صفحة سياسية جديدة في إيطاليا... بعد إطاحة سالفيني

تحالف «النجوم الخمس» مع الديمقراطيين تحقق بتضافر جهود الداخل والخارج

صفحة سياسية جديدة في إيطاليا... بعد إطاحة سالفيني
TT

صفحة سياسية جديدة في إيطاليا... بعد إطاحة سالفيني

صفحة سياسية جديدة في إيطاليا... بعد إطاحة سالفيني

يوم الخميس المنصرم، أدت الحكومة الإيطالية الجديدة القسم أمام رئيس الجمهورية سيرجيو ماتّاريلّا، بعد ثلاثة أسابيع من المفاوضات المكثّفة بين حركة «النجوم الخمس» الشعبويّة، التي أسست في عام 2009 على منصّة إلكترونية، كتيّار احتجاجي على النظام القائم، والحزب الديمقراطي الذي قام على أنقاض الحزبين الاشتراكي والشيوعي، بعد انهيار التركيبة الحزبية التي سادت في المشهد السياسي الإيطالي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتشكّل هذه الحكومة الجديدة عودة إلى المسار المؤسسي الطبيعي، وإلى الحظيرة الأوروبية، بعد أربعة عشر شهراً من الاحتقان السياسي والاجتماعي المستمر، والتوتّر الدائم مع الحلفاء الأوروبيين والمؤسسات الأوروبية، على يد الحكومة السابقة التي لعب اليمين المتطرف الدور الأساسي فيها. ولقد أحدث هذا اليمين، ممثلاً بحزب «الرابطة» بزعامة ماتيو سالفيني، شرخاً عميقاً في المجتمع الإيطالي، أعاد إلى الأذهان الحقبة التي سبقت نشوء النظام الفاشي مطلع عشرينات القرن الماضي، وترك تداعيات سلبية جداً على عدد من الاستراتيجيات الأوروبية المهمة في مرحلة دقيقة يواجه فيها المشروع الأوروبي تحديات مصيريّة تتوقّف عليها ديمومته.
انطلاق الحكومة الإيطالية الجديدة التي كرّست بروز رئيسها جيوزيبي كونتي، كشخصية محوريّة في المعادلة السياسية، وذلك بعد الدور الثانوي الذي لعبه في الحكومة السابقة، ليس سوى خطوة أولى في مهمة معقدة لتصويب المسار الذي ذهبت فيه إيطاليا منذ مطلع الصيف الماضي.
صحيح أن «النجوم الخمس» ما زالت تشكّل أحد طرفي التحالف الحاكم، ولكن لا بد لها أن تعدّل في سياستها الجديدة، وأيضاً في مطامحها، بعد قطع الأواصر المتينة التي ربطتها طوال أربعة عشر شهراً مع حزب «الرابطة»، والاتفاق الذي توصّلت إليه مع خصمها السياسي الأول (الحزب الديمقراطي)، والذي واجه معارضة شديدة في صفوف قاعدتها الشعبية.
وفي أي حال، لقد بات بإمكان أوروبا، بعد تجديد قيادات مؤسّساتها الرئيسية الخمس، أن تعتمد على إحدى دولها الأعضاء الأساسية (إيطاليا في هذه الحالة) من أجل مواجهة الملفّات الحسّاسة التي تقتضي معالجتها توافقاً واسعاً، مثل أزمة الهجرة والسياسات الاقتصادية، التي كان لصعود اليمين المتطرف في الفترة الأخيرة تأثير سلبي كبير عليها.
ومما لا شك فيه أن محاولات التخريب المتعّمد التي قام بها سالفيني لإفشال - أو إعاقة - عدد من المشاريع والسياسات الأوروبية المهمة، بذريعة الدفاع عن المصالح الوطنية، قد أخّرت وعقّدت استراتيجيات واتفاقات ما عاد بإمكان أوروبا أن تماطل في إنجازها.
ولكن كيف وصلت إيطاليا إلى المأزق الذي عاشته خلال ولاية الحكومة السابقة، والذي أطلق صفّارات الإنذار في المحيط الأوروبي الذي كان يغلي على أكثر من جبهة؟
وكيف أسدل الستار فجأة قبل بداية الفصل الأخير من عمليّة صعود اليمين المتطرف إلى قمّة السلطة في ثالث أكبر اقتصادات أوروبا؟
وما حظوظ سالفيني في العودة مجدداً إلى صدارة المشهد السياسي الإيطالي، بعد ارتكابه هذا الخطأ الفادح، بتفجير أزمة حكومية كان الخاسر الوحيد فيها؟

إيطاليا مختلفة يميناً ويساراً
لا بد، في البداية، من التذكير بأن إيطاليا السياسية اليوم لا تشبه في شيء تلك التي كنّا نعرفها منذ عشر سنوات، وأن التحوّلات التي شهدتها بلدان الاتحاد الأوروبي على صعيد التغييرات في معادلاتها الحزبية، منذ الأزمة المالية والاقتصادية أواخر العقد الماضي، بلغت في إيطاليا مرحلة متقدمة جداً... يمكن القول إنها كانت بداية ما يصلح تسميته «الجمهورية الثالثة»؛ ذلك أن الدولة التي كانت مهد الديمقراطية المسيحية في أوروبا لم يعد هذا الخط السياسي فيها سوى أثر بعد عين، ولم تعد شعبيته وكتلته البرلمانية تزيد على 6 في المائة، بعدما كان قد سيطر على مقاليد الحكم طوال أربعة عقود متواصلة. وأيضاً الحزب الشيوعي الإيطالي، الذي قاد المسار التاريخي للابتعاد عن الخط السوفياتي، عندما كان أقوى الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية، لم يعد له نائب واحد في البرلمان الذي تولّى رئاسته أمينه العام فاوستو برتينوتّي من عام 2006 إلى عام 2008.
وعلى أنقاض الديمقراطية المسيحية التي أعطت إيطاليا وأوروبا بعض ألمع السياسيين - وليس بالضرورة أنزههم - بنى الملياردير المغامر صاحب العلاقات المشبوهة سيلفيو برلسكوني مشروعه السياسي مستنداً إلى إمبراطورية إعلامية مترامية، سخّر كل طاقاتها لترويجه. ومهّد، في الواقع، لما جاء بعده من ظهور للزعامات الشعبويّة من الفلبين إلى أميركا اللاتينية، ومن الولايات المتحدة إلى أوروبا.

ظروف بروز المعترضين
وفي معسكر اليسار، لم يتمكّن الحزب الديمقراطي الإيطالي، الذي أسس في نهاية عام 2007، من احتضان التركة اليسارية الكبيرة التي ورثتها إيطاليا بعد انهيار الحزبين الشيوعي والاشتراكي بسبب الصراعات الداخلية الشديدة التي عصفت بهما، وهو لا يزال حتى اليوم ضحيّة الخلافات الشخصية بين قياداته المتناحرة باستمرار.
هذا المشهد اليساري المتعثّر هو الذي شكّل الأرض الخصبة التي نشأت فيها حركة «النجوم الخمس»، على يد الممثل الفكاهي بيبي غريّو، وراحت تستنزف قاعدة اليسار المُحبَطة حتى أصبحت القوة السياسية الأولى في إيطاليا، بعد الانتخابات العامة الأخيرة في مارس (آذار) من العام الفائت.
وفي تلك الأثناء، كان المشهد اليميني، الذي «تيتّم» بعد الاهتراء الذي أصاب الديمقراطيين المسيحيين بسبب فضائح الفساد المالي الضخمة والتواطؤ مع المافيا، يتشكّل من جديد حول شخص برلسكوني الذي كان يطلق الوعود البرّاقة، مستنداً إلى تجربته الناجحة في عالم المال والأعمال. وحقاً ترأس برلسكوني الحكومة في ولايات ثلاث متتالية، تفرّد خلالها بقيادة المعسكر اليميني الذي وجد فيه منقذاً من خطر استمرار اليسار في الحكم، ولا سيما بعدما مثله على رأس السلطة ماريانو برودي، الرئيس الأسبق للمفوضية الأوروبية.
ولكن بعد عشر سنوات على انطلاق التجربة البرلسكونية، بدأت تظهر عليها علامات الوهن، وأخذت تكشف عن عقم مضمونها، وعجزها عن الوفاء بالوعود التي حملتها، وصار واضحاً أن هدفها الرئيسي ليس سوى تحصين «الفارس» في وجه الملاحقات القضائية التي لا تُعد ولا تحصى، والتي انتهى بعضها بإدانته وتجريده لفترة من حقوقه السياسية والمدنية، وإلزامه بالقيام بخدمات اجتماعية، بدل عقوبة السجن التي نجا منها لتجاوزه الثمانين من العمر.

بروز سالفيني
هنا، وجد ماتّيو سالفيني، زعيم حزب «الرابطة» - «رابطة الشمال» سابقاً، فرصته الذهبية لملء الفراغ الذي كان قد بدأ يتسّع في دائرة برلسكوني العاجز عن تسمية وريث سياسي له. وبالفعل، أمسك سالفيني بزمام قيادة «الرابطة»، ذات القناعات الانفصالية أصلاً، بعدما انقلب أولاً على مؤسسها أومبرتو بوسّي، ثم على «راعيه» روبرتو ماروني، قبل أن ينزع عنها طابعها الانفصالي الذي قامت عليه. ومن هناك، يبدأ رحلته السريعة نحو أقصى اليمين، مدعوماً بزخم داخلي تولّد وتعاظم مع أزمة المهاجرين الذين كانوا يتدفقون بعشرات الآلاف على السواحل الإيطالية، ومستنداً إلى دعم دولي واسع من الحركات اليمينية.
عندما تسلّم سالفيني قيادة «الرابطة» لم تكن شعبيتها تتجاوز 6 في المائة من الناخبين، مقتصرة على مقاطعات الشمال التي كانت في البداية تطالب باستقلالها عن إيطاليا، إلا أن «الرابطة» احتلت المرتبة الثالثة بنسبة 16 في المائة في انتخابات العام الماضي، بعد حركة «النجوم الخمس» والحزب الديمقراطي، مُضاعفة النتيجة التي حصل عليها برلسكوني، ومرسّخة بذا صورتها كوريث طبيعي للرصيد السياسي اليميني في إيطاليا.
لم يكن في حسابات سالفيني الوصول يومذاك إلى الحكومة، بل كان يتأهب لمواصلة دوره التحريضي في المعارضة، بانتظار الموعد الانتخابي التالي لتكريس زعامته، وترسيخ شعبيته الصاعدة بقوة وسرعة، غير أن العداء المستحكم بين حركة «النجوم الخمس» والحزب الديمقراطي، الذي قضى منذ اللحظة الأولى على أي أمل في التقارب بينهما لتشكيل حكومة ائتلافية، رغم المحاولات المستميتة التي بذلها رئيس الجمهورية، والضغوط القوية التي مارستها أطراف داخلية وخارجية، فتح أمام سالفيني فرصة العمر للوصول إلى الحكم. وحقاً، تولى في الحكومة الائتلافية مع «النجوم الخمس» منصبي نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية. وهذا المنصب الأخير جعل منه سالفيني منبراً دائماً لحملاته المدروسة بعناية فائقة ضد المهاجرين والأجانب والمـؤسسات الأوروبية. وما هي إلا أشهر حتى أصبح هذا الزعيم اليميني المتطرف ذو الماضي اليساري «القبطان الأوحد» لسفينة الحكم، بينما كانت شعبيته تصعد بسرعة مع كل استطلاع، حتى دنت في الفترة الأخيرة من نسبة 40 في المائة. وهذه النسبة بموجب قانون الانتخاب الإيطالي تمكّنه من الحصول على الغالبية المطلقة في البرلمان، وتتيح له تشكيل حكومة من غير الاضطرار إلى الدخول في تحالفات مع القوى الأخرى.
وخلال تلك الفترة، ما عاد هناك من منازع لسالفيني على قمّة الهرم السياسي الإيطالي. وعليه، ترسّخ اليقين لدى الجميع بأن وصوله إلى رئاسة الحكومة لم يعد ينتظر سوى التوقيت المناسب الذي لن يحدّده أحد غيره. إلا أن أجواء «المبايعة» التي كانت تحيط بتحرّكات زعيم «الرابطة» راحت تكشف عن نشوة مُفرِطة في تصرّفاته، أبعدته عن الإصغاء إلى مشورة المقرّبين الذين راحوا يتذمّرون من تفرّده باتخاذ القرارات، ودفعت به إلى مرتبة مرتفعة من الغرور الذي بدأ ينذر باقتراب موعد الزلّات الفادحة والأخطاء المميتة.

القرار الانتحاري
في الخامس من أغسطس (آب) الماضي، كان سالفيني يمضي عطلته الصيفية على أحد الشواطئ الإيطالية، محاطاً بأنصاره، وبعيداً عن مستشاريه الأقربين، عندما قرّر وحده اتخاذ قرار كان أقرب ما يكون إلى الانتحار السياسي. يومذاك، أعلن على وسائل التواصل الاجتماعي أنه تقدّم بطلب لسحب الثقة من رئيس الحكومة، ودعا إلى إجراء انتخابات فوراً، كان يعرف أنه سيخرج منها ظافراً.
بيد أن هذا «الانتحار» الذي ارتكبه الرجل، والذي يوصف بأنه «أكبر إعصار سياسي في التاريخ الإيطالي الحديث»، ليس بالسهولة التي ظهر بها، ولا يمكن إرجاعه إلى مجرّد خطأ في الحسابات أو التقديرات السياسية. فمنذ أشهر، كان سالفيني يخشى من تهميشه نتيجة تفاهم بين شريكته في الحكم (حركة «النجوم الخمس») و«عدوه» اللدود الحزب الديمقراطي. وكانت مراكز ثقل الحكومة الإيطالية، بعد الانتخابات الأوروبية الأخيرة التي حققت فيها «الرابطة» انتصاراً مدويّاً، قد توزّعت على ثلاث جبهات: محور سالفيني، ومحور زعيم «النجوم الخمس» لويجي دي مايو، ومحور رئيس الوزراء كونتي مع وزير الخارجية إنزو موافيرو ميلانيزي ووزير الاقتصاد جيوفانّي تريّا ورئيس الجمهورية سيرجيو ماتّاريلّا.
ووفقاً لقيادي في الحزب الديمقراطي شارك في مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة، فإن المحور الثالث، القريب من الاتحاد الأوروبي، بدأ ينسج ما صار يُعرف باسم «عملية أورسولا» - تيمناً بالأحزاب الإيطالية التي صوتت لصالح الرئيسة الجديدة للمفوضية الأوروبية أورسولا فان در لايين - التي تهدف في نهايتها إلى قطع الطريق أمام سالفيني لمواصلة صعوده إلى رئاسة الحكومة.
ويقول العارفون إن سالفيني استشعر تلك المؤامرة، وبلغته معلومات محددة عن تفاصيلها، لكنه يدرك أن تفجير الأزمات الحكومية في إيطاليا تترتب عليه فاتورة لا بد من سدادها في صناديق الاقتراع. وخلال الأيام الأخيرة التي سبقت انفجار الأزمة، كان واضحاً أن ثمّة تحركات أوروبية لفرض حجر صحّي حول سالفيني، تمهيداً لمحاصرته وعزله. وفي تلك التحركات كان كونتي يلعب الدور المحوَري من داخل المؤسسات، مدعوماً من رئيس الجمهورية.
وفي موازاة ذلك، ظهرت في وسائل الإعلام الإيطالية معلومات موثّقة عن مفاوضات سرّية جرت بين «الرابطة» ومقرّبين من الكرملين للحصول على مساعدات مالية روسية لدعم وصول سالفيني إلى رئاسة الحكومة. وتزامن ظهور تلك المعلومات مع الفوز الساحق الذي حققته «الرابطة» في الانتخابات الأوروبية، وبعد ساعات من التصريحات التي أدلى بها سالفيني داعياً مرة أخرى، لكن من موقع الفائز هذه المرة، إلى رفع العقوبات الأوروبية عن موسكو.

محطة فسخ التحالف
فكرة فسخ الائتلاف الحاكم مع «النجوم الخمس» كانت تراود سالفيني منذ أشهر، إلا أنه كان حريصاً على التأكد من عدم وجود تفاهم بين الحركة والحزب الديمقراطي. ولذا اتصّل بالأمين العام للحزب الديمقراطي الذي أكد له أن الديمقراطيين يفضّلون الذهاب إلى الانتخابات في حال سقوط الحكومة، مستفيدين من التراجع الكبير في شعبية «النجوم الخمس» التي تنافسهم على القاعدة الشعبية نفسها.
وفي حينه، شعر سالفيني بشيء من الارتياح، وظن أن ساعة الصفر قد أزفت، لكنه لم يستشعر تلك التحركات التي كانت تمهّد لطعنه، والتي لا يتقنها أحد مثل السياسيين في إيطاليا.
وللعلم، كان ماتّيو رينزي، رئيس الوزراء الأسبق العدو التاريخي لحركة «النجوم الخمس»، الذي ما زال يسيطر على غالبية البرلمانيين في الحزب الديمقراطي، قد راح يكرّر تصريحاته الداعية إلى ما كان في حكم المستحيل قبل أسابيع: حكومة وحدة مع الحركة لتهميش سالفيني.
ومن ناحيته، كان بيبّي غريّو، مؤسس «النجوم الخمس»، يخطو في تصريحاته مقترباً من رينزي، بعد سنوات من الشتائم والعداوة، داعياً إلى «وقف زحف البرابرة»، وتشكيل تحالف مع الديمقراطيين، مدعوماً من رئيس الجمهورية ومن الفاتيكان. وبالمناسبة، كان كيل الفاتيكان قد طفح من انحرافات سالفيني في موضوع المهاجرين، واستخدامه الاستفزازي للرموز الدينية في حملاته الانتخابية.
ومن ثم، جاء المسمار الأخير في نعش طموحات سالفيني من حيث لم يكن يتوقّعه زعيم «الرابطة» الذي كان قد فتح كل الجبهات الممكنة مع الاتحاد الأوروبي. لقد جاءه من الولايات المتحدة، الحليف الأكبر لإيطاليا المؤثر في معظم قرارتها الاستراتيجية منذ قيام الجمهورية الأولى.
إذ يقول العارفون إن اللقاء الذي عقده سالفيني في 17 يونيو (حزيران) الماضي مع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، في واشنطن، انتهى بترسيخ الشكوك التي تساور الأميركيين بشأن زعيم «الرابطة»، وبالذات لجهة «انفتاحه» الواسع على موسكو، وتقاربه المُفرط مع الصين التي وقّعت معها إيطاليا اتفاقاً حول مشروع «طريق الحرير»، في تحدّ سافر للموقف المشترك الذي اعتمدته الدول الغربية والأطلسية من المبادرة الصينية.

«المؤامرة»
كانت «المؤامرة»، التي تحدّث عنها سالفيني بعد سقوطه المدوّي، وفشل محاولته الأخيرة للعودة إلى الائتلاف السابق، عندما عرض رئاسة الحكومة على لويجي دي مايّو، مقابل عدم التحالف مع الديمقراطيين، قد اكتملت فصولها في القمّة الأخيرة لمجموعة الدول الصناعية السبع في منتجع بياريتز الفرنسي.
في بياريتز، أقنع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره الأميركي دونالد ترمب بإعلان تأييده لاستمرار كونتي في رئاسة الحكومة الإيطالية، كما أكدت بعض وسائل الإعلام الأميركية. تلك كانت الزفرة الأخيرة للقبطان الذي خسر سفينته قبل نهاية الصيف على الشواطئ الإيطالية.

أبرز شخصيات حكومة كونتي الجديدة
> الحكومة الإيطالية الجديدة التي شكلها جيوزيبي كونتي بالأمس، بعد إخراج حزب «الرابطة» اليميني المتطرف من الائتلاف، ودخول الحزب الديمقراطي اليساري شريكاً في السلطة لحركة «النجوم الخمس»، تضم وزراء من الحركة والحزب وحركة «حر ومساوٍ» اليسارية، بجانب مستقلين، بينهم رئيس الوزراء كونتي نفسه. وفيما يلي أبرز الوزراء:
جيوزيبي كونتي (مستقل) رئيساً للحكومة
ريكاردو فاكارو (النجوم الخمس) أميناً لمجلس الوزراء
لوتشيانا لامورجيزي (مستقلة) وزيرة للداخلية
لويجي دي مايو (النجوم الخمس) وزيراً للخارجية
لورينزو غيريني (ديمقراطي) وزيراً للدفاع
روبرتو غوالتييري (ديمقراطي) وزيراً للمال والاقتصاد
ألفونسو بونافيدي (مستقل) وزيراً للعدل
ستيفانو باتوانيللي (النجوم الخمس) وزيراً للتنمية الاقتصادية
نونزيا كاتالفو (النجوم الخمس) وزيرة للعمل والسياسات الاجتماعية
باولا دي ميكيلي (ديمقراطية) وزيرة للبنى التحتية والنقل
تيريزا بيلانوفا (ديمقراطية) وزيرة للزراعة والغذاء والغابات
روبرتو سبيرانزا (حرّ ومساوٍ) وزيراً للصحة
لورينزو فيورامونتي (النجوم الخمس) وزيراً للتربية والجامعات والأبحاث
سيرجيو كوستا (النجوم الخمس) وزيراً للبيئة وحماية الأرض والبحر
داريو فرانشيسكيني (ديمقراطي) وزيراً للتراث والثقافة والسياحة



كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
TT

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)

شهدت الحدود اللبنانية - الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين تحوّلاً جذرياً في طبيعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله». فما أفرزته حرب يوليو (تموز) 2006 من «قواعد اشتباك» غير مكتوبة نجحت في ضبط إيقاع الصراع طوال نحو 17 سنةً، يبدو أنه انهار مع الحرب الأخيرة، التي أعادت رسم البيئة العملياتية على الجبهة الجنوبية، وفرضت معادلات جديدة تقوم على المنطقة العازلة، والسيطرة بالنار، والضربات الاستباقية، وحرية العمل العسكري الإسرائيلي. وبين حربين تفصل بينهما 20 سنة، لا تقتصر المقارنة على تطوّر الأسلحة أو تبدّل موازين القوى، بل تمتد إلى العقيدة العسكرية التي حكمت الصراع. ففي حين قامت قواعد ما بعد عام 2006 على الردع المتبادل ورفع كلفة الحرب على الطرفين، أفرزت «حرب 2026» نموذجاً مختلفاً، تسعى إسرائيل من خلاله إلى تعطيل قدرات «حزب الله» قبل استخدامها، مستفيدة من التفوّق الاستخباراتي والتكنولوجي، ومن الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة العسكرية.

لا يقتصر التحوّل في الوضع العسكري بين لبنان وإسرائيل على الأدوات العسكرية، بل يشمل أيضاً فلسفة إدارة الصراع؛ إذ بعدما كان الهدف الأساسي خلال السنوات التي أعقبت «حرب 2006» منع انزلاق الجبهة إلى مواجهة واسعة، أصبحت المواجهة اليوم تُدار وفق قواعد مختلفة تقوم على المبادرة والضربات الاستباقية، ومحاولة فرض الوقائع الميدانية قبل أن تتحول إلى تهديد.

قواعد 2006... كيف وُلدت؟

لفهم طبيعة التحول الذي شهدته الجبهة الجنوبية، يرى اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي أن العودة إلى حرب يوليو (تموز) 2006 وحدها لا تكفي؛ لأن جذور قواعد الاشتباك تعود إلى تفاهم أبريل (نيسان) 1996 الذي أعقب عملية «عناقيد الغضب». قال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» شارحاً إن «الاستهداف كان يقتصر على العسكريين، وإذا جرى استهداف المدنيين من أحد الطرفين كان يُقابَل باستهداف مماثل للمدنيين من الطرف الآخر».

وأردف أن هذه القواعد «تكرّست بصورة أوضح بعد حرب 2006؛ إذ أصبحت عمليات (حزب الله) العسكرية محصورة بالمناطق المحتلة، ولا سيما مزارع شبعا، بينما كان الرد على عمليات الاغتيال الإسرائيلية يجري غالباً ضمن هذا الإطار، بما يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة».

شحيتلي أوضح أيضاً «أن مرحلة ما بعد حرب 2006 لم تكن مرحلة سلام، بل مرحلة إدارة دقيقة للصراع. فالحزب التزم بما نص عليه القرار 1701 لناحية سحب أسلحته الثقيلة والصاروخية من جنوب الليطاني، فيما بدأ الطرفان، الإسرائيلي و(حزب الله)، مباشرة التحضير للمواجهة التالية».

وتابع: «إسرائيل كانت تتحضر للحرب المقبلة، وكذلك الحزب، وكان كل طرف يراقب تحركات الآخر. الإسرائيليون كانوا يتحدثون عن إنشاء تحصينات أو رصد أعمال ميدانية للحزب، فيما كان لبنان يعتبر أن كل ما يجري داخل أراضيه يدخل ضمن الإجراءات الدفاعية ولا يبرر أي تدخل إسرائيلي». ومن ثم «خلال تلك المرحلة، تشكلت منظومة ردع غير معلنة، قوامها أن أي تصعيد واسع سيقود إلى رد واسع، وهو ما أفرز معادلات مثل (بيروت مقابل تل أبيب) و«الضاحية مقابل حيفا). ولم تكن هذه المعادلات تعني تكافؤاً في القدرات العسكرية، بقدر ما كانت تعكس تكافؤاً في كلفة الحرب؛ إذ امتلك كل طرف القدرة على إلحاق أضرار يصعب على الطرف الآخر تحملها سياسياً وعسكرياً».

وهنا يلفت اللواء شحيتلي إلى أن «قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) لعبت خلال تلك المرحلة دوراً محورياً في منع التصعيد... وأي حادث ميداني، مهما كان محدوداً، كان يُعالج عبر قنوات الارتباط بين الجيش اللبناني و(اليونيفيل) والجيش الإسرائيلي، مع تدخلات أميركية حالت دون تحول الحوادث الموضعية إلى حرب واسعة». ويستطرد، من ثم، ليشير إلى أن هذه المنظومة بقيت تحكم الحدود لسنوات طويلة، إلى أن بدأت تتآكل تدريجياً مع تبدل البيئة الإقليمية والعسكرية، قبل أن تصل إلى نقطة الانهيار مع الحرب الأخيرة، التي لم تغيّر حجم العمليات العسكرية فقط، بل غيّرت أيضاً طبيعة قواعد الاشتباك التي استقرت منذ عام 2006.

لماذا انهارت قواعد الاشتباك التي كرّستها حرب 2006؟

إذا كانت قواعد الاشتباك التي أرستها حرب يوليو (تموز) 2006 قد نجحت في ضبط المواجهة على مدى سنوات طويلة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما الذي أدى إلى انهيارها؟

العميد الركن المتقاعد بهاء حلّال قال، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن الإجابة لا ترتبط بنتيجة الحرب الأخيرة وحدها، بل بمجموعة تحوّلات استراتيجية وعسكرية تراكمت تدريجياً، قبل أن تبلغ ذروتها مع الحرب التي أعقبت السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والتي أفرزت بيئة عملياتية تختلف جذرياً عن تلك التي سادت بعد عام 2006.

وبحسب حلّال: «حرب 2006 أفرزت منظومة ردع متبادل استندت إلى أربعة مرتكزات أساسية، هي: الردع المتبادل، ومعادلة بيروت مقابل تل أبيب، ومعادلة الضاحية مقابل حيفا، إضافة إلى احترام نسبي للقرار 1701 الذي أبقى الحدود البرية مستقرة نسبياً رغم الخروقات الجوية الإسرائيلية».

وأوضح أن «معادلة بيروت مقابل تل أبيب كرّست توازناً يقوم على أن أي استهداف واسع للعاصمة اللبنانية قد يقابله استهداف للعمق الإسرائيلي، بما فيه تل أبيب، فيما قامت معادلة الضاحية مقابل حيفا على أن أي تدمير واسع للضاحية الجنوبية سيُقابل باستهداف المدن الإسرائيلية الكبرى، وفي مقدمها حيفا، الأمر الذي رفع كلفة أي تصعيد وجعل الطرفين أكثر حذراً في استخدام القوة».

ثم شرح أن «إسرائيل كانت تمتلك التفوق الجوي والاستخباراتي، فيما امتلك (حزب الله) قدرة صاروخية قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي، ما جعل كلفة الحرب مرتفعة على الطرفين، ورسّخ معادلات ردع حالت دون اندلاع مواجهة واسعة لسنوات».

لبنان: 5 قواعد رئيسة تحكم البيئة العملياتية التي نشأت بعد الحرب الأخيرة

ووفق حلال، هذه المنظومة لم تسقط بفعل عامل واحد، بل نتيجة «خمسة متغيرات استراتيجية رئيسة، هي: تغير البيئة الإقليمية بعد هجوم السابع من أكتوبر، ودخول الجبهة اللبنانية في حرب استنزاف طويلة، واتساع استخدام المسيّرات الدقيقة، والتطوّر غير المسبوق في القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية، إضافة إلى تراجع فاعلية الردع التقليدي مع استمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة».

واستطرد مشدداً على أن «هذه المتغيرات لم تبدّل شكل العمليات العسكرية فقط، بل غيّرت أيضاً فلسفة إدارة الصراع. فبدلاً من أن يكون الردع المتبادل هو الآلية الأساسية لمنع الحرب، أصبحت الأولوية لدى إسرائيل تتمثّل في منع تشكل التهديد أصلاً، من خلال المراقبة المستمرة، والاستهداف المسبق، وحرمان الخصم من إعادة بناء قدراته».

وهنا حدّد حلّال خمس قواعد رئيسة تحكم البيئة العملياتية التي نشأت بعد الحرب الأخيرة؛ إذ قال إن «القاعدة الأولى تتمثل في إنشاء منطقة عازلة بالنار، بحيث لم تعد إسرائيل تعتمد فقط على وجود قواتها على الحدود، بل على الاستطلاع الدائم والمسيّرات والضربات الجوية والاغتيالات لمنع إعادة بناء البنية العسكرية، وهكذا أصبحت المنطقة العازلة منطقة نارية أكثر منها منطقة احتلال».

أما القاعدة الثانية، وفق حلاّل، فهي «توسيع حرية العمل الإسرائيلي داخل لبنان بهدف منع تراكم القدرات العسكرية قبل استخدامها... أي الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي».

وأما القاعدة الثالثة «فتقوم على السيطرة بالنار عبر الاستطلاع المستمر ثم اكتشاف الأهداف واستهدافها فوراً، بما يعني الانتقال من الردع إلى الهيمنة العملياتية بالنار». ثم استأنف كلامه ليقول إن «القاعدة الرابعة تقوم على الضربات الاستباقية؛ إذ لم يعد العمل العسكري ينتظر وقوع التهديد، بل أصبح التهديد المحتمل مبرراً كافياً لتنفيذ الضربة. وأخيراً... تتمثل القاعدة الخامسة في اعتماد ردود موضعية وتكتيكية محدودة واحتواء سريع للتصعيد، بدلاً من الردود الاستراتيجية الواسعة التي كانت سائدة بعد حرب 2006».وهكذا، يعتبر حلّال أن التحول العملياتي الأبرز يتمثل في انتقال مركز الثقل «من توازن القوة إلى توازن المعلومات، حيث أصبحت الاستخبارات وسرعة كشف الأهداف العامل الحاسم، كما انتقلت المبادرة العملياتية بدرجة أكبر إلى الطرف القادر على فرض إيقاع الاشتباك من خلال الضربات الاستباقية والسيطرة على المجال الجوي»، ويؤكد أن «الردع لم يعد قائماً فقط على التهديد بتدمير المدن، بل بات يعتمد بصورة متزايدة على تعطيل القدرات العسكرية للطرف المقابل قبل استخدامها، وهو ما يقترب من مفهوم الردع بالحرمان إلى جانب الردع بالعقاب».

ومن هنا، فإن الفارق الجوهري، بحسب العميد والمحلل العسكري اللبناني، بين مرحلتي 2006 و2026، يتمثل في أن قواعد الاشتباك السابقة كانت تهدف إلى منع الحرب عبر رفع كلفتها على الطرفين، بينما تقوم القواعد الحالية على إدارة التصعيد بصورة مستمرة، وفرض السيطرة بالنار، والمحافظة على حرية العمل العسكري، مع السعي إلى منع الخصم من استعادة قدراته قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي.

من الردع المتبادل إلى قواعد جديدة

في صعيد موازٍ، إذا كان انهيار قواعد الاشتباك التي كرستها حرب يوليو 2006 يفسّر التحوّل الذي شهدته الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما القواعد التي تحكم المواجهة اليوم؟

عن هذا السؤال، أجاب العميد الركن المتقاعد فادي داود بـ«أن الحرب الأخيرة لم تبدّل قواعد الاشتباك فحسب، بل غيّرت طبيعة الحرب نفسها، بعدما انتقلت إسرائيل من سياسة تقوم على الردع المتبادل إلى استراتيجية تهدف إلى فرض قواعدها الميدانية مستندة إلى تفوقها العسكري والتكنولوجي».

وأضاف داود في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «قواعد الاشتباك التي سادت بين إسرائيل و(حزب الله) بعد حرب يوليو 2006 لم تعد قائمة... والمواجهة دخلت عام 2026 مرحلة مختلفة كلياً، تقوم على تفوّق عسكري إسرائيلي يسمح بفرض قواعد ميدانية جديدة، بعدما كانت العلاقة سابقاً تستند إلى ردع متبادل يفرض قيوداً على الطرفين». وتابع أن معادلة عام 2006 كانت تقوم على مبدأ «بيروت مقابل تل أبيب»، بحيث كان أي استهداف إسرائيلي للبنان يقابله استهداف من «حزب الله» للعمق الإسرائيلي، ما أوجد مستوى من الردع المتبادل؛ إذ امتلك الحزب منظومة صاروخية قادرة على تهديد شمال إسرائيل، فيما كانت إسرائيل تتردد في تنفيذ اجتياحات برية واسعة خشية الاستنزاف والخسائر. غير أن هذه المعادلة تبدلت جذرياً؛ إذ لم تعد قواعد اللعبة قائمة على تفاهم غير مباشر بين طرفين يمتلك كل منهما القدرة على إيلام الآخر، «بل باتت إسرائيل تفرض قواعد الاشتباك مستندة إلى تفوقها العسكري الكاسح، في حين يسعى الطرف المقابل إلى تجنب الانهيار الكامل والمحافظة على ما تبقى من قدراته».

تحولات رئيسة

وبالنسبة للتحوّلات، فثمة خمسة تحولات، حسب رأي داود، هي:

1 - الانتقال من الردع المتبادل إلى السيطرة بالنار؛ إذ إن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى احتلال المناطق ميدانياً لإخضاعها، بل تعتمد بصورة متزايدة على القوة النارية، ولا سيما سلاح الجو، لتدمير المواقع وفرض السيطرة عليها من دون وجود بري دائم.

2 - انتهاء مرحلة اللاحرب واللاسلم التي استمرت سنوات بعد حرب 2006، لتحل محلها مرحلة تقوم على الضربات الاستباقية في العمق، بحيث أصبحت إسرائيل تعتمد سياسة المبادرة العسكرية المستمرة بدلاً من الاكتفاء بالرد على الهجمات، وتسعى إلى تعطيل مصادر التهديد قبل أن تتحول إلى خطر مباشر.

3 - الانتقال من المواجهة التقليدية المتكافئة نسبياً إلى الحرب غير المتماثلة... ذلك أن الاشتباكات في السابق كانت تقوم على عمليات خاصة متبادلة، سواء عبر تسلل مجموعات أو تنفيذ عمليات محدودة على جانبي الحدود، أما اليوم فقد تغيرت طبيعة القتال، وباتت الطائرات المسيّرة، والقدرات التكنولوجية، والضربات الدقيقة، تشكل أدوات المواجهة الرئيسة، بما يعكس انتقال الحرب إلى نمط مختلف تحكمه التكنولوجيا أكثر مما تحكمه الكثافة العددية للقوات.

4 - تبدّل مفهوم الردع لدى «حزب الله»؛ إذ انتقل من الردع المسبق الذي كان يقوم على التهديد برد فوري يمنع إسرائيل من الإقدام على الهجوم، إلى ردع استنزافي مؤجل، حيث لم يعد الرد المباشر والفوري هو القاعدة، بل بات يعتمد على استنزاف الخصم مع مرور الوقت، بدلاً من الرد العسكري المتزامن مع الضربة الإسرائيلية.

5 - تغيّر مفهوم وقف إطلاق النار نفسه. فبعد حرب 2006 كان وقف النار يعني عملياً توقف العمليات العسكرية، أما اليوم فأصبح وقف إطلاق النار إطاراً سياسياً أكثر منه واقعاً ميدانياً؛ إذ تستمر العمليات العسكرية والضربات الإسرائيلية رغم وجود تفاهمات أو اتفاقات سياسية، وهو ما يعكس اختلافاً جذرياً في طبيعة إدارة الصراع مقارنة بما كان سائداً بعد عام 2006».

ختاماً، بحسب داود، «هذه التحولات مجتمعة تعكس انتقالاً من مرحلة كانت تقوم على توازن الردع وفرض القيود المتبادلة، إلى مرحلة باتت إسرائيل فيها تسعى إلى فرض قواعدها العملياتية عبر السيطرة بالنار، والضربات الاستباقية، والتفوّق في مجالات الاستخبارات والاستطلاع، بما يجعل إدارة الصراع مختلفة جذرياً عن تلك التي عرفتها الجبهة اللبنانية طوال السنوات التي أعقبت حرب يوليو 2006».


جيمس تالاريكو... يأمل في إنهاء إبعاد «ديمقراطيي» تكساس عن مجلس الشيوخ

جيمس تالاريكو
جيمس تالاريكو
TT

جيمس تالاريكو... يأمل في إنهاء إبعاد «ديمقراطيي» تكساس عن مجلس الشيوخ

جيمس تالاريكو
جيمس تالاريكو

في ولاية تكساس الأميركية، حيث يمكن لصورة السياسي وهو يأكل اللحم المشوي أن تصبح بياناً انتخابياً، وجد جيمس تالاريكو نفسه مضطراً إلى تأكيد أنه ليس نباتياً. إذ قال ساخراً في تجمع بمدينة سان أنطونيو إن الجمهوريين وصفوه بأشياء كثيرة، «حتى إنهم قالوا إنني نباتي، وهذه كلمات قتال في تكساس». لم تكن النكتة تفصيلاً عابراً؛ فالمرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ يواجه حملة تتهمه بالضعف و«قلة الرجولة»، وتلاحق جسده وحالته الاجتماعية وعقيدته قبل برنامجه. إلا أنه لا يرد بأسلوب راعي البقر الذي يريد خصومه جرّه إليه، بل بحكاية أبيه الذي كان يجزّ عشب جارته الأرملة من دون طلب منها، ليقول إن «العظمة ليست في الإخضاع والإهانة، بل في خدمة الآخرين». هذه المواجهة تختصر الرهان كله.

يسعى جيمس تالاريكو، النائب المحلي البالغ 37 سنة والمدرّس السابق وطالب اللاهوت المشيخي، لينتزع تعريفات الرجولة والإيمان والشعبوية من حركة «ماغا» الجمهورية المتشددة يميناً، ويعيد تقديم الديمقراطيين حزباً للعمل والأسرة لا حزباً للمواعظ الثقافية.

والواقع، أنه إذا نجح تالاريكو في إلحاق الهزيمة بمنافسه المدعي العام الجمهوري كين باكستون، سيصبح أول ديمقراطي تنتخبه تكساس لمجلس الشيوخ منذ لويد بنتسن - الوزير السابق - عام 1988، وسيقلب تحديداً مقعداً ظلّ جمهورياً منذ فوز جون تاور التاريخي عام 1961. ولكن، على الرغم من ذلك، فإن عليه أن يثبت أن القصص التي صنعت نجوميته كفيلة بتحريك ولاية أعطت الرئيس دونالد ترمب تقدّماً بنحو 14 نقطة عام 2024.

سيرة تُروى كعظة

يقدم تالاريكو نفسه بصفته «تكساسياً من الجيل الثامن»، بيد مركز قصته ليس نسباً عريقاً، بل غرفة متواضعة في فندق. فوفق روايته الانتخابية، غادرت أمه، وهي ابنة واعظ من مدينة لاريدو، أباه المدمن والعنيف عندما كان جيمس رضيعاً، وانتقلت به إلى الفندق الذي كانت تعمل فيه.

يومذاك، لم يكن في شقتهما مكان لغرفة طفل، فوضعت سريره في خزانة وزيّنتها بالصور والألعاب.

هذه الحكاية تمنحه لغة سياسية عن الحب الذي «لا يتسامح مع الإساءة»، وتربط حديثه عن الأجر والسكن والرعاية الصحية بخبرة عائلية لا ببيانات مستشارين.

درس تالاريكو العلوم السياسية في جامعة تكساس - أوستن، ثم نال شهادة الماجستير في سياسات التعليم من جامعة هارفارد، وبينهما درّس اللغة لطلاب الصف السادس في حي مكسيكي - أميركي فقير بسان أنطونيو.

عام 2018 طرق متطوِّعو حملته الانتخابية 95 ألف باب، وسار هو على امتداد دائرته، وقلب مقعداً كان ترمب قد فاز به قبل سنتين بنحو ألفي صوت، ليصبح أصغر أعضاء مجلس نواب تكساس. ولكن أثناء ذلك المشي، أصابه دوار قاده إلى المستشفى وإلى تشخيص إصابته بالسكري؛ وبعد انتخابه شارك في تمرير قانون خصص سقفاً مقداره 25 دولاراً للمدفوعات الشخصية للإنسولين.

هنا تتصل الإصابة الشخصية مباشرة بفكرته عن السياسة: تحويل جرح فردي إلى قانون.

لم يكن تالاريكو مجرد خطيب معارض داخل مجلس يهيمن عليه الجمهوريون. إذ عمل معهم لتمرير تشريعات تتصل بالمدارس والأدوية ورعاية الأطفال والإسكان، واشتهر في الوقت نفسه باستجواب أصحاب مشاريع عرض «الوصايا العشر» في الصفوف وحظر كتب المكتبات.

