نتنياهو يعترف من غور الأردن باستباق «صفقة القرن» بقرارات الضم

الفلسطينيون يقولون إن منح المستوطنين حق الشراء في الضفة تكريس لـ«الأبارتايد»

نتنياهو يعترف من غور الأردن باستباق «صفقة القرن» بقرارات الضم
TT

نتنياهو يعترف من غور الأردن باستباق «صفقة القرن» بقرارات الضم

نتنياهو يعترف من غور الأردن باستباق «صفقة القرن» بقرارات الضم

اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، خلال الجلسة العادية لحكومته التي أقامها في إحدى المستوطنات اليهودية في غور الأردن، أمس (الأحد)، بأن استعجاله بضم المستوطنات ومناطق واسعة في الضفة الغربية، منها غور الأردن وشمال البحر الميت، جاءت بهذا الإلحاح في سبيل فرض أمر واقع عشية طرح الخطة الأميركية للتسوية في الشرق الأوسط.
وكان نتنياهو يتحدث في جلسة الحكومة، أمس، بغية إقناع المستشار القضائي للحكومة، أفيحاي مندلبليت، الذي أدرك أن نتنياهو يتخذ إجراءات عملية ومواقف سياسية بالغة التطرف في إطار حملته الانتخابية، وأنه يطرح ضم الأراضي لكي يستقطب لصالحه مصوتين من المستوطنين وغلاة اليمين المتطرف. ولذلك اعترض مندلبليت على هذه الإجراءات، وقال إن الحكومة الحالية تُعد حكومة انتقالية، ولا يجوز أن تتخذ قرارات مصيرية ذات بعد استراتيجي غير ضروري وغير ملح. فقال له نتنياهو إن قرارات الضم هذه ملحة فعلاً لأن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، ينوي نشر خطته المعروفة بـ«صفقة القرن» بعد أيام من الانتخابات الإسرائيلية، و«يجب أن نكون مستعدين لتلك اللحظة. كل ما نفرضه الآن سيأخذه الأميركيون بالحسبان». عندها، أعلن مندلبليت أنه اقتنع. فصادقت الحكومة على مقترح نتنياهو، ومنحت الشرعية القانونية لبؤرة الاستيطان العشوائية المسماة «مافوؤوت يريحو» (مشارف أريحا)، الواقعة جنوب غور الأردن شمال مدينة أريحا.
وأكد نتنياهو أن هذا القرار هو المقدمة لقرارات لاحقة، سيكون هدفها ضم منطقتي شمال البحر الميت وكل غور الأردن، وكذلك أراضي المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية لإسرائيل، إن نجح بتشكيل الحكومة المقبلة، بعيد الانتخابات التي ستجري يوم غد (الثلاثاء). وقال نتنياهو في الجلسة: «سنفرض السيادة في وادي الأردن وشمال البحر الميت، حالما يتم تشكيل الحكومة المقبلة في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) المقبل». ووصف نتنياهو غور الأردن بـ«الجدار الحامي لإسرائيل من الجهة الشرقية».
وعين نتنياهو فريق عمل، برئاسة مدير عام ديوان رئيس الحكومة، ليضع الخطوط العريضة لخطة فرض السيادة. وكشف نتنياهو أن «فرض السيادة الإسرائيلية على جميع المستوطنات في الضفة الغربية، وأراضٍ أخرى، ضروري لأمننا وتراثنا، ويشمل عدداً من المواقع التي تعدها إسرائيل (أماكن مقدسة لليهود)، وستُطرح في (صفقة القرن) التي ستُعرض سريعاً جداً بعد الانتخابات».
ورغم أن حلفاء نتنياهو في اليمين المتطرف يؤيدون بحماس هذا التوجه، فإنهم أدركوا أنه يطرحه اليوم لكي يسرق من جمهورهم آلاف الأصوات، بهدف تكبير كتلة «الليكود» في الانتخابات. لذلك شككوا في صدق نواياه. وقال وزير التعليم الإسرائيلي السابق، المرشّح في قائمة «يمينا»، نفتالي بينيت، إن «صفقة القرن» ستحول المستوطنات إلى «جزر إسرائيلية في محيط فلسطيني»، وإن إسرائيل ستكون محاطة من جوانبها كافة من «(حماس) وتنظيم (شبيبة فتح) ومنظمة التحرير»، وطالب بأن تُضم الأراضي الفلسطينية المحيطة بالمستوطنات. وقال وزير المواصلات الإسرائيلي، القيادي في «يمينا»، بتسلئيل سموتريتش، إنّ الخطة الأميركية «تشكل خطراً على المستوطنات، وتعنى إقامة دولة فلسطينية بحكم الأمر الواقع».
ورد نتنياهو على هذا الطرح، قائلاً إنه يخوض «تحدياً تاريخياً، وفرصة تاريخية كذلك لإسرائيل»، وأضاف: «القضية الأساسية ستكون من سيقود المباحثات مع الرئيس ترمب، أنا أم (رئيس قائمة كاحول لافان، بيني) غانتس». وقال إنه كان ينوي «إعلان السيادة الإسرائيلية على الكتل الاستيطانية كافة بالضفة الغربية، بالتنسيق مع الإدارة الأميركية، انطلاقاً من المناطق التي تشكل أهمية استراتيجية وأمنية لإسرائيل»، على غرار منطقة الأغوار التابعة للضفة الغربية المحتلة، لكنه ينوي إعطاء فرصة للإدارة الأميركية بطرح «صفقتها»، ومن ثم يبدأ بإعلان السيادة الإسرائيلية على مناطق قال إنها تشكل أهمية «أمنية وتاريخية» في الضفة الغربية.
ومن جهة ثانية، قام مستشارون قانونيون في وزارة الأمن الإسرائيلية ببلورة رأي قانوني يسمح للمستوطنين بشراء وتملك أراضٍ في الضفة الغربية بشكل فردي، وليس عبر شركات. وقال مصدر مطلع على المعاملات العقارية في الضفة الغربية لصحيفة «هآرتس» العبرية: «إنه مقترح ثوري ينتظره المستوطنون منذ سنوات». وتم وضع التوصية القانونية على مكتب نائب المدعي العام، إيريز كامينيتس، الذي من المتوقع أن يوافق عليها، بدعم من المستشار أفيحاي مندلبليت.
ووفقاً للقانون المعمول به في الضفة الغربية، يُسمح فقط للأردنيين أو الفلسطينيين أو «الأجانب من أصل عربي» بشراء وتملك الأراضي هناك، لكن لا يسمح لليهود ولا للإسرائيليين بتنفيذ صفقات عقارية وإبرام صفقات في الضفة الغربية بشكل فردي، ويسمح بذلك فقط من خلال شركة وموافقة رئيس «الإدارة المدنية».
رفضت السلطة الفلسطينية خطة إسرائيلية من أجل تكييف القوانين بما يسمح للمستوطنين بالتملك في الضفة الغربية بصفتهم الخاصة.
وقال رئيس هيئة تسوية الأراضي، موسى شكارنة، إن سعي سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتكييف قوانين تسمح للمستوطنين بصفتهم الخاصة بتملك أراضٍ في الضفة هو تكريس لسياسة «الأبارتايد» التي تنتهجها دولة الاحتلال. وأضاف في تصريح بثته الوكالة الرسمية «وفا»: «إن الملكية الخاصة مصانة بالقانون والعهد الدوليين، وأكدتها قرارات المنظمات الدولية». واتهم شكارنة إسرائيل بالعمل على الاستيلاء على الأملاك العامة والخاصة في الضفة.
وتعتزم الحكومة الفلسطينية منح تراخيص بناء في مناطق خاضعة لسيطرة السلطات الإسرائيلية أمنياً وإدارياً في الضفة الغربية، بموجب اتفاقيات أوسلو، رداً على التغول الإسرائيلي الاستيطاني في الضفة.
وحسب اتفاق أوسلو، تقسم الضفة إلى 3 مناطق: المنطقة «أ»، وتتضمّن المراكز السكانية الفلسطينية الرئيسية، وتقع تحت السيطرة الفلسطينية أمنياً وإدارياً، وتبلغ مساحتها 18 في المائة من مساحة الضفة الغربية؛ فيما تقع مناطق «ب» تحت السيطرة الإدارية الفلسطينية، والسيطرة الأمنية لإسرائيل، وتبلغ مساحتها 21 في المائة من مساحة الضفة الغربية؛ أما مناطق «ج» فتقع تحت السيطرة الإسرائيلية أمنياً وإدارياً، وتبلغ مساحتها 61 في المائة من مساحة الضفة الغربية.
وفي المنطقة «ج» توجد مستوطنات ومساحات أراضٍ واسعة، وطرق خاصة بالمستوطنين، وهي تؤدي إلى القدس المعزولة عن باقي الضفة الغربية. ومع توجه نتنياهو لضم هذه المنطقة، وتمكين المستوطنين من الشراء في كل المناطق، بات من غير الواضح كيف ستتصرف السلطة الفلسطينية تجاه تضاؤل أراضيها، وانهيار حلم إقامة الدولة في حدود 1967.
رئيس الوزراء الإسرائيلي عقد جلسة لحكومته أمس في غور الأردن (أ.ف.ب)



التفاف خاطف للجيش اليمني يستعيد «ذو باب» وباب المندب

الجيش اليمني يستعيد زمام المبادرة ويبدأ تحرير الساحل الغربي (إعلام عسكري)
الجيش اليمني يستعيد زمام المبادرة ويبدأ تحرير الساحل الغربي (إعلام عسكري)
TT

التفاف خاطف للجيش اليمني يستعيد «ذو باب» وباب المندب

الجيش اليمني يستعيد زمام المبادرة ويبدأ تحرير الساحل الغربي (إعلام عسكري)
الجيش اليمني يستعيد زمام المبادرة ويبدأ تحرير الساحل الغربي (إعلام عسكري)

فتحت القوات الحكومية اليمنية، الاثنين، جبهة جديدة في الساحل الغربي وسيطرت على مديرية ذو باب ومنطقة باب المندب، في تحول ميداني بارز تزامن مع إطلاق رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي عملية «فجر اليمن» لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة الجماعة الحوثية، في حين استمرت المعارك العنيفة في ريف تعز الجنوبي وسط مساعٍ حوثية لقطع الطريق الرئيسي بين مدينة تعز ومدينة التربة والمناطق المحررة جنوباً، حيث لحج وعدن.

وأعلنت القوات الحكومية تنفيذ عملية عسكرية واسعة في مديرية ذو باب المطلة على مضيق باب المندب، قالت إنها تمكنت خلالها من تنفيذ التفاف ميداني والوصول إلى مواقع استراتيجية والسيطرة على المديرية والمطار وقطع الطريق بين ذو باب والمخا، في حين أعلن الناطق باسم القوات المسلحة العقيد الركن ماجد النزيلي أن قوات «درع الوطن» وألوية العمالقة أحكمت السيطرة على باب المندب.

وتزامن التطور مع إعلان العليمي إطلاق عملية «فجر اليمن»، قائلاً إن العملية تهدف إلى «استعادة مؤسسات الدولة، وتحرير العاصمة صنعاء، وإنهاء انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية». وقال إن القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية، بدعم من الأشقاء والأصدقاء، ستمضي نحو استعادة الدولة.

قوات من ألوية العمالقة ودرع الوطن اليمنية تبدأ عملية «فجر اليمن» نحو الساحل الغربي (إعلام محلي)

وأفاد النزيلي بأن القوات الحكومية بدأت تنفيذ العملية «بنطاق واسع» لاستهداف القدرات والعناصر الحوثية، مشيراً إلى أن الالتفاف الذي نفذته القوات أدى، وفق روايته، إلى السيطرة على باب المندب، في حين أصبح مطار ذو باب تحت سيطرتها، وقطعت الطريق بين ذو باب والمخا وأحكمت السيطرة النارية عليه.

وأضاف أن مئات العناصر الحوثية باتوا محاصرين في منطقة ذو باب، داعياً إياهم إلى تسليم أنفسهم، وقال إن بعض عناصر الجماعة فرّوا بالقوارب عبر البحر بعد محاصرتهم.

وأعلنت القوات الحكومية، في بيان رسمي، أن قوات «درع الوطن» وألوية العمالقة، مسنودة بالمقاومة الشعبية وغطاء جوي، تمكنت من تحرير مديرية ذو باب ومواقع استراتيجية في محيط باب المندب، بعد مواجهات مع الحوثيين.

وقال مصدر عسكري إن العمليات أدت إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجماعة وتدمير وإعطاب عدد من الآليات والمعدات، في حين واصلت القوات عمليات التمشيط وتأمين المواقع وقطع طرق الإمداد.

1122 استهدافاً

وبالتوازي مع الهجوم في الساحل، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 1122 عملية استهداف دقيقة خلال الفترة الأخيرة ضد مواقع وقدرات حوثية في محاور صعدة والجوف وتعز والساحل.

وقال النزيلي إن الاستهدافات طالت مرابض المدفعية والراجمات والتحصينات الدفاعية وطرق الاقتراب والإمداد والتعزيزات والتحشيدات القتالية، إلى جانب مراكز القيادة والسيطرة، مستخدمة الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية والصواريخ والراجمات والقناصة.

وحسب الحصيلة التي أعلنتها القوات المسلحة، أسفرت العمليات عن «تحييد» 1747 عنصراً حوثياً، إلى جانب تدمير وإعطاب 364 آلية ومعدة ووسيلة نقل وإمداد عسكرية.

ويمثل فتح محور الساحل الغربي تحولاً لافتاً في مسار العمليات؛ إذ ينقل القوات الحكومية من التعامل مع محاولات التقدم الحوثية في محيط تعز والطرق الجنوبية إلى العمل على محور ذو باب وباب المندب، بما يضع خطوط الإمداد الحوثية في الساحل تحت ضغط مباشر.

تعز تحت الضغط

وفي المقابل، بقيت تعز محوراً رئيسياً للمواجهة، مع استمرار القتال في مديريات الشمايتين والمواسط والمعافر ومحاور أخرى جنوب وغرب المحافظة.

وقالت مصادر عسكرية إن القوات الحكومية استعادت زمام المبادرة في عدد من المحاور وأحبطت محاولات تسلل وهجمات حوثية، في حين تحدثت مصادر ميدانية عن استمرار القتال في مناطق الشمايتين بعد توغل حوثي من جهة الغرب وقطع الطريق الرئيسي الذي يربط مدينة تعز بالتربة، مركز المديرية، ويمتد جنوباً باتجاه لحج وعدن.

مواجهات ضارية في جبهات تعز بين القوات الحكومية والحوثيين (أ.ف.ب)

وتكتسب هذه المعارك أهمية خاصة بالنسبة لمدينة تعز، التي باتت تواجه ضغطاً من محاور متعددة، في ظل محاولات حوثية لدفع القتال نحو أريافها الجنوبية والغربية وقطع صلاتها بالمناطق المحررة. كما تحدثت مصادر ميدانية عن تحركات حوثية باتجاه منطقة الأعلوم في ريف تعز، بالتزامن مع استمرار المواجهات في محيط المدينة نفسها.

وكان القتال في ريف تعز الجنوبي قد تصاعد خلال اليومين الماضيين، مع إعلان القوات الحكومية إحباط هجمات ومحاولات تسلل، في حين قالت مصادر عسكرية إن المواجهات خلفت خسائر بشرية كبيرة في صفوف الحوثيين نتيجة الكمائن ونيران القناصة والطائرات المسيّرة والاشتباكات المباشرة والغارات الجوية.

وتقول القوات الحكومية إن المعركة في تعز تجري بالتزامن مع خطة أوسع لاستعادة المبادرة على مختلف الجبهات، في وقت تسعى فيه الجماعة الحوثية إلى تثبيت مكاسبها التي حققتها أخيراً على الساحل الغربي والضغط على مدينة تعز من جهتي الغرب والجنوب.

من التعبئة إلى الهجوم

ويأتي الهجوم في ذو باب بعد أقل من 24 ساعة على إعلان العليمي بدء العمليات العسكرية لاستعادة ما تبقى من أراضي الدولة وبسط سلطتها على كامل البلاد.

وأكد العليمي أن القوات المسلحة والأمن والتشكيلات العسكرية تلقت توجيهات بتنفيذ مهامها، مشدداً على أن المعركة تستهدف استعادة مؤسسات الدولة، وليست حرباً على سكان المناطق الخاضعة للحوثيين أو على مذهب أو قبيلة.

قوات يمنية في تعز تخوض مواجهات ضد الحوثيين في أكثر من جبهة (أ.ف.ب)

كما دعا السكان إلى الابتعاد عن المواقع والتجمعات العسكرية وطرق الإمداد، وحماية أبنائهم من الزج بهم في القتال، مجدداً التزام الدولة بالعودة الآمنة لمن يترك السلاح ويتوقف عن القتال في صفوف الجماعة.

وفي رسالة إلى القوات الحكومية والمقاومة، شدد العليمي على أن المهمة لا تقتصر على استعادة الأرض، وإنما تشمل إعادة الدولة إليها، داعياً إلى حماية المدنيين والممتلكات والالتزام بالقانون وعدم الانتقام أو الاعتداء على الأبرياء.

وأعلنت قيادة «تحالف دعم الشرعية» بعد خطاب العليمي تقديم الدعم العملياتي للقوات اليمنية، والوقوف مع الحكومة حتى استعادة الدولة ومؤسساتها وإنهاء تهديد الجماعة الحوثية لحرية الملاحة البحرية.


اليمن يطالب باستجابة دولية عاجلة لمواجهة موجات النزوح

عشرات الآلاف من النازحين جراء الهجمات الحوثية يفتقدون الرعاية الإنسانية (أ.ف.ب)
عشرات الآلاف من النازحين جراء الهجمات الحوثية يفتقدون الرعاية الإنسانية (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطالب باستجابة دولية عاجلة لمواجهة موجات النزوح

عشرات الآلاف من النازحين جراء الهجمات الحوثية يفتقدون الرعاية الإنسانية (أ.ف.ب)
عشرات الآلاف من النازحين جراء الهجمات الحوثية يفتقدون الرعاية الإنسانية (أ.ف.ب)

تضع موجات النزوح الجديدة الناجمة عن التصعيد العسكري لجماعة الحوثيين في اليمن، الأمم المتحدة وشركاء العمل الإنساني أمام اختبار متزايد، مع اتساع الاحتياجات في مناطق النزوح وارتفاع الضغط على المحافظات المستضيفة، في وقت تُحذر فيه الحكومة اليمنية من فجوة كبيرة بين حجم الاحتياجات ومستوى الاستجابة المتاحة.

ودعت الحكومة اليمنية المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى التحرك العاجل لتعزيز الاستجابة الإنسانية وحماية المدنيين، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية في محافظة تعز ومناطق أخرى، وما يرافقها من نزوح للسكان من مناطق المواجهات إلى محافظات أكثر أمناً؛ بينها عدن ولحج وأبين ومأرب.

وأكد رئيس الوزراء اليمني شائع محسن الزنداني، خلال استقباله، في العاصمة المؤقتة عدن، جون جينج، مستشار وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، أن التطورات المتسارعة في البلاد تفرض «مسؤولية مضاعَفة» على المجتمع الدولي والأمم المتحدة للتحرك العاجل، وتعزيز الاستجابة بما يضمن حماية المدنيين وتخفيف معاناة المتضررين.

رئيس الحكومة اليمنية يستقبل في عدن مسؤولاً أممياً (سبأ)

وقال الزنداني إن هدف الحكومة المتمثل في بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اليمنية وإنهاء انقلاب الحوثيين المدعوم من إيران «ثابت» ولا تحكمه التطورات الميدانية، مؤكداً أن الحكومة تعمل بالتنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي وقيادة القوات المسلحة للحفاظ على تماسك الجبهة الوطنية والتمهيد لاستعادة صنعاء.

في المقابل، أكد جون جينج استمرار دعم الأمم المتحدة لليمن وتعزيز التنسيق مع الحكومة والوكالات الإنسانية، والعمل على حشد مزيد من التمويل والمساهمات الدولية لمواجهة الاحتياجات الطارئة.

أولوية التدخل الإغاثي

بحث الجانبان، وفق الإعلام الرسمي اليمني، مستجدات الوضع الإنساني وتداعيات التصعيد العسكري وأولويات التدخل الإغاثي، إلى جانب سُبل تعزيز التنسيق بين الحكومة والأمم المتحدة في مواجهة الاحتياجات المتزايدة.

وقال الزنداني إن المطلوب لم يعد يقتصر على الاستجابة للاحتياجات الآنية، داعياً إلى مقاربة أكثر فاعلية واستدامة تقوم على توفير التمويل الكافي، وتسريع إيصال الإمدادات، وتعزيز قطاعات الصحة والتغذية والحماية والإيواء.

وأكد التزام حكومته بتقديم التسهيلات اللازمة للأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، وتوفير الظروف الملائمة لأداء مهامّها، في وقت تواجه فيه عمليات الإغاثة ضغوطاً متزايدة بفعل اتساع رقعة النزوح وتعدد المناطق المتضررة.

تقديرات يمنية رسمية بوجود 200 ألف نازح هربوا من جحيم الحوثيين خلال الأسابيع الماضية (أ.ف.ب)

وفي مأرب، عقدت السلطة المحلية وشركاء العمل الإنساني اجتماعاً لمناقشة الاستجابة للنزوح الجديد والمتوقع، وسط دعوات إلى رفع الجاهزية وتوفير مخزونات إنسانية مسبقة في قطاعات الغذاء والمياه والصحة والمأوى والحماية والتعليم.

وقال وكيل محافظة مأرب عبدربه مفتاح إن المتغيرات الميدانية تستدعي مضاعفة التنسيق وحشد الموارد، محذراً من تداعيات استمرار التصعيد على حركة السكان، ومطالباً بالاستعداد للتعامل مع موجات نزوح جديدة وكثيفة.

وطالب المسؤول المحلي بتوفير مخزون إنساني يمكّن المنظمات والسلطات من الاستجابة السريعة، خصوصاً في ظل ما تصفه السلطات اليمنية باستهداف المدنيين وإجبارهم على النزوح من القرى والمدن ومخيّمات النازحين.

157 ألف نازح

تكشف أرقام برنامج الأغذية العالمي حجم الضغط الجديد على الاستجابة الإنسانية. وقال مدير البرامج في المكتب القطري للبرنامج في اليمن، داميين فاكير، إن البرنامج تمكّن، حتى الآن، من التحقق من بيانات نحو 113 ألف نازح، من أصل 157 ألفاً، نزحوا جراء موجة التصعيد الأخيرة، في حين تقول بيانات الحكومة اليمنية إن الأعداد تجاوزت 200 ألف نازح.

وأوضح المسؤول الأممي، خلال لقائه وزير الدولة المكلَّف بملف النزوح والهجرة غير النظامية وليد الإبارة في عدن، أن البرنامج مستعد لتوسيع نطاق تدخُّله ليصل إلى نحو مليون ونصف المليون مستفيد، وفق الإمكانات والاحتياجات القائمة.

آلاف الأُسر اليمنية النازحة تفتقد المأوي والمساعدات الطارئة (أ.ف.ب)

وأشار إلى أن الاستجابة الإنسانية تقوم على مرحلتين؛ الأولى طارئة خلال 72 ساعة، والثانية تمتد ثلاثة أشهر، وتشمل تقديم المساعدات الأولية، مع اللجوء للمساعدات النقدية في المناطق التي تتوفر فيها أسواق قريبة.

ويقدم البرنامج، وفق المسؤول، خدمات لنحو 1.7 مليون نازح في اليمن، ما يعكس حجم الاعتماد المستمر على المساعدات الإنسانية في بلدٍ يعيش أزمة ممتدة منذ سنوات.

من جهته، قال الإبارة إن استمرار التصعيد في تعز ينذر بتفاقم الوضع الإنساني، مشيراً إلى وجود فجوة كبيرة بين الاحتياجات المتزايدة ومستوى الاستجابة المتاحة.

وأضاف أن الحكومة تعمل على إعداد خطة وطنية للنزوح تهدف إلى تنظيم وتنسيق التدخلات الإنسانية وتسهيل وصول المساعدات إلى مستحقيها، بالتعاون مع الشركاء الدوليين.


جرحى حوثيون يعودون من الجبهات إلى خانة الإهمال

عنصر حوثي يدفع قريبه على عربة للمعاقين عند مركز للأطراف بصنعاء (الشرق الأوسط)
عنصر حوثي يدفع قريبه على عربة للمعاقين عند مركز للأطراف بصنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جرحى حوثيون يعودون من الجبهات إلى خانة الإهمال

عنصر حوثي يدفع قريبه على عربة للمعاقين عند مركز للأطراف بصنعاء (الشرق الأوسط)
عنصر حوثي يدفع قريبه على عربة للمعاقين عند مركز للأطراف بصنعاء (الشرق الأوسط)

يواجه المئات من جرحى الجماعة الحوثية العائدين من جبهات القتال، ولا سيما جبهات محافظة تعز، أوضاعاً صحية ومعيشية قاسية، في ظل شكاوى متزايدة من الإهمال ونقص الرعاية الطبية اللازمة داخل المستشفيات والمراكز الصحية الخاضعة لسيطرة الجماعة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء.

وقالت مصادر طبية ومحلية لـ«الشرق الأوسط» إن موجة الإصابات التي خلفتها المعارك الأخيرة في تعز والحديدة وجبهات أخرى دفعت بأعداد كبيرة من جرحى الحوثيين إلى مستشفيات قريبة من مناطق الصراع، قبل نقل الحالات الأشد خطورة إلى صنعاء، حيث باتت منشآت صحية عدة تواجه ضغطاً متزايداً.

وأضافت المصادر أن عدداً من الجرحى الذين نُقلوا إلى صنعاء عقب إصابتهم في الجبهات وجدوا أنفسهم أمام رحلة جديدة من المعاناة، بعدما واجهوا صعوبات في الحصول على العلاج والأدوية والفحوصات اللازمة، بينما اضطر بعضهم إلى تحمل تكاليف علاجية تفوق قدراتهم المالية.

جرحى حوثيون في مركز الأطراف في صنعاء يشكون الإهمال (فيسبوك)

ومع تزايد أعداد القتلى والجرحى القادمين من الجبهات، لجأت الجماعة، وفق المصادر، إلى نقل العشرات من المصابين إلى مركز الأطراف الواقع شمال صنعاء، في محاولة لتخفيف الضغط عن المستشفيات، غير أن المركز نفسه يواجه صعوبات في توفير الرعاية اللازمة للأعداد المتزايدة.

وأفادت المصادر بأن العشرات من المصابين الذين نُقلوا أخيراً إلى المركز يعانون مضاعفات بسبب تأخر العلاج أو عدم انتظام المتابعة الطبية، بينما تضطر أسرهم إلى البحث عن الأدوية والمستلزمات الطبية من خارج المركز، في وقت تعاني فيه غالبية الأسر من ظروف اقتصادية قاسية.

خدمات متراجعة

يتحدث عاملون في مركز الأطراف الخاضع للحوثيين بصنعاء عن عجز في تقديم العلاج للجرحى الجدد الذين يصلون يومياً وهم في حالات حرجة ويحتاجون إلى رعاية متكاملة.

وأوضح العاملون أن هذا العجز يتزامن مع تدهور الخدمات في المركز، وتعطل عدد من الأجهزة الطبية، وعدم توفر أسرّة شاغرة، إلى جانب شح الأدوية، في ظل الأعداد الكبيرة من الجرحى الذين يحتاجون إلى العلاج والتأهيل.

وكشف العاملون الصحيون لـ«الشرق الأوسط» عن استقبال المركز خلال الأشهر القليلة الماضية أكثر من 35 ألف حالة إصابة كانت بحاجة إلى رعاية طبية وأطراف صناعية، معظمها من جرحى الجماعة الحوثية القادمين من مختلف الجبهات.

الحوثيون يتجاهلون معاناة السكان ويخصصون الأموال لأتباعهم (رويترز)

ولا تتوقف احتياجات المصابين عند العلاج الأولي، إذ يحتاج كثير من الجرحى إلى عمليات متخصصة وعلاج طبيعي وتأهيل طويل الأمد، وهي خدمات يصعب على كثير منهم الحصول عليها بصورة منتظمة.

وتتحدث أسر جرحى عن تعامل حوثي مختلف مع المصابين، إذ يتم التركيز، بحسب إفاداتها، على استغلال قصص القتلى والجرحى في الخطاب الدعائي للجماعة، بينما تتراجع العناية بهم بعد انتهاء حاجتها الإعلامية.

وتقول بعض الأسر إن عدداً من الجرحى الحوثيين يجدون أنفسهم لاحقاً أمام احتياجات علاجية متواصلة، من دون رعاية كافية أو متابعة منتظمة، ما يضاعف معاناتهم ويترك أسرهم أمام أعباء مالية وصحية ثقيلة.

ندم متأخر

عامر، وهو جريح حوثي اكتفى باسمه الأول، أبدى ندمه البالغ على انضمامه إلى القتال في صفوف الجماعة، وقال إن مندوباً فيما تسمى «مؤسسة الجرحى» الحوثية طلب من أسرته التكفل بعلاجه، متحججاً بمواجهة الجماعة ضغوطاً كبيرة بسبب تزايد أعداد الجرحى.

وتعرض عامر قبل شهر لإصابة فقد فيها ساقه اليمنى في إحدى جبهات مأرب، لكنه واجه صعوبة في الحصول على الرعاية الصحية، واضطرت أسرته إلى تحمل كامل نفقات علاجه.

بدوره، قال أحد أقارب جريح، طلب إخفاء اسمه، إن قريبه، وهو أب لثمانية أولاد، عاد قبل أيام من إحدى جبهات تعز بإصابة بالغة، لكنه واجه صعوبة في الحصول على العلاج والمتابعة، واضطر أحد فاعلي الخير في منطقتهم إلى تحمل جزء كبير من النفقات.

سعي الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبّدهم مئات القتلى والجرحى خلال أسبوع (إعلام عسكري)

وأضاف أن «الجريح كان يُعامل في الجبهة باعتباره مقاتلاً، لكن بعد إصابته أصبح عبئاً على أسرته»، متهماً الجماعة بتقديم وعود يصفها بـ«الكاذبة» للمقاتلين قبيل التحاقهم بالجبهات، ثم تركهم يواجهون مصيرهم بعد تعرضهم للإصابة.

وخلال الأيام الأخيرة، تكبدت الجماعة الحوثية خسائر بشرية كبيرة في صفوف عناصرها على أيدي القوات الحكومية اليمنية في جبهات محافظة تعز، بالتزامن مع عمليات استهداف جوية ومدفعية طالت مواقع الحوثيين وتعزيزاتهم وخطوط إمدادهم في مختلف جبهات المحافظة، مما يرجح استمرار تدفق المصابين إلى المرافق الصحية الخاضعة للجماعة في صنعاء.