أوروبا أم روسيا... أيهما يضمن أمن الآخر؟

أوروبا أم روسيا... أيهما يضمن أمن الآخر؟

باحث ألماني يتوقع أن يكون الصدام بينهما حضارياً
الخميس - 13 محرم 1441 هـ - 12 سبتمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14898]
القاهرة: حمدي عابدين
يتناول الباحث الألماني ألكسندر رار، الخبير بالشؤون السياسية، في كتابه «روسيا والغرب... لمن الغلبة؟» الذي صدر حديثاً عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، بترجمة الدكتور محمد نصر الجبالي، جوانب ومستقبل المنافسة بين روسيا والغرب، وبحث الجانبين عن وسائل وأشكال غير تقليدية للتقارب بينهما في أثناء عملية بناء النظام العالمي الجديد، حينما انغمس العالم في البداية في حالة من الفوضى قبل تدارك الأمر قليلاً.
خلال فصوله الثلاثة عشرة، يشدد رار، وهو مصدر مهم لما يدور خلف كواليس السياسة في الفترة التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي، على أن منظومة الأمن الأوروبية التي ظلت كما هي طوال 25 عاماً تحتاج إلى إصلاحات كبيرة. فأوروبا، من وجهة نظره، ترتكز على دعامتين، وهما: الناتو والاتحاد الأوروبي. وتحتاج أوروبا إلى روسيا كضلع ثالث يعتمد عليه. غير أن النخب الأوروبية التي أفسدتها فترة الحرب الباردة حتى أصبح لا طائل منها لا تستطيع فهم ذلك. إنه يرى أن المنظومة الأوروبية تعاني من عدم الاستقرار، وأن الأزمة الأوكرانية كشفت تلك الحقيقة. لكن روسيا لن تقبل ببناء منظومة الأمن الأوروبي بالاعتماد فقط على الاتحاد الأوروبي والناتو. ولأنها غير قادرة على الانضمام إلى أي من المنظمتين، فإن هذا يعني أنها ستظل خارج المنظومة الأوروبية للعقدين المقبلين، وربما لقرن قادم. وهو أمر غير مفيد لموسكو، وسوف تستمر ترفضه في مواجهة مخططات بلدان أوروبا الشرقية التي تسعى لطردها من أوروبا.
ويشرح رار في الكتاب بالتفصيل موقف ألمانيا الداعم لروسيا، نظراً لأنها تتفهم أنه من المستحيل بناء أوروبا من دون روسيا. فلتحقيق الاستقرار في أوروبا، ينبغي أن تستطيع كل من روسيا وألمانيا بناء شراكة استراتيجية. وهناك قوى نافذة في ألمانيا تطالب بإلغاء العقوبات المفروضة على روسيا، والبدء في حوار مع موسكو حول تأسيس منطقة اقتصادية مشتركة، وفضاء أوروبي آمن يمتد من لشبونة إلى فلاديف وستوك. ورغم أنها لا تتحدث عن ذلك صراحة، فإن ألمانيا اعترفت بشكل غير مباشر بخطئها في إرغام أوكرانيا على الاختيار بين الشرق والغرب، ورفض الخطة المزدوجة.
وفي البلدان الغربية الأخرى، يوجد مؤيدون ومعارضون لفكرة التقارب مع روسيا. فكثيرون في الغرب ينظرون إلى التعاون مع روسيا ليس فقط من وجهة نظر براغماتية اقتصادية، بل بوصفه السبيل إلى نشر القيم الليبرالية على الأراضي الروسية. وأصبح اليوم واضحاً أنه من المستحيل فرض هذه القيم على المجتمع الروسي. ولذا تقوم وسائل الإعلام الغربية بتوجيه أسهم النقد إلى روسيا، لعدم توافقها مع قواعد الديمقراطية الغربية، فيما أطلقت روسيا على نفسها اسم «أوروبا الأخرى».
