نظم كومبيوترية جديدة تقلد عمل الدماغ البشري

تتمكن من الرؤية والإصغاء والملاحة والتحكم وتتعلم من أخطائها

كوابينا بوهن إلى اليمين يحمل معالجا صنع على النمط البيولوجي ووضع على ذراع روبوتية بالقرب من سمير مينون طالب الدراسات العليا في مختبر جامعة ستانفورد الأميركية في بالو التو
كوابينا بوهن إلى اليمين يحمل معالجا صنع على النمط البيولوجي ووضع على ذراع روبوتية بالقرب من سمير مينون طالب الدراسات العليا في مختبر جامعة ستانفورد الأميركية في بالو التو
TT

نظم كومبيوترية جديدة تقلد عمل الدماغ البشري

كوابينا بوهن إلى اليمين يحمل معالجا صنع على النمط البيولوجي ووضع على ذراع روبوتية بالقرب من سمير مينون طالب الدراسات العليا في مختبر جامعة ستانفورد الأميركية في بالو التو
كوابينا بوهن إلى اليمين يحمل معالجا صنع على النمط البيولوجي ووضع على ذراع روبوتية بالقرب من سمير مينون طالب الدراسات العليا في مختبر جامعة ستانفورد الأميركية في بالو التو

لقد دخلت الكومبيوترات عصرا تستطيع خلاله أن تتعلم من أخطائها، وهو تطور من شأنه أن يقلب العالم الرقمي رأسا على عقب. ومن المقرر أن تطرح النسخة التجارية لنوع من الرقائق الكومبيوترية الجديدة في العام الجديد هذا، والتي لن يكون بمقدورها أن تقوم بأتمتة الأعمال التي لا تزال تتطلب عمليات برمجة منهكة فحسب، مثل تحريك الذراع الروبوتية بمرونة وكفاءة، بل ويمكنها أيضا أن تتجاوز الأخطاء أو تتحمل وجودها، مما يعني أن إمكانية تعطل الكومبيوتر المفاجئ صارت أمرا من الماضي.

* نظام عصبي كومبيوتري
هذا المسعى الكومبيوتري الجديد الذي بات قيد الاستخدام من قبل بعض الشركات التقنية الكبيرة، يعتمد على النظام العصبي البيولوجي، وبصورة خاصة على كيفية تعامل الخلايا العصبية مع عملية التحفيز والتواصل مع الخلايا الأخرى لتفسير المعلومات. وهذا من شأنه إتاحة المجال أمام أجهزة الكومبيوتر لامتصاص المعلومات الجديدة أثناء قيامها بالأعمال، وبالتالي تعديلها والتأقلم معها، وفقا للإشارات المتغيرة.
وفي السنوات المقبلة فإن هذا الأسلوب سيجعل من الممكن قيام الجيل الجديد من نظم الذكاء الصناعي ببعض المهام التي يؤديها الإنسان، مثل النظم القادرة على الرؤية، والإصغاء، والملاحة، وعمليات الاستخدام والتحكم. وسيكون لهذا عواقب كبيرة على صعيد الأعمال، كالتعرف على الوجوه والنطق، والتخطيط، التي ما تزال في مراحلها الأولية، وتعتمد بشكل كبير على البرمجة البشرية.
ويقول المصممون إن مثل هذا النمط من شأنه إفساح المجال أمام الروبوتات التي تستطيع بأمان أن تمشي وتقود المركبات في العالم الطبيعي، على الرغم من أن الكومبيوتر المفكر والواعي، هو سلعة من عالم الخيال ما تزال أمرا بعيدا في أفق العالم الرقمي.
ويقول لاري سمار عالم الفيزياء الفلكية الذي يدير معهد كاليفورنيا للتقنيات المعلوماتية والاتصالات، الذي هو واحد من الكثير من مراكز الأبحاث التي كرست ذاتها لتطوير هذه الأنواع الجديدة من الدارات الكومبيوترية، «نحن ننتقل من النظم الكومبيوترية الهندسية إلى أمر له الكثير من مواصفات العمليات الكومبيوترية البيولوجية».
الكومبيوترات التقليدية هي محدودة بأعمالها، ببرمجياتها التي درجت عليها، فنظم الرؤية في الكومبيوترات التقليدية على سبيل المثال لا تتعرف سوى على الأجسام التي يمكن تمييزها بالخوارزميات المبرمجة عليها، ذات الاتجاه الإحصائي. والخوارزميات ما هي إلا وصفة تقوم بإصدار إرشادات وتوجيهات خطوة خطوة لإنجاز عملية حسابية.
بيد أن باحثي «غوغل» تمكنوا في العام الماضي من الوصول إلى خوارزميات تعلم الآلة، تعرف بالشبكة العصبية، بغية القيام بعملية تمييز وتحديد من دون أي إشراف. وقد قامت هذه الشبكة بمسح قاعدة بيانات مؤلفة من 10 ملايين صورة، وهي بفعلتها هذه مرنت ذاتها على التعرف على القطط. وفي يونيو (حزيران) من العام الماضي ذكرت الشركة أنها استخدمت أساليب هذه الشبكة العصبية، لتطوير خدمة بحث جديدة لمساعدة الزبائن على العثور على صور محددة بدقة أكثر.

* أبحاث عميقة
وهذا المسعى الجديد المستخدم في الأجهزة والعتاد، فضلا عن البرمجيات، مصدره الانفجار الجديد للمعرفة العلمية عن الدماغ. لكن كوابينا بوهن عالم الكومبيوتر الذي يرأس برنامج أبحاث «الأدمغة في السليكونات» في جامعة ستانفورد يقول إن مثل هذا المسعى له قيوده ومحدوديته، لأن العلماء ما يزالون بعيدين جدا عن معرفة كيفية عمل الدماغ. وأضاف: «لا نملك دليلا بعد، فأنا مهندس وأقوم بتشييد الأشياء، وهنالك الكثير من النظريات الطنانة، لكن أعطوني واحدة منها أستطيع من خلالها تشييد الأشياء».
وحتى اليوم فإن تصميم الكومبيوتر يعود إلى أفكار عالم الرياضيات جون فون نيومان قبل 65 سنة، إذ تقوم المعالجات الصغيرة بعمليات بسرعة الضوء، متتبعة تعليمات مبرمجة مستخدمة سلسلة طويلة من أرقام «واحد» و«صفر». وعموما تقوم بتخزين المعلومات بشكل منفصل فيما يعرف باللهجة الدارجة بـ«الذاكرة»، سواء في المعالج ذاته، أو في رقائق تخزين مجاورة له، أو في أقراص مغناطيسية صلبة عالية السعة.
والبيانات على سبيل المثال، كدرجات الحرارة في نماذج الطقس، أو الأحرف في معالجة الكلمات، يجري نقلها جيئة وذهابا من ذاكرة المعالج القصيرة المدى، بينما يقوم الكومبيوتر بتنفيذ الجانب، أو الفعل، البرمجي، والنتيجة يجري نقلها في النهاية إلى الذاكرة الرئيسة.
أما المعالجات الجديدة فتتألف من أجزاء إلكترونية يمكن وصلها بواسطة الأسلاك التي تحاكي الوصلات، أو نقاط التشابك العصبي البيولوجي. لكنها ترتكز على مجموعات كبيرة من العناصر التي تشبه الخلايا العصبية، التي تعرف بمعالجات «نيورومورفيك»، وهو اصطلاح خرج به الفيزيائي كارفر ميد من معهد «كاليفورنيا للتقنيات المعلوماتية والاتصالات» الذي كان من أوائل الذين ابتكروا هذا البحث في الثمانينات من القرن الماضي.

* تجاوز الأخطاء
يقول دهاميندرا مودها عالم الكومبيوتر في شركة «آي بي إم» الذي يرأس البحوث الكومبيوترية الإدراكية إنه «بدلا من جلب المعلومات والبيانات إلى العمليات الحسابية، كما نفعل اليوم، يمكننا الآن جلب هذه الحسابات إلى البيانات نفسها، فالمستشعرات تصبح هي الكومبيوتر ذاته لتفتح سبيلا جديدا لاستخدام الرقائق الكومبيوترية التي ستكون موزعة في جميع الأمكنة».
والكومبيوترات الجديدة هذه التي ما تزال تعتمد على الرقائق السليكونية، لن تحل محل كومبيوترات اليوم، بل ستكملها، على الأقل حاليا، إذ يرى الكثير من مصممي الكومبيوتر فيها معالجات ثانوية يمكنها العمل ترادفيا مع الدارات الأخرى التي يمكن تبييتها في الهواتف الذكية، أو في الكومبيوترات المركزية العملاقة التي تقوم بالخدمات السحابية. وتتألف الكومبيوترات العصرية من تشكيلة من المعالجات الثانوية التي تقوم بإنجاز عمليات متخصصة، مثل إنتاج الرسومات البيانية في الهاتف الجوال، وتحويل المرئيات، والأصوات، والسمعيات والبيانات الأخرى إلى جهاز اللابتوب.
ومن المميزات الكبيرة لهذا المنحى الجديد القدرة على تجاوز مواطن الخلل. فالكومبيوترات التقليدية هي دقيقة، لكنها لا تستطيع العمل بوجود خلل ما، أو عطب يصيب أحد الترانزستورات. أما مع التصميمات البيولوجية، فإن رموز البرامج تتغير باستمرار متيحة المجال أمام النظام لكي يتأقلم باستمرار، والعمل على تجاوز الإخفاقات بغية إنجاز ما عليه.
وكانت «آي بي إم» قد أعلنت في السنة الماضية أنها شيدت كومبيوترا متفوقا يقلد عمل الدماغ البشري، ويضم نحو 10 مليارات خلية عصبية، أكثر بنسبة 10 في المائة من الدماغ البشري. لكنه أبطأ في عمله 1500 مرة من الدماغ الحقيقي، فضلا عن أنه يتطلب عدة ميغاواط من الكهرباء، مقارنة بـ20 واط فقط بالنسبة إلى الدماغ البيولوجي.
وتشغيل البرنامج الذي يعرف بـ«كومباس» الذي يحاول محاكاة الدماغ البشري بسرعته الاعتيادية، يتطلب تيارا كهربائيا بالنسبة إلى الكومبيوتر العادي التقليدي، يوازي ما نحتاجه لمد مدينة مثل سان فرانسيسكو ونيويورك معا بالكهرباء وفقا للباحث مودها.

* خدمة «نيويورك تايمز»



سابقة طبية... علاج جنين مصاب بورم وعائي نادر في رحم والدته بفرنسا

صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)
صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)
TT

سابقة طبية... علاج جنين مصاب بورم وعائي نادر في رحم والدته بفرنسا

صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)
صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)

عُولج جنين مصاب بورم وعائي نادر كان على وشك أن يموت في رحم والدته في مستشفى بفرنسا، في سابقة في العالم لهذا النوع من الأمراض، وفق ما أعلن الطاقم المشرف عليه.

وفي أواخر الشهر السابع من الحمل، شخّصت إصابة الجنين بمتلازمة «كاسباخ - ميريت» التي قد تؤدّي إلى الوفاة في مستشفى بمولوز في شرق فرنسا.

وكانت كتلة عند مستوى الرقبة «تعرقل تنفّس الجنين»، حسب ما قال الطبيب كريس مينيلا خلال مؤتمر صحافي، الاثنين، في مستشفى الأم والطفل في مولوز، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الورم ينمو بسرعة وصولاً إلى وجه الجنين.

فيفيان تحمّل ابنها عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم مستشفى الأطفال في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)

واقترح مركز متخصّص في هذه الأمراض النادرة في ليون اللجوء إلى علاج سابق للولادة يحدّ من تشكّل الأوعية الدموية الجديدة بواسطة دواء «سيروليموس» تحت إشراف البروفيسور لوران غيبو.

وأُعطي الدواء للوالدة عبر الفم واجتاز حاجز المشيمة وصولاً إلى الجنين، ما سمح بكبح نموّ الورم.

ووُلد عيسى في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 إثر عملية قيصرية. وهو اليوم رضيع يقظ وبشوش في شهره الثالث. و«بالرغم من الورم، يأكل وينمو جيّداً»، حسب والدته فيفيان (34 عاماً).

ويخضع عيسى لمتابعة منتظمة في المستشفى وما زال يتلقى العلاج بـ«السيروليموس».


لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟

لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟
TT

لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟

لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟

تكشف دراستان علميتان واسعتا النطاق أن جيناً واحداً يُعرف باسم «APOE» يلعب دوراً حاسماً في تحديد ما إذا كان الدماغ سيشيخ وهو بصحة جيدة، أم سيتجه نحو التدهور والإصابة بمرض ألزهايمر. فقد أظهرت النتائج أن اختلاف نسخ هذا الجين يفسِّر إلى حد بعيد سبب احتفاظ بعض الأشخاص بذاكرة قوية وقدرات ذهنية عالية، حتى بعد سن الثمانين، في حين يواجه آخرون خطر الإصابة بالخرف في السن نفسها.

المعمِّرون المميَّزون

ويُطلق الباحثون على كبار السن الذين يحتفظون بذاكرة وأداء معرفي مميز اسم «المعمرين المميَّزين» (Super Agers) وهم أشخاص يبلغون 80 عاماً فأكثر؛ لكن قدراتهم الذهنية تضاهي من هم في الخمسينيات أو الستينيات. وكشفت دراسة واسعة قادها باحثون من المركز الطبي بجامعة فاندربيلت بالولايات المتحدة، ونُشرت في مجلة «Alzheimer’s & Dementia» بتاريخ 16 يناير (كانون الثاني) 2026، أن هؤلاء المعمرين يتمتعون بميزتين جينيتين واضحتين، تقللان بشكل كبير من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر.

جين واحد: بين الخطر والحماية

يحمل جين APOE ثلاث نسخ شائعة، تُعرف بالنسخة الثانية 2، والنسخة الثالثة 3، والنسخة الرابعة 4؛ إذ يرث كل إنسان نسختين من هذا الجين. ومنذ سنوات يعرف العلماء أن النسخة الرابعة تزيد خطر الإصابة بألزهايمر المتأخر، في حين تُعد النسخة الثانية عاملاً واقياً نسبياً.

وقد حللت دراسة جامعة فاندربيلت البيانات الجينية لأكثر من 18 ألف شخص مشارك، عبر 8 مجموعات من كبار السن. وهي أكبر مجموعة من كبار السن الذين تمت دراستهم حتى الآن. وكانت النتائج مذهلة. وأظهرت النتائج أن «المعمِّرين المميَّزين» كانوا الأقل بكثير في حمل النسخة الجينية المرتبطة بمرض ألزهايمر. فقد انخفض احتمال وجود هذه النسخة (النسخة الرابعة) لديهم بنحو 68 في المائة، مقارنة بمن أُصيبوا بالمرض بعد سن الثمانين. كما كانوا أقل بنسبة 19 في المائة في حمل هذه النسخة الخطِرة، مقارنة بأشخاص أصحاء معرفياً في السن نفسها، يتمتعون بصحة ذهنية طبيعية. وفي المقابل كان هؤلاء المعمِّرون أكثر حظاً في حمل النسخة الجينية الواقية (النسخة الثانية) إذ زادت فرص وجودها لديهم بنسبة 28 في المائة، مقارنة بأقرانهم الأصحاء، وبأكثر من الضعف مقارنة بالمصابين بألزهايمر في الفئة العمرية نفسها.

وقالت الدكتورة ليزلي غاينور، من قسم طب الشيخوخة بكلية الطب، مركز فاندربيلت للذاكرة ومرض ألزهايمر، بجامعة فاندربيلت، قائدة الدراسة، إن هؤلاء الأشخاص لا يشيخون بشكل جيد فحسب؛ بل يتمتعون أيضاً بانخفاض واضح في الخطر الجيني للإصابة بألزهايمر.

ومن اللافت أن الدراسة شملت مشاركين من خلفيات عرقية متعددة، ما يعزز أهمية النتائج على نطاق أوسع.

دور جيني أكبر مما كان يُعتقد

وتُعزِّز هذه النتائج دراسة أخرى قادها ديلان ويليامز من قسم الطب النفسي ووحدة الصحة مدى الحياة والشيخوخة، وباحثون آخرون من كلية لندن الجامعية بالمملكة المتحدة (UCL) ونُشرت في مجلة «npj Dementia» بتاريخ 9 يناير 2026، والتي حللت بيانات وراثية لأكثر من 450 ألف شخص، لتقدير حجم مساهمة جين APOE في ألزهايمر والخرف عموماً.

وتوصل الباحثون إلى أن ما بين 72 و93 في المائة من حالات ألزهايمر ترتبط بنسختي الجين الثالثة والرابعة. ونحو 45 في المائة من جميع حالات الخرف ما كانت لتحدث لولا تأثير هذا الجين. ومن المرجح أن يكون الجين نفسه مسؤولاً عن ثلاثة أرباع حالات ألزهايمر على الأقل.

وتُعد هذه التقديرات أعلى من دراسات سابقة؛ لأنها لا تركز فقط على النسخة الرابعة؛ بل تُظهر أن النسخة الشائعة -أي الثالثة التي اعتبرت سابقاً «محايدة»- تسهم أيضاً في زيادة الخطر، مقارنة بالنسخة الوقائية الثانية.

الجينات ليست قدراً محتوماً

ورغم التأثير القوي لجين APOE في خطر الإصابة بألزهايمر، فإن الدراستين تؤكدان أن الجينات لا تعمل بمعزل عن غيرها، ولا تمثل حكماً نهائياً. فحتى لدى الأشخاص الذين يحملون نسختين من المتغير عالي الخطورة، النسخة الرابعة (APOE-ε4) تبقى احتمالية الإصابة بالمرض أقل من 70 في المائة، ما يعني أن مسار المرض قابل للتعديل. وتشير هذه النتائج إلى أن تحسين عوامل نمط الحياة، مثل النشاط الذهني والبدني والصحة القلبية، والحد من التدخين والعزلة الاجتماعية، قد يسهم في تأخير ظهور المرض أو الوقاية منه، حتى لدى من يملكون استعداداً وراثياً مرتفعاً.

وتكشف هذه الدراسات مجتمعة أن فهم الجينات لم يعد هدفه التنبؤ بالمرض فقط؛ بل فتح الباب أمام الوقاية والتدخل المبكر. فمعرفة تأثير جين قوي مثل APOE لا تعني الاستسلام له؛ بل تتيح تحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر، وتوجيه الجهود نحو حماية الدماغ قبل ظهور الأعراض.

ويؤكد الباحثون أن تبنِّي نمط حياة صحي قد يغيِّر مسار الشيخوخة المعرفية، ويؤخر المرض سنوات. وهكذا تنتقل رسالة العلم من «ما كُتب في الجينات» إلى «ما يمكن فعله لحماية الذاكرة» مانحةً الأمل، في شيخوخة أطول وأكثر صحة، وجودة حياة أفضل.


طرق علمية مبتكرة لإنتاج اللحوم المستزرعة

الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)
الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)
TT

طرق علمية مبتكرة لإنتاج اللحوم المستزرعة

الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)
الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)

شهدت السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً بإنتاج اللحوم المستزرعة في المختبر بوصفها بديلاً مستداماً للحوم التقليدية. وتعتمد هذه التقنية على زراعة خلايا حيوانية في بيئات مخبرية، على هياكل صالحة للأكل، بهدف إنتاج لحوم تُشبه منتجات المزارع التقليدية من حيث الملمس والطعم، من دون الحاجة إلى تربية الحيوانات كاملة.

وتركّز الأبحاث في هذا المجال على معالجة تحديات رئيسية عدة، من بينها: ارتفاع تكلفة الإنتاج، وتحسين نسيج اللحوم لمحاكاة تجربة المستهلك، وضمان الاستدامة البيئية، عبر تقليل استهلاك الموارد والحد من النفايات.

وفي هذا السياق، ابتكر فريق بحثي من «يونيفرسيتي كوليدج-لندن» في بريطانيا طريقة جديدة لاستخدام بقايا عملية تخمير الحبوب، وهي عملية تحويل السكريات الموجودة في الحبوب، خصوصاً الشعير، إلى كحول باستخدام الخميرة لإنتاج سليلوز بكتيري صالح للأكل، يمكن زراعة خلايا اللحوم عليه.

ولا يقتصر هذا النهج على خفض التكاليف فحسب، بل يستفيد أيضاً من مخلفات صناعية كانت تُهدر، ويوفّر بديلاً أكثر استدامة وكفاءة من حيث التكلفة لطرق إنتاج اللحوم الحالية، حسب دراسة نُشرت يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2026 بدورية «Frontiers in Nutrition».

إنتاج قطع دجاج مستزرعة في المختبر تحاكي اللحم الحقيقي في الشكل والقوام (جامعة طوكيو)

زراعة خلايا حيوانية

وتعتمد اللحوم المستزرعة بالمختبر على زراعة خلايا حيوانية في بيئات مهيّأة لنموها وتكاثرها، دون الحاجة إلى تربية الحيوانات كاملة. وتبدأ العملية بأخذ خلايا أولية من العضلات أو الأنسجة الدهنية، ثم زراعتها على هياكل داعمة صالحة للأكل تحاكي النسيج الطبيعي للحوم، وتدعم نمو الخلايا ثلاثي الأبعاد، مع تزويدها بالمواد الغذائية الضرورية، والتحكم بعوامل مثل درجة الحرارة ومستويات الأكسجين والضغط لتكوين ألياف عضلية مشابهة للحوم التقليدية.

ويُعد السليلوز البكتيري إحدى المواد الواعدة في هذا المجال، إذ يوفّر هيكلاً داعماً لنمو الخلايا، ويمكن استخدامه في إنتاج اللحوم المستزرعة. وقد استُخدم سابقاً في صناعة بعض أنواع الحلوى، لكنه أصبح مؤخراً يُوظّف في تطبيقات غذائية متنوعة، بما في ذلك الأطعمة النباتية، نظراً إلى قدرته على دعم نمو الخلايا وتحسين النسيج النهائي للمنتج الغذائي.

يقول أستاذ الطب التجديدي في الجامعة، الباحث الرئيسي في الدراسة، الدكتور ريتشارد داي، إن إنتاج اللحوم المستزرعة في المختبر يواجه تحدياً رئيسياً قبل وصوله إلى الأسواق، يتمثّل في تحقيق التكافؤ السعري مع اللحوم التقليدية، مضيفاً أن اللحوم الطبيعية تحتوي على مكونات هيكلية تمنحها ملمسها وتدعم نمو الخلايا، في حين أن الهياكل الداعمة المستخدمة حالياً لإنتاج اللحوم المستزرعة غالباً ما تكون باهظة الثمن، أو غير صالحة للأكل، أو غير مصنّفة بوصفها مادة غذائية.

وأوضح داي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الابتكار الجديد الذي يعتمد على استخدام مخلفات تخمير الحبوب يوفّر حلاً عملياً لهذه المشكلة، إذ يتيح مواد منخفضة التكلفة وصالحة للأكل يمكن تحويلها إلى هياكل داعمة لنمو الخلايا. وأشار إلى أن هذه المواد متوفرة بكميات كبيرة عالمياً، ما يوفّر سلسلة توريد قابلة للتوسع، فضلاً عن خلق مصدر دخل ثانوي ودعم أهداف الاستدامة، وهو ما يعزّز الصورة الإيجابية لدى المستهلكين.

ولفت داي إلى أن الهياكل الداعمة الحالية مناسبة بدرجة أكبر لإنتاج اللحوم المفرومة ومنتجات مثل النقانق والبرغر، في حين أن إنتاج اللحوم الكاملة القطع، مثل شرائح اللحم أو صدور الدجاج، يظل أكثر تعقيداً، ويتطلّب تكرار البنية الطبيعية للحوم والألياف العضلية، مما قد يؤدي إلى ارتفاع التكلفة مقارنة بالمنتجات المفرومة.

ولإثبات الفكرة، استخدم الباحثون مخلفات خميرة البيرة المستهلكة لزراعة بكتيريا قادرة على إنتاج سليلوز عالي الجودة. وأظهرت الاختبارات، باستخدام ما يُعرف بـ«آلة المضغ» التي تقيس خصائص مثل القساوة والليونة واللزوجة، أن السليلوز الناتج كان أقرب في نسيجه إلى اللحوم الطبيعية وأكثر ملاءمة من السليلوز التقليدي، كما أظهر قدرة على دعم التصاق الخلايا الحيوانية ونموها، مما يؤكد إمكانية استخدامه في إنتاج اللحوم المستزرعة بالمختبر.

ويؤكد داي أن هذه التكنولوجيا يمكن أن تُسهم في تحسين الأمن الغذائي العالمي، إذ توفّر مادة خاماً رخيصة ومتاحة وصالحة للأكل، مما يجعل اللحوم المستزرعة أكثر جدوى اقتصادية، لا سيما في المناطق ذات الموارد المحدودة. كما أن قابلية التوسع في إنتاجها تساعد على انتقال هذه المنتجات من الأسواق المتخصصة إلى نظم الغذاء الرئيسية، مع تقليل الأثر البيئي لإنتاج اللحوم التقليدية من حيث استهلاك الأراضي والمياه، بما يتيح توجيه الأراضي الزراعية لزراعة محاصيل أخرى، وبهذا، يُسهم هذا الابتكار في دعم الإنتاج المستدام، والمساعدة في توفير الغذاء لسكان العالم المتزايدين.

انتشار محدود

وعلى الرغم من الموافقة على بيع عينات من اللحوم المستزرعة في بعض مناطق العالم، فإن انتشارها ما زال محدوداً جغرافياً ومن حيث حجم الإنتاج، إذ يتطلّب وصولها إلى شريحة أوسع من المستهلكين مزيداً من الموافقات التنظيمية (القانونية) وحلولاً لتحديات التصنيع على نطاق واسع، حسب معهد «The Good Food» البحثي في آسيا والمحيط الهادئ ومقره سنغافورة.

وحتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، سُمح بتداول هذه اللحوم في سنغافورة والولايات المتحدة وأستراليا، مع حصول شركات على موافقات لإنتاج أصناف تشمل الدجاج والسمان والسلمون، في حين تخضع منتجات أخرى للمراجعة التنظيمية في دول ومناطق عدة، من بينها الاتحاد الأوروبي، ونيوزيلندا، وسويسرا، والمملكة المتحدة، وتايلاند، وكوريا الجنوبية، كما تعمل دول أخرى على إعداد أطر تشريعية مماثلة.

وبالتوازي مع التطورات التنظيمية، تتضافر الجهود البحثية لتحسين تقنيات الإنتاج في بلدان، مثل: بريطانيا، واليابان، وأستراليا، والبرازيل، والولايات المتحدة. ففي عام 2025، أعلن فريق من جامعة طوكيو اليابانية إنتاج قطع دجاج مستزرعة في المختبر تحاكي اللحم الحقيقي في الشكل والقوام، باستخدام خلايا ليفية من الدجاج وجهاز يحاكي الدورة الدموية لتوصيل الأكسجين والمغذيات عبر ألياف مجوفة دقيقة، مما أتاح نمو أنسجة أكثر سماكة خلال تسعة أيام.

كما سبق ذلك في عام 2021 نجاح علماء من جامعة أوساكا اليابانية في إنتاج أول شريحة لحم من البقر الياباني «الواغيو» داخل المختبر باستخدام الطباعة الحيوية ثلاثية الأبعاد، عبر تنظيم العضلات والدهون والأوعية الدموية بطريقة تحاكي الملمس المميز لهذا النوع من اللحم. وتفتح هذه التقنيات المجال مستقبلاً لإنتاج لحوم مستزرعة ذات قوام ونكهة قابلة للتخصيص، وفق أذواق المستهلكين واحتياجاتهم الصحية.