معاناة ناجية من هجمات سبتمبر

هربت من الطابق الـ68 وما زالت تصارع اضطرابات «ما بعد الصدمة»

بيرغيرون (وسط) تغطي وجهها بسترة خلال هروبها من الطابق الثامن والستين بمركز التجارة العالمي (نيويورك تايمز) -  بيرغيرون بعد 18 عاماً من نجاتها (نيويورك تايمز)
بيرغيرون (وسط) تغطي وجهها بسترة خلال هروبها من الطابق الثامن والستين بمركز التجارة العالمي (نيويورك تايمز) - بيرغيرون بعد 18 عاماً من نجاتها (نيويورك تايمز)
TT

معاناة ناجية من هجمات سبتمبر

بيرغيرون (وسط) تغطي وجهها بسترة خلال هروبها من الطابق الثامن والستين بمركز التجارة العالمي (نيويورك تايمز) -  بيرغيرون بعد 18 عاماً من نجاتها (نيويورك تايمز)
بيرغيرون (وسط) تغطي وجهها بسترة خلال هروبها من الطابق الثامن والستين بمركز التجارة العالمي (نيويورك تايمز) - بيرغيرون بعد 18 عاماً من نجاتها (نيويورك تايمز)

لا تزال السيدة كايلا بيرغيرون قادرة على توصيف مشاهد ذلك الصباح المؤسف بتفاصيله الواقعية، كانت تتابع أعمالها في مكتبها في الطابق الثامن والستين عندما بدأ المبنى بأسره في الاهتزاز الشديد المفاجئ. ثم اندفع شخص إلى المكتب وصرخ أن طائرة قد اصطدمت في المبنى، وظنت السيدة بيرغيرون أنها ربما تكون طائرة صغيرة. ثم سرعان ما أدركت أنها لا ينبغي أن تكون مجرد طائرة شراعية صغيرة.
ثم وقع اندفاع مروع عبر درجات المبنى المظلمة والرطبة للغاية ذلك لأن الأنابيب قد انفجرت إثر تداعي ثم انهيار البرجين التوأمين.
كما يمكن للسيدة بيرغيرون وصف حياتها منذ ذلك اليوم العصيب، بما في ذلك فقدانها لوظيفتها ومصدر دخلها الوحيد، مع الإغلاق العقاري للشقة السكنية التي كانت تعيش فيها لعدم سداد الرهن المستحق، إضافة إلى إدانتها مرتين بتهمة القيادة في حالة سُكر بين، حتى العام الماضي فقط عندما جاء التشخيص من برنامج التأهيل من إدمان الكحوليات بأمر المحكمة بأنه حالة اضطراب ما بعد الصدمة الناجمة عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
تقول السيدة بيرغيرون، والتي كانت مسؤولة رفيعة المستوى في هيئة ميناء نيويورك ونيوجيرسي في عام 2001 وكانت مكاتب الهيئة تقع في البرج الشمالي من برجي التجارة: «لم أعان في حياتي من أعراض ما بعد الصدمة قط، ولم نكن من أولى المستجيبين للكارثة، ولم نكن من ضباط الشرطة، ولا من رجال الإطفاء الذين كانت مهمتهم الانطلاق إلى المبنى فور وقوع الكارثة. وقال الناس لنا كونوا سعداء لأنكم على قيد الحياة. لقد قللنا من نظرتنا إلى أنفسنا بعد تلك الحادثة المريعة، ثم تراكمت كافة الذكريات في قلوبنا على مر السنين».
خلال الـ18 عاما الماضية منذ وقوع تلك الهجمات الإرهابية، جرى تكريم ضباط الشرطة ورجال الإطفاء الذين هرعوا إلى الأبراج المشتعلة من خلال نصب تذكاري في موقع البرجين المنهارين.
وأول من أمس، تمت تلاوة أسماء الضحايا الذين لقوا حتفهم في الحادثة المريعة، كما كان معتادا في كل ذكرى سنوية تمر لهذه الكارثة الوطنية الكبيرة. حتى مع ارتفاع أعداد الأشخاص الذين يأتون لحضور تلك الذكرى السنوية من الذين أبلغوا عن إجازة مرضية من أعمالهم في ذلك اليوم المشؤوم. وكان الكونغرس الأميركي قد صوّت في يوليو (تموز) الماضي، بعد معركة عنيفة جرت الصيف الماضي تصدرها الممثل الكوميدي الأميركي جون ستيوارت، على تجديد الصندوق الذي يغطي تكاليف الرعاية الطبية للأحياء من ضحايا الهجمات.
لكن هناك الآلاف من المدنيين أمثال السيدة بيرغيرون - من الأشخاص الذين كانوا يعملون في مركز التجارة العالمي أو كانوا موجودين في المنطقة المجاورة أو المحيطة أثناء انهيار البرجين التوأمين - قد تمكنوا من النجاة أيضا. وبعض منهم نالته بعض الأعراض البدنية. والبعض الآخر لم يصبهم شيء. ولكنهم صاروا سويا جزءا مهملا للغاية من مجتمع مركز التجارة العالمي المنكوب.