ويصف الكتاب كيف تحولت وسائل الإعلام إلى «أحزاب حرب» على الساحة الدولية. فكثير من الصحافيين الغربيين في التسعينات سافروا إلى روسيا، وعملوا وعاشوا فيها، وعشقوا هذا البلد بوضعه الذي كان عليه حينها. كان هؤلاء يلعبون دوراً ليس فقط صحافياً، بل سياسياً أيضاً. وتمت دعوتهم كذلك إلى روسيا، حيث قاموا بتعليم الروس مبادئ الديمقراطية واقتصاد السوق وبناء المجتمع المدني. وعندما توقف كل ذلك في العقد الماضي، أصيب هؤلاء باليأس والإحباط، ثم سرعان ما تحول هذا اليأس إلى عدوانية وهجوم على روسيا وكل ما يحدث فيها، وعلى شخص الرئيس فلاديمير بوتين. وربما كانت موسكو مذنبة في ذلك، حيث كان بمقدورها إقامة جسر من التعاون المحدود بينها وبين وسائل الإعلام الغربية.
وقال رار إنه تحدث في أثناء العمل على الكتاب مع زملاء وسياسيين روس، وحاول إقناعهم بأن القوى التي تدعم إقامة علاقات جيدة مع روسيا في الغرب في حاجة إلى شركاء لهم في أفكارهم داخل روسيا. فاللوبي الشرقي في أوروبا لا يستطيع القيام بدور فعال دون وجود لوبي غربي مناظر في روسيا. ولكنه للأسف لم يتلقَ رداً شافياً من زملائه في موسكو. لكن من جانب آخر، يخضع الاتحاد الأوروبي إلى قواعد حلف الناتو، حتى فيما يتعلق بالتعاون في مجال الطاقة مع روسيا، حيث تفرض واشنطن قواعدها على الاتحاد الأوروبي، كما تقيد اتفاقية الشراكة التجارية والاستثمارية العابرة للأطلسي، وتربط بشكل نهائي الاتحاد الأوروبي بالفضاء الاقتصادي والمعلوماتي والقانوني الأميركي، حيث تقوم الجغرافيا السياسية الأميركية على مبدأ تجنب قيام اتحاد قاري أوروبي يضم روسيا، وتسيطر على النخب الأوروبية نظرية وحلم إقامة تحالف عبر الأطلسي.

تصدع أوروبي
يتناول الكتاب أيضاً الأعراض المقلقة لحالة الضعف التي أصابت الاتحاد الأوروبي. ويرى رار أن ذلك ليس أمراً سعيداً بالنسبة لروسيا، لأن الاتحاد الأوروبي يعد الشريك التجاري الرئيسي لموسكو. وظل الاتحاد الأوروبي يقدم مساعدات لروسيا لتحديث اقتصادها حتى تم فرض العقوبات. لكن مع حلول منتصف عام 2016، شهد الاتحاد الأوروبي تحولات كبيرة، واختلفت الصورة عما كانت عليه قبل 25 عاماً، حيث لم يعد الاتحاد دعامة للاستقرار، كما كان على مدى ربع قرن. وبات المشروع الذي اقترحته النخب الأوروبية لتأسيس الولايات المتحدة الأوروبية مشكوكاً في قابليته للتحقيق. فبريطانيا على وشك الخروج نهائياً من الاتحاد الأوروبي، واليونان على شفا الإفلاس، فيم ترفض بلدان شرق أوروبا الأعضاء في الاتحاد الالتزام بالنموذج الليبرالي لأوروبا ما بعد الحداثة، كما صوت مواطنو هولندا ضد توسيع الاتحاد شرقاً، وصارت شعبية ونفوذ الأحزاب اليمينية والقومية في نمو مستمر. وحسب الكتاب، فإن الغرب وروسيا يقفان أمام التحديات الخطيرة نفسها تقريباً، ومنها الهجرة الجماعية من الجنوب إلى الشمال. ويقترح الكتاب أساليب جديدة للتعاون المتبادل، ويحدد المجالات السياسية والاقتصادية التي يمكن أن تشهد تحالفاً بين روسيا وأوروبا في القرن الحادي والعشرين.

حرب باردة دائمة
ويذكر الكتاب أن كثيرين يتساءلون عما إذا كان العالم مهدداً بحرب عالمية جديدة أم لا. ومن خلال متابعة التلاسن الدائم بين روسيا والغرب، يتوصل الباحث إلى نتيجة مفادها أن الحرب الباردة لن تنتهي يوماً ما. وفي هذه الحالة، يتبادر السؤال عن جوهر الصراع الحالي، موضحاً أنه في أثناء الحرب الباردة، كان الغرب يعتقد أنه عندما تتخلص روسيا من الشيوعية، سيقوم الغرب ببناء البيت الأوروبي المشترك، حيث سيعيش الجميع في ود ووئام. وبعد انهيار الشيوعية، تبنت روسيا كثيراً من عناصر النموذج الأوروبي السياسي، من حيث الرؤية للعالم المحيط، بالإضافة إلى العقوبات المفروضة على روسيا، وسعي من الطرفين لتطوير قدراته العسكرية والتسلح، وحرب معلومات ضارية وغير مسبوقة.
وعن المشكلات التي ظهرت فجأة بين روسيا والغرب، يشير المؤلف إلى أن الصراع بين روسيا والغرب جيوسياسي من الدرجة الأولى. فقد وقعت كل بلدان حلف وارسو تقريباً، بما فيها دول البلقان، تحت نفوذ الغرب. غير أن روسيا لم تسمح بانضمام أوكرانيا وروسيا البيضاء إلى دائرة النفوذ الغربية. وفي عام 1989، لو صرح أحدهم في الغرب أنه خلال 25 عاماً ستكون روسيا والغرب على شفا حرب بسبب أوكرانيا التي كانت حينها إقليماً روسياً، لم يكن أحد ليصدقه.
لقد أضحت أوروبا الغربية ترسم مستقبلها بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية الأقرب إليها، وليس مع روسيا، فيما رفضت الأخيرة النموذج الغربي، وقدمت مشروعاً لبناء أوروبا جديدة، أثار مخاوف الغرب نظراً لطابعه المحافظ بشدة.
ويلفت رار النظر إلى المئات من المؤتمرات التي نظمتها المعاهد البحثية الغربية ومختلف المؤسسات العلمية خلال التسعينات والعقد الأول من القرن الحالي. وشهدت هذه الفعاليات قدراً كبيراً من التفاهم المتبادل، غير أن أعضاء الوفود الروسية المشاركة دائماً ما كانوا يجدون أنفسهم محاصرين بتساؤلات حول غياب الديمقراطية في بلادهم. وغالبا ما كان يدعى إلى هذه المؤتمرات الباحثون الروس المناهضون للكرملين، الذين كانوا يدعمون التوجه إلى الغرب، ثم اختفى التفاهم بين الطرفين، وتحولت السجالات البراغماتية إلى اتهامات متبادلة ومشاعر غضب بين الطرفين.
ويذكر رار أنه في البداية توقع أن تفوز الولايات المتحدة الأميركية على روسيا في الصراع على أوروبا. غير أن روسيا والصين وإيران وعدداً من الدول الأخرى ستؤسس، أو بدأت بتأسيس، تحالفات عسكرية واقتصادية فيما بينها. وستقوم روسيا ببناء علاقات جيدة مع بلدان في أوروبا تقبل بالمشروع الروسي بديلاً لأوروبا. فهناك بعض الدول في وسط أوروبا لن تتمسك بالقيم الغربية في السياسة، وستقوم بالبحث عن تفاهم مع موسكو، وستنأى بنفسها عن اتفاقية بروكسل، وستشتعل المنافسة بين حلف وارسو واتفاق الشراكة «عبر الأطلسي»، وسرعان ما سيتحول إلى صراع من أجل الهيمنة على العالم. لكن الصدام بين الغرب وروسيا في داخل القارة الأوروبية، وعلى الحدود التي سبق أن قسمت الإمبراطورية الرومانية الغربية والشرقية، سيكون ذا طابع متحضر كما يعتقد مؤلف الكتاب.
وأضاف رار أنه في القارة الأفريقية التي تعاني الانهيار الاقتصادي والسياسي، ستظهر آيديولوجيا ثورية عدوانية خطيرة مؤثرة على الجماهير، وستمثل تهديداً مباشراً للنظام العالمي. وسيشهد البحر المتوسط بعض الصدامات العسكرية، وسيتصاعد الإرهاب الدولي. وعوضاً عن الصدام بين الشرق والغرب، سيظهر صراع جديد بين الشمال والجنوب، وسيتعرض النظام العالمي لهزات عنيفة. وسيغرق العالم في حروب هجينة، وسيتقرر مصير العالم في الشرق الأوسط. وستهيمن الصين كقوة عظمى على قارة آسيا، ولكن ربما بدرجة أقل وطأة من التصورات التي يطرحها البعض اليوم.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة