الروائي العربي في منفاه اللغوي

يهرب إليه بقدم ويترك قدمه الأخرى منغرسة في الأرض التي ينتمي إليها

الروائي العربي في منفاه اللغوي
TT

الروائي العربي في منفاه اللغوي

الروائي العربي في منفاه اللغوي

ربما يكون هاجس العالمية هو الذي دفع رجاء عالم إلى إصدار روايتها الأخيرة «سراب» باللغتين الإنجليزية والألمانية، قبل صدورها بلغتها الأم (العربية)، وليس حساسية موضوع الرواية المتعلق بقصة حُب متخيلة مستوحاة من حصار الحرم عام 1979.
الأمر الذي يمكن تسجيله في خانة ازدراء القارئ العربي، على اعتبار أن الكتابة بلسان الآخر الغالب هي أقصر الطرق إلى العالمية. وهذا اختيار طوعي غير مدفوع بأي عوامل قسرية، كما حدث لبعض كُتّاب المغرب العربي، الذين كتبوا تحت وطأة لغة المستعمر، كما عبر عن ذلك مالك حداد بقولته الشهيرة «الفرنسية منفاي»، أو كما يستذكر الروائي الكيني نغوغي واثيونغو عذابات من يتكلم لغة «الغيكويو» في المدارس التبشيرية في أثناء الحقبة الاستعمارية، حيث الضرب والسحل لمن يتحدث أو يكتب بغير اللغة الإنجليزية.
أحمد أبو دهمان أيضاً كتب روايته «الحزام» باللغة الفرنسية، قبل أن يصدرها باللغة العربية. وهو ينحدر أيضاً من فضاء مكاني لم يخضع للاستعمار الفرنسي، وبالتالي لم يكن مرغماً على التعبير عن حضوره الروائي بلسان الآخر، خصوصاً أن الرواية تتحدث عن قرية آل خلف المسترخية على قمة جبال السروات في السعودية، ولا صلة لها بالفضاء الباريسي. وبالتالي فهي تنتخب، بشكل آلي، قارئها المحلي، والعربي على أكثر تقدير. ولكن يبدو أن كاتبها أراد أن يخاطب الآخر البعيد، قبل أن يلتفت إلى قارئه المحلي. وهكذا، صدرت الرواية بذلك الشكل المقلوب، لتقدم الدليل على أولويات التعبير اللغوي عند بعض الروائيين العرب.
والحديث هنا عن الروايات المكتوبة بلسان الآخر، أي داخل ما يمكن أن نسميه المنفي اللغوي، الذي يؤرخ له كظاهرة أدبية ببداية ومنتصف الخمسينات من القرن الماضي، من خلال روايات أحمد الصفريوي، ومولود فرعون، وإدريس الشرايبي، حيث كانت ثقافة ولغة المستعمر هي المهيمنة، وهي الوعاء الأمثل للتعبير عن الوجود. كما استكمل ذلك الحضور ببروز أسماء ذات صيت أدبي في منتصف السبعينات، كرشيد بوجدرة، ومحمد ديب، والطاهر بن جلون الذي تُوج بجائزة «الغونكور» عام 1987 عن روايته «ليلة القدر»، ثم أمين معلوف الذي حصل على الجائزة ذاتها عن روايته «صخرة طانيوس» عام 1993، وصولاً إلى عام 2016، حيث حصدتها ليلى سليماني عن روايتها «أغنية هادئة».
قائمة الروائيين بلسان الآخر طويلة، من مختلف الأجيال ومختلف الأقطار، حيث تضم آسيا جبار، ورشيد ميموني، والظاهر جاووت، وياسمينة خضرا، وبوعلام صلصال، وسليم باشي، وكمال داود، ومحمد خير الدين، وحبيب عبد الرب سروري، وليلى الدباغ، وأنور حامد، والبير قصيري، وغيرهم ممن فضلوا العيش في المنفى اللغوي بذرائع واضطرارات مختلفة، إلا أن العنوان الأبرز لكل تلك الانتحاءات هو الخيار الطوعي، وكأنهم يؤكدون قولة كاتب ياسين بشأن اللغة: «الفرنسية غنيمة»، بمعنى أنها خيار وليست فريضة، وذلك من أجل تحقيق مجد شخصي، بالنظر إلى أن السرد الروائي في جوهره هو استظهار لوعي (الأنا) في المقام الأول، إذ نال معظم أولئك جوائز مرموقة وسمعة أدبية ذات قيمة باختلاف اللغات التي كتبوا بها.
وتغليب الروائي العربي فكرة الكتابة بلسان الآخر ليست استثناءً عربياً، بل هي جزء من ظاهرة كتابية عالمية مؤكدة بالتغيّر الدائم في مواضعات الكتابة الروائية على مستوى العالم، تحت ما بات يُعرف بالكولونياليات الثقافية، التي تقر سرديات الأقليات كصوت ثقافي تحت مظلة الثقافة المركزية، كما تتمثل في الفرانكفونية والأنغلوسكسونية والجرمانية. وإذا كان الكاتب العربي قد سجل اختراقاً ومكانة في الأدب الفرانكفوني، بحصد أكبر جائزة فرنسية، وهي «الغونكور»، فإنه لم يسجل ذلك التقدم بالنسبة لجائزة «البوكر» البريطانية، التي كانت في الماضي حكراً على كُتّاب دول الكومنولث، حيث فاز بها النيجيري بن أوكري، والهندية أورونداتي روي، ثم كيران ديساي، والجامايكي مارلون جيمس، كما فاز بها الكندي من أصول سيريلانكية مايكل أونداتجي، والبريطاني الهندي سلمان رشدي، وهكذا.
أما الروائي العربي، فلم يكن نصيبه أبعد من القائمة القصيرة، حيث دخلت المنافسة أهداف سويف عام 1999 بروايتها «خارطة الحب»، وهشام مطر عام 2006 بروايته «في بلد الرجال»، في الوقت الذي حصد فيه رفيق شامي مجموعة من الجوائز الألمانية.
وعندما تصاعدت ظاهرة الكتابة الروائية بلغة الآخر، ساد اعتقاد في الأوساط الثقافية العربية بأن تلك الموجة ستنكسر، في ظل المد العروبي في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وسيكون للتعليم دوره في الحد من تماديات تلك الظاهرة.
والأهم أن الأدب، ممثلاً في الرواية، سيكون له الدور الأبرز في صد الكولونيالية الثقافية. ولذلك كانت المعارك الأدبية تتصاعد إثر صدور أي رواية بلغة الآخر. ولكن مع مرور الوقت، وفي ظل مهبات العولمة الجارفة، تحولت الظاهرة إلى أمر واقع، لدرجة تقعيد ذلك اللون الكتابي والاصطلاح عليه في المغرب العربي - مثلاً - كأدب فرانكفوني مغاربي مكتوب باللغة الفرنسية، بمعنى أنها صارت حالة معرفية أدبية أكثر من كونها معركة احترابية مع الآخر. ومع بداية الألفية الجديدة، خفت الحديث عن كون الظاهرة حالة من الاغتراب الذاتي والهوياتي، وصار يُنظر إليها كعنوان من عناوين اللحظة المعولمة.
وبمقتضى اللباقة العلمية، لا يمكن التعامل مع مجمل الظاهرة من زاوية أحادية. فهناك روائي يكتب بلسان الآخر اضطراراً، لأنه ككائن مزدوج اللغة، لا يمتلك القدرة الأدائية المثلى للتعبير الروائي عن وجوده باللغة العربية، مقارنة باللغة الأخرى التي يتقنها، ويفضل التمثّل الوجودي بها. وهناك روائي بلغ به اليأس من المؤسسة الثقافية العربية، والقارئ العربي تحديداً، حد الفرار إلى قارئ آخر يتوهم أنه سيفهمه ويقدر جهده.
وهناك روائي يفتعل أزمة هوياتية، ليبرر انتقاله الطوعي إلى المنفى اللغوي. وهناك روائي يتكئ بقوة على مكتسبات العولمة، ويعتبر نفسه أحد روائيي الجيل المعولم الذي لا تحده لغة، ولا يحتضنه مكان، ليجد له محلاً في المجتمعات الثقافية المعروضة تحت بقعة ضوء باهرة، وذلك من خلال تلبس لغتها.
كل تلك الدعاوى لا تصمد قبالة واقع المنجز الروائي للكاتب الذي يهرب إلى المنفى اللغوي بقدم، ويترك قدمه الأخرى منغرسة بعمق في الأرض التي وُلد فيها وانتمي إليها، إذ لا تخرج معظم موضوعات تلك الروايات عن مناقدة المجتمع الذي ينتمي إليه الروائي، وتسجيل الحنين إلى ماضيه، وتوجيه حزمة من الاتهامات المستهلكة إلى مجمل العادات والتقاليد، إلى آخر متلازمة جلد الذات وتمجيد الآخر التي تمليها نظرية «اللغة والواقع»؛ حتى الروائي الذي يقيم في الفضاء الجديد يظل يكتب عن فضائه القديم، لأن الرواية بقدر ما هي خبرات لا مادية (لغة وأسلوب وآراء) هي خبرات مادية (تجارب وحياة معيشة وذكريات ومواقف).
تلك موضوعات نقدية ملحّة، وتشكل ذخيرة ضرورية لأي روائي عربي، ولكنها لا تهم القارئ الغربي بقدر ما تغذي الحسّ الاستشراقي عند المؤسسات الثقافية الضالعة في تقديم صورة نمطية عن الإنسان والمكان العربي، حيث يُلاحظ أن بعض من يكتبون رواياتهم بلغة الآخر هم محل احتفاء إسرائيلي، وفي الغالب يقفون على الضد من القوى الاجتماعية والدينية خارج النص، كما تفصح عن ذلك معاركهم الإعلامية. وكأن الرواية مجرد منصة للاشتباك مع الجمهور. هذا بالإضافة إلى أن الروائي العربي الذي ينفي نفسه بنفسه في لغة الآخر إنما يوجه رسالة جارحة للقارئ العربي، إذ يضعه في مرتبة متأخرة في سُلم أولوياته. وهو لا يتجاهله تماماً، بل يفضل أن يطل عليه مترجماً، بدليل ترجمة معظم الروايات التي كُتبت بلغات الآخرين.
إن الروائي الذي يولد وينشأ بين لغتين يتمزق في الواقع بين هويتين، وبالتالي فهو يعيش حالة من الانفصام إلى أن ينحسم خياره في نهاية المطاف باتجاه لغة هي بمثابة الرداء الروحي لهويته، أو هي بيته كما يصف هايدجر المنزع اللغوي للكائن، لأن اللغة بقدر ما هي قوانين مفرداتية ونحوية وصياغية فهي نظام روحي.
وهكذا هو النص الروائي، فهو يتجاوز كونه مادة تلفظية إلى حافة الخطاب، وهو ما يعنى أن من يستشعر نقص لغته إزاء لغة الآخر، فيقفز مهاجراً خارج لغته، ويصمم حساباته الإبداعية بمعزل عن أشواق القارئ العربي، فهو إنما يخرج من بيته، ويعيش مغترباً في منفاه اللغوي، مرتضياً العيش في كولونياليات ثقافية بديلة.

- ناقد سعودي



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.