ويساور الكثير منهم اليوم الشعور بقلق بالغ بأن العناية والاهتمام الوطني بات متركزا في مجالات أخرى وأن الناس سوف يتغافلون بمرور الزمن عن أولئك الذين عاينوا أحداث كارثة الحادي عشر من سبتمبر بأنفسهم، وأنهم لا يزالون عرضة للإصابة بأمراض مثل اضطراب ما بعد الصدمة.
تقول الدكتورة جاكلين مولين، مديرة البرنامج الصحي لمركز التجارة العالمي في نورثويل، والذي يوفر الرصد والعلاج لعشرات الأمراض ذات الصلة: «ليس هناك إطار زمني محدد لاضطرابات ما بعد الصدمة. ويمكن للناس الإصابة بها جراء حادثة ما وقعت منذ سنوات طويلة. وليس من الواضح في أغلب الأحيان السبب الرئيسي للإصابة بتلك الاضطرابات بعد مرور الزمن».
ومن بين 24 ألفا و550 شخصا من المستجيبين لحالات الطوارئ في البرنامج الصحي المذكور، هناك 7425 شخصا، أو نسبة 30.25 في المائة منهم، يعانون بالفعل من أعراض اضطرابات ما بعد الصدمة.
ويعاني نحو 2625 شخصا ممن تمكنوا من الفرار من البرجين أو من الدمار الناجم عن الانهيار، أو نسبة 12.3 في المائة من كافة الناجين المسجلين في البرنامج الصحي، من أعراض اضطرابات ما بعد الصدمة، وذلك وفقا للبيانات الصادرة عن مركز نورثويل الصحي. وهناك 675 حالة أخرى من الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات القلق الشديد، و661 شخصا آخرين يعانون مما صنفه البرنامج بأنه اضطرابات الاكتئاب الشديد.
يقول جون فيل، الذي كان مشرفا على عمليات الهدم الأخيرة في موقع البرجين المنهارين وأصبح أحد أبرز المدافعين عن صندوق حقوق التعويض الدائم لضحايا الهجمات: «تعتبر أعراض اضطرابات ما بعد الصدمة من أكثر الأمراض شيوعا بين أفراد مجتمع الناجين من هجمات سبتمبر 2001».
وحتى الوقت الحاضر، لا تزال ذكرى الهجمات المريعة حية بكل تفاصيلها المؤلمة في أذهان ومخيلة الناجين منها. وتهاجمهم الكوابيس المفزعة بشأنها. ويقفزون في فزع كبير عند الاستماع إلى أصوات عالية من ارتطام أو انفجار. كما أنهم يتجنبون تماما التعرض لأي شيء يعيد على ذكراهم أحداث ذلك اليوم المشؤوم.
تقول الدكتورة راشيل يهودا، أستاذة ونائبة رئيسة قسم الطب النفسي لدى كلية إيشان للطب الملحقة بمستشفى ماونت سيناي، أن الأبحاث أظهرت أن الناس الذين كانوا قاب قوسين أو أدنى من الصدمة ولا يعانون حتى الآن من أعراضها ربما تهاجمهم تلك الأعراض في أوقات لاحقة. وأضافت أنه من المعتاد أن تظهر تلك الأعراض من خلال محفزات مجهولة المصدر في معرض حياتهم من هنا أو هناك.
ومن شأن تلك المحفزات أن تتضمن عناصر عادية من الحياة اليومية. على سبيل المثال، صباح مشرق ورائق في أواخر الصيف الذين يذكرهم بصباح الهجمات المشؤومة في الحادي عشر من سبتمبر مع تلامس ذكريات الطائرات المدنية التي اصطدمت بالبرجين التوأمين ذلك اليوم مما يعيد على أذهانهم الذكريات المماثلة.
تقول ليلى نوردستورم، التي كانت طالبة في السنة النهائية في مدرسة ستويفيسانت الثانوية في منهاتن السفلى عام 2001 وتعيش اليوم في مدينة لوس أنجليس: «منذ أن كنت أبلغ 17 عاما من عمري، لم أعد أتحمل الاستماع إلى صوت الطائرات المدنية أو حتى المروحيات التي تحلق في جو السماء. وإن كنت في المرور وانطلق بوق إحدى السيارات عاليا فإنني أصاب بنوبة ذعر شديدة وطويلة الأمد. ولقد استغرق الأمر مني وقتا كبيرا حتى أدركت ما كان يحدث وأنه يتصل فعلا بما حدث في الحادي عشر من سبتمبر».
وأضافت تقول إنها حصلت على شهادة طبية تفيد وتؤكد إصابتها بأعراض اضطرابات ما بعد الصدمة ضمن إطار البرنامج الصحي لمركز التجارة العالمي في نورثويل في عام 2015.

- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية

أفريقيا شاحنة للشرطة النيجيرية خارج سوق مدينة مايدوغوري بعد الانفجارات الانتحارية (رويترز)

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية... مسلحون هاجموا قرى يتهمونها بقتل اثنين من أبناء قبيلتهم

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا ضباط شرطة «يتركون حقيبة أسلحة» خارج منزل عمدة لندن

ضباط شرطة «يتركون حقيبة أسلحة» خارج منزل عمدة لندن

ضباط شرطة «يتركون حقيبة أسلحة» خارج منزل عمدة لندن

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)

«إرهاب الدولة»... سابقة قضائية فرنسية تهدّد بنسف مسار التهدئة مع الجزائر

دخلت العلاقات الجزائرية - الفرنسية، المتوترة أصلاً، فصلاً جديداً من التأزيم والتصعيد، أمس (الجمعة)؛ بسبب تصريح إعلامي مثير.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
أفريقيا رجال شرطة ومواطنون في مكان الهجوم المسلح بجوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية الاثنين (رويترز)

الولايات المتحدة تدعو نيجيريا لتعزيز إجراءات حماية المسيحيين

الولايات المتحدة تدعو نيجيريا لتعزيز إجراءات حماية المسيحيين إثر هجوم استهدف قداسا وأودى بحياة 30 شخصا

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا متمردون كونغوليون يحملون أسلحتهم في أثناء قيامهم بدورية بالقرب من روشورو في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز - أرشيفية)

43 قتيلاً في هجوم لمتمردين مرتبطين ﺑ«داعش» في الكونغو الديمقراطية

قُتل ما لا يقل عن 43 شخصاً على أيدي متمردي «القوات الديمقراطية المتحالفة» المرتبطين بتنظيم «داعش» في شمال شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية.

«الشرق الأوسط» (كينشاسا)

أكثر من 70 مفقوداً بعد غرق قارب ينقل مهاجرين في المتوسط

متطوعو «الصليب الأحمر» وفرق الإنقاذ يقفون بجوار قارب صيد يقل مهاجرين في ميناء باليوخورا عقب عملية إنقاذ قبالة جزيرة كريت (أرشيفية - رويترز)
متطوعو «الصليب الأحمر» وفرق الإنقاذ يقفون بجوار قارب صيد يقل مهاجرين في ميناء باليوخورا عقب عملية إنقاذ قبالة جزيرة كريت (أرشيفية - رويترز)
TT

أكثر من 70 مفقوداً بعد غرق قارب ينقل مهاجرين في المتوسط

متطوعو «الصليب الأحمر» وفرق الإنقاذ يقفون بجوار قارب صيد يقل مهاجرين في ميناء باليوخورا عقب عملية إنقاذ قبالة جزيرة كريت (أرشيفية - رويترز)
متطوعو «الصليب الأحمر» وفرق الإنقاذ يقفون بجوار قارب صيد يقل مهاجرين في ميناء باليوخورا عقب عملية إنقاذ قبالة جزيرة كريت (أرشيفية - رويترز)

فُقد أكثر من 70 شخصاً، وقضى اثنان على الأقل، إثر انقلاب قارب ينقل مهاجرين في وسط البحر الأبيض المتوسط، وفق ما أفادت منظمتا «ميديتيرنيا سايفينغ هيومنز» و«سي ووتش» غير الحكوميتين، يوم الأحد.

وأعلنت «ميديتيرنيا سايفينغ هيومنز» عن إنقاذ 32 شخصاً بعد غرق القارب الذي أبحر بعد ظهر السبت من ليبيا وعلى متنه 105 أشخاص ما بين نساء ورجال وأطفال.

وأضافت المنظمة: «حادث غرق مأسوي في عيد الفصح. 32 ناجياً، وتم انتشال جثتين، وأكثر من 70 شخصاً في عداد المفقودين»، موضحة أن القارب الخشب انقلب في منطقة بحث وإنقاذ تُسيطر عليها السلطات الليبية.

من جانبها، أفادت منظمة «سي ووتش» بأنّ الناجين أُنقذوا بواسطة سفينتين تجاريتين ونزلوا، صباح الأحد، في جزيرة لامبيدوسا الإيطالية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأظهر مقطع فيديو نشرته المنظمة على منصة «إكس» -ويبدو أن طائرة المراقبة «سي بيرد 2» قامت بتصويره- رجالاً يتشبّثون بهيكل القارب المنقلب في حين كان ينجرف في عرض البحر، ثم تقترب منه سفينة تجارية.

وقالت «ميديتيرنيا سايفينغ هيومنز»: «نتشارك الألم مع الناجين وأُسرهم وأقاربهم. هذا ليس حادثاً مأسوياً، بل نتيجة سياسات الحكومات الأوروبية التي ترفض فتح طرق وصول آمنة وقانونية».

وتشكل لامبيدوسا نقطة وصول أساسية للمهاجرين الذين يعبرون البحر الأبيض المتوسط انطلاقاً من شمال أفريقيا. ويهلك كثيرون أثناء قيامهم بهذه الرحلة الخطرة.

ومنذ مطلع العام الحالي، لقي 683 مهاجراً حتفهم أو فُقدوا في البحر الأبيض المتوسط، وفقاً لمنظمة الهجرة الدولية.

وأفادت وزارة الداخلية الإيطالية بأن 6175 مهاجراً وصلوا إلى السواحل الإيطالية خلال الفترة ذاتها، وفقاً لأحدث الأرقام الصادرة في الثالث من أبريل (نيسان).


مبادرة صينية باكستانية بثلاثة محاور لاحتواء التوتر الأميركي الإيراني

هجوم سابق على ناقلة نفط في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
هجوم سابق على ناقلة نفط في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

مبادرة صينية باكستانية بثلاثة محاور لاحتواء التوتر الأميركي الإيراني

هجوم سابق على ناقلة نفط في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
هجوم سابق على ناقلة نفط في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

أفصح مسؤول صيني عن انخراط بلاده في جهود للوساطة الدبلوماسية لاحتواء الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية، بالتعاون مع باكستان عبر مبادرة من خمسة بنود ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية لخفض التوتر في المنطقة والتهدئة، وشدد المسؤول الصيني على ضرورة تمسك المجتمع الدولي بموقف موضوعي وعادل لاحتواء التصعيد، مؤكداً أن الأولوية القصوى تكمن في إحلال السلام وتعزيز المفاوضات.

وأوضح تشانغ هوا، السفير الصيني لدى السعودية، أن وزير خارجية بلاده أجرى اتصالات هاتفية مع نظرائه في دول الخليج، بما فيها السعودية، إلى جانب إيران وإسرائيل وفرنسا وألمانيا ومصر وتركيا، فضلاً عن زيارات قام بها المبعوث الخاص للحكومة الصينية لقضية الشرق الأوسط، تشاي جيون، إلى دول الخليج.

وقال تشانغ هوا، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن وزير الخارجية الصيني وانغ يي، أصدر مع نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، مبادرة مشتركة من خمس نقاط بين الصين وباكستان، تهدف إلى استعادة السلام والاستقرار في الخليج ومنطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أن المبادرة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية، تشمل أولاً وقف إطلاق النار، وثانياً إطلاق المفاوضات، وثالثاً تقديم الضمانات، بما يعني وقف الأعمال العدائية بشكل فوري، مؤكداً استعداد الصين للعمل مع دول الشرق الأوسط لتنفيذ مبادرة الأمن العالمية بما يسهم في إعادة الاستقرار للمنطقة، وتعزيز الأمن لشعوبها، ودعم السلام العالمي.

بكين تقف إلى جانب الرياض

وأشار تشانغ هوا، إلى أن الصين والسعودية حافظتا على التواصل والتنسيق بشأن الأوضاع في المنطقة، موضحاً أن وزير الخارجية وانغ يي أجرى مكالمتين هاتفيتين مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، فيما كانت السعودية المحطة الأولى لزيارة المبعوث الخاص تشاي جيون.

وأكد حرص بلاده على تعزيز التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى مع السعودية، معرباً عن تطلعه إلى توسيع التنسيق الثنائي في الأمم المتحدة والمحافل الدولية، مشيراً إلى أن بكين تدعم جهود الرياض ودول الخليج للحفاظ على سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها.

وأضاف أن الصين تشيد بضبط النفس الذي تبديه السعودية وسعيها إلى إحلال السلام ومنع اتساع رقعة الحرب، مؤكداً استعداد بلاده للعمل مع المملكة لاستعادة الاستقرار في المنطقة، لافتاً إلى أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط يشكل تهديداً مباشراً لأمن السعودية ودول الخليج.

كما أكد رفض بلاده لأي هجوم يستهدف دول الخليج، ومعارضتها للهجمات العشوائية التي تصيب المدنيين والأهداف المدنية، مع دعمها للمخاوف الأمنية المشروعة لدول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها السعودية.

السعودية تؤمن الطاقة

صورة فضائية التقطتها شركة «بلانيت لابز» تُظهر البنية التحتية النفطية في ميناء ينبع غرب السعودية على البحر الأحمر يوم 4 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وأوضح تشانغ هوا أن الحرب المستمرة منذ أكثر من شهر أدت إلى تداعيات كبيرة تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، وتؤثر في استقرار إمدادات الطاقة العالمية وسلاسل الإنتاج والنمو الاقتصادي الدولي.

وأكد أن السعودية تعد مورداً رئيسياً للنفط الخام للصين، مشيراً إلى تعمق المواءمة بين مبادرة «الحزام والطريق» و«رؤية السعودية 2030» خلال السنوات الأخيرة، مع تعزيز التعاون الثنائي في مجال الطاقة بوصفه من أهم ركائز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

وأضاف أن الصين تقدر الدور الإيجابي للسعودية في الحفاظ على توازن واستقرار سوق النفط العالمية، موضحاً أن مضيق هرمز والمياه المجاورة له يمثلان ممراً حيوياً لتجارة الطاقة والسلع الدولية، وأن الحفاظ على أمن واستقرار هذه المنطقة يمثل مصلحة مشتركة للمجتمع الدولي.

وأشار إلى أن التوتر في مضيق هرمز يعكس تداعيات الحرب على إيران، مؤكداً أن استمرار الحرب سيبقي حالة عدم الاستقرار في المضيق، ما يستدعي وقفاً فورياً لإطلاق النار.

ودعا جميع الأطراف إلى تكثيف الجهود لخفض التصعيد وتجنب اضطرابات أوسع قد تؤثر في أمن الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة، مؤكداً استعداد الصين لمواصلة القيام بدور بنّاء في هذا الإطار.


تحركات دولية متسارعة لفكّ خناق هرمز... وأوكرانيا تعرض خبرتها البحرية

الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
TT

تحركات دولية متسارعة لفكّ خناق هرمز... وأوكرانيا تعرض خبرتها البحرية

الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)

تتسارع التحركات الدولية لمعالجة تداعيات إغلاق إيران لمضيق هرمز، في وقت تتباين فيه المقاربات بين طرح عسكري دفاعي مباشر، كما فعلت أوكرانيا، والدفع نحو تنسيق سياسي - أمني أوسع، كما برز في التقارب الفرنسي - الكوري الجنوبي، والاجتماع الدولي الذي استضافته لندن، الخميس.

وبينما تشكك باريس وعواصم أوروبية أخرى في واقعية أي تدخل عسكري لفتح الممر الحيوي، تستعدّ لندن لاستضافة اجتماع لـ«مخططين عسكريين»، الأسبوع المقبل، لبحث خيارات تشمل إزالة الألغام وتوفير قوة طمأنة للسفن التجارية، ضمن مقاربة متعددة المراحل قد لا تُفعّل قبل وقف إطلاق النار.

عرض زيلينسكي

عرض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مساهمة بلاده في جهود إعادة فتح المضيق، مؤكداً استعداد كييف لتقديم دعم دفاعي يستند إلى خبرتها في تأمين الملاحة في البحر الأسود بعد الغزو الروسي. وقال إن بلاده قادرة على توفير تقنيات تشمل اعتراض الطائرات المسيّرة، ومرافقة السفن، والحرب الإلكترونية، مشيراً إلى أن إعادة فتح المضيق قد تتطلب أيضاً مزيجاً من أنظمة الدفاع الجوي، وقوافل بحرية محمية، وقدرات تشويش متقدمة لضمان سلامة العبور. وأضاف أن أوكرانيا «مستعدة للمساعدة في كل ما يتعلق بالدفاع».

ويأتي الطرح الأوكراني في ظل مساعٍ من كييف لتفادي تراجع موقعها على الأجندة الدولية مع تحوّل التركيز نحو حرب الشرق الأوسط، ومحاولة توظيف خبرتها العسكرية في مواجهة أنماط تسليح مشابهة لتلك التي تستخدمها إيران، لا سيما الطائرات المسيّرة التي اكتسبت القوات الأوكرانية خبرة واسعة في التصدي لها، بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، كما يأتي ذلك بعد جولة قام بها زيلينسكي في عدد من دول الشرق الأوسط، شملت توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي في إطار سعيه لتعزيز حضور بلاده كشريك أمني في المنطقة.

باريس تفضّل الدبلوماسية

في المقابل، اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قمّة جمعته بنظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، التركيز على المسار الدبلوماسي؛ حيث اتفق الجانبان على تنسيق الجهود للمساهمة في إعادة فتح المضيق، وتخفيف تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي.

وأكد الزعيمان ضرورة ضمان أمن خطوط الملاحة، دون الخوض في تفاصيل عملياتية. وشدد ماكرون على أهمية بلورة إطار دولي لخفض التصعيد، معتبراً أن اللجوء إلى عملية عسكرية لفتح المضيق «غير واقعي»، وهو موقف يعكس تبايناً مع دعوات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي حضّ الحلفاء، خصوصاً في آسيا، على الاضطلاع بدور أكبر في تأمين الممر الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

وكان الرئيس الفرنسي قد وصف خيار السيطرة العسكرية على المضيق بأنه «غير واقعي»، محذراً من مخاطر التصعيد، وتعريض السفن لهجمات محتملة.

إجماع دولي

وجاءت هذه المواقف غداة اجتماع عبر الفيديو، نظّمته لندن، الخميس، وجمع 40 دولة شدّدت على ضرورة «إعادة فتح مضيق هرمز فوراً ومن دون أي شروط». ورأى وزراء خارجية هذه الدول، التي لم تشمل الولايات المتّحدة، أن إغلاق المضيق من جانب إيران يُشكّل «تهديداً مباشراً للازدهار العالمي» وانتهاكاً لمبدأ حرية الملاحة وقانون البحار.

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تترأس اجتماعاً بالفيديو لبحث مستقبل مضيق هرمز يوم 2 أبريل (رويترز)

وقالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر إن المجتمع الدولي أظهر «تصميماً واضحاً» على ضمان حرية العبور في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي، إضافة إلى شحنات الغاز الطبيعي المسال والمنتجات النفطية، كما يكتسب المضيق أهمية خاصة لنقل مواد حيوية، مثل الأسمدة؛ ما يجعله عنصراً أساسياً في دعم سلاسل الغذاء، خصوصاً في أفريقيا.

وحدّد المشاركون 4 محاور رئيسية للتحرك المشترك: أولاً، زيادة الضغط الدبلوماسي الدولي، بما في ذلك عبر الأمم المتحدة، لإيصال رسالة واضحة ومنسقة إلى إيران بضرورة السماح بالمرور الحرّ وغير المقيّد، ورفض فرض أي رسوم على السفن. ثانياً، بحث إجراءات اقتصادية وسياسية منسقة، بما فيها العقوبات، في حال استمرار إغلاق المضيق. ثالثاً، العمل مع المنظمة البحرية الدولية للإفراج عن آلاف السفن والبحّارة العالقين، وإعادة حركة الشحن. رابعاً، إقامة ترتيبات مشتركة لتعزيز الثقة في الأسواق والعمليات التشغيلية، عبر التنسيق مع شركات الشحن والهيئات المعنية لضمان تدفق المعلومات بشكل متماسك وفي الوقت المناسب.