خالد الفرج.. سيرة رجل جسد حلم الوحدة بين الخليجيين

الشبيلي والعوامي في ندوة بالقطيف عن حياته تستحضر دوره في الاندماج الوطني

جانب من ندوة خالد الفرج
جانب من ندوة خالد الفرج
TT

خالد الفرج.. سيرة رجل جسد حلم الوحدة بين الخليجيين

جانب من ندوة خالد الفرج
جانب من ندوة خالد الفرج

أعادت ندوة أدبية في القطيف، شرقي السعودية، إلى الواجهة سيرة الشاعر خالد الفرج، أحد أهم الشخصيات الأدبية التي أثرت على الحياة الشعرية والثقافية على ساحل الخليج خلال النصف الأول من القرن الماضي.
هذه الندوة أقيمت عشية اليوم الوطني السعودي، وهدفت إلى استجلاء سيرة رجل جسد حلم الوحدة بين الخليجيين، والتواصل العابر للحواجز والانقسامات، وكانت فترة حياته التي توثقت صلة بالملك المؤسس عبد العزيز، عنوانا لقدرة الإداري المثقف على تعزيز التلاحم وبناء الثقة.
حملت الندوة عنوان: «خالد الفرج: الشاعر والوطن»، وحضرها نخبة من المثقفين السعوديين حضر كثير منهم من الرياض، وبعضهم من الكويت، مع جمهور غفير من المنطقة الشرقية، ونظمها «منتدى الثلاثاء» الذي يديره الكاتب المهندس جعفر الشايب، بالتعاون مع دارة الملك عبد العزيز في الرياض، وشارك في الندوة كل من: الدكتور عبد الرحمن الشبيلي والأديب عدنان العوامي.
ولد الشاعر خالد الفرج، في الكويت، منتصف ربيع الثاني عام 1898، وذكر الباحث الدكتور عبد الرحمن الشبيلي أنه «ينحدر من أصول سعودية تعود إلى البدارين من الدواسر، وقد ولد من أسرة ميسورة الحال، ووالدته هي شيخة بنت ثنيان عبد الرحمن الثنيان من قبيلة الخليفات القطرية، عاش في الهند، فالبحرين، ثم في المنطقة الشرقية السعودية، وأمضى العامين الأخيرين من عمره في بلاد الشام»، وتوفي في أحد مستشفيات لبنان سنة 1954.
وفي ترجمة معجم البابطين لشعراء العربية، يشير إلى أن اسمه الكامل هو: خالد بن محمد بن فرج الصراف الدوسري، وأنه ولد في الكويت وتوفي في لبنان، وقضى حياته العملية متنقلا من الكويت إلى مومباي والبحرين والسعودية (القطيف والأحساء والدمام) وتلقى علومه المبكرة في الكتاب، وعند افتتاح المدرسة المباركية عام 1911 التحق بها، ونشط في الاطلاع على كتب التراث المختلفة، ثم بدأ حياته العملية مدرسا في المباركية، فكاتبًا عند أحد كبار الكويتيين في الهند، وأسس في مومباي المطبعة العمومية التي طبع فيها مجموعة من الكتب كان بعضها على نفقة الملك عبد العزيز، وقد درس اللغة الإنجليزية والهندسة خلال عمله هناك، ثم انتقل إلى البحرين ليصبح مدرسا بمدرسة الهداية الخليفية في البحرين، وعضوا في المجلس البلدي البحريني، ثم صار مسؤولا في بلدية الأحساء ورئيسا لبلدية القطيف.

* شاعر الخليج
* ولذلك، فإن عددا من الأقطار الخليجية والعربية تتنازع انتماء هذا الشاعر إليها، هي الكويت والبحرين والسعودية. وكانت الفترة الذهبية في حياته التي عرفته على الشعراء والأدباء في السعودية والبحرين، خلال تكليفه من قبل الملك عبد العزيز بتولي بلدية القطيف. وعن هذه المرحلة يتحدث المؤرخ الراحل محمد سعيد المُسلم، صاحب كتاب «ساحل الذهب الأسود»، قائلا: «إن خالد الفرج قضى معظم حياته في القطيف، وكان لها الفضل في استقراره النفسي، وقد منحها في المقابل إخلاصه ووفاءه وعصارة أفكاره، واندمج في مجتمعها، وأصبح فردا منهم، وغذى الحركة الأدبية فيها، وترك أثرا كبيرا في تطور الحياة الفكرية، وكان يلتقي الأدباء والمثقفين من أبناء القطيف».
الشاعر والمحقق عدنان العوامي، ناقش في دراسته عن سيرة الشاعر خالد الفرج، ما يثار غالبا بشأن هويته وانتمائه، ففي حين جزم أن الشخصيات الأدبية تنسب لبلد المنشأ غالبا، فقد أعطى تفسيرا اقتصاديا لاجتذاب الشخصيات الأدبية في الخليج، وقال: «قبل ظهور النفط في منطقتنا الشرقية هذه لم تكن الظروف مهيأة لنشوء حركة ثقافية أو صحافية، وإن كان فيها أدباء وعلماء، وشعراء متابعون للحركة الثقافية، وتصلهم الصحف والكتب من الخارج، ومنهم من مارس النشر في صحف تصدر في الخارج كالعراق والبحرين ولبنان، وكان المؤلفون يُضطرون للسفر إلى العراق أو الهند لطباعة مؤلفاتهم». ويضيف: «لكن حين تفجر النفط، واتجهت المنطقة نحو النهوض والازدهار باتساع موارد الرزق فيها، بدأ الناس يتقاطرون عليها من كل حدَب وصوب، فكان فيهم التاجر، والأديب، والشاعر، والمثقف. فانتقل إليها شخصيات أدبية وصحافية، وأخرى مثقفة لم تكن منها في الأصل، لكنها استوطنتها، وشاركت في صنع نهضتها الثقافية والصحافية التي نشهدها اليوم»، وبينهم بالطبع خالد الفرج.
وكان العلامة حمد الجاسر من أقدم من تناول سيرته ومؤلفاته وشعره بالتفصيل؛ إذ رثاه بُعيد وفاته بمقال مطول في مجلة «اليمامة» عام 1954 استعرض فيه أبرز محطات حياته وإنتاجه الفكري، متتبعا هجرة أسرته - ولأسباب غير معروفة - في أواخر القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي) من بلدة نزوى في وادي الدواسر لتستقر في بلدة الزبارة في شمالي شبه جزيرة قطر، ثم رحلت إلى عُمان، ومنها اتجهت إلى الكويت، وقد خرج من هذه الأسرة ابنُ عمه الأديب الكويتي المعروف عبد الله محمد الفرج المتوفى في الكويت عام 1902 وهو موسيقي وملحن، وله ديوان شعر بالفصحى والعامية أعده وطبعه خالد الفرج عندما كان في الهند في حدود عام 1338هـ (1919م) ثم أعيد طبعه مرارا.
وكما كان لخالد الفرج دور مهم في ترسيخ الاهتمام بالأدب، فقد اهتم أيضا بالنشر. يقول الدكتور الشبيلي: «بحكم هوايته للطباعة من خلال تجربته السابقة في الهند، بادر الفرج إلى تبني إنشاء أول مطبعة في المنطقة الشرقية (المطبعة السعودية بالدمام) التي سعى إلى تأسيسها بدعم من الملك سعود، وقد سافر إلى ألمانيا من أجل شرائها، وتابع تركيبها خلال إقامته الاستشفائية في سوريا ولبنان في العامين الأخيرين من حياته، لكنه لم يحضر تشغيلها، وقد أتاح تأسيسها للصحف الأهلية الناشئة في المنطقة الشرقية آنذاك أن تطبع محليا».
يقول الشبيلي: «عاش خالد الفرج نحوا من ثمانية وخمسين عاما من التنقل المكاني عبر كل إمارات الخليج تقريبا، ليجد ضالته في التوطن أخيرا في المنطقة الشرقية حيث تكونت أسرته، ووجد من الاستقرار النفسي والمعيشي والوظيفي والأسري ما جعله يتفرغ للفكر والإبداع، مع أنه أقام في الكويت والبحرين والهند والأحساء والقطيف والدمام وتردد عليها، ثم أقام في بلاد الشام قبيل وفاته».
وعن إقامته في القطيف يقول: «كانت إقامته في المنطقة الشرقية الفترة الأكثر خصوبة وحيوية في حياته الفكرية والإدارية، والأطول من الناحية الزمنية؛ قرابة نصف عمره».
أما سفر وتنقلات خالد الفرج، فقال عنه الشبيلي، إنه جسد وحدة المنطقة، وإن أشعاره عبرت عن هموم الأمة، «وكان في زمنه ملء السمع والبصر.. كوّن صداقات، وتبادل المراسلات والقصائد الإخوانية مع عدد من رموز الثقافة في الكويت من أمثال عبد اللطيف النصف، وعبد الرحمن النقيب، ويوسف القناعي، وخالد العدساني، وصقر الشبيب.. وفي البحرين من أمثال قاسم الشيراوي، وعبد الله الزايد، وفي المنطقة الشرقية من أمثال آل الجشي، وآل الخنيزي، والعوامي والخطي، علاوة على زميل دربه هاشم الرفاعي مدير الجمارك».
كلف خالد الفرج من قبل الملك عبد العزيز بإنشاء بلدية القطيف، لكنه وجد هناك بيئة ثقافية وشعرية وعلمية، فتأثر بها وتفاعل معها.
يذكر خالد سعود الزيد أن الفرج استجاب لتشجيع هاشم الرفاعي (الكاتب آنذاك في الديوان السلطاني) للعمل في المملكة، وأن السلطان عبد العزيز (حينها) استقبله أحسن استقبال واختاره مشرفا على بلدية الأحساء ثم القطيف، بينما يُستفاد من سيرة الفرج التي كتبها بنفسه أنه كُلف ببلدية القطيف وكان مؤسسها سنة 1346هـ. يقول الشبيلي: «وبتتبع علاقته بالمجتمع الثقافي في أثناء إقامته، التي قيل إنها امتدت نحو خمسة وعشرين عاما في المنطقة الشرقية، تذكر المراجع أنه قدم من البحرين مع النزوح الجماعي المعروف لعشيرة الدواسر مطلع الأربعينيات من القرن الهجري الماضي (العشرينات الميلادية)».

