الثورة الحقيقية... تفكيك العقليات التراثية

الثورة الحقيقية... تفكيك العقليات التراثية

النظام القديم للفكر العربي انتهى وليس فقط النظام السياسي
الاثنين - 17 محرم 1441 هـ - 16 سبتمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14902]
هاشم صالح
يتحدثون هذه الأيام عن ضرورة تفكيك «هيئة تحرير الشام» أي «النصرة» أو «القاعدة» سابقاً. وأنا أقول ينبغي تفكيك جميع التكفيريين الظلاميين دون استثناء؛ لأنهم أصبحوا يشكلون خطراً ماحقاً على وحدة البلاد والعباد. ينبغي العلم بأن منهجية التفكيك من أحدث المناهج الفكرية والفلسفية في الفكر الغربي. وهي على عكس ما يوحي اسمها السلبي إيجابية جداً، بل وتحريرية. عموماً، عندما نلفظ كلمة تفكيك مجرد لفظ، فإن الناس يصابون بالهلع والاشمئزاز. لكن على مهلكم يا إخوان! فهذا ناتج من فهم خاطئ لواحد من أهم المصطلحات في تاريخ الفلسفة المعاصرة. وكان أول من اخترعه هيدغر قبل أن يأخذه عنه جاك دريدا ويستحوذ عليه إلى درجة أن الناس اعتقدوا أنه له ونسوا مخترعه الأصلي تماماً. للحق والإنصاف، فإنه اعترف لي بذلك عندما قابلته يوماً ما في مكتبه الجامعي في شارع راسباي بباريس. كان ذلك أيام زمان عندما كان صاحبكم جهادياً عنيفاً مستعداً للتضحية بنفسه. على أي حال، فهيدغر فيلسوف ضخم على عكس دريدا الذي يمكن اعتباره فيلسوفاً من الحجم المتوسط في أحسن الأحوال. إنه فيلسوف ثرثار وممل في أحيان كثيرة. لكن له بعض اللمحات واللمعات والإضافات. لا ينبغي أن نحتقره أكثر من اللزوم. ومعلوم أن الفلاسفة الكبار هم وحدهم القادرون على اختراع المصطلحات الكبرى التي تضيء تاريخ الفكر وتشق دياجير الظلمات. مصطلح واحد قد يضيء لك الدنيا. بل إن أبوة المصطلح تعود إلى نيتشه أستاذ هيدغر ودريدا في آن معاً. ومعلوم أنه لم يكن يتفلسف إلا والمطرقة في يده بغية تحطيم الأوثان والأصنام: أي العقائد الدوغمائية المتحجرة الموروثة عن الماضي، وكذلك الشخصيات التراثية التي يبجلها الناس ويخضعون لها دون نقاش. (بين قوسين: أنا في هذه اللحظة بالذات مضطر إلى تحطيم أعز الناس عليّ، ألا وهو والدي لأنه كان شيخاً ظلامياً على عكس عمي الكبير المستنير الشيخ محمد). بل، ويمكن القول بأن أبوة المصطلح تعود إلى زمن سابق حتى على نيتشه. إنها تعود إلى لحظة ديكارت، مؤسس الفلسفة الحديثة. ومعلوم أنه قال بعد أن تجلت له الحقيقة ساطعة كوجه الشمس: «ولذلك قررت عموماً أن أدمر كل أفكاري السابقة». لم يستخدم مصطلح التفكيك وإنما التدمير! وهو أشد خطورة بكثير. وكان يقصد به أنه بعد أن بلغ سن الرشد وتوصل إلى الحقيقة والمنهج الصحيح قرر التخلي عن كل أفكاره التراثية التي تربى عليها في البيت والمدرسة والكنيسة والطائفة. وعندئذ قام بأكبر انقلاب على الأفكار القديمة التي كانت سائدة في عصره والتي تشربها مع حليب الطفولة ككل أبناء جيله. وعلى هذا النحو استطاع أن يؤسس الفلسفة الحديثة التي قادت الغرب على طريق التقدم والعقلانية والسيطرة على الطبيعة. وهذا يعني أنه لا تركيب من دون تفكيك، لا تعمير من دون تدمير، لا انطلاقة جديدة من دون تعزيل للتراكمات. وعلى هذا النحو تقدم الغرب بشكل مطرد منذ عصر النهضة وحتى اليوم. في كل مرة كانت تطبق عليه ظلمة جديدة كان يظهر فيه مفكر كبير لكي يعزل التراكمات ويبدد الظلمات. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين العالم الغربي - والعالم الإسلامي، حيث يسود الجمود التراثي إلى أبد الدهر. لكن التفكيك الأكبر بالطبع هو ذلك الذي أصاب اللاهوت المسيحي التكفيري القديم. هنا جرت المعركة الحقيقية بين أنصار القديم وأنصار الجديد. وهي معركة شقت تاريخ الغرب إلى قسمين ما قبلها وما بعدها. لو لم ينتصر فلاسفة التنوير فيها لما تمكنوا من الخروج من العصور الوسطى المسيحية وتشييد أسس الحضارة المدنية الحديثة. لو لم ينتصر حزب الفلاسفة على حزب «الإخوان المسيحيين» الأشداء لما استطاعوا تجاوز العصبيات الطائفية التي كانت تمزقهم، ولما تشكلت دولة مدنية حديثة تساوي في المواطنة بين مختلف فئات الشعب بغض النظر عن أصولهم العرقية والدينية. لو لم ينتصر إعلان حقوق الإنسان والمواطن على العقائد الكنسية القديمة لما نفضت أوروبا عن ظهرها كابوس القرون الظلامية والحروب المذهبية. هكذا، نلاحظ أن للتفكيك وظيفة تحريرية هائلة في التاريخ. انسوا معناه السلبي فوراً إذا كنتم قادرين على ذلك، خصوصاً في هذه الظروف العصيبة. التفكيك الفلسفي إذا ما تم بشكل ناجح وموفق فإنه يحرر الطاقات المخزونة والعزائم المسجونة. التفكيك ينتقل بك من مرحلة سابقة إلى مرحلة لاحقة، من مرحلة الجمود والصدأ إلى مرحلة الإبداع والانعتاق. لا نستطيع الانتقال إلى المرحلة الحداثية قبل تفكيك المرحلة التراثية. أكاد أقول بأن المنهجية التفكيكية تنطبق أيضاً على العلاقات الغرامية. لا يمكن الانتقال من حب سابق إلى حب لاحق قبل أن تتفكك عرى الحب السابق في الذاكرة وتشحب رويداً رويداً. عندئذ تصبح مستعداً كل الاستعداد «للانقضاض» على العروس الجديدة! هل فهمتم منهج التفكيك الآن؟ هل عرفتم معنى القطيعة الأبستمولوجية؟ هل أدركتم جدوى «الخيانات» الخلاقة؟ اللهم قد أوضحت بما فيه الكفاية وفضحت أعماقي الشريرة ولا زائد لمستزيد...

والآن، نطرح هذا السؤال: أين نحن كعرب وكمسلمين من هذه الحركة الكبرى التي دشنت العصور الحديثة: أقصد حركة التفكيك الفلسفي لليقينيات التراثية والفتاوى التكفيرية التي عفا عليها الزمن، ومع ذلك فلا تزال رابضة على صدورنا وتتحكم بأعناقنا وتمزق شعوبنا؟ إننا نقف على أبوابها. آلاف اليقينيات التراثية الراسخة رسوخ الجبال سوف تتفكك وتنهار خلال السنوات المقبلة لكي تحل محلها الحقائق التاريخية المنبثقة من تحت ركام القرون. كل شعارات «العصر الآيديولوجي العربي» وكذلك «العصر اللاهوتي العربي» أصبحت خارج قوس. النظام القديم للفكر العربي انتهى أيها السادة وليس فقط النظام السياسي. إنه يتصدع من كل الجهات سقوفاً وجدراناً. هذا النظام الذي حكم العرب طيلة ألف سنة - أي منذ الغرق في العصور الانحطاطية السلجوقية والمملوكية والعثمانية - دخل مرحلة الاحتضار الآن. لكنه سيضرب بكل قواه قبل أن يشهق شهقته الأخيرة. وهذا معنى ظهور كل هذه الحركات الجهادية التي انفجرت كالبركان في السنوات الأخيرة.

أخيراً، سأقول بأن القطيعة التراثية لا تقل خطورة عن القطيعة الغرامية من حيث التمزقات الموجعة «وآلام الانفصال» كما يقول هيغل. لكن لا بد مما ليس منه بد. انظروا كم كلفتهم عملية الانفصال عن الأصولية المسيحية من مخاضات هائلة ونزيف داخلي حاد. لقد زهقت أرواحهم تقريباً أثناء عملية الانتقال أو الانفصال. فليس من السهل أن تنفصل عن شخصيتك التراثية المتجذرة في أعماق أعماقك. لكن هذا هو ثمن الحداثة: مهرها غال. ولذلك؛ أنصحكم وأنصح نفسي بألا تخافوا كثيراً إذا ما حصل تفكيك أو تقسيم في المرحلة المقبلة. فهو ليس إلا مرحلة انتقالية عابرة تمهد لمرحلة تركيب أو توحيد لاحقة على أسس صحيحة ومتينة. فما بعد اللحظة الظلامية إلا اللحظة التنويرية. وهي وحدها القادرة على احتضاننا جميعاً ودمجنا كلنا في مشروع مستقبلي كبير يتجاوز طوائفنا وانقساماتنا التي تكاد تدمرنا.

أضيف بأننا نحن العرب نعيش عصر الحيرات الكبرى والبلبلات المدوخة للعقول. في مثل هذا الجو يختلط الحابل بالنابل وتنعدم البوصلة وتضيع الناس. الجميع يخبطون خبط عشواء في الاتجاهات كافة دون أي أفق أو منفذ أو خلاص. لا أحد يعرف أين يتجه ولا كيف. أكاد أقول لم يعد أحد يثق بأحد ولا بأي شيء. كل الحلول جربت وفشلت. وبالتالي، فالمسألة ليست مزحة على الإطلاق. القصة أكبر مما نتصور بكثير. ومن المسؤول عن تشخيص الوضع المضطرب وإيجاد الحلول؟ ليس رجل السياسة على عكس ما نتوهم، وإنما رجل الثقافة. كل الأمم التي عاشت مثل هذه الظروف المدلهمة أنقذت من قبل فلاسفة كبار لا من قبل سياسيين. دور السياسي يأتي لاحقاً. لكن قبل ذلك ينبغي تمهيد الطريق وفتح الأفق المسدود.

بعض الفلاسفة يتحدثون عن العتمات أو الظلمات الكبرى التي قد تصيب الأمة أو تطبق عليها من حين إلى آخر. وفي مثل هذه الظروف المدلهمة يظهر المفكرون الكبار. فهم وحدهم القادرون على شق العتمات وتبديد الظلمات. الفكر رادار يضيء السماء المكفهرة والتراكمات. لا ريب في أن الأمتين العربية والإسلامية ككل تعيشان الآن هذا المنعطف التاريخي الخطير. لا ريب في أن الظلمات أطبقت عليهما. ولكي نفهم الأمر على حقيقته، بكل أبعاده، يستحسن بنا أن نستضيء بتجارب الأمم الأخرى التي عاشت مثل هذه الحالة وخرجت منها. أقصد هنا بالطبع الأمم المتقدمة التي لم تعد خائفة على مستقبلها بعد أن اكتشفت الطريق الموصلة إلى الخلاص: أي إلى الخروج من العتمة المطبقة على صدر الأمة. من الذي أخرج الأمة الألمانية من حيرتها الكبرى في القرن السادس عشر؟ شخص واحد يدعى مارتن لوثر. وهو نفسه كان مصاباً بأزمة داخلية حادة كادت أن تعصف به. لكنه بعد أن تغلب عليها، بعد أن حلها قبل أن تحله وتقضي عليه، تحول إلى مارد جبار واستطاع أن يحل مشكلة الأمة الألمانية، بل والمسيحية الأوروبية ككل. من الذي أخرج الأمة الإنجليزية من ضياعها في أواخر القرن السادس عشر وبدايات السابع عشر؟ شخص يدعى فرنسيس بيكون. فهو الذي أعطاها المفتاح العلمي والفلسفي المؤدي إلى الخلاص. أما لوثر قبله فكان قد أعطاها المفتاح اللاهوتي. من الذي أخرج الأمة الفرنسية من بلبلتها الكبرى في القرن السابع عشر؟ إنه شخص واحد أيضاً يدعى رينيه ديكارت. عندما صدر كتابه الشهير «مقال في المنهج» عرف الفرنسيون أنهم قد وصلوا إلى شاطئ الأمان، أنهم قد أمسكوا بأول الخيط، أنهم قد توصلوا إلى المنهاج الصحيح المؤدي إلى الحل. نعم، لقد أدركوا أن مشكلتهم قد حلت، وشدتهم انفرجت، بعد أن خرج بين ظهرانيهم فيلسوف ضخم يعرف كيف يحل عقدة العصر. الشيء نفسه يمكن أن يقال عن كانط في القرن الثامن عشر. هو أيضاً حل عقدة العصر الألماني كله عندما أصدر كتابه الشهير «نقد العقل الخالص». ثم تبعه كتاب «نقد العقل العملي»، وأخيراً كتاب مهم جداً هو: «الدين ضمن حدود العقل فقط». لقد عرف بضربة معلم عبقرية كيف يجد ثلاثة حلول دفعة واحدة: حلاً فلسفياً، وحلاً عملياً، وحلاً دينياً. وهكذا، صالح بين العلم والدين والفلسفة، وحل عقدة العصر المستعصية على الحل. وعندئذ شعر الألمان بأن نبياً جديداً قد ظهر فيهم وأعطاهم ثقة هائلة بأنفسهم. وما عادوا خائفين، قلقين، مضطربين... وإذن، فلكل عصر عقدته المستعصية التي لا يقدر عليها إلا الأنبياء أو الفلاسفة الكبار. الشيء ذاته يقال عن هيغل في القرن التاسع عشر؛ فقد كان راداراً مشعاً وضرب ضربة عبقرية عندما اكتشف القوانين التي تتحكم بحركة التاريخ البشري. وقل الأمر ذاته عن هيدغر في القرن العشرين، أو هابرماس حالياً، الخ... بالطبع، هناك مفكرون آخرون لا يقلون أهمية وليس هدفي تعداد الجميع؛ فهذا فوق استطاعتي وفوق إمكانات مقال واحد. لكن بشكل عام، فإن المثقفين الكبار هم منارات الشعوب التي تضيء لها الطريق. فلولاهم لبقينا نخبط خبط عشواء في الظلماء... والسؤال المطروح هنا هو التالي: أين هم عباقرة العرب والإسلام؟ هل عقمت الأمة العربية عن الإنجاب؟ لماذا لا يوجد مفكر واحد في حجم ديكارت أو سبينوزا أو كانط أو هيغل أو نيتشه أو ماركس، الخ...

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة