مصطفى كمال النابلي: هدفي المرور إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية

المرشح للرئاسة التونسية يقول لـ «الشرق الأوسط» إن مبادرة «النهضة» بشأن الرئيس التوافقي غير مجدية

مصطفى كمال  النابلي
مصطفى كمال النابلي
TT

مصطفى كمال النابلي: هدفي المرور إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية

مصطفى كمال  النابلي
مصطفى كمال النابلي

قال مصطفى كمال النابلي، المحافظ السابق للبنك المركزي التونسي وأحد المرشحين لرئاسة الجمهورية، إن تقديمه شهادة طبية ضمن ملف الترشح للانتخابات الرئاسية ليس موجها لأي طرف سياسي أو مرشح للرئاسة، بل يدخل ضمن الشفافية الأخلاقية الضرورية لعمل مؤسسات الدولة، مشيرا إلى أنه من حق التونسيين معرفة كل التفاصيل عن مرشح الرئاسة عدا السيرة الذاتية والتجربة السياسية.
وأضاف النابلي، في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» بالعاصمة التونسية، أن قرار تقدمه بشهادة طبية ضمن ملف ترشيحه اتخذ قبل أسابيع من إطلاق إشاعات بشأن مرض الباجي قائد السبسي، رئيس حركة نداء تونس.
وفيما يلي نص الحديث:
* متى قررتم الترشح للانتخابات الرئاسية؟ وما دوافعكم من وراء ذلك؟
- فكرة الترشح لمنافسات الرئاسة تعود إلى قرابة شهرين قبل الآن، لكن القرار النهائي اتخذته قبل فترة قليلة، ودوافعه الأساسية ترجع إلى متابعتي التطورات الحاصلة في المشهد السياسي التونسي وما رافقها من مصاعب سياسية وأمنية، وأيضا اقتصادية. ولا أخفي أنني من خلال التشخيص لاحظت أن مؤسسة الرئاسة خفت بريقها، وهي في حاجة أكيدة لكي تصبح مؤسسة حقيقية تلعب دورا أساسيا في استقرار بقية مؤسسات الدولة وتلعب دورا محوريا في إعادة الثقة إلى نفوس التونسيين خلال السنوات الخمس المقبلة. لقد خلق الوضع غير المستقر في تونس مجموعة من المصاعب والمشكلات التي يعتقد كل الخبراء أنها ستستمر خلال السنوات المقبلة. وأدركت كذلك أن التونسيين في حاجة أكيدة إلى إعادة الثقة في الدولة ومؤسساتها، وهذا ما سيفيد في إعادة ثقة الخارج في تونس من كل النواحي، والمطلوب من مؤسسة الرئاسة العمل على تلبية نداء الصالح العام من خلال مصداقية شخصية الرئيس المقبل وفاعليته في تنقية الأجواء وتحسينها.
* لكن كل المرشحين للرئاسة أو معظمهم يقدمون المبررات نفسها بشأن ترشحهم لرئاسة الجمهورية، فما الذي سيميز بينهم على حد تقديرك؟
- لقد عاينت بصفة شخصية كم المشكلات المتراكمة في تونس منذ الثورة، واتصلت بالكثير من الأطراف السياسية والاقتصادية، وأعدت ترتيب تلك المشكلات، وخلصت إلى أنها كل مترابط تتداخل فيه المشكلات السياسية والأمنية والاقتصادية. ومن خلال متابعتي لمن قرروا الترشح للانتخابات الرئاسية، لم ألاحظ استجابة فعلية لمتطلبات المرحلة المقبلة، وكان لزاما علي التقدم بخيار مختلف للتونسيين.
* إلى ماذا أفضى ترتيبك لتلك المشكلات؟
- اتضح لي أن العملية معقدة جدا، وأن مفتاح الحل يبدأ بإرجاع الثقة إلى المؤسسات الدستورية، وبناء نوعية جديدة من الثقة تربط بين التونسيين ومؤسسات الحكم. وأعتقد أن لي القدرة والكفاءة على فتح أبواب أمل جديدة أمام التونسيين.
* لكن الأمل الذي تحدثت عنه يمكن اختصار طريق الوصول إليه عبر الجوانب الاقتصادية، فهل ستكون أنت رئيسا بخلفية اقتصادية؟
- البعد الاقتصادي مهم للغاية. والثورة جاءت من أجل الحرية والكرامة، وإذا كانت الحرية قد تحققت بوصفها مكسبا مهما من مكاسب الثورة ولا يمكن التراجع عنه أو التشكيك في وجوده، فإن الكرامة لا يمكن الحديث عنها إلا بتحسين مستوى عيش التونسيين والرقي بقطاعات التربية والتعليم والصحة والنقل وغيرها من نواحي الحياة. وهذا لا يجعلنا نغفل بقية الجوانب، خاصة منها السياسية والأمنية، فهي أساسية ولا يمكن الاستهانة بتأثيراتها على جميع المتغيرات. وأعتقد أن مهمة الرئيس التونسي المقبل ليست فنية فحسب، بل تشمل قدراته الشخصية على إدارة الشأن العام واتخاذ القرارات المناسبة كما أشرت إلى ذلك في أكثر من مناسبة.
* وهل بإمكان الرئيس التونسي المقبل تغيير صورة مؤسسات الدولة، وفتح أبواب الأمل أمام التونسيين وهو لا يتمتع بصلاحيات دستورية واسعة؟
- هذا الكلام لي فيه رأي مختلف، فمعظم المرشحين لكرسي الرئاسة يقدمون قراءة منقوصة لصلاحيات رئيس الدولة، إذ ليس صحيحا بالمرة أن مهام الرئيس تتلخص في النواحي الشكلية، فهو قادر على إشاعة مناخ من الثقة، وينتظره عمل كبير في هذا المجال للمساعدة على الاستقرار السياسي والأمني، وهو الذي سيغير لاحقا وجه تونس.
وأعتقد أن الرئيس لديه الكثير من الوسائل والصلاحيات الدستورية للتأثير على السياسات والتوجهات العامة للبلاد، فالدستور الجديد يسمح له بتقديم مشاريع قوانين وبرامج للتنمية والاستقرار، ويمكنه من اللجوء إلى استفتاء التونسيين بشأن تلك البرامج والقرارات والمبادرات في حال عدم الاتفاق عليها مع بقية الشركاء السياسيين. كما أن القانون يسمح له برئاسة مجلس الوزراء، ومن ثم التأثير على السياسة العامة للدولة.
* ومع ذلك يبقى الدور تشريفيا وهو بعيد كل البعد عن صلاحيات رؤساء دول أخرى.
- الأمر مرتبط بشخصية الرئيس؛ فهي، على حد اعتقادي، محورية في هذا المجال، وهو الذي يوسع في أدواره ويحدد مدى نجاعة تدخلاته في الشأن السياسي.
* لقد ارتفع عدد المرشحين للرئاسة إلى 70 مرشحا، وهذا رقم قياسي لم يحصل في السابق، كيف ستتميز أنت عن كل هؤلاء؟
- بإمكاني التميز عن بقية المرشحين على 3 مستويات، الأول ينطلق من تجربتي الطويلة في إدارة الشأن العام، والتصرف الإداري، والابتعاد عن خدمة أجندات ضيقة. أما المستوى الثاني فهو التمتع بالاستقلالية عن بقية الأطياف السياسية، فمعظم المرشحين للرئاسة انطلقوا من أحزاب سياسية أو لديهم ميول سياسية إلى اليمين أو اليسار، وهذا الأمر لا ينطبق علي، وهو يميزني عن بقية المرشحين.
أما المستوى الثالث، فيكمن في التوجه الفوري نحو الأفعال، وعدم الاكتفاء بالأقوال، فمن خلال تجربتي الطويلة في التعامل مع الملفات الكبرى، فإن توقيت القرار والتعامل الفوري مع المشكلات يمثلان جانبا كبيرا من عنصر النجاح في مختلف نواحي الحياة.
* وما رأيك في مبادرة حركة النهضة بشأن الرئيس التوافقي؟ وهل أنت معني بها؟
- أراها مبادرة غير مجدية، وأنا شخصيا غير معني بها، بل أكثر من ذلك هي محاولة أو طريقة لنزع المبادرة من الشعب وإسنادها غصبا للأحزاب السياسية، وهذا على حد اعتقادي نسف للتجربة الديمقراطية التي تمكن الشعب من اتخاذ قراره بنفسه عبر صناديق الاقتراع.
* هل أجرت حركة النهضة اتصالات بكم في هذا المجال؟
- لا لم نتحدث في هذا الموضوع.
* نأتي الآن إلى علاقتك بالباجي قائد السبسي رئيس حركة نداء تونس.. كيف تقيمها في الوقت الحالي؟
- علاقتي بالباجي طيبة وقد التقيته أخيرا، ودار اللقاء بيننا في أجواء ودية.
* وهل لك أن تطلعنا على ما دار بينكما من حديث في ذلك اللقاء الذي سبق ترشحكما لمنافسات الرئاسة؟
- اللقاء لم يكن رسميا، ولم يحظ بتغطية إعلامية كبرى، واكتفينا بالحديث عن الوضع العام في البلاد وعن الترشح للرئاسة.
* قلت إن العلاقة مع الباجي ودية، ولكنك فاجأت الساحة السياسية التونسية بتقديم شهادة طبية تكشف سلامتك الجسدية والنفسية، وهذا الأمر جرى بعد فترة قليلة من إثارة موضوع مرض الباجي قائد السبسي من قبل قياديين في حركة نداء تونس، وهذا الأمر قرئ من معظم السياسيين على أنه محاولة منك للتخلص المبكر من أحد منافسيك البارزين؟
- دعني أشِر إلى أن تونس عرفت فترات حالكة في تاريخها، وشكل مرض الرئيس أحد التابوهات المغلقة أمام الحديث الإعلامي أو التناول الشعبي؛ فهذا الموضوع شكل سرا في عهد الحبيب بورقيبة وفي عهد زين العابدين بن علي كذلك، وشكل إحدى عقبات الحكم، ومن الضروري اليوم الحديث عن هذا الموضوع قبل الإقدام على منافسات الرئاسة.
ولعلمكم، فإن فريق العمل الإعلامي، الذي يشرف على العملية الانتخابية، هو الذي نصح بتقديم تلك الشهادة الطبية ضمن ملف الترشح للرئاسة للتأكيد على سلامة المترشح وخلوه من الأمراض التي تجعل من ممارسة الحكم مشقة وعبئا ثقيلا عليه. وقد اتخذنا هذا القرار قبل أسابيع من تداول إشاعات بشأن مرض قائد السبسي. كذلك من حق التونسيين أن يعرفوا كل التفاصيل الصحية والنفسية والمالية عن المرشحين للرئاسة حتى لا يفاجأ بعد ذلك بقرارات اعتباطية تتخذ في فترة ستكون صعبة على كل التونسيين.
* هل تعتقد أن هذه المبررات ستقنع المتابعين للشأن السياسي وتؤكد لهم أن تلك الشهادة الطبية لا تستهدف بعض المرشحين ومن بينهم قائد السبسي؟
- الشهادة الطبية التي قدمتها ليست موجهة لأي طرف سياسي أو مرشح للرئاسة، بل تدخل ضمن الشفافية الأخلاقية الضرورية لعمل مؤسسات الدولة، فمن حق التونسيين أن يعرفوا كل التفاصيل عن المرشح للرئاسة عدا السيرة الذاتية والتجربة السياسية المعروفة للجميع.
* أنت أيضا لم تسلم من الاتهامات؛ إذ مباشرة بعد تقديمك للشهادة الطبية أثيرت مسألة اتهامك باختلاس الذهب من البنك المركزي التونسي الذي كان تحت مسؤوليتك، من يقود هذه الحملة ضدك، في نظرك؟
- أعتقد أنه هجوم تافه، فوضعية الذهب في البنك المركزي التونسي سليمة وليست هناك أي مشكلات، وكل هذه الأمور موثقة ضمن لوائح المحاسبات، ولم تتغير كمية الذهب البتة، والحكومات التونسية المتعاقبة على السلطة بعد الثورة تدرك هذا الأمر.
* ومن تعتقد أنه يقف وراء تلك الإشاعات؟
- ليس مهما من يقف وراءها، ولكن المهم، حسب رأيي، أنها باطلة. وأطلب بالمناسبة من مختلف المرشحين أن يراعوا الحد الأدنى من الأخلاقيات السياسية عند توجيه انتقادات بعضهم لبعض ضمانا لبيئة انتخابية سليمة.
* الآن وقد توضحت مواصفات الرئيس التونسي المقبل لديكم على الأقل، ما سقف طموحاتكم في هذه المنافسات الرئاسية؟
- هدفي الأساسي هو النجاح في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية، وإذا تمكنت من المرور إلى الدور الثاني، فإن حظوظ النجاح ستكون وافرة بالنسبة لي.
* من تنتظر من المنافسين في الدورة الثانية من انتخابات الرئاسة؟
- من السابق لأوانه تناول هذا الأمر، ولكن كل الاحتمالات تبقى واردة.
* عرفت بأنك كفاءة اقتصادية بالأساس، كيف ستقنع الناخب التونسي اليوم بأنك تجاوزت حدود الاقتصاد إلى إدارة الشأن العام بكل تفاصيله؟
- أعتقد أن دور الرئيس التونسي المقبل هو تجميع التونسيين ونشر الثقة بينهم، ولا شك أن تجربتي في ميدان الاقتصاد والمالية ستساعد على تصور حلول عملية لعدة ملفات، ولكن مهمة الرئيس المقبل لن تكون اقتصادية، وسترتكز على عدة قضايا أخرى أمنية وسياسية على غاية من الأهمية.
* تحدثت في أكثر من مناسبة عن إعادة الثقة إلى التونسيين، كيف يمكن تحقيق ذلك؟
- أملي أن تفرز الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة طبقة سياسية مختلفة وقادرة على تصور الصعوبات المرحلية التي ستعرفها البلاد. نريد من الانتخابات المقبلة أن تحدث رجة نفسية لدى التونسيين فتتغير كل صور الحياة ويعود الاستقرار السياسي والأمني للبلاد، فهو محور كل عملية استثمارية ناجحة.



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.