أوروبا أم روسيا... أيهما يضمن أمن الآخر؟

باحث ألماني يتوقع أن يكون الصدام بينهما حضارياً

أوروبا أم روسيا... أيهما يضمن أمن الآخر؟
TT

أوروبا أم روسيا... أيهما يضمن أمن الآخر؟

أوروبا أم روسيا... أيهما يضمن أمن الآخر؟

يتناول الباحث الألماني ألكسندر رار، الخبير بالشؤون السياسية، في كتابه «روسيا والغرب... لمن الغلبة؟» الذي صدر حديثاً عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، بترجمة الدكتور محمد نصر الجبالي، جوانب ومستقبل المنافسة بين روسيا والغرب، وبحث الجانبين عن وسائل وأشكال غير تقليدية للتقارب بينهما في أثناء عملية بناء النظام العالمي الجديد، حينما انغمس العالم في البداية في حالة من الفوضى قبل تدارك الأمر قليلاً.
خلال فصوله الثلاثة عشرة، يشدد رار، وهو مصدر مهم لما يدور خلف كواليس السياسة في الفترة التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي، على أن منظومة الأمن الأوروبية التي ظلت كما هي طوال 25 عاماً تحتاج إلى إصلاحات كبيرة. فأوروبا، من وجهة نظره، ترتكز على دعامتين، وهما: الناتو والاتحاد الأوروبي. وتحتاج أوروبا إلى روسيا كضلع ثالث يعتمد عليه. غير أن النخب الأوروبية التي أفسدتها فترة الحرب الباردة حتى أصبح لا طائل منها لا تستطيع فهم ذلك. إنه يرى أن المنظومة الأوروبية تعاني من عدم الاستقرار، وأن الأزمة الأوكرانية كشفت تلك الحقيقة. لكن روسيا لن تقبل ببناء منظومة الأمن الأوروبي بالاعتماد فقط على الاتحاد الأوروبي والناتو. ولأنها غير قادرة على الانضمام إلى أي من المنظمتين، فإن هذا يعني أنها ستظل خارج المنظومة الأوروبية للعقدين المقبلين، وربما لقرن قادم. وهو أمر غير مفيد لموسكو، وسوف تستمر ترفضه في مواجهة مخططات بلدان أوروبا الشرقية التي تسعى لطردها من أوروبا.
ويشرح رار في الكتاب بالتفصيل موقف ألمانيا الداعم لروسيا، نظراً لأنها تتفهم أنه من المستحيل بناء أوروبا من دون روسيا. فلتحقيق الاستقرار في أوروبا، ينبغي أن تستطيع كل من روسيا وألمانيا بناء شراكة استراتيجية. وهناك قوى نافذة في ألمانيا تطالب بإلغاء العقوبات المفروضة على روسيا، والبدء في حوار مع موسكو حول تأسيس منطقة اقتصادية مشتركة، وفضاء أوروبي آمن يمتد من لشبونة إلى فلاديف وستوك. ورغم أنها لا تتحدث عن ذلك صراحة، فإن ألمانيا اعترفت بشكل غير مباشر بخطئها في إرغام أوكرانيا على الاختيار بين الشرق والغرب، ورفض الخطة المزدوجة.
وفي البلدان الغربية الأخرى، يوجد مؤيدون ومعارضون لفكرة التقارب مع روسيا. فكثيرون في الغرب ينظرون إلى التعاون مع روسيا ليس فقط من وجهة نظر براغماتية اقتصادية، بل بوصفه السبيل إلى نشر القيم الليبرالية على الأراضي الروسية. وأصبح اليوم واضحاً أنه من المستحيل فرض هذه القيم على المجتمع الروسي. ولذا تقوم وسائل الإعلام الغربية بتوجيه أسهم النقد إلى روسيا، لعدم توافقها مع قواعد الديمقراطية الغربية، فيما أطلقت روسيا على نفسها اسم «أوروبا الأخرى».
ويصف الكتاب كيف تحولت وسائل الإعلام إلى «أحزاب حرب» على الساحة الدولية. فكثير من الصحافيين الغربيين في التسعينات سافروا إلى روسيا، وعملوا وعاشوا فيها، وعشقوا هذا البلد بوضعه الذي كان عليه حينها. كان هؤلاء يلعبون دوراً ليس فقط صحافياً، بل سياسياً أيضاً. وتمت دعوتهم كذلك إلى روسيا، حيث قاموا بتعليم الروس مبادئ الديمقراطية واقتصاد السوق وبناء المجتمع المدني. وعندما توقف كل ذلك في العقد الماضي، أصيب هؤلاء باليأس والإحباط، ثم سرعان ما تحول هذا اليأس إلى عدوانية وهجوم على روسيا وكل ما يحدث فيها، وعلى شخص الرئيس فلاديمير بوتين. وربما كانت موسكو مذنبة في ذلك، حيث كان بمقدورها إقامة جسر من التعاون المحدود بينها وبين وسائل الإعلام الغربية.
وقال رار إنه تحدث في أثناء العمل على الكتاب مع زملاء وسياسيين روس، وحاول إقناعهم بأن القوى التي تدعم إقامة علاقات جيدة مع روسيا في الغرب في حاجة إلى شركاء لهم في أفكارهم داخل روسيا. فاللوبي الشرقي في أوروبا لا يستطيع القيام بدور فعال دون وجود لوبي غربي مناظر في روسيا. ولكنه للأسف لم يتلقَ رداً شافياً من زملائه في موسكو. لكن من جانب آخر، يخضع الاتحاد الأوروبي إلى قواعد حلف الناتو، حتى فيما يتعلق بالتعاون في مجال الطاقة مع روسيا، حيث تفرض واشنطن قواعدها على الاتحاد الأوروبي، كما تقيد اتفاقية الشراكة التجارية والاستثمارية العابرة للأطلسي، وتربط بشكل نهائي الاتحاد الأوروبي بالفضاء الاقتصادي والمعلوماتي والقانوني الأميركي، حيث تقوم الجغرافيا السياسية الأميركية على مبدأ تجنب قيام اتحاد قاري أوروبي يضم روسيا، وتسيطر على النخب الأوروبية نظرية وحلم إقامة تحالف عبر الأطلسي.

تصدع أوروبي
يتناول الكتاب أيضاً الأعراض المقلقة لحالة الضعف التي أصابت الاتحاد الأوروبي. ويرى رار أن ذلك ليس أمراً سعيداً بالنسبة لروسيا، لأن الاتحاد الأوروبي يعد الشريك التجاري الرئيسي لموسكو. وظل الاتحاد الأوروبي يقدم مساعدات لروسيا لتحديث اقتصادها حتى تم فرض العقوبات. لكن مع حلول منتصف عام 2016، شهد الاتحاد الأوروبي تحولات كبيرة، واختلفت الصورة عما كانت عليه قبل 25 عاماً، حيث لم يعد الاتحاد دعامة للاستقرار، كما كان على مدى ربع قرن. وبات المشروع الذي اقترحته النخب الأوروبية لتأسيس الولايات المتحدة الأوروبية مشكوكاً في قابليته للتحقيق. فبريطانيا على وشك الخروج نهائياً من الاتحاد الأوروبي، واليونان على شفا الإفلاس، فيم ترفض بلدان شرق أوروبا الأعضاء في الاتحاد الالتزام بالنموذج الليبرالي لأوروبا ما بعد الحداثة، كما صوت مواطنو هولندا ضد توسيع الاتحاد شرقاً، وصارت شعبية ونفوذ الأحزاب اليمينية والقومية في نمو مستمر. وحسب الكتاب، فإن الغرب وروسيا يقفان أمام التحديات الخطيرة نفسها تقريباً، ومنها الهجرة الجماعية من الجنوب إلى الشمال. ويقترح الكتاب أساليب جديدة للتعاون المتبادل، ويحدد المجالات السياسية والاقتصادية التي يمكن أن تشهد تحالفاً بين روسيا وأوروبا في القرن الحادي والعشرين.

حرب باردة دائمة
ويذكر الكتاب أن كثيرين يتساءلون عما إذا كان العالم مهدداً بحرب عالمية جديدة أم لا. ومن خلال متابعة التلاسن الدائم بين روسيا والغرب، يتوصل الباحث إلى نتيجة مفادها أن الحرب الباردة لن تنتهي يوماً ما. وفي هذه الحالة، يتبادر السؤال عن جوهر الصراع الحالي، موضحاً أنه في أثناء الحرب الباردة، كان الغرب يعتقد أنه عندما تتخلص روسيا من الشيوعية، سيقوم الغرب ببناء البيت الأوروبي المشترك، حيث سيعيش الجميع في ود ووئام. وبعد انهيار الشيوعية، تبنت روسيا كثيراً من عناصر النموذج الأوروبي السياسي، من حيث الرؤية للعالم المحيط، بالإضافة إلى العقوبات المفروضة على روسيا، وسعي من الطرفين لتطوير قدراته العسكرية والتسلح، وحرب معلومات ضارية وغير مسبوقة.
وعن المشكلات التي ظهرت فجأة بين روسيا والغرب، يشير المؤلف إلى أن الصراع بين روسيا والغرب جيوسياسي من الدرجة الأولى. فقد وقعت كل بلدان حلف وارسو تقريباً، بما فيها دول البلقان، تحت نفوذ الغرب. غير أن روسيا لم تسمح بانضمام أوكرانيا وروسيا البيضاء إلى دائرة النفوذ الغربية. وفي عام 1989، لو صرح أحدهم في الغرب أنه خلال 25 عاماً ستكون روسيا والغرب على شفا حرب بسبب أوكرانيا التي كانت حينها إقليماً روسياً، لم يكن أحد ليصدقه.
لقد أضحت أوروبا الغربية ترسم مستقبلها بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية الأقرب إليها، وليس مع روسيا، فيما رفضت الأخيرة النموذج الغربي، وقدمت مشروعاً لبناء أوروبا جديدة، أثار مخاوف الغرب نظراً لطابعه المحافظ بشدة.
ويلفت رار النظر إلى المئات من المؤتمرات التي نظمتها المعاهد البحثية الغربية ومختلف المؤسسات العلمية خلال التسعينات والعقد الأول من القرن الحالي. وشهدت هذه الفعاليات قدراً كبيراً من التفاهم المتبادل، غير أن أعضاء الوفود الروسية المشاركة دائماً ما كانوا يجدون أنفسهم محاصرين بتساؤلات حول غياب الديمقراطية في بلادهم. وغالبا ما كان يدعى إلى هذه المؤتمرات الباحثون الروس المناهضون للكرملين، الذين كانوا يدعمون التوجه إلى الغرب، ثم اختفى التفاهم بين الطرفين، وتحولت السجالات البراغماتية إلى اتهامات متبادلة ومشاعر غضب بين الطرفين.
ويذكر رار أنه في البداية توقع أن تفوز الولايات المتحدة الأميركية على روسيا في الصراع على أوروبا. غير أن روسيا والصين وإيران وعدداً من الدول الأخرى ستؤسس، أو بدأت بتأسيس، تحالفات عسكرية واقتصادية فيما بينها. وستقوم روسيا ببناء علاقات جيدة مع بلدان في أوروبا تقبل بالمشروع الروسي بديلاً لأوروبا. فهناك بعض الدول في وسط أوروبا لن تتمسك بالقيم الغربية في السياسة، وستقوم بالبحث عن تفاهم مع موسكو، وستنأى بنفسها عن اتفاقية بروكسل، وستشتعل المنافسة بين حلف وارسو واتفاق الشراكة «عبر الأطلسي»، وسرعان ما سيتحول إلى صراع من أجل الهيمنة على العالم. لكن الصدام بين الغرب وروسيا في داخل القارة الأوروبية، وعلى الحدود التي سبق أن قسمت الإمبراطورية الرومانية الغربية والشرقية، سيكون ذا طابع متحضر كما يعتقد مؤلف الكتاب.
وأضاف رار أنه في القارة الأفريقية التي تعاني الانهيار الاقتصادي والسياسي، ستظهر آيديولوجيا ثورية عدوانية خطيرة مؤثرة على الجماهير، وستمثل تهديداً مباشراً للنظام العالمي. وسيشهد البحر المتوسط بعض الصدامات العسكرية، وسيتصاعد الإرهاب الدولي. وعوضاً عن الصدام بين الشرق والغرب، سيظهر صراع جديد بين الشمال والجنوب، وسيتعرض النظام العالمي لهزات عنيفة. وسيغرق العالم في حروب هجينة، وسيتقرر مصير العالم في الشرق الأوسط. وستهيمن الصين كقوة عظمى على قارة آسيا، ولكن ربما بدرجة أقل وطأة من التصورات التي يطرحها البعض اليوم.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً