محمد يعقوب: الشعراء ملائكة عند الفوز بالجوائز... وأبالسة عند خسارتهم

«شاعر عكاظ» 2019 قال إن الإبداع في السعودية يركض وحيداً مع انحسار دور النقد

الأمير خالد الفيصل يتّوج الشاعر محمد يعقوب ببردة «شاعر عكاظ»
الأمير خالد الفيصل يتّوج الشاعر محمد يعقوب ببردة «شاعر عكاظ»
TT

محمد يعقوب: الشعراء ملائكة عند الفوز بالجوائز... وأبالسة عند خسارتهم

الأمير خالد الفيصل يتّوج الشاعر محمد يعقوب ببردة «شاعر عكاظ»
الأمير خالد الفيصل يتّوج الشاعر محمد يعقوب ببردة «شاعر عكاظ»

غيّرت مسابقة شاعر سوق عكاظ السعودية حلّتها، ورفعت قيمتها إلى مليون ريال للفائز الأول، ونصف المليون للثاني، وربع المليون للثالث، لكنها أيضاً غيّرت طريقتها؛ أصبحت تعتمد لأول مرة على خوض منافسات بين الشعراء، وتقديم نصوص مكتوبة للمناسبة، مع تركيز على الإلقاء والحضور أمام الكاميرا. وفي تجربتها الأولى، حاز جائزة «شاعر عكاظ» هذا العام الشاعر السعودي محمد إبراهيم يعقوب، تلاه في المركز الثاني الشاعر اليمني عبد الله عبيد، كما حاز الشاعر السعودي شتيوي الغيثي المرتبة الثالثة.
ومحمد يعقوب، مواليد جازان (1972)، اسم معروف في المشهد الأدبي والشعري، ولديه ست مجموعات شعرية: «رهبة الظل» 2001، و«تراتيل العزلة» 2005، و«جمر من مرّوا» 2010، و«الأمر ليس كما تظنّ» 2013، و«ليس يعنيني كثيراً» 2015، و«ماذا لو احترقت بنا الكلمات» 2016.
وحمل النصّ الفائز بجائزة عكاظ عنوان «تراتيل العزلة». وسبق أن فاز بجائزة الثبيتي الشعرية عن ديوانه «ليس يعنيني كثيراً»، كما أحرز لقب «وصيف أمير الشعراء» عام 2008. وهنا حوار معه:
> كيف استقبلت الفوز بجائزة «شاعر عكاظ» 2019؟ لديك مشوار طويل مع الشعر... هل وجدت أن الجائزة تّوجت هذه المسيرة؟
- في الحقيقة، لم أستقبل الفوز، بل خضتُ مع زملائي المترشحين لمرحلة 22 في هذه النسخة من جائزة «شاعر عكاظ» كثيراً من المراحل الصعبة الحاسمة خلال المسابقة.
أما عن اللقب وحلقة التتويج، فتلك قصة أخرى. كان التتويج حلماً مثالياً بكافة المعايير، فأن تُلْقِي على صخرة سوق عكاظ، أهم منصة للشعر العربي طوال تاريخه، بما تحمله من عمقٍ وثراءٍ، يعني الكثير لكل من يقول الشعر العربي الفصيح في كل مكان، وفي كل زمان أيضاً، ثم إن التتويج جاء من رجل الفكر والثقافة الأمير الشاعر خالد الفيصل. هي بالفعل كانت لحظة تتويج لمسيرة شعرية طويلة تجاوزت العشرين عاماً، ويعزّز هذا ويجعله أجمل محبة الناس والاحتفاء الذي وجدته من قلوبٍ هي قصائد على هيئة أصدقاء ومحبين.
> كيف وجدت التغيير في طريقة تأهل الشعراء لجائزة عكاظ هذا العام التي تشابه في جانب منها جائزة «أمير الشعراء»... والتي بالمناسبة حصلتَ فيها على لقب «وصيف» في تلك المسابقة؟
- أظنّ أنه كان من المفترض لهذا أن يحدث منذ زمن، وأن يذهب اللقب للمملكة العربية السعودية في أول مرة لجائزة «شاعر عكاظ» في نسختها الجديدة، هذا يضاف لتجربة الشعر السعودي التي أصبحت تتصدر مشهد الشعر العربي، ليس على مستوى الجوائز ولكن على مستوى الحضور الفنّي والإبداعي، ولأجيالٍ متعاقبة من الأسماء الشعرية اللافتة.
> ماذا ألقى على عاتقك هذا الفوز من المسؤولية؟
- صدقني أنا، مثل غيري من الشعراء المبدعين، وهم كثر، شغوفٌ بالشعر، ممتنٌ له إلى درجة لا تصّدق... الشعر هبة حقيقية من الله.
أجل يبتهج الشاعر حين يجد تتويجاً لعمله الشغوف المتواصل المبهج، عبر جائزة أو دراسة نقدية أو محبة الناس. اللقب كبير، أنا أدرك ذلك تماماً، لكن ما أنا موقن به أني سأظل مديناً للشعر بحياة كاملة، حياة موازية لكل هذا العالم.
> سبق أن فزت في كثير من المسابقات الوطنية والعربية، هل تكتب القصيدة على مقياس المسابقة؟ وهل تقدمها بناء على معرفتك بميول لجنة التحكيم مثلاً أم تقدمها كيفما كانت، وتدع مستواها الفني هو من يحكم؟
- لا أظن أنّ شاعراً حقيقياً يكتب الشعر على مقاسات المسابقات؛ الإبداع سابقٌ للمسابقات والقراءات والدراسات، الإبداع شأنٌ شخصي جداً وروحي أكثر، أما الضوء الذي يسلّط على المبدع وإبداعه فقد يأتي وقد لا يأتي، وفي كثيرٍ من الأحيان لا يعني الإبداع في شيء، وكم من مبدعٍ عاش طوال حياته دون أن يأخذ مكانته التي يستحق، وبعد مماته أضاءت روحه العالم فناً وجمالاً وعرفاناً.
الشعر والنقد
> هناك من المشاركين في مسابقة «شاعر عكاظ» من لم يتأهلوا، وقد وجهوا اتهاماً صريحاً للجنة التحكيم بأنها أبدت رضاً واضحاً عن تجاربهم، ثم فاجأتهم باستبعادهم من المنافسة، ما تعليقك؟
- نحن ملائكة عند الفوز، وسيئون جداً عند الخسارة، أغلبنا كذلك... أنا لا ألوم أحداً، وأتفهّم تصريحات البعض؛ إنها ثورة غضب آنية تذهب مع الوقت، وهذا يحدث في كل مسابقة، خصوصاً في المسابقات العلنية، لأن الخسارة علنية أيضاً، وكل شاعر يدافع عن تجربته الشعرية، ويرى أنها الأكثر استحقاقاً، لكني بصدق أود أن أشير هنا إلى أن أعضاء لجنة التحكيم كانوا قمة في الأناقة والذوق مع كل المشاركين بلا استثناء، وقد تلمسّوا مواطن الجمال في النصوص المقدمة لهم من قبل الشعراء، كل الشعراء.
> لفتني قول عضو لجنة التحكيم الدكتور علي العلاق، بعد اختيار نصّك «تراتيل العزلة»، إنك «تمتلك طاقة شفاهية في الأداء تحسد عليها، ولديك قدرة على استثمار لغة الجسد بشكل ممتاز، بحيث إن قصيدتك تشكل كياناً لفظياً قائماً بذاته، ويوازيها ويعضّدها ويعزز منها هذا الأداء الفاخر الذي تتميز به»، هل كان الأداء سلم الصعود لهذه القصيدة؟
- أؤمن أن محاولة الشعر الكبرى للخلود تكون عبر نصّ مقروءٍ، يبقى النصّ ويذهب الشاعر، وكل النصوص التي خلّدها التاريخ تُقرأ الآن، وستُقرأ غداً، بغضّ النظر عمن كان الشاعر، وكيف كان يلقي قصيدته. لكن في الوقت نفسه، أعتقد أن المسافة بين القصيدة والمتلقي تحتاج مدّ كثيرٍ من الجسور لتصل، ومن أهم تلك الجسور الإلقاء والأداء الذي يساهم في إيصال المعنى بصورة أكثر تماهياً مع المتلقي.
> قامت الناقدة السعودية د. مستورة العرابي قبل شهور قليلة بتقديم أطروحة الدكتوراه حول شعرك، وهذا يقودنا إلى سؤال عن الحالة النقدية في المشهد السعودي، كيف تقيِمها على عموم التجربة الشعرية في المملكة؟ وعلى تجربتك الخاصة؟
- أشكر د. مستورة على اختيارها لتجربتي الشعرية كموضوع لرسالة الدكتوراه التي اشتغلت عليها، وحقيقة كانت رسالة جادة، واقتربت بشكل لافتٍ من عوالم محمد إبراهيم يعقوب الشعرية. وأنا أسعد كثيراً عند قراءة تجاربنا الإبداعية عبر رسائل الماجستير والدكتوراه، أولاً لأن إبداعنا شعراً وسرداً يستحق الدراسة، وثانياً لأن هذه الدراسات قد تتحول إلى كتب مطبوعة، يتمّ من خلالها تصدير مشهدنا الإبداعي إلى قرّاء آخرين في الوطن العربي، وهذا يتراكم بدوره لتشكيل صورة ذهنية عن الإبداع ككل في المملكة العربية السعودية مستقبلاً.
> فيما يخص النقد أيضاً، نلاحظ أن الدراسات النقدية الحرة خارج الدراسات الأكاديمية أصبحت نادرة جداً، مقارنة بفترة الثمانينات، بينما أصبحت الدراسات الأكاديمية للشعر تطغى، وذلك بحثاً عن الشهادات الجامعية... هل ترى أن هذه الظاهرة تفضي إلى تطوير التجارب الشعرية؟
- دعني أكون صادقاً معك هنا، وهذه قناعاتي على الأقل: الإبداع في المملكة العربية السعودية متقدّم على النقد بمراحل، سواءً عبر الإصدارات أو التجارب الفنية أو الحضور العربي، ولكن... ألاحظ في الفترة الأخيرة ظهور بعض الأسماء النقدية التي تعمل بجدية وبصدق وبمحبة لمشهدنا الإبداعي، لا تكتب انطباعات، بل تحاول إعادة قراءة للمدونة الإبداعية في المملكة، وأعتقد أن بوسعنا أن نراهن على جهودٍ من هذا النوع وننتظر.
> يقول الشاعر جاسم الصحيح «إن الشاعر محمد إبراهيم يعقوب استطاع تطوير تجربته إلى درجة يمكن أن نقول عنه إنه الثبيتي الجديد في الشعر السعودي»... هل ترى هذا الكلام مبني على العاطفة التي تجمعكما أم على حقيقة تجربتك الإبداعية أم كلاهما معاً؟
- علاقتي بأخي الغالي الشاعر الكبير جاسم الصحيح تمتد طويلاً إلى عمر القصيدة بيننا، وما يقوله عن تجربتي سآخذه بمحبة تليق بقلب جاسم وأناقة روحه، أما تجربة محمد الثبيتي فهي تجربة خاصة جداً في مدونة الشعر السعودي لن تتكرر، لا من حيث العوامل الخارجية التي شكلت هذا الوعي المتجاوز عند محمد الثبيتي للخروج عن النسق، ولا من حيث البناء الداخلي الذي صنع لنا أساطير في صورة شاعر عربي مختلف اسمه محمد الثبيتي.
> بالمناسبة أنت فزت بجائزة الثبيتي عن ديوانك «ليس يعنيني كثيراً»... كيف هي علاقتك بتجربة محمد الثبيتي؟
- نعم، فاز ديواني «ليس يعنيني كثيراً» بجائزة الثبيتي للإبداع، لكنّ محمد الثبيتي كان يعنيني كثيراً. أعترف أنني جُننت به، وأعترف أنه أنقذ ذائقتي الصعبة جداً بديوانه «التضاريس». تخيّل، بعد مسيرة طويلة لي مع الشعر، أبدأ بكتابة سيرة ذاتية شعرية وإنسانية، ولكن ليست لي، بل لمحمد الثبيتي. وأعترف بأني لم أكن موضوعياً في كتابة سيرة الثبيتي، بل مريداً عاشقاً مؤمناً به، وكأني أكثر من آمن به على الإطلاق. وكان أن جُننت وكتبت كتاباً تحت عنوان «محمد الثبيتي: تجربة شعرية وإنسانية». وقد ترددت كثيراً في نشره، وعرضته على أكثر من اقترب من ملكوت الثبيتي عبر مراحله كلها، أستاذي وصديقي الدكتور سعيد السريحي الذي أومأ لي بالنشر، فنشرت الكتاب عبر نادي مكة الثقافي الأدبي، ممتناً لهم لذلك. والكتاب مدوّنة عشق محمد لمحمد، وشاهد عصر على مرحلة صراع أثرت كثيراً على تشكّل الساحة الثقافية في وطننا، وما زالت ربما.
> لأي سبب تعزو انحسار دور النقد في المشهد الأدبي؟
- في مرحلة الثمانينات التي تحدثنا عنها قبل قليل، كان النقد يتحرك موازياً لحركة الإبداع، بل كان داعماً حقيقياً مخلصاً لها. أذكر على سبيل المثال لا الحصر كتاب «ثقافة الصحراء» للدكتور سعد البازعي، وكتاب «الكتابة خارج الأقواس» للدكتور سعيد السريحي، وغيرها. هذا إلى جانب وجود الشعر أو الإبداع عامة والنقد في أمسيات مشتركة، عبر قراءات شعرية ترافقها قراءات نقدية. أما الآن، فالإبداع يركض وحيداً في الساحة الثقافية، عبر أجيال متلاحقة من الأسماء الإبداعية المهمة عربياً. لمَ انحسر دور النقد؟ وما الأسباب وراء ذلك؟ لا أملك الإجابة، بصدق.
> ما تقييمك للمشهد الشعري العربي والسعودي تحديداً في الآونة الأخيرة؟
- دعني أتحدث عن المشهد الشعري السعودي، ضمن المشهد الشعري العربي، وأنا أشارك عربياً عبر سنوات، كغيري من شعراء المملكة. أقول بثقة إن الشعر السعودي أخذ مكانته المستحقة في كل المظاهرات العربية، عبر أسماء رسّخت حضورها بإبداعها وتجربتها العميقة الممتدة. ما أتمناه الآن حقيقة من وزارة الثقافة أن تستثمر هذه النجاحات التي شقّ فيها الشعراء طريقهم بأنفسهم عبر سنين في رسم صورة حقيقية لوطننا، عبر أسماء تستحق تمثيل الوطن إبداعياً وإنسانياً في أي محفل من محافل الثقافة والإبداع.
> كيف أثرت بيئة جازان المولدة للشعراء في تجربتك الشعرية؟
- تظل جازان ولادة حفية بالفن والأدب والشعر، لن تنضب هذه الأرض التي طلع من ثراها الطيب السنوسي والعقيلي وعلي النعمي وإبراهيم مفتاح وغيرهم، وستهب الوطن أسماء مبدعة كبيرة دائماً.



أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
TT

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)

ندّد أكثر من 80 مخرجاً وممثلاً، بينهم الإسباني خافيير بارديم، والبريطانية تيلدا سوينتون، بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة، في بيان اطلعت عليه وكالة الصحافة الفرنسية، الثلاثاء.

وقال الموقّعون إنهم «مصدومون من الصمت المؤسسي لمهرجان برلين السينمائي الدولي» حيال القضية، وعبروا عن استيائهم من «تورطه في فرض رقابة على الفنانين الذين يعارضون الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين في غزة».

وجاء البيان إثر الجدل الذي أثاره رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز، بعدما رد على سؤال بشأن غزة الأسبوع الماضي بالقول: «يجب أن نبقى بعيدين عن السياسة».

صورة من مبنى مارتن غروبيوس في برلين لأجنحة في سوق الفيلم الأوروبي (EFM) الذي يقام على هامش الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (أ.ف.ب)

ومن بين المخرجين البارزين الذين وقعوا الرسالة البريطاني مايك لي والأميركي آدم مكاي.

وتضم القائمة العديد من الفنانين الذين قدموا أعمالا في مهرجان برلين السينمائي. وقد فازت سوينتون نفسها العام الماضي بجائزة «الدب الذهبي» المرموقة.

وقال المقوعون إنهم «يختلفون بشدة» مع تعليقات فيندرز، مؤكدين استحالة فصل صناعة الأفلام عن السياسة. وأضافوا في البيان: «كما أصدر المهرجان بيانات واضحة في الماضي بشأن الفظائع المرتكبة ضد الشعوب في إيران وأوكرانيا، فإننا ندعو مهرجان برلين السينمائي الدولي إلى الوفاء بواجبه الأخلاقي والإعلان بوضوح عن معارضته للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل».

ولم يعترض الموقعون فقط على موقف مهرجان برلين بعدم الخوض في قضية الحرب الإسرائيلية في غزة، ولكن أيضا على «الدور الرئيسي للدولة الألمانية في تمكين ذلك».


«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
TT

«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

في حي مشيرب بالدوحة؛ حيث أقيمت فعاليات «آرت بازل قطر»، ارتدت الأبنية والساحات المغطاة لوحات حمراء اللون تشير إلى مواقع العرض في المباني المحيطة، وفي الساحات الخارجية المختلفة.

كان الجو العام مليئاً بالحيوية والحماسة لإقامة هذا المعرض العالمي لأول مرة في المنطقة العربية. ولكنه لم يكن نسخة مكررة من «آرت بازل» بمعارضه المختلفة في سويسرا وهونغ كونغ وميامي بيتش، بل اكتسب شكلاً مختلفا في الدوحة، فالرؤية الفنية للمدير الفني، وائل شوقي، أخذت المعرض من الصيغة المعروفة للغاليريهات، التي تعرض مجموعة من الأعمال لفنانين مختلفين، إلى صيغة مختلفة ركزت على الفنان، بحيث عرض كل غاليري أعمال فنان واحد فقط، وهو ما غير تجربة التجول بين المعارض وجعلها ممتعة بشكل كبير، وتحولت التجربة إلى اكتشافٍ لأفكارِ وممارسة فنان بعينه في إطار السوق الفنية.

وعلق وائل شوقي على ذلك: «ما جذبني إلى هذا الدور هو إمكانية إقامة معرض فني لا يفصل بين السوق والمعرفة، بل ينظر إليهما على أنهما جزء من منظومة واحدة. يتيح الشكل المفتوح لـ(آرت بازل قطر) للفنانين تقديم أفكار مكتملة لا مجتزأة، ويدعو الجمهور إلى لقاء حقيقي مع العمل الفني، وبالتالي يشكل المعرض مساحة مميزة للوصول إلى الفن من جهة، ولتقديم المعرفة وتفعيل الحوار الثقافي وتوليد الفرص للفنانين من جهة أخرى».

زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر (آرت بازل قطر)

التجول عبر الغاليريهات المشاركة يرسم صورة لمشهد فني غني ومنتعش في المنطقة، وهو ما تحول أرقاماً، فقد زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر، ومثل جامعو الأعمال الفنية والرعاة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا نحو نصف العدد.

ووفق البيان الرسمي، فقد شهدت صالات العرض من قطر والسعودية والإمارات تفاعلاً واضحاً من جامعين ومؤسسات فنية، وكان الطلب ملحوظاً بشكل خاص على الفنانين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا والجنوب العالمي.

خلال جولة «الشرق الأوسط» على الغاليريهات المشاركة، كان لا بد من التوقف أمام عدد منها قدم أعمالاً مميزة جذبت الحضور بجماليات عالية، وموضوعات تناقش قضايا الإنسان والكوكب.

علي بني صدر.... بين الأساطير والواقع

يعرض غاليري «بيروتين» مجموعة من أعمال الفنان الإيراني علي بني صدر، تتصدرها اللوحات الضخمة التي تنطق بأسلوب مميز بحوار بين الأساطير والشخوص الخيالية وهموم الإنسان المعاصر. ولأول مرة نرى منحوتات من عمل الفنان. تماثل منحوتاته الشخوص والأشكال الغامضة في اللوحات، وبشكل ما تبدو كل منحوتة كأنها عنصر خرج من اللوحة، وهو ما يمثل للناظر نوعاً من الحوار البصري بين الاثنين.

يتجول الفنان في معرضه الصغير، وبابتسامته المعهودة يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه حضر إلى الدوحة لزيارة المتاحف ولحضور هذه النسخة من «آرت بازل» لاختلافها عن النسخ الأخرى: «لم أزر الدوحة من قبل، ولكنني أردت الحضور للمعرض لأرى فكرة المعرض الفردي لكل فنان». يقول إن الفكرة تعمل لمصلحة الفنان... «بالتأكيد؛ فالزوار يمكنهم التركيز على الأعمال وفهمها بشكل أفضل، بعكس الوضع في معارض الفن العالمية الأخرى».

من أعمال الفنان علي بنيصدر (الشرق الاوسط)

يتحدث عن أعماله في العرض، وهي تضم لوحات بألوان الباستيل، والمنحوتات التي يقدمها لأول مرة: «بدأت عمل المنحوتات العام الماضي. كنت دائماً أشكل القطع بالطين، ولكني لم أجرب العمل بالبرونز من قبل. كانت تجربة مذهلة في الحقيقة، فأنا من محبي الفن القديم؛ ولهذا اعتمدت على أسلوب عمره 5 آلاف عام. كثيرون علقوا بأن المنحوتات تبدو كنماذج ثلاثية الأبعاد لتفاصيل من لوحاتي». يفسر ارتباطه بفنون الشرق الأدنى بأنها «تحمل صفات قد تبدو مستقبلية، وهو ما يثير اهتمامي».

إدريس خان... طبقات من الرموز والمعاني

في غاليري «فيكتوريا ميرو»، نسبح في عالم الفنان إدريس خان، الذي يقدم أعمالاً تبدو مثل المخطوطات القديمة المذهبة، بعضها مكتوب على خلفية زرقاء اللون، مما يستدعي إلى الذهن «مخطوطة المصحف الأزرق»، وهي مخطوطة أثرية تعود إلى العصر الفاطمي (ما بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين). تحت عنوان «الزمن الحاضر... الزمن الماضي»، نرى سلسلة من اللوحات المزينة بورق الذهب تستوحي تقاليد الثقافة الإسلامية، ولكن بمكنون معاصر.

عمل للفنان إدريس خان (الشرق الاوسط)

مخطوطات إدريس خان هنا مبهمة... لا نستطيع تبين الكلمات ولا الأحرف. تشير المشرفة على العرض إلى أن الفنان استخدم رموزاً موسيقية في بعضها ونصوصاً فلسفياً خاصة.

تقول المشرفة على الغاليري: «كثيراً ما يعمل الفنان على النصوص، ويُركّبها في طبقات. وفي حالة هذه السلسلة، كان يقرأ كثيراً للشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون، وبينما كان يفكر في رؤيتها العالم وطريقة تعاملها مع الحياة، وتأملاته الخاصة في أعمالها، حوّلها قصائد؛ بعضها تُرجم إلى العربية، وبعضها الآخر خضع لبرنامج كومبيوتري خاص حوّلها نوتات موسيقية. هو ليس مهتماً بصنع شيء يُقرأ. بل يتعلق الأمر بتكثيف كل المشاعر، وكل المحتوى الروحي الموجود فيه، في لحظة بصرية واحدة».

سمية فالي و«مجلس العشاق»

في ساحة تتوسط مباني المعرض في حي مشيرب، تعرض الفنانة الجنوب أفريقية، سمية فالي، عملها المعنون: «في مجلس العشاق»، وهو عمل تركيبي تم خصيصاً لمعرض «آرت بازل قطر» الافتتاحي، وهو بيت شعري يُنسب إلى شعراء متصوفين؛ من بينهم رابعة العدوية.

ويُشيد عمل فالي بأماكن التجمع المدمَّرة أو المتضررة في أنحاء العالم الإسلامي. يستلهم العمل من مجموعة متنوعة من المواقع؛ من ساحات قرطبة، إلى حدائق غزة، ومن ضفاف نهر كشمير، إلى أروقة حيي «ديستريكت6» ومشيرب في قطر، ليُنسج العمل الذاكرة والعمارة والحضور الجماعي معاً. كان كل منها مكاناً للتجمع، حيث عاشت الصلاة والشعر والتجارة والتأمل والتعايش والمعارضة جنباً إلى جنب.

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «في هذا العمل، استلهمتُ من أماكن التجمع المفقودة في الفن الإسلامي؛ من كنائس ومساجد، بالإضافة إلى الأسواق والساحات العامة والشوارع، التي فُقدت أو دُمّرت في أنحاء متفرقة من العالم؛ من جنوب أفريقيا وقرطبة وغزة. يتتبع هذا العمل مخططات بعض هذه الأماكن وأشكالها، ويرسم ملامحها. إنه يدور حول فكرة التكاتف لإعادة البناء معاً، بشكل جماعي».

يتكون العمل من مجموعة من القطع السوداء التي يمكن نقلها وتحريكها؛ «لذا يمكن استخدامها مساحةً للتأمل، أو للتجمعات» بينما على الأرض نرى القطع تمثل خريطة معمارية قديمة «استوحيناها من الأماكن المفقودة».

عمران قريشي وإحياء تقاليد النسج

في ركن من العرض أشبه بنصف غرفة ملونة، كأنها صنعت من نسيج ملون، جلس شخصان يركّبان الخيوط الملونة على مقاعد خشبية صغيرة. في عمل الفنان الباكستاني عمران قريشي نرى إعادة تصور لنسيج «الشارباي» التقليدي - وهو عنصر أساسي في الحياة المنزلية بجنوب آسيا - بلغة هندسية دقيقة تجمع بين التجريد والترابط.

في هذه السلسلة الجديدة، يُحوّل قريشي النسيج البسيط للسرير إلى عمل فني باستخدام خيوط نايلون نابضة بالحياة، مشدودة على إطارات فولاذية صناعية. يضم العمل الفني مجموعة متناغمة من الزخارف الهندسية، بما في ذلك أنماط «المعين» و«المتعرج» و«الصليب»، مُنفذة بألوان لافتة من الأحمر والأزرق، والأخضر والأصفر، والأزرق والذهبي، بينما يتخذ بعض الأعمال شكل إطارات مستطيلة مثبتة على الجدران تُحاكي زخارف المخطوطات الإسلامية.

عمل الفنان عمران قريشي (الشرق الاوسط)

يقول الفنان لـ«الشرق الأوسط»: «تلقيتُ تدريباً في فن رسم المنمنمات بالكلية الوطنية للفنون في لاهور، وكان تدريبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بهذا الفن. ثم بدأتُ تجاوز حدود الرسم المصغر... وهذا أحد أعمالي الحديثة. تخيلتُ صفحات مخطوطة مفتوحة، وإطاراً، وحافة، ثم ابتكرتُ سطحاً ثلاثي الأبعاد يمكن للناس دخوله، بل يمكنهم التجول فيه إن أرادوا». بشكلٍ ما، يمكن للزائر دخول العمل والجلوس على المقاعد ليصبح جزءاً من العمل الفني... يضيف: «أردت بطريقة ما إحياء (الشارباي) التقليدي واستكشاف إمكانية ربطه بالفن المعاصر، أو طرق جديدة للنظر إلى هذا التقليد نفسه».


ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
TT

ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)

في حضوره العالمي الأول ضمن مسابقة «الأفلام القصيرة» في مهرجان «برلين السينمائي الدولي»، يقدّم الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد» تجربة سينمائية مكثفة تنطلق من حكاية طفل في قرية حدودية، لكنها تنفتح على أسئلة أوسع تتعلق بالسلطة والاختلاف والذاكرة والعنف الكامن في الصوت قبل الصورة.

الفيلم الذي كتبته وأخرجته ماري روز أوسطا، لا يكتفي بسرد واقعة عن طفل يمتلك قدرة غير اعتيادية، بل يحوّل هذه القدرة إلى استعارة مركّبة عن الطفولة حين تُدفع إلى الاختباء، وعن المجتمعات التي تخشى كل ما يتجاوز معيار «الطبيعي».

وتدور القصة حول صبي في الحادية عشرة يعيش مع عمه في قرية لبنانية اعتادت على أصوات الطائرات الحربية باعتبارها جزءاً من يومها العادي، وفي هذا السياق المشحون، يكتشف الطفل أنه يمتلك قدرة غامضة لا يفهم حدودها.

العم الذي يتولى رعايته، يحاول بكل السبل أن يبدو «عادياً»، ويذيب أي علامة اختلاف قد تجلب الانتباه أو الخطر، غير أن القمع لا يطفئ الطاقة، بل يؤجل انفجارها، وعندما يؤدي اختبار بريء لهذه القدرة إلى سقوط طائرتين حربيتين، يصبح السر عبئاً، وتتحول المخيلة إلى قوة لا يمكن احتواؤها.

ما يمنح الفيلم عمقه الحقيقي ليس الحدث الفانتازي في ذاته، بل الطريقة التي يُبنى بها بوصفها انعكاساً لخبرة معيشة، فالبيت الذي تجري فيه الأحداث ليس مجرد ديكور، بل ذاكرة متجسدة، بناء أسمنتي غير مكتمل فوق بيت حجري قديم، سلالم تؤدي إلى فراغ، غرف مفتوحة على الريح والنباتات. هذا الفضاء، الذي استُلهم من بيت أجداد المخرجة في شمال لبنان، يتحول إلى متاهة رمزية.

المخرجة اللبنانية (الشرق الأوسط)

وتقول ماري روز أسطا لـ«الشرق الأوسط» إن «الفيلم وُلد من لحظة شخصية عميقة تعود إلى عام 2006، حين كانت مراهقة في بيروت لا تتابع الأخبار ولا تنشغل بالسياسة».

مضيفة: «لم نكن معتادين في بيروت على سماع صوت الطائرات الحربية، في ذلك اليوم، دخل الصوت إلى غرفتي فجأة. شعرت بشيء غير طبيعي، وكأن هناك حدثاً يوشك أن يقع، من دون تفكير قلت (بوم) وبعد لحظات وقع انفجار فعلاً قرب المنزل».

استدعاء الكارثة

وأضافت أنها في تلك اللحظة شعرت كأنها تسببت بالانفجار، «كأن لدي قوة خارقة استدعت الكارثة»، قبل أن تدرك أن ما حدث كان بداية الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو (تموز) 2006.

وأكدت أن هذا الشعور بالتصادم بين الصوت والحدث، بين الخيال والواقع، ظل عالقاً بداخلها لسنوات، مضيفة: «في تلك اللحظة كبرت فجأة، فهمت معنى أن تدخل الحرب إلى حياتك من دون استئذان، أن تشعر بأن حياتك العادية يمكن أن تنقلب في ثانية، وأنك بلا قدرة على القرار».

وأضافت أن «شخصية الطفل تحمل جانباً شخصياً واضحاً؛ لأن البيت الذي صُوِّر فيه الفيلم هو بيت جدها في شمال لبنان، وهو بيت غير مكتمل ظل شاهداً على انهيار اقتصادي قديم بعد إفلاس البنك الذي كان يضع فيه أمواله ولم يتمكن من استردادها حتى الآن».

وأكدت أن «هذا البيت كان بالنسبة لها مساحة حرية، فلم يكن الكبار يخافون أن يفسد شيء فيه، وكانت تركض بين دهاليزه وتخرج إلى الأرض المحيطة به، وتواصل بين الخرسانة والطبيعة، بين الداخل والخارج، مما خلق لديها عالماً من الخيال».

استعادت المخرجة موقفاً شخصياً في طفولتها (الشركة المنتجة)

وأشارت إلى أن «شعورها بالحرية في ذلك المكان امتزج لاحقاً بذكريات الانهيارات المتكررة في لبنان، كأن التاريخ يعيد نفسه، وكأن البيوت غير المكتملة تشبه بلداً يعيش مشاريع لم تكتمل».

وفي حديثها عن البعد السياسي، شددت على أن السياسة في الفيلم ليست شعاراً مباشراً، بل طبقة طبيعية نابعة من واقعها كونها امرأة لبنانية، مضيفة: «هذا الصوت حفظته في جسدي. عندما أسافر وأسمع طائرة مدنية، أقفز من مكاني. هذه صدمة تراكم، فنحن نعيش تحت تهديد دائم، لا نعرف متى تحوم الطائرات فوقنا وماذا سيحدث، في لحظة ما، تتمنى لو أن لديك القدرة على الردع، على إيقاف هذا الاجتياح».

وعن تمويل الفيلم أوضحت أن «الرحلة لم تكن سهلة، خصوصاً في سياق عربي يعاني من محدودية مصادر الدعم للأفلام القصيرة، لكنها أكدت أن المشروع قام على جهد جماعي، وصوّرت في المنطقة التي تعرفها جيداً، وعملت مع ممثلين وأصدقاء آمنوا بالفكرة، وهو الأمر الذي سهل الكثير من العقبات».