الثورة الحقيقية... تفكيك العقليات التراثية

النظام القديم للفكر العربي انتهى وليس فقط النظام السياسي

الثورة الحقيقية... تفكيك العقليات التراثية
TT

الثورة الحقيقية... تفكيك العقليات التراثية

الثورة الحقيقية... تفكيك العقليات التراثية

يتحدثون هذه الأيام عن ضرورة تفكيك «هيئة تحرير الشام» أي «النصرة» أو «القاعدة» سابقاً. وأنا أقول ينبغي تفكيك جميع التكفيريين الظلاميين دون استثناء؛ لأنهم أصبحوا يشكلون خطراً ماحقاً على وحدة البلاد والعباد. ينبغي العلم بأن منهجية التفكيك من أحدث المناهج الفكرية والفلسفية في الفكر الغربي. وهي على عكس ما يوحي اسمها السلبي إيجابية جداً، بل وتحريرية. عموماً، عندما نلفظ كلمة تفكيك مجرد لفظ، فإن الناس يصابون بالهلع والاشمئزاز. لكن على مهلكم يا إخوان! فهذا ناتج من فهم خاطئ لواحد من أهم المصطلحات في تاريخ الفلسفة المعاصرة. وكان أول من اخترعه هيدغر قبل أن يأخذه عنه جاك دريدا ويستحوذ عليه إلى درجة أن الناس اعتقدوا أنه له ونسوا مخترعه الأصلي تماماً. للحق والإنصاف، فإنه اعترف لي بذلك عندما قابلته يوماً ما في مكتبه الجامعي في شارع راسباي بباريس. كان ذلك أيام زمان عندما كان صاحبكم جهادياً عنيفاً مستعداً للتضحية بنفسه. على أي حال، فهيدغر فيلسوف ضخم على عكس دريدا الذي يمكن اعتباره فيلسوفاً من الحجم المتوسط في أحسن الأحوال. إنه فيلسوف ثرثار وممل في أحيان كثيرة. لكن له بعض اللمحات واللمعات والإضافات. لا ينبغي أن نحتقره أكثر من اللزوم. ومعلوم أن الفلاسفة الكبار هم وحدهم القادرون على اختراع المصطلحات الكبرى التي تضيء تاريخ الفكر وتشق دياجير الظلمات. مصطلح واحد قد يضيء لك الدنيا. بل إن أبوة المصطلح تعود إلى نيتشه أستاذ هيدغر ودريدا في آن معاً. ومعلوم أنه لم يكن يتفلسف إلا والمطرقة في يده بغية تحطيم الأوثان والأصنام: أي العقائد الدوغمائية المتحجرة الموروثة عن الماضي، وكذلك الشخصيات التراثية التي يبجلها الناس ويخضعون لها دون نقاش. (بين قوسين: أنا في هذه اللحظة بالذات مضطر إلى تحطيم أعز الناس عليّ، ألا وهو والدي لأنه كان شيخاً ظلامياً على عكس عمي الكبير المستنير الشيخ محمد). بل، ويمكن القول بأن أبوة المصطلح تعود إلى زمن سابق حتى على نيتشه. إنها تعود إلى لحظة ديكارت، مؤسس الفلسفة الحديثة. ومعلوم أنه قال بعد أن تجلت له الحقيقة ساطعة كوجه الشمس: «ولذلك قررت عموماً أن أدمر كل أفكاري السابقة». لم يستخدم مصطلح التفكيك وإنما التدمير! وهو أشد خطورة بكثير. وكان يقصد به أنه بعد أن بلغ سن الرشد وتوصل إلى الحقيقة والمنهج الصحيح قرر التخلي عن كل أفكاره التراثية التي تربى عليها في البيت والمدرسة والكنيسة والطائفة. وعندئذ قام بأكبر انقلاب على الأفكار القديمة التي كانت سائدة في عصره والتي تشربها مع حليب الطفولة ككل أبناء جيله. وعلى هذا النحو استطاع أن يؤسس الفلسفة الحديثة التي قادت الغرب على طريق التقدم والعقلانية والسيطرة على الطبيعة. وهذا يعني أنه لا تركيب من دون تفكيك، لا تعمير من دون تدمير، لا انطلاقة جديدة من دون تعزيل للتراكمات. وعلى هذا النحو تقدم الغرب بشكل مطرد منذ عصر النهضة وحتى اليوم. في كل مرة كانت تطبق عليه ظلمة جديدة كان يظهر فيه مفكر كبير لكي يعزل التراكمات ويبدد الظلمات. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين العالم الغربي - والعالم الإسلامي، حيث يسود الجمود التراثي إلى أبد الدهر. لكن التفكيك الأكبر بالطبع هو ذلك الذي أصاب اللاهوت المسيحي التكفيري القديم. هنا جرت المعركة الحقيقية بين أنصار القديم وأنصار الجديد. وهي معركة شقت تاريخ الغرب إلى قسمين ما قبلها وما بعدها. لو لم ينتصر فلاسفة التنوير فيها لما تمكنوا من الخروج من العصور الوسطى المسيحية وتشييد أسس الحضارة المدنية الحديثة. لو لم ينتصر حزب الفلاسفة على حزب «الإخوان المسيحيين» الأشداء لما استطاعوا تجاوز العصبيات الطائفية التي كانت تمزقهم، ولما تشكلت دولة مدنية حديثة تساوي في المواطنة بين مختلف فئات الشعب بغض النظر عن أصولهم العرقية والدينية. لو لم ينتصر إعلان حقوق الإنسان والمواطن على العقائد الكنسية القديمة لما نفضت أوروبا عن ظهرها كابوس القرون الظلامية والحروب المذهبية. هكذا، نلاحظ أن للتفكيك وظيفة تحريرية هائلة في التاريخ. انسوا معناه السلبي فوراً إذا كنتم قادرين على ذلك، خصوصاً في هذه الظروف العصيبة. التفكيك الفلسفي إذا ما تم بشكل ناجح وموفق فإنه يحرر الطاقات المخزونة والعزائم المسجونة. التفكيك ينتقل بك من مرحلة سابقة إلى مرحلة لاحقة، من مرحلة الجمود والصدأ إلى مرحلة الإبداع والانعتاق. لا نستطيع الانتقال إلى المرحلة الحداثية قبل تفكيك المرحلة التراثية. أكاد أقول بأن المنهجية التفكيكية تنطبق أيضاً على العلاقات الغرامية. لا يمكن الانتقال من حب سابق إلى حب لاحق قبل أن تتفكك عرى الحب السابق في الذاكرة وتشحب رويداً رويداً. عندئذ تصبح مستعداً كل الاستعداد «للانقضاض» على العروس الجديدة! هل فهمتم منهج التفكيك الآن؟ هل عرفتم معنى القطيعة الأبستمولوجية؟ هل أدركتم جدوى «الخيانات» الخلاقة؟ اللهم قد أوضحت بما فيه الكفاية وفضحت أعماقي الشريرة ولا زائد لمستزيد...
والآن، نطرح هذا السؤال: أين نحن كعرب وكمسلمين من هذه الحركة الكبرى التي دشنت العصور الحديثة: أقصد حركة التفكيك الفلسفي لليقينيات التراثية والفتاوى التكفيرية التي عفا عليها الزمن، ومع ذلك فلا تزال رابضة على صدورنا وتتحكم بأعناقنا وتمزق شعوبنا؟ إننا نقف على أبوابها. آلاف اليقينيات التراثية الراسخة رسوخ الجبال سوف تتفكك وتنهار خلال السنوات المقبلة لكي تحل محلها الحقائق التاريخية المنبثقة من تحت ركام القرون. كل شعارات «العصر الآيديولوجي العربي» وكذلك «العصر اللاهوتي العربي» أصبحت خارج قوس. النظام القديم للفكر العربي انتهى أيها السادة وليس فقط النظام السياسي. إنه يتصدع من كل الجهات سقوفاً وجدراناً. هذا النظام الذي حكم العرب طيلة ألف سنة - أي منذ الغرق في العصور الانحطاطية السلجوقية والمملوكية والعثمانية - دخل مرحلة الاحتضار الآن. لكنه سيضرب بكل قواه قبل أن يشهق شهقته الأخيرة. وهذا معنى ظهور كل هذه الحركات الجهادية التي انفجرت كالبركان في السنوات الأخيرة.
أخيراً، سأقول بأن القطيعة التراثية لا تقل خطورة عن القطيعة الغرامية من حيث التمزقات الموجعة «وآلام الانفصال» كما يقول هيغل. لكن لا بد مما ليس منه بد. انظروا كم كلفتهم عملية الانفصال عن الأصولية المسيحية من مخاضات هائلة ونزيف داخلي حاد. لقد زهقت أرواحهم تقريباً أثناء عملية الانتقال أو الانفصال. فليس من السهل أن تنفصل عن شخصيتك التراثية المتجذرة في أعماق أعماقك. لكن هذا هو ثمن الحداثة: مهرها غال. ولذلك؛ أنصحكم وأنصح نفسي بألا تخافوا كثيراً إذا ما حصل تفكيك أو تقسيم في المرحلة المقبلة. فهو ليس إلا مرحلة انتقالية عابرة تمهد لمرحلة تركيب أو توحيد لاحقة على أسس صحيحة ومتينة. فما بعد اللحظة الظلامية إلا اللحظة التنويرية. وهي وحدها القادرة على احتضاننا جميعاً ودمجنا كلنا في مشروع مستقبلي كبير يتجاوز طوائفنا وانقساماتنا التي تكاد تدمرنا.
أضيف بأننا نحن العرب نعيش عصر الحيرات الكبرى والبلبلات المدوخة للعقول. في مثل هذا الجو يختلط الحابل بالنابل وتنعدم البوصلة وتضيع الناس. الجميع يخبطون خبط عشواء في الاتجاهات كافة دون أي أفق أو منفذ أو خلاص. لا أحد يعرف أين يتجه ولا كيف. أكاد أقول لم يعد أحد يثق بأحد ولا بأي شيء. كل الحلول جربت وفشلت. وبالتالي، فالمسألة ليست مزحة على الإطلاق. القصة أكبر مما نتصور بكثير. ومن المسؤول عن تشخيص الوضع المضطرب وإيجاد الحلول؟ ليس رجل السياسة على عكس ما نتوهم، وإنما رجل الثقافة. كل الأمم التي عاشت مثل هذه الظروف المدلهمة أنقذت من قبل فلاسفة كبار لا من قبل سياسيين. دور السياسي يأتي لاحقاً. لكن قبل ذلك ينبغي تمهيد الطريق وفتح الأفق المسدود.
بعض الفلاسفة يتحدثون عن العتمات أو الظلمات الكبرى التي قد تصيب الأمة أو تطبق عليها من حين إلى آخر. وفي مثل هذه الظروف المدلهمة يظهر المفكرون الكبار. فهم وحدهم القادرون على شق العتمات وتبديد الظلمات. الفكر رادار يضيء السماء المكفهرة والتراكمات. لا ريب في أن الأمتين العربية والإسلامية ككل تعيشان الآن هذا المنعطف التاريخي الخطير. لا ريب في أن الظلمات أطبقت عليهما. ولكي نفهم الأمر على حقيقته، بكل أبعاده، يستحسن بنا أن نستضيء بتجارب الأمم الأخرى التي عاشت مثل هذه الحالة وخرجت منها. أقصد هنا بالطبع الأمم المتقدمة التي لم تعد خائفة على مستقبلها بعد أن اكتشفت الطريق الموصلة إلى الخلاص: أي إلى الخروج من العتمة المطبقة على صدر الأمة. من الذي أخرج الأمة الألمانية من حيرتها الكبرى في القرن السادس عشر؟ شخص واحد يدعى مارتن لوثر. وهو نفسه كان مصاباً بأزمة داخلية حادة كادت أن تعصف به. لكنه بعد أن تغلب عليها، بعد أن حلها قبل أن تحله وتقضي عليه، تحول إلى مارد جبار واستطاع أن يحل مشكلة الأمة الألمانية، بل والمسيحية الأوروبية ككل. من الذي أخرج الأمة الإنجليزية من ضياعها في أواخر القرن السادس عشر وبدايات السابع عشر؟ شخص يدعى فرنسيس بيكون. فهو الذي أعطاها المفتاح العلمي والفلسفي المؤدي إلى الخلاص. أما لوثر قبله فكان قد أعطاها المفتاح اللاهوتي. من الذي أخرج الأمة الفرنسية من بلبلتها الكبرى في القرن السابع عشر؟ إنه شخص واحد أيضاً يدعى رينيه ديكارت. عندما صدر كتابه الشهير «مقال في المنهج» عرف الفرنسيون أنهم قد وصلوا إلى شاطئ الأمان، أنهم قد أمسكوا بأول الخيط، أنهم قد توصلوا إلى المنهاج الصحيح المؤدي إلى الحل. نعم، لقد أدركوا أن مشكلتهم قد حلت، وشدتهم انفرجت، بعد أن خرج بين ظهرانيهم فيلسوف ضخم يعرف كيف يحل عقدة العصر. الشيء نفسه يمكن أن يقال عن كانط في القرن الثامن عشر. هو أيضاً حل عقدة العصر الألماني كله عندما أصدر كتابه الشهير «نقد العقل الخالص». ثم تبعه كتاب «نقد العقل العملي»، وأخيراً كتاب مهم جداً هو: «الدين ضمن حدود العقل فقط». لقد عرف بضربة معلم عبقرية كيف يجد ثلاثة حلول دفعة واحدة: حلاً فلسفياً، وحلاً عملياً، وحلاً دينياً. وهكذا، صالح بين العلم والدين والفلسفة، وحل عقدة العصر المستعصية على الحل. وعندئذ شعر الألمان بأن نبياً جديداً قد ظهر فيهم وأعطاهم ثقة هائلة بأنفسهم. وما عادوا خائفين، قلقين، مضطربين... وإذن، فلكل عصر عقدته المستعصية التي لا يقدر عليها إلا الأنبياء أو الفلاسفة الكبار. الشيء ذاته يقال عن هيغل في القرن التاسع عشر؛ فقد كان راداراً مشعاً وضرب ضربة عبقرية عندما اكتشف القوانين التي تتحكم بحركة التاريخ البشري. وقل الأمر ذاته عن هيدغر في القرن العشرين، أو هابرماس حالياً، الخ... بالطبع، هناك مفكرون آخرون لا يقلون أهمية وليس هدفي تعداد الجميع؛ فهذا فوق استطاعتي وفوق إمكانات مقال واحد. لكن بشكل عام، فإن المثقفين الكبار هم منارات الشعوب التي تضيء لها الطريق. فلولاهم لبقينا نخبط خبط عشواء في الظلماء... والسؤال المطروح هنا هو التالي: أين هم عباقرة العرب والإسلام؟ هل عقمت الأمة العربية عن الإنجاب؟ لماذا لا يوجد مفكر واحد في حجم ديكارت أو سبينوزا أو كانط أو هيغل أو نيتشه أو ماركس، الخ...



وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
TT

وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".

بينما كانت أجراس فعاليات لندن الربيعية تعلن عن انطلاق أسبوع الفن في قلب مايفير، وفي ظل صخب شارع «نيو بوند ستريت» الذي لا يهدأ، هيأت دار «سوذبيز» العريقة ردهاتها لاستقبال نوع مختلف من الضوء؛ ضوء الشرق الذي أسَرَ مخيلة الرحالة الغربيين قبل قرنين من الزمان، ويعود اليوم ليأسر قلوب كبار المقتنين في مزاد «فن الاستشراق» لموسم ربيع 2026. لم يكن المعرض الذي افتتح أبوابه للجمهور قبل موعد المزاد مجرد عرض لمقتنيات فنية عابرة، بل كان أشبه باستعادة بصرية لذاكرة جغرافية وتاريخية تشكل وجدان المنطقة الممتدة من ضفاف النيل إلى أسوار القسطنطينية.

في هذه النسخة من المزاد، تبدو الأعمال المختارة، وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول الاستشراق، بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة. نحن أمام مشهد يتسم بنضج استثماري لافت؛ حيث لم يعد المقتني العربي أو العالمي يبحث عن الغرائبية فحسب، بل ينشد الأصالة والدقة التاريخية التي برع فيها فنانون من طراز جان ليون جيروم ولودفيك دويتشه. كما أن الأعمال المعروضة تؤكد أن فن الاستشراق لم يعد مجرد صنف منسيّ في تاريخ الفن، بل هو عملة ثقافية صعبة تزداد قيمتها كلما زاد الحنين إلى الجذور.

لوحة" المستعمون" لنصرالدين دينيه

عبقرية الظل والضوء

تتصدر مشهد المزاد لوحة الفنان الأميركي فريدريك آرثر بريدغمان (1847 - 1928) المعنونة بـ«في قرية الأبيار الجزائر» (In a Village at El Biar, Algiers)، والأبيار إحدى ضواحي الجزائر كانت ملاذاً للفنانين بسبب إطلالتها وهوائها العليل، وكان بريدغمان مفتوناً ببيوتها المترابطة. وهي عمل يجسد ذروة النضج في أسلوب بريدغمان الاستشراقي. في هذه اللوحة، لا يكتفي الفنان بنقل مشهد مكاني، بل يحبس أنفاس الزمن في لحظة جزائرية خالصة.

تتجلى عبقرية بريدغمان في تعامله مع «الضوء المتوسطي الساطع»؛ حيث تضرب أشعة الشمس الجدران البيضاء لقرية الأبيار، لتعكس وهجاً يكاد يشعر المشاهد بحرارته. لكن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في التباين الدرامي بين هذا البياض الناصع وظلال الزقاق الضيق التي تمنح اللوحة عمقاً هندسياً مذهلاً.

بالنظر إلى التفاصيل الدقيقة، يبدو أن بريدغمان رسم الشخوص بلمسة إثنوغرافية غاية في الأمانة؛ من طيات الملابس التقليدية إلى حركة أيدي النساء وتموجات المياه في بركة الحوش، مما يمنح العمل قيمة توثيقية تتجاوز البعد الجمالي. إن اختيار «سوذبيز» لهذه القطعة تحديداً يعكس ذكاءً في تقدير ذائقة المقتني المعاصر، الذي يبحث عن أعمال بريدغمان ليس فقط لجماليتها، بل لقدرتها على نقل روح المكان وهدوء الحياة اليومية بعيداً عن التكلف أو المبالغة الدرامية. ومن المتوقع أن تشهد هذه اللوحة منافسة شرسة (القيمة التقديرية للوحة بين 150 - 200 ألف جنيه إسترليني)، نظراً لندرة أعمال بريدغمان التي تتميز بهذا المستوى من الحيوية في الألوان والتماسك في التكوين. هذا التقدير المرتفع لا يعكس فقط براعة بريدغمان التقنية، بل يشير إلى ندرة وجود أعمال بهذا الحجم والجودة في السوق حالياً. إن تجاوز حاجز الـ150 ألف باوند كقيمة افتتاحية يبعث برسالة واضحة للمقتنين: «نحن أمام قطعة ليست للعرض الجمالي فحسب، بل هي استثمار تاريخي رصين في أحد أكثر فصول الفن الاستشراقي صدقاً وعمقاً».

تبدو الأعمال المختارة وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول الاستشراق بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة

عمالقة الاستشراق والقيمة التجارية

لا يقتصر زخم مزاد «سوذبيز» لهذا الموسم على لوحة بعينها، بل يمتد ليشمل كوكبة من «أساطير الاستشراق» الذين جابوا الشرق بحثاً عن الضوء والحقيقة. يتصدر المشهد رواد المدرسة الفرنسية والنمساوية والأميركية، حيث تُعرض أعمال لأسماء لا تخطئها عين المقتني المحترف، مثل جان ليون جيروم ولودفيج دويتشه ورودولف إرنست ونصر الدين دينيه (اسمه الأصلي ألفونس). وتتراوح القيم التقديرية لهذه الأعمال في المزاد الحالي ما بين خمسين ألف جنيه إسترليني للتخطيطات والدراسات الزيتية الصغيرة، وصولاً إلى أرقام تتجاوز 300 ألف جنيه إسترليني للوحات الزيتية الكبيرة التي تتميز بتفاصيل معمارية معقدة. هذا التنوع في الأسعار والمستويات الفنية يعكس استراتيجية «سوذبيز» في استقطاب شريحتين من المقتنين: «المستثمر الجديد» الذي يبحث عن موطئ قدم في عالم الفن، و«المقتني النخبوي» الذي يطارد القطع المتحفية النادرة التي قلما تظهر في الأسواق، مما يجعل القيمة الإجمالية للمزاد تُقدر بملايين الجنيهات الإسترلينية.

استعادة الشرق بريشة الحداثة

يظل السؤال القائم في أروقة «سوذبيز» يتجاوز حدود الأرقام القياسية والمنافسات المالية؛ هل ما زال فن الاستشراق قادراً على محاورة إنسان القرن الحادي والعشرين؟ الإجابة تكمن في تلك التفاصيل التي خلدها فنانون مثل بريدغمان وإرنست؛ فهي ليست مجرد توثيق لزمن مضى، بل هي استعادة لجماليات كادت تمحوها الحداثة المتسارعة. إن الاهتمام المتزايد من قبل المقتنين والمؤسسات الثقافية في منطقة الخليج والعالم العربي بهذه الأعمال، يحولها من «نظرة غربية للشرق» إلى «إرث شرقي مستعاد» تُعاد قراءته اليوم بعيون أصحاب الأرض أنفسهم.

في نهاية المطاف، سيهدأ ضجيج المزايدات وتستقر لوحة «في قرية الأبيار» وغيرها في مجموعات خاصة أو متاحف عالمية، لكن القيمة الحقيقية لهذا المزاد تظل في قدرته على مد الجسور بين ضفتي المتوسط، وفي تذكيرنا بأن الفن هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة لتنقل سحر الضوء الجزائري أو روحانية جوامع القاهرة إلى قلب لندن. وبغض النظر عن أسعار المزاد، يبقى اليقين الوحيد هو أن الشرق بروعته وتفاصيله سيظل دائماً بوصلة الجمال التي لا تخطئ في سوق الفن العالمي.

 


نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

 نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
TT

نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

 نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي

يشكل النقش التصويري ركناً أساسياً من مكوّنات الفن الأموي المدني، وتشهد لذلك مجموعات من اللقى الأثرية، عُثر عليها بين أطلال منشآت عمرانية تتوزّع على صحاري بلاد الشام، وتُعرف بـ«قصور البادية». تبرز في هذا الميدان مجموعة كبيرة تتميّز بثرائها وتنوّعها، خرجت من قصر يقع جنوب غرب تدمر، أطلق عليه علماء الآثار اسم «قصر الحير الغربي». تحوي هذه المجموعة قطعاً متعدّدة الأحجام، أكبرها قطعة على شكل نصب آدمي يحاكي ارتفاعه طول قامة الإنسان، تمثل صورة لصاحب القصر، الخليفة هشام بن عبد الملك.

وصلت هذه القامة المنحوتة مهشّمة ومجزّأة، وباتت ثلاث قطع منفصلة، منها قطعة تمثّل الرأس، وقطعة تمثّل الجزء الأعلى من الصدر، وقطعة تمثّل الساقين. تمّ وصل الرأس بأعلى الصدر من خلال عنق مضافة صُنعت من مادة مغايرة، وفقاً للطرق العلميّة المتبعة، وشكّل هذا الوصل تمثالاً نصفياً يمثّل الجزء الأعلى من هذه القامة. في المقابل، بقيت كتلة الساقين على حالها، نظراً لغياب القطعة التي تمثّل الجزء الأسفل من الصدر. هكذا يحضر هذا النصب في قطعتين متجاورتين عمودياً، ويُعرض ضمن جناح من المتحف الوطني في دمشق، خُصّص بأكمله لأهم القطع الأثرية التي خرجت من قصر الحير الغربي.

تبدو هذه القطعة المنحوتة للوهلة الأولى أشبه بتمثال ثلاثي الأبعاد، غير أن ظهرها أملس ومسطّح، ويخلو من أي نقش، ممّا يعني أنّها صُنعت لتُثبّت على جدار، وتعتمد طرازاً من طرز النقش الناتئ، يُقارب النحت بنتوئه الشديد. يعود موقع هذا المجسّم الضخم في الأصل إلى واجهة قصر الحير الغربي، حيث ثُبّت على سطح القوصرة المقوّسة التي تعلو باب مدخل القصر الكائن في وسط القسم الأسفل من هذه الواجهة، على ما افترض دانيال شلومبرجير، الخبير الذي قاد البعثة الفرنسية التي استكشفت هذا الموقع الأموي بين عام 1936 وعام 1938. حسب هذه القراءة، حظي هذا النصب بموقع رئيسي في الحلة الزخرفية التي كست هذه الواجهة، ويشير طرازه الملكي التقليدي إلى أنّه يمثّل صاحب البناء، وهو حسب نقش عُثر عليه في الموقع «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي الخليفة هشام بن عبد الملك.

اعتُمدت هذه القراءة بشكل واسع في الأوساط العلميّة، غير أنّ تحديد هوّية صورتها فنياً بشكل جازم وقاطع ظلّ موضع بحث، وذلك بسبب انتهاجها أسلوباً يبتعد عن محاكاة المثال الشخصي الفردي، وتبنّيها مثالاً نموذجياً جامعاً. في الخلاصة، يشكّل هذا النصب صورة نموذجية مثالية للخليفة هشام بن عبد الملك، كما يشكّل صورة رمزية تختزل مقام هذه الخلافة فحسب. يحلّ رأس هذا المجسّم في كتلة بيضاوية سقط منها الجزء الأسفل للأسف، وما بقي منه يشير إلى لحية مستديرة تتّصل بشاربين طويلين. انمحت العين اليمنى، وسلمت العين اليسرى، وهي لوزية، ويعلوها حاجب مقوّس، وفي وسطها بؤبؤ طُلي باللون الأسود. الأنف عريض وناتئ. الأذن اليسرى ظاهرة، وتتميّز بحلق دائري يتدلّى من طرفها الأسفل. الشعر كثيف، وما بقي منه يشير إلى خصل تلتف حول الوجه، يعلوها تاج يحدّه إكليل مكوّن من شريطَين رفيعَين متلاصقَين. يكشف رداء الصدر عن ثوب فضفاض ذي ثنايا مقوّسة متجانسة، يفصل بينها في الوسط شريط عمودي عريض، زُيّن بسلسلة من الأقراص الدائرية الصغيرة.

تتّضح هوية هذا اللباس في الجزء الأسفل من المجسّم، وهو الجزء الخاص بالساقين. يظهر الملك في وضعيّة الجلوس، ويرتدي بزّة طويلة تلتف حول الركبتين المتباعدتين، تزيّنها كذلك ثنايا مقوّسة متجانسة، يفصل بينها في الوسط خيط عمودي، مستقيم وغائر. تحت هذه البزّة سروال فضفاض، يحدّ كلّ طرف من طرفيه شريط عمودي مزخرف، يماثل في زخرفته الشريط الذي يتوسط البزّة. تأخذ الساقان المتباعدتان والمتواجهتان شكل مثلث تدلّى منه طرف القدم اليسرى. يتبنّى هذا المجسّم الأموي في الواقع نموذجاً ملكياً تقليدياً خاصاً، عُرف به أكاسرة الفرس الساسانيون. دخل هذا النموذج العالم المتوسّطي بشكل واسع، وانتقل إلى العالم الأموي حيث تبنّته الخلافة التي ورثت مجد الأكاسرة، وفقاً لرؤية حضارية، اختزلها قول مأثور اشتهر به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان».

يظهر الخليفة الأموي في هذا المجسمّ الضخم مرتدياً حلّة كسرى الفرس، ويظهر كما يبدو مرتدياً حلّة قيصر الروم في قطعة أخرى من قطع قصر الحير الغربي، ضاع منها النصف الأعلى للأسف. دخلت هذه القطعة متحف دمشق الوطني، وتشكّل في الأصل جزءاً من زينة البهو الداخلي للقصر. تتبع هذه القطعة تقنية النقش الناتئ التقليدية، ويبلغ طول ما تبقّى منها نحو متر، ممّا يوحي بأنها كانت تحاكي في الأصل حجم الإنسان. يمثّل هذا النقش شخصاً يجلس على عرش ملكي، مرتدياً معطفاً يعلو رداءً طويلاً ينسدل حتى أسفل القدمين، كاشفاً عن قدمين تستقران فوق قاعدة فخمة تحدّها سلسلة من العواميد المرصوصة.

شاع هذا النموذج في العالم الروماني، وعُرف باسم «العرش الإمبراطوري»، وهو العرش الذي جعل منه الفن البيزنطي عرشاً للمسيح. ودخل هذا العرش قاموس الفن الأموي، كما يشهد هذا النقش بشكل جليّ. تقابل هذه الصورة المنحوتة لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، تحضر في الركن المعروف بـ«ركن العرش»، وفيها يظهر «ولي عهد المسلمين والمسلمات» متربّعاً على مقعده الوثير، كما تقول الكتابة المرافقة. وهذا الولي هو الوليد بن يزيد، كما تؤكد كتابة ترافق جدارية أخرى من جداريات هذا القصير.


العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.