وبعد انسحاب ديمقراطيي الولاية إلى واشنطن عام 2021 لمنع سَن قانون انتخابي، عاد خائباً من عجز قيادة الحزب الوطنية عن إقرار حماية اتحادية للتصويت. وسقط ذات ليلة على درج نصب لنكولن وكسر إبهامه، ثم قرّر، كما روى لصحيفة الـ«نيويوركر»، أن يدخل مدرسة لاهوت كي يوازن إغراء القوة ببوصلة أخلاقية.

يسار... ولكن بلكنة تكساسية

الدين عند جيمس تالاريكو ليس زينة انتخابية ولا محاولة خجولة لمجاراة اليمين الإنجيلي، بل هو الوعاء الذي يضع فيه مشروعاً تقدّمياً. ثم إنه يصف «القومية المسيحية» بأنها تحويل للمسيح إلى أداة سلطة، ويقول إن الإيمان يقوده إلى ديمقراطية متعددة الأعراق والأديان. وحقاً، جعلته مقاطع مواجهاته في المجلس ووعظه ضد توظيف الدين، نجماً رقمياً يتابعه الملايين، وقادته إلى برنامج جو روغان، مقدم «البودكاست» المحافظ الشهير، الذي بقي في الربع الثاني من 2026 الأكثر استماعاً أسبوعياً في الولايات المتحدة. وللعلم، قال له روغان في نهاية حواره الطويل: «عليك أن تترشح للرئاسة».

لكن «الواعظ التقدمي» سياسي عملي أيضاً. وجوهر رسالته أن الانقسام الحقيقي ليس بين اليسار واليمين، بل بين القمة والقاع. ويضيف: «المليارديرات يريدون أن ينشغل الناس ببعضهم كي لا ينظروا إليهم».

ثم إن تالاريكو يعرض برنامجاً تفصيلياً لزيادة ضرائب الأثرياء والشركات، ورفع الحد الأدنى الاتحادي للأجور إلى 15 دولاراً، ومنع شركات وول ستريت من شراء المنازل والتلاعب بالإيجارات، ويعمل لخفض تكلفة الدواء، وإلغاء رسوم ترمب الجمركية. كذلك، يرفض أموال «لجان العمل السياسي» (اللوبيات) المرتبطة بالشركات، ويعِد بحزمة لمكافحة الفساد وحظر تداول أعضاء الكونغرس للأسهم وإعادة رسم الدوائر بواسطة لجان مستقلة.

وحتى الحدود، التي يعدّها ترمب والجمهوريون إحدى أهم القضايا لاستقطاب الناخبين، يصوغها تالاريكو باستعارة تكساسية؛ إذ يقول: «يجب أن تكون شرفة أمامية عليها بساط ترحيب وقفل في الباب»، مع تشديد التصدي للعصابات والمهرّبين، مع اتباع مسارات قانونية للمهاجرين وتسوية أوضاع المقيمين منذ زمن.

الدين عند تالاريكو ليس زينة انتخابية ولا محاولة خجولة لمجاراة

اليمين الإنجيلي... بل هو الوعاء الذي يضع فيه مشروعاً تقدّمياً

ضد الانعزال والحروب

وفي السياسة الخارجية يرفض تالاريكو الانعزال والحروب غير الضرورية، ويدعم الدفاع عن أوكرانيا، ويقرّ «بحق إسرائيل في حماية شعبها»، لكنه يرفض قصف المدنيين والتجويع والعقاب الجماعي في غزة واستخدام المال الأميركي لإيذائهم. بذا يحاول الإجابة عن أزمة الحزب الديمقراطي... ليس بالهروب من الدين والحدود والأمن، بل بإعادة تعريف هذه القضايا أخلاقياً واقتصادياً.

في المقابل، نقطة ضعفه أن اللغة التي تمنحه التميز قد تبدو أكاديمية أو متكلفة، حسب «بوليتيكو». فقد اعترف بأن قوله عام 2021 إن «الله غير ثنائي» كان استفزازياً و«محرجاً»، موضحاً أن قصده أن الله يتجاوز التصنيفات البشرية. والحال، أن بعض خطاباته المحفوظة بإتقان تبدو مصنوعة، كما أن وعده «بشفاء» الاستقطاب يمكن أن يصطدم بعصر يكافئ الغضب أكثر مما يكافئ المصالحة.

«الرجولة» ساحة قتال

باكستون والجمهوريون يرون في هذه الثغرة مدخلاً واسعاً، فيسمونه «توفو تالاريكو» و«لو-تي تالاريكو»، في إشارة سلبية إلى رجولته، ويستحضرون قوله عن جنس الله ودفاعه السابق عن حقوق المتحوّلين. ويلمّحون إلى أن نحول جسمه وبقاءه عازباً «دليلان» على الضعف، في حين روّج بعض أنصارهم ادعاءات كاذبة بأنه مثلي أو متحوّل. وأنتجت لجنة محافظة شريطاً بالذكاء الاصطناعي يصوّره في هيئة جولي أندروز، بطلة فيلم «صوت الموسيقى»، وهي تغني عن إعطاء الهرمونات للأطفال، مع أن حملته تؤكد أنه يعارض رعاية تأكيد النوع للقاصرين.

بالطبع، الهدف أكبر من السخرية الشخصية. فقد انتقل شبان لاتينيون وسود إلى اليمين بانتخابات 2024، وبات كثير منهم يربط الجمهوريين بالاستقلال المالي وتكوين الأسرة، والديمقراطيين بصراعات الهوية. وأظهر استطلاع لمركز «ثيرد واي» (الطريق الثالث) أن 49 في المائة من الرجال يرون تالاريكو يسارياً جداً. وفي تكساس، حيث للرجل القوي مكانة ثقافية خاصة، يريد الجمهوريون تحويل الانتخاب من استفتاء على فساد باكستون وتكلفة المعيشة إلى اختبار لهوية تالاريكو.

لكن رد الأخير لم يكن التجاهل. فقد بات يأكل الشواء أمام الكاميرات، وقدّم رسائل معلنة خلال مباريات كأس العالم ونهائيات كرة السلة، وهو يسعى إلى تكرار ظهوره الناجح مع روغان، ويتحدى باكستون إلى مناظرات متلفزة «رجلاً لرجل». وحين سماه خصمه «تالافريكو»، فإنه طبع اللقب على قمصان وباعها. لكنه يرفض أن يقلد استعراض ترمب؛ فتعريفه لـ«الرجل الحقيقي» هو من يكون صادقاً ويحمي أسرته ويخدم جيرانه، أما الضعيف فهو من يخدم نفسه.

باكستون... أفضل فرصة وأخطر فخ

من جهة ثانية، لم يختر الديمقراطيون خصم تالاريكو، لكنهم حصلوا على المرشح الذي تمنّونه. فقد أطاح باكستون السيناتور المخضرم جون كورنين في جولة الإعادة الجمهورية بنسبة تقارب 64 في المائة، بعد تأييد متأخر من ترمب، في انتصار لجناح يعتبر القتال ضد اليسار أهم من التسويات. غير أن الرجل الذي يقدم نفسه «محارباً محافظاً» يحمل سجلاً ثقيلاً: أحاله مجلس نواب تكساس ذو الغالبية الجمهورية عام 2023 إلى محاكمة برلمانية باتهامات إساءة المنصب والرشوة، قبل أن يبرئه مجلس الشيوخ؛ وأُسقطت اتهامات احتيال بالأوراق المالية بعد اتفاق تضمن نحو 300 ألف دولار تعويضاً من دون إقرار بالذنب، كما امتنع القضاء الاتحادي عن توجيه اتهامات إليه. ثم طلبت زوجته الطلاق «لأسباب إنجيلية».

وبالفعل، أثبت باكستون ثلاث مرات أنه قادر على الفوز على مستوى الولاية رغم الفضائح، وأن أنصاره يرون التحقيقات دليلاً على أنه مقاتل مضطهد لا سبباً لإسقاطه. وهذه هي خطورة بناء حملة تالاريكو كلها على فساد الخصم. لكن الفارق هذه المرة هو المال والبيئة الوطنية. فقد أفادت صحيفة «تكساس تريبيون» بأن حملة تالاريكو جمعت منذ مطلع 2025 نحو 72 مليون دولار، مقابل 16.8 مليون لباكستون، وأنها أنهت يونيو (حزيران) بأكثر من ثلاثة أضعاف سيولته.

مع ذلك، تمنح الاستطلاعات تالاريكو أملاً... لا ضماناً. ولقد وضعه مسح «تكساس بابليك أوبينيون ريسيرتش» في يوليو (تموز) متقدماً 45 إلى 40 في المائة، ومسح جامعة تكساس الجنوبية المنشور في 4 أغسطس (آب) متقدماً 47 إلى 45، وكلا الفارقين ضمن هامش الخطأ أو قريب منه.

كذلك، ما زالت النشرة السياسية المستقلة «كوك بوليتيكال ريبورت»، المتخصصة في تحليل الانتخابات، تصنّف السباق بأنه «يميل للجمهوريين». فالاستطلاع كان محطة وجاء بعد إنفاق تالاريكو التلفزيوني الكبير وقبل اكتمال اتحاد الجمهوريين، وليس إلغاءً لثلاثة عقود من الهزائم الديمقراطية.

مرشح أمام أزمة حزبين

كما سبق، اختار الناخبون الجمهوريون باكستون، المدعوم من ترمب، على حساب كورنين الذي عدّته قيادات في الحزب أكثر قدرة على خوض الانتخابات العامة، في حين ركزت حملة باكستون على قضايا النوع الاجتماعي بالتزامن مع تصاعد قلق الناخبين من أسعار الطاقة وتداعيات الحرب مع إيران.

ولكن استطلاع «رويترز/إبسوس» مطلع أغسطس بيّن تراجع شعبية ترمب إلى 35 في المائة، وتقدم الديمقراطيين للمرة الأولى منذ نحو عقد بنقطة واحدة فقط في الثقة بإدارة الاقتصاد؛ أي أن أفضلية الجمهوريين تآكلت، لا أن الناخب اقتنع تماماً بالبديل.

في أي حال، الديمقراطيون أكثر شعبية في الصحة والتعليم والإجهاض، لكنهم فقدوا لغة الرجال والطبقة العاملة، وضعفت قاعدتهم الريفية، وما عادوا ضامنين ولاء ناخبيهم السود. إذ هزم تالاريكو، منافسته جاسمين كروكيت في تمهيدية مشحونة عرقياً، ويدعي 77 في المائة من الناخبين السود في تكساس أن الحزب يأخذهم أمراً مسلماً به، وإن كان استطلاع حديث قد وجد أن 79 في المائة منهم معه مقابل 12 لباكستون.ختاماً، الديمقراطيون يحتاجون إلى كسب أربعة مقاعد صافية لاستعادة مجلس الشيوخ؛ وتكساس يمكن أن تكون طريقاً إلى الغالبية، لكنها قبل ذلك اختبار لما إذا كان تالاريكو قصة وطنية جميلة أم بداية اصطفاف سياسي جديد.


كيف تحولت تكساس جمهورية... وأين تتركز قوة الحزبين؟

السناتور جون تاور (غيتي)
السناتور جون تاور (غيتي)
TT

كيف تحولت تكساس جمهورية... وأين تتركز قوة الحزبين؟

السناتور جون تاور (غيتي)
السناتور جون تاور (غيتي)

كانت تكساس في الماضي، مثل معظم الجنوب، معقلاً حصيناً للحزب الديمقراطي. وفي حينه جمع الحزب محافظين وليبراليين تحت سقف واحد.

لكن الانشقاق الحديث بدأ عام 1961، عندما فاز الجمهوري جون تاور في انتخابات خاصة لمجلس الشيوخ، أول جمهوري تنتخبه الولاية على مستوى عام منذ حقبة إعادة الإعمار. ومع انتقال البيض المحافظين والإنجيليين وأصحاب الأعمال تدريجياً إلى الجمهوريين، وتسارع الاستقطاب حول الحقوق المدنية والضرائب والطاقة، حافظت تكساس لمدة ثلاثة عقود على سيناتور من كل حزب، قبل أن يكتمل التحوّل.

لويد بنتسن كان آخر ديمقراطي ينتخب لمجلس الشيوخ عام 1988، وكان بوب كروغر آخر ديمقراطي يشغل مقعداً فيه بالتعيين خمسة أشهر عام 1993. كذلك فاز ديمقراطيون بمناصب الولاية للمرة الأخيرة عام 1994، ثم اكتسح الجمهوريون المناصب التنفيذية في 1998. ومنذ ذلك الحين عزّزت قبضتهم الضواحي المحافظة، وصناعة النفط والغاز، والكنائس الإنجيلية، والريف الشاسع في شرق وغرب وشمال تكساس. ولا تزال المقاطعات الريفية تمنحهم هوامش قد تتجاوز 70 نقطة، فيما أظهرت دراسة أكاديمية أن أكثر من ربع المقاطعات الريفية كان بلا رئيس محلي ديمقراطي عام 2022، مقابل وجود رئيس محلي جمهوري في كل منها.

السناتور لويد بنتسن (وزارة الخزانة الأميركية)

قوة الديمقراطيين تتركّز في قلب المدن الكبرى: مقاطعة هاريس حول هيوستن، ودالاس، وترافيس حول أوستن عاصمة الولاية، وبيكسار حول سان أنطونيو، وإل باسو، إضافة إلى هايز وبعض الضواحي المتنوعة مثل فورت بيند. لكن الفوز بهذه الجزر لا يكفي إذا لم يرفعوا المشاركة ويقلّصوا خسائر الضواحي والريف.

عام 2024، فاز ترمب بالولاية بنحو 14 نقطة، واستعاد مقاطعة تارانت، وتقدم بقوة في وادي ريو غراندي؛ حتى مقاطعة ستار على الحدود مع المكسيك ذات الغالبية اللاتينية الساحقة صوتت جمهورياً للمرة الأولى منذ أكثر من قرن.

لذا، ليست تكساس «زرقاء مؤجلة» بفعل الديموغرافيا وحدها. إنها ولاية شابة ومتنوعة ومنخفضة المشاركة، لكن اللاتينيين والآسيويين والوافدين لا يصوّتون ككتلة واحدة. لهذا فطريق تالاريكو يمرّ بهوامش ضخمة في المدن، واستعادة اللاتينيين في الجنوب، واجتذاب المستقلين في الضواحي، وتقليص الانهيار الريفي. وتلك عملية تنظيمية، لا معجزة حسابية.