* تأثيره الثقافي
* الشاعر عدنان العوامي، اهتم في دراسته بتتبع العلاقة الوثيقة التي ربطت خالد الفرج بشخصيات القطيف العلمية والأدبية، والإخوانيات والمساجلات التي ربطت بينه وبينهم، والقصائد التي نظمها في مناسبات متعددة خاصة ما يتعلق بمراسلاته الشعرية مع الشيخ فرج العمران، أو الشيخ ميرزا حسين البريكي، أو نظمه قصائد رثائية في مناسبات وفاة أحد، كرثاء الشيخ منصور الزاير، ورثائه السيد سعيد العوامي، أو تأبينه السيد ماجد العوامي. وفي سنة 1363هـ توفي الشيخ علي أبو الحسن الخنيزي، الذي عرف بلقب زعيم القطيف، فرثاه خالد الفرج بقصيدة قال فيها:
ابكوا بدمع أو نجيع
شيخا يعز على الجميع
وتصوروا البدر اختفى
في غامض الليل المريع
يضيف العوامي: «نلمس مبلغ تفاعل الفرج بالبيئة الأدبية في القطيف في رثائه كذلك الشاب أحمد البيات، إبن صديقه الشيخ منصور البيات:
اقرأوا، خاشعين، أمَّ الكتاب
ثم ضجوا بالنوح والاكتئاب
واملأوا موضع الخشوع عويلا
في عظيم الأحزان والاكتئاب
الشاعر عدنان العوامي، قال إن «ارتباط خالد الفرج بالقطيف لم يقف عند حده هو، بل كان السبب في ارتباط غيره من الشخصيات بالقطيف ومثقفيها وأدبائها كالشيخ حمد الجاسر، حيث اصطحب الفرج الجاسر إلى مجلس الأديب أحمد بن حسين السنان، وكان بمثابة الصالون الأدبي لمثقفي القطيف، فكان ذلك اللقاء بداية صلة امتدت بين الشيخ الجاسر ومثقفي القطيف حتى وفاته».

* رائد الملاحم
* في الجانب الشعري لخالد الفرج، تحدث الباحث الدكتور عبد الرحمن الشبيلي عن الحياة الشعرية لخالد الفرج، فـ«هو مثقف وشاعر ومؤرخ اشتهر من نظمه ملحمة (أحسن القصص) التي طبعت في القاهرة في 130 صفحة في حدود عام 1929 من تقديم محمد علي الطاهر، ثم راجعها عالم قطر الشيخ عبد الله الأنصاري وطبعت في الدوحة عام 1982، وهي مطولة شعرية غطت العقود الخمسة الأولى من حياة الملك عبد العزيز منذ ولادته سنة 1876، وحتى دخل الحجاز في حكمه سنة 1925.
وأضاف الشبيلي: «والملحمة مقسمة إلى 20 فصلا تشتمل على 800 بيت (..) وقد نظمها وطبعها إبان عهد الملك عبد العزيز عندما كان ملك الحجاز ونجد وملحقاتها».
يضيف الشبيلي: «كما اشتهر من آثاره الشعرية القصيدة البائية (الخبر والعيان في تاريخ نجد) في خمسمائة بيت، نظمها على مرحلتين في عامي 1367 و1368هـ (1947 و1948م) قائلا في مطلعها:
إلى مجدك العلياءُ تُعزى وتنسبُ
وفي ذكرك التاريخُ يُملى ويُكتبُ».
ويرى الشبيلي أن خالد الفرج أبدع في شعر الملاحم، «بل إنه ربما كان الأسبق من بين عدد من الشعراء الذين عرفوا بهذا الفن، أمثال أصحاب الملاحم: محمود شوقي الأيوبي، وبولس سلامة، وفيكتور البستاني، ومحمد عبد الله العوني، وعبد الله العلي الزامل، وأحمد إبراهيم الغزاوي، وحسين سرحان، وخير الدين الزركلي، وعبد الله بالخير، وفؤاد شاكر، ومحمد بن عبد الله العثيمين.. وغيرهم»، ورجح أن «يكون الفرج الأسبق بينهم في هذا النوع من الشعر الملحمي ذي الطابع السردي التاريخي».
ويضيف: «تضمن التراث الفكري لخالد الفرج مجموعةً من الكتب المطبوعة والمقالات التي نشرها في حياته، وبعض مخطوطات لم يتمكن من استكمالها أو من طباعتها قبل وفاته». وقد تولى الباحث عبد الرحمن الشقير تحقيقها ونشرتها مكتبة «العبيكان» عام 1420 هـ (2000م) في مجلد يزيد على 500 صفحة. وبحسب المحقق خالد سعود الزيد، توجد للفرج قصيدة لامية طويلة ثالثة سماها «الملحمة الذهبية» نظمها بمناسبة الذكرى الخمسين لدخول الرياض.

* شاعر عروبي
* تحدث الشبيلي عن عقيدة خالد الفرج الشعرية، فقال إنه عاش بدايات المخاض السياسي في الوطن العربي، «ومن يتابع سيرته يجد أنه تفاعل مع التحولات السياسية التي مرت بتلك الحقبة، كالاحتلال البريطاني للخليج، وقيام الشيوعية، واغتصاب فلسطين، وبروز القومية العربية، والحربين العالميتين، وقضية الجزائر. وغلبت على شعره نبرة التندر أحيانا تجاه بعض التيارات، لكنه لم ينهج في تفكيره منهجا متطرفا..».
ويستحضر الشبيلي ما ذكره حمد الجاسر في هذا الشأن: «خرج في شعره إلى مجال أرحب، فعالج النواحي الاجتماعية العامة للأمة العربية، وتعدى ذلك إلى الإشادة بعظماء العالم الذين خدموا بلادهم، فرثى شاعر العروبة أحمد شوقي، وصديقه أمين الرافعي، ومجد الزعيم الهندي غاندي. وبجانب مديحه للزعماء العرب وجه نقدا لاذعا لآخرين رأى فيهم اعوجاجا، وكانت له خبرة بمسألة إصلاح الحروف العربية وألّف في ذلك».
عن وعد بلفور قال خالد الفرج:
ما وعد بلفور إلا بدء سلسلة
من المظالم في التاريخ كالظـلم
وما فلسطين إلا مثل أندلسٍ
قضى على أهلها بغي وعدوان
وله قصيدة طويلة معروفة باسم «الشرق والغرب» ألقاها بمناسبة احتفاء النادي الأدبي في الكويت به (31 – 8 – 1927) جاء فيها:
الغَرْبُ قد شدّدَ في هَجْمَتِهْ
والشَرْقُ لاهٍ بعدُ في غَفْلَتِهْ
وكُلّمَا جَدَ بأعْمَالِهِ
يَسْتَسْلِمُ الشَرْقُ إلى رَاحَتِهْ
فيجمعُ الغربِي وحْدَاتِهِ
والشرق مقسوم على وحدتِهْ
وذاكَ يبني العِلْمَ في بحثِهِ
وذا يُضيعُ الوقتَ في نظرته
ومنها:
يا قومُ في أحوالنا عِبرَةٌ
فليقم النائم من رقدته
فَمَنْ تَغدّى بأخي ضحوةً
حتما تعشَى بي في ليلتِهْ
وكلنا يُنشِدُ في سِرِهِ
ما قالَهُ الشاعرُ في حِكمتِهْ:
«مَنْ حُلِقتْ لِحْيةُ جارٍ لَهُ
فلْيسكبِ الماءَ على لِحيتِهْ»



أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار
TT

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

لطالما حظيت شجرة الأرز بمكانة مرموقة لم تتح لأي شجرة مماثلة عبر التاريخ، سواء تعلق الأمر بالملاحم والأساطير أم بالكتب المقدسة وقصائد الشعراء. ففي ملحمة غلغامش الشهيرة، لم يجد البطل السومري أفضل من أرز لبنان، لكي يبني من أخشابه بيوت أوروك، حتى ولو اضطره الأمر إلى مصارعة «خومبابا»، الكائن المرعب الذي عيّنه الإله «إنليل» حارساً للغابة. والأرزة هي الشجرة التي حرص الفينيقيون على الاستعانة بخشبها لصناعة سفنهم التجارية العابرة للبحار، والتي استعان بها الفراعنة للإفادة من زيوتها في تحنيط الموتى، واستعان بها العبريون لبناء الدور والقصور والمعابد.

كما ورد اسم الأرز أكثر من سبعين مرة في العهد القديم، بوصفه أحد أكثر الأشجار صلابةً وجمالاً وتحدياً لغضب الطبيعة وثباتاً في وجه الزمن. ففي سفْر الأخبار الثاني يكتب الملك سليمان لحيرام ملك صور، أثناء بناء الهيكل، رسالة جاء فيها «أرسل لي خشب أرزٍ وسروٍ وصندلٍ من لبنان، فأنا أعرف أن رجالك ماهرون في قطع خشب الأرز». وجاء في سفْر عزرا «أعطوا فضة للنحاتين والنجارين ومأكلاً ومشرباً للصيدونيين والصوريين كي يأتوا بخشب الأرز من لبنان إلى بحر يافا، حسب إذن قورش ملك فارس». أما في «نشيد الأناشيد»، فيرد شجر الأرز في موقعي الجمال والصلابة في آن واحد، فالعريس في النشيد «طلعته كلبنان رائع كالأرز»، فيما الحبيبان يأنسان إلى مسكن راسخ الأركان، يصفانه بالقول «جوائز بيتنا أرز وروافدنا سرو».

أمين الريحاني

ولعل الصفات الاستثنائية التي جعلت من الأرز موضع إعجاب الأنبياء والملوك في العهد القديم هي نفسها التي جعلته يظهر من جهة أخرى بمظهر الصلف والتشاوف الجالبين للشرور، بحيث جاء في المزمور السابع والثلاثين «رأيت الشرير متعالياً مثل أرز لبنان». كما جاء في سفر حزقيال «يا ابن آدم، قل لفرعون ملك مصر إني أشبّهك بشجرة أرز في لبنان، بهية الأغصان، وارفة الظل، شامخة تُطاول قمتها الغيوم. ولأن فرعون تشامخ وتكبّر، فإن الرب يكسره ويحطم فروعه، لئلا تشمخ شجرةٌ ما، مغروسة على المياه».

إلا أن التهديد بأوخم العواقب، لن يظل في دائرة البشر المستكبرين والشبيهين بالشجرة فحسب، بل سيتعدى ذلك ليطال الشجرة نفسها، وقد طفح بغرورها الكيل. وهو ما بدا واضحاً في المزمور التاسع والعشرين، حيث نقرأ ما حرفيته «صوت الرب عظيم القوة. صوت الرب يكسر الأرز. يكسر الرب أرز لبنان. يجعل لبنان يقفز كالعجل، وحرمون كولد الثور الوحشي». والأرجح أن يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي، كان يستند إلى الوعيد التوراتي نفسه، حين عمد قبل أيام إلى التهديد بإحراق لبنان وأرزه، على حد سواء.

سعيد عقل

أما اللبنانيون من جهتهم، فلم يكفوا عن التغني بالشجرة المعمرة، التي رأوا في مواصفاتها النادرة دليلاً آخر على فرادة لبنان، ورأوا في شموخها بعضاً من شموخه. ولأن الشجرة واحدة من الرموز القليلة التي اتفقوا عبر الزمن على الالتفاف حولها، فهم لم يترددوا في جعلها تتوسط علم الكيان الناشئ، ليصبح لونها الأخضر، بما يحمله من دلالات الخصب والنماء، اللون الثالث المضاف إلى بياض الثلوج والقلوب، وإلى احمرار الدماء المراقة على مذبح التحقق.

ولم يكن مستغرباً بالطبع، أن يجعل رشيد نخلة من الشجرة المعمّرة جزءاً من النشيد الوطني اللبناني، وهو الذي يسند ظهره وشعره إلى غابة أرز الباروك، الأمر الذي عكسه قوله في النشيد «إسمهُ عزّهُ، منذ كان الجدودْ، مجدهُ أرزهُ، رمزه للخلودْ». على أن نخلة لم يكتف من الأرز بهذه الإشارة المهمة التي يرددها ملايين اللبنانيين منذ أجيال، بل أفرد له قصائد ومنظومات عدة، كان من أكثرها حرارة وصدقاً قوله أثناء إبعاده القسري إلى فلسطين، عند نهايات الحقبة العثمانية:

تلفَّتُ من عليا فلسطين أبتغي

سواحلَ أرض الأرز والهضباتِ

فقلتُ لنفسي تلكُمُ الدار دارهم

رفاقي، وأهلي عنها ولِداتي

فهل حفروا قبري بمنْبت أرزها

ولفُّوا بخضراء الغصون رفاتي

إذا طاب موتي بعد يأسٍ وغربةٍ

وإن رقصتْ فوق الضريح عِدَاتي

اللافت أن رغبة الشاعر في أن يتحول خشب الأرز إلى نعش له، وترابه إلى مثوى، قد سرت لدى الكثير من شعراء لبنان مسرى النار في الهشيم، وتكررت عند غير مشتغل بالأدب والفن، وبينها قول داود عمون، البرلماني والحقوقي والشاعر اللبناني المعروف، وقد اضطرته الظروف القاهرة للابتعاد طويلاً عن وطنه الأم:

يا بني أمي إذا حضرتْ ساعتي

والطبُّ أسلَمَني

فاجعلوا في الأرز مقبرتي

وخذوا من ثلجه كفني

والواقع أن كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين، بخاصة في الفترة التي أعقبت ولادة دولة لبنان الكبير، لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام. لا بل إن التغزل بالأرز وصفاته ودلالاته الموحية، بات جزءاً لا يتجزأ من الصورة الزاهية التي رسمها للبنان، عشرات الشعراء والكتاب الذين اصطلح على وضعهم في خانة «المدرسة اللبنانية في الأدب». وإذا كان قد أطلق على شبلي الملاط لقب «شاعر الأرز»، فإن سعيد عقل رغم ذلك، هو الذي يستحق تلك التسمية، باعتباره أحد أكثر الشعراء الذين خصوا لبنان وجباله وأرزه بعشرات القصائد والمقطوعات، وبينها بيتاه الشهيران:

أهلي، ويغلون، يغدو الموت لعبتهم إذا تطلّع صوب السفح عقْبانُ

من حفنةٍ وشذى أرزٍ كفايتهمْ زنودهم، إن تَقلَّ الأرضُ، أوطانُ

وبصرف النظر عن القيمة الإبداعية للقصائد والنصوص المكتوبة في تمجيد الأرز، وقد اتسم بعضها بالوصف السطحي والإنشاء الركيك، فيما حفل بعضها الآخر بالبلاغة العالية والأسلوب المتقن، فقد انفرد المفكر والأديب اللبناني أمين الريحاني بتقديم مقاربة مغايرة لواقع الحال، تختلف تماماً عن المألوف البلاغي أو المدرسي.

كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام

ففي مقالة له بعنوان «الأرز»، كتبها إثر زيارة قام بها إلى غابة بشرّي المعروفة، يستهل صاحب «قلب لبنان» المقالة بالقول: «وصلنا إليك يا أرز لبنان سالمين. ولكن الأمل تدهور من علياه، والخيال طاح عن سماه، والقلب نُكب في إيمانه وهواه، عندما أطللتُ على مجدك المكوّم تحت جفن الجبل»، وصولاً إلى قوله القاسي: «كنت أتخيل الزمان مجسماً في غابات الأرز، فرأيت الأرز مصغراً في كف الزمان».

ومع أن الريحاني ما يلبث لدى توغله في عمق الغابة، أن يصحح الصورة على نحو ما، ليوضح مستدركاً بأن ما يصح على الجبال والسهول والبحار، لا يصح على المعابد والآثار واللوحات، لأن هذه الأخيرة ينبغي معاينتها عن كثب، لكي يمكننا الوقوف على قيمتها الحقيقية، إلا أن ذلك لم يمنعه بالمقابل من الانتقاد الجريء لأسلافه الأقدمين، باعتبار أنهم أسهموا جميعاً في تقزيم غابة الأرز، لتنكمش على نفسها في ركن منعزل من الجبل، فكتب قائلاً «سمعتُ أصوات الفؤوس والمناجل في الغابات، وسمعتُ أصوات المطارق والمناشير في مصانع جبيل، ورأيت خشب الأرز في السفن الحربية التي غزا بها الفرس بلاد الإغريق».

وإذ يغفر الريحاني لأسلافه الفينيقيين قطعهم أشجار الأرز لبناء سفن متينة يمخرون بواسطتها أعالي البحار، بحثاً عن حياة أفضل وتبادلات تجارية رابحة، فإنه لم يغفر لهم تنازلهم عن تلك الأشجار العظيمة لغيرهم من الأمم والشعوب، ممن بنوا بواسطتها هياكل ومعابد وقصوراً باذخة، مقابل حفنات متفاوتة من الأموال. لا بل إن ما أصابه بالذهول، هو أن الأسلاف أنفسهم، هم الذين قدموا للإسكندر المقدوني، الخشب اللازم لبناء الأسطول الضخم، الذي تمكن بواسطته من إسقاط مدنهم الساحلية، واحدة تلو الأخرى. ولم يكن بالأمر المفاجئ تبعاً لذلك، أن يختتم الريحاني نصه المؤثر بالقول «ولكنها التجارة يا بني، التجارة على الدوام، في كل زمان ومكان».


عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
TT

عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

حلّ «يوم العمال العالمي» في مطلع هذا الشهر، كما جرت العادة منذ عقود، وأعادت هذه المناسبة إلى الواجهة أعمالاً فنية متنوّعة تحتفي بشكل أو بآخر بالعمال، وجلّها يعود إلى الأزمنة الحديثة. في الواقع، يحضر العمال بشكل هامشي أو ثانوي في أعمال فنية متعدّدة المصادر تعود إلى الحقبة التي سبقت هذه الأزمنة، وقلّما نجد أثراً فنياً كلاسيكياً خُصّص بشكل أساسي لهم. تبرز في هذا الميدان لوحة من الميراث الفني الأموي، تبدو استثنائية في موضوعها كما في تأليفها المتقن، وتشكّل جزءاً من جداريات قُصير عمرة في بادية الأردن، ويجمع أهل الاختصاص على القول بأنّها تُمثّل العمّال الذين بنوا هذا القصير.

يجمع قُصير عمرة بين حمّام كبير مؤلّف من ثلاث غرف، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة. تزيّن هذه القاعات جداريّات تجمع بين مواضيع إنشائية متعدّدة، تشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في مجمل العالم المتوسطي، بأقاليمه الوثنية والمسيحية والإسلامية. يلفّ هذا البرنامج الاستثنائي جدران هذه القاعات، ويمتدّ إلى سقوفها. في هذا السياق، تزين سقف الإيوان الغربي المقوّس شبكة من اثنين وثلاثين مكعباً، رُتّبت في أربعة صفوف متساوية الأبعاد، اشتمل كل صف منها على ثماني لوحات، وفيها يظهر أشخاص في أوضاع مختلفة، تختزل متاع الدنيا بصنوفها المتعدّدة. في المقابل، يتكرّر هذا التأليف على سقف الإيوان الشرقي؛ إذ نقع كذلك على أربعة صفوف متساوية، اشتمل كلّ منها على ثماني لوحات، تمثّل كلّها عمّالاً من أصحاب الحرف المتنوّعة.

تحتلّ هذه الشبكة مساحة السقف المقوّسة، وتتكوّن من جزأين متساويين متعاكسين، يتكوّن كلّ منهما من شريطين من الخانات المكعّبة، يُشكّل كلّ منها لوحة يحدّها إطار خاص بها، كما في الشرائط المصوّرة المعاصرة. تحتاج قراءة هذه الصور بشكل دقيق إلى الرسوم التوثيقية التي تُظهر عناصرها بشكل جليّ، وتتمثّل برسم شامل يعود إلى مطلع القرن الماضي، نُشر في أول بحث علمي كشف عن قصير عمرة، وسلّط الضوء على جدارياته. إلى جانب هذا الرسم، يحضر رسم معاصر نُشر في مجلّد صدر عام 2007، وفيه تحضر تفاصيل كشفت عنها أعمال البحث التي سبقت هذا الإصدار. تواصل استكشاف الموقع في السنوات التالية، وشهد حملة ترميم جديدة شملت هذه الجدارية، وأعادت إليها بريقها الأوّل، كما كشفت عن تفاصيل جديدة ظهرت في لوحاتها بعدما كانت ممحوة.

في الخلاصة، تتكوّن هذه اللوحة من صفين متوازنين من جهة، يقابلهما صفان متوازنان من الجهة الأخرى. خُصّص الصفّ الأسفل من القسم الأول لأعمال البناء، من قطع الحجارة ونقلها على ظهور الجمال، ثم حملها إلى معلّم البناء. وخُصّص الصف الثاني للأعمال المعدنية، من الصهر والطرق، إلى التشذيب والتبريد. في الجهة المعاكسة، خُصّص الصف الأسفل لأعمال القصارة، كما توحي العناصر التصويرية القليلة التي بقيت من هذا الصف الذي تلف وانمحى بشكل كبير. وخُصّص الصف الأعلى لأعمال النجارة، كما يتّضح عند قراءة صوره التي حافظت على أغلب مكوّناتها. يتألّف كل صف من ثماني خانات متساوية. الإطار واحد وجامع، وقوامه خلفيّة تتألف من ثلاثة أقسام أفقية. يحتل القسم الأسفل مساحة كبرى من كل خانة، وهو باللون الأبيض العاجي، وتعلوه مساحة زرقاء، تحدّها مساحة بيضاء. يتشابه العمال من حيث الشكل الخارجي، ويبدو لباسهم واحداً، ويتألف من رداء أبيض بسيط ينسدل حتى الركبتين، مع حزام مجرّد يلتف حول الخصر.

في الصف المكرّس لقطع الحجارة، من اليسار إلى اليمين، يحضر أوّلاً عامل يقف في وضعية نصف جانبية، حاملاً أداة طويلة تبدو أشبه بمسطرة للقياس. ثم يحضر في الخانة الثانية عامل يحمل أداة مغايرة، تبدو أشبه بمطرقة ثاقبة طويلة. ويحضر في الخانة الثالثة عامل يحمل ما يُعرف بأداة الكُوس التي تُستخدم لتحديد الزوايا. في الخانات الثلاث التالية، يظهر عامل يرفع حجارة فوق ظهر جمل، ثم يظهر هذا الجمل وهو يجر هذه الحمولة، ويظهر العامل وهو يقود هذا الجمل في خانة مستقلّة. في الخانة السابعة، يحلّ عاملان ينقلان حجراً ثُبّت على رافعة، وفي الثامنة، يظهر عامل بين واجهتين صغيرتين متوازيتين.

في الصف المكرّس للأعمال المعدنية، يظهر أولاً حداد وسط مسبك، ثم حداد يطرق سنداناً، ثم حداد يرفع مطرقة، ومن بعده حرفي ينشغل بالعمل على خشبة مثبّتة على حاملتين مثلّثتين. في الخانة الخامسة، يظهر حِرفي آخر يسقي الحديد في حوض على الأرجح، وفي السادسة، يظهر حِرفي جالساً أمام حوض مشابه. تتصل الخانة السابعة بالخانة الأخيرة، حيث يواجه حرفياً زميلاً يتوجه نحوه رافعاً ذراعيه في اتجاهه.

الصف المخصص لأعمال القصارة تلف بشكل كبير، وبدا ممحواً في مطلع القرن الماضي، غير أن بعض ملامحه اتّضحت في زمننا. في وسط هذا الشريط، يظهر مشهد تحميل دابة، ويحضر في تأليف يشابه التأليف المعتمد في الصف المكرّس لقطع الحجارة، وفيه يحلّ حمار مكان الجمل، كما كشفت أعمال الترميم الحديثة العهد. في المقابل، حافظ الصف المخصّص لأعمال النجارة على ست من خاناته الثماني. ضاعت الخانة الأولى، كما ضاعت الخانة الأخيرة، وظهر في الخانة الثانية نجاران ينشران لوحاً خشبياً، وفي الثالثة نجار يعمل على لوح آخر، وفي الرابعة حرفي يحمل مطرقة، وفي الخامسة حرفي يقف رافعاً خشبة بين يديه، وفي السادسة حرفي يجلس أرضاً حاملاً كذلك مطرقة. انمحت الخانة السابعة بشكل كبير، وما بقي منها يكشف عن حرفي يعمل في منشرة على الأرجح.

يطغى على هذه الجدارية البديعة الأسلوب الروماني، وهو الأسلوب الذي يغلب على مجمل جداريات قُصير عمرة. يستعيد هذا التأليف العديد من العناصر التي تعود إلى هذا الطراز، غير أنه يجمعها في قالب كُرس بأكمله للعمّال الذين قاموا بتشييد الموقع وتزيينه، من البنائين إلى النجارين مروراً بالحدادين والمقصّرين، ممّا يجعل منه لوحة استثنائية تتميّز بموضوعها، وتلمع بثراء صورها المتقنة.


الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش
TT

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

في الظاهر، يبدو محورُ رواية «فورور» للكاتب العراقي نزار عبد الستار (هاشيت أنطوان/ دار نوفل) مشلحاً من الفرو، ورجلاً لا يزال طفلاً يبحث عن رائحة والدته في هذا الفورور.

ولعل المحطة الأبرز لهذا الفورور هي عندما حطّ رحاله على كتفي الممثلة المصرية الفاتنة مريم فخر الدين حين مثلت مع العندليب عبد الحليم حافظ في فيلم «حكاية حب» حيث أدّى أغنيته الشهيرة «بتلوموني ليه» (عُرض الفيلم في 1959).

تنهض الرواية برمتها على هذه التفصيلة. يروي عبد الستار في روايته، أن مريم فخر الدين استعارت هذا المشلح من المونولوجيست العراقية «وحيدة جميل»؛ (وهذا من مخيلة الكاتب)، لترتديه في الفيلم. و«وحيدة» لم تتلقَّ في حياتها هدية أقيم من هذا المشلح الذي أهداها إياه وزير دفاع الاتحاد السوفياتي السابق عندما كان في زيارة إلى بغداد بخمسينات القرن الماضي. ولهذا كانت متعلقة بفورورها... فيما «صابر عفيف»، هذا الرجل/ الطفل كان متعلقاً بتلابيب فستان والدته.

في خضم الزحمة، ضاع مشلح الشنشيلا، لكنه سيظهر لاحقاً في أوساط طبقة المشاهير والأثرياء، قبل أن يستقر على كتف الشهبانو فرح ديبا بلهوي، لدى لجوئها مع زوجها إلى القاهرة عقب الثورة الإسلامية في إيران. وبعد علم «صابر» بذلك، اتصل تليفونياً بسكرتير الشهبانو مطالباً باستعادة الفورور. وهو اتصال سيكلّفه عمله في دار «كريستيز»، التي ستستغلّ هذا الخطأ الذي اقترفه «صابر» لطرده من العمل، والاستحواذ على الفورور.

أضاعت «وحيدة» الفورور.. وخسرت ابنها «صابر» حين انتقلت حضانته إلى عمه بعد إعدام والده، ثم تلاشى حلمها في الحصول على لحن من فريد الأطرش، قبل أن تموت كدراً في لبنان.

هذه هي قصة «الفورور» باختصار. وقد يبدو البحث عن المشلح أشبه بسردية تشويقية تحاكي الحبكات البوليسية. لكن الرواية ليست كذلك.

الفورور هو فقط ذريعة ليخلق لنا صاحب رواية «يوليانا» خطين سرديين، الأول مُغرق في رومانسية مشرقية («وحيدة» وبحثها عن الشهرة)، والثاني يكشف عن برودة المؤسسات الرأسمالية الغربية («كريستيز» و«سوذبيز» وغيرهما من دور المزادات العريقة).

سنقرأ في رواية «فورور» عن الفن بأشكاله: الغناء والعزف والتمثيل.. وأيضاً الرسم. وسنجد في الرواية؛ إلى جانب عبد الحليم ومريم فخر الدين، فريد الأطرش وفيلمون وهبة... وفنانين تشكيليين مثل حافظ الدروبي ولوحته المشهورة «باعة البطيخ»، ويوهان غونتر ولوحته «يد الخريف». وسننتقل من بلد إلى آخر مع «وحيدة» وابنها ومشلحها البيج، بين العراق ومصر ولبنان ولندن.

لكننا نقرأ أكثر عن كيفية صناعة النجوم في كواليس تجارة الفنّ ودنيا المال والحياة المخمليَّة، وكيفية إبرام الصفقات في دار «كريستيز» وطرقها في الحصول على اللوحات المهمة والتلاعب بأسعارها لبيعها بأثمان خيالية، عبر أساليب ملتوية تعتمدها هذه الدار وغيرها لتحقيق مكاسب لا علاقة لها بالمبادئ أو القيم الفنية. وهكذا يصبح «صابر»؛ ذلك الوسيط البسيط الذي يزوّد «كريستيز» بلوحات مهمة، شخصاً لا بد من الاستغناء عنه، لكي تتمكن الدار من الاستيلاء على الفورور الشنشيلا وأيضاً على كَمَان خاص بخالته «بدرية» عازفة الكمان المشهورة.

في الصفحة الـ73 من الرواية، يقول «الطفل صابر»: «وأنا في القاهرة كنت غير ذلك الشاب الذي حضر حفلة فريد الأطرش بمدرج لبنان في عالية. لا أملك الفضول؛ وإنما الشعور بالأسى... شيء يشبه عاطفة إطعام القطط والعصافير، والشيء الوحيد الذي رافقني هناك هو أن (وحيدة جميل) ضاعت وسط هذا العالم». أما في الصفحة الـ110، فنرى «الرجل صابر» الذي ينازع من أجل هويته... «سيلين (حبيبته) تخبرني الكثير عن نفسي، وتعرف كيف تسترجع كل ما سلبته (كريستيز) مني».

تتخيّل هذه الرواية، كما يقول الناشر، «ما لم يحدث، وما كان يُفترض به أنْ يحدث»، وهي تصوّراتٌ يتخلّلها الحبّ الجارف في زمنٍ لم يكن كاملَ الجمال، لكنَّه باهرٌ ويستحقّ أنْ يُسردَ.

إنها رواية متعددة الطبقات، فهي رواية الحنين في مقابل التوحش، والبحث عن الدفء مقابل برودة العالم الرأسمالي، ورواية رجل هو في الحقيقة لا يزال طفلاً في أعماقه، يمتهن بيع الفن في مزادات عالمية باردة تقيس القيم بالأرقام، لا بالقيمة الجمالية للفن.

و«فورور» هي الرواية الرابعة للقاصّ والروائي العراقي نزار عبد الستّار بعد «يوليانا» (2016)، و«ترتر» (2018)، و«مسيو داك» (2020).

* صحافي وكاتب سعودي