو نجل أحد العلماء الهنود ووالدته كانت تعتنق الديانة اليهودية. ويمتد نسبه من خلال الارتباطات الروحية إلى أباطرة الأسر المغولية حتى «خواجة عبيد الله أحرار»، (1403 - 1490)، العالم الصوفي النقشبندي الكبير من أوزبكستان. كما لقي أجداده لوالدته حتفهم في الإبادة الجماعية التي ارتُكبت بحق اليهود في ألمانيا النازية.
تلقّى حميد تعليمه في جامعة كامبريدج، ونال درجة الدكتوراه في الكيمياء العضوية تحت إشراف العالم ألكسندر تود الحائز على جائزة نوبل في عام 1960، من ثمّ عاد أدراجه إلى الهند لينضم إلى شركة والده الدّوائية. كان ذلك عندما تواجه وجهاً لوجه مع قوانين براءات الاختراع الهندية ضمن الحقبة البريطانية التي كانت تفرض القيود الكثيرة على شركات صناعة الأدوية المحلية. ولقد اضطلع يوسف حميد، رفقة أقرانه، بدور بارز في تشكيل رابطة صنّاع الأدوية في الهند، ومارسوا الضغوط على الحكومة بشأن تغيير قوانين براءات الاختراع في البلاد، التي دخلت حيّز التنفيذ في خاتمة المطاف اعتباراً من عام 1972 في استهلال حقبة ذهبية جديدة في قطاع صناعة الأدوية في شبه القارة الهندية.
يقول حميد في عدد من المقابلات الشّخصية التي أُجريت معه: «لست معارضاً لبراءات الاختراع، ولكنّني عدو لدود للاحتكار».
وما وراء عالم المال والأعمال، معروف عن الدكتور حميد شغفه بالأعمال الخيرية، وإدخال المرونة اللازمة في مجال الطّب من خلال صناديق «سيبلا» الخيرية التي تمارس عملها في مجالات توفير الدّعم المالي والرّعاية الصّحية والتعليم للجماهير المحرومة من هذه الميزات. وحصل الدكتور حميد على ثالث أرفع وسام مدني هندي: وسام بادما بهوشان، في عام 2005، وهو زميل فخري لكلية كرايست في جامعة كامبريدج، وكان واحداً من بين 25 شخصية حازت جائزة أعظم الشّخصيات الهندية العالمية الحيّة، وذلك بالإضافة إلى تكريمه الشّخصي في عام 2019 الجاري، في قائمة الزملاء البارزين الجدد في الجمعية الملكية البريطانية، وهي الأكاديمية العلمية المستقلة في المملكة المتحدة ودول الكومنولث، المكرسة جهودها لتعزيز التميز في مختلف العلوم.
كما كانت شخصية الدكتور حميد موضوعاً لمقالات ذات مغزى نُشرت على صفحات الصّحف والمجلات العالمية مثل: «صحيفة نيويورك تايمز، ومجلة تايم، وصحيفة الغارديان، وصحيفة لوموند، ومجلة إيكونوميست، وفاينانشيال تايمز، وتايمز لندن، وكورير ديلا سيرا، ودير شبيغل، ومجلة وايرد»، إلى جانب العديد من المطبوعات الصّحافية الكبيرة الأخرى، فضلاً عن المنافذ الإعلامية الأخرى مثل شبكات «إيه بي سي»، و«هيئة الإذاعة البريطانية»، و«سي إن إن» الإخبارية، وبرنامج «60 دقيقة» على شبكة «سي بي إس» الإخبارية.
والدكتور حميد متزوج من فريدة ذات الأصول الأفغانية وليس لديه منها أطفال. وهما يعيشان متنقلين بين لندن ومومباي. أمّا شقيقه الأصغر مصطفى حميد، فيشغل منصب نائب رئيس مجلس الإدارة غير التنفيذي لشركة «سيبلا». وله ثلاثة أولاد، بما في ذلك سامينا فازيرالي، التي من المنتظر أن تتولى قيادة المؤسسة الدوائية الكبيرة في المستقبل.
وعلى الرّغم من ذلك، فلقد تقاعد الدكتور يوسف حميد عن الإدارة النّشطة للمجموعة، وقال في مقابلة إعلامية أُجريت مؤخراً: «أعتقد، إنْ كنت تعمل في قطاع الرعاية الصحية، فهو ليس مجالاً مدرّاً للأرباح بالمعنى الصِّرف ذلك لأنك تساعد بالأساس في إنقاذ أرواح الناس. فأنت لا تعمل في صناعة مواد البناء أو اللوازم الكهربائية. لذلك، عندما تحاول إنقاذ أرواح الآخرين، فلا بد أن تعتني بإنسانيتك أولاً».
«فماذا عن المستثمرين الأجانب؟ هل يوافقونك الرؤية؟»، أجاب الدكتور حميد بحزم: «إن كان لا يعجبهم الأمر، فليتوفقوا عن الاستثمار، أقولها لهم بكل صراحة».



